أرشيف الوسم: طه عبدالرحمن

مفهوم الاستقلالية الفلسفي عند المفكر طه عبدالرحمن

مثلما أن الفلسفة بدأت بالدهشة وبطرح السؤال فكذلك مشروع (طه عبد الرحمن) الداعي إلى الاستقلال والإبداع الفلسفيين للأمة العربية والاسلامية بدأ بسؤال هو الآخر، سؤال طرحه (طه) بعد هزيمة الجيوش العربية 1967 بالشكل التالي: “أي عقل هذا الذي هزمنا ونحن أمة كثيرة بعددها، راسخة في تاريخها؟”[1] مما جعله يترك إلهامه الشعري نحو رسالته التي سيمضي مشواره الأكاديمي الزاخر في تأسيس مبادئها وأسسها ليتبعه جيل من الأكاديميين والمفكرين كتلاميذ وكمكملين لمنهجه المعرفي.

بالنسبة لـ(طه عبد الرحمن) فإن العقل الذي هزم المسلمين لم يكن عقلاً جباراً ولم يكن يحمل في آلياته المعرفية والمنطقية ما يؤهله للانتصار، بل بالعكس فقد كان عقلاً محدوداً وتلك المحدودية ناتجة من كون المنطقيات والعقليات نفسها التي تسيّر نمط تفكيره، والتي تخصص فيها (طه عبد الرحمن) دراسة وتدريساً، محدودة هي الأخرى، وكان بإمكان الأمة الاسلامية أن تقدّم عقلاً أوسع وأكثر انفتاحاً من العقل الذي هزمها لكنها لم تتحمل مسؤوليتها التاريخية والدينية.

فقد ظلت طيلة تاريخها منبهرة بهذا النظام المسمى فلسفة، لذا لم تستطع أن تقدّم فيه إلا تقليداً وتبعيةً سواء قديماً أو حديثاً، وإن كان المتقدمون يُعذرون في كون الفلسفة قد أتتهم على شكل علوم وفكر، وإن كانوا أبدعوا وطوّروا في الأول واكتفوا بالتقليد في الثاني، إلا أن المتأخرين لا يوجد لديهم عذر في الاستمرار بالتقليد والتبعية للغرب، فهذا الانبهار لم يمكنهم من الإبداع فيه بل يكاد يكون قاتلاً للإبداع الفلسفي وآن أوان إحيائه. ولا خيار أمام العرب الآن إلا أن يبدعوا فلسفة خاصة بهم تطرح أسئلتهم الخاصة، وتجيب أجوبتهم الخاصة، لذا فإن ردأ آفتيْ التقليد والتبعية والدعوة إلى الاستقلال والإبداع هما همّ المشروع الطهائي في كل كتبه ودراساته وأهمها مشروعه التأسيسي العظيم: فقه الفلسفة الذي صدر منه حتى الآن جزآن وبقيت منه ثلاثة أخرى.

ويقوم مشروع فقه الفلسفة على مجموعة أفكار أهمها محاولة اكساب العرب القدرة على الإنتاج الفلسفي والمستقل من خلال تجاوز الجمود الذي أصاب النصوص الفلسفية العربية المنقولة والمقلّدة، والتعامل مع القول الفلسفي على أنه قول خطابي موضوعي محكوم بواسطة قوانين معروفة، مثله مثل أي ظاهرة لغوية أخرى وبالتالي فإن المعاملة هنا تتخذ صيغة علمية صريحة، والصيغة العلمية تستدعي وجود علم خاص بالكشف على العلل المختلفة التي أدت إلى ظهور هذه الأغراض الفلسفية أو بتعبير أدق المقاصد الفلسفية، ففقه الفلسفة هو علم يعتمد موضوعه على أدوات وآليات إنتاج الفلسفة قولاً وفعلاً، ومنهجه يعتمد على مناهج ودراسات علوم الآلة من بلاغة ومنطق وحجاج وغيرها.. بالاضافة إلى فقه الفلسفة فإن المشروع الطهوي يرتكز على عدة مقوّمات أخرى منها منهجه التكاملي في الدراسات التراثية ودعوته للإبداع الفلسفي انطلاقاً من المجال التداولي العربي والاسلامي. ولعل كتاباه المعنوان بالحق العربي في الاختلاف الفلسفي[2] والحق الاسلامي في الاختلاف الفكري[2] من أهم ما كتب في مشواره بسبيل خلق فلسفة عربية مبدعة لا مقلّدة ولا تابعة.


الحق العربي في الاختلاف الفلسفي

لكي تستقل أمّة بإجابتها الخاصة ينبغي أن تستقل وتبدع في سؤالها الخاص، فقد كان السؤال اليوناني القديم  سؤالاُ فاحصاُ والسؤال الأوربي الحديث سؤالاً نقدياً وقد آن أوان تجاوز هذين الشكلين بشكل أحدث والذي سمّاه طه عبد الرحمن بـ“السؤال المسؤول” أي “سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه”[2] فالفيلسوف يسأل لأنه مسؤول عن كل أشكال أفعاله ومسؤول عن سؤاله نفسه فالمسؤولية هي التي تجعل من الواجب عليه أن يسأل عن ما يحيط به في الحياة والوجود من مخاطر تحدق به وبأمته، فهو بحسب (طه) يَسأل لأنه يُسأل، وبالتالي فينبغي أن يكون الأصل في الفلسفة هو المسؤولية لا السؤال بذاته، فالأولى تعطيه بعداً أخلاقياً ضرورياً فبنالسبة لطه فلا وجود لتفلسف بدون تخلّق، وتلك من أهم مسلمات مشروعه الفكري.

وما دامت الفلسفة أخلاقاً فلا ينبغي للفيلسوف العربي أن يجيب على كل سؤال يُطرح ولا أن يسأل أي سؤال من أجل التقليد فقط، بل إنه لا يجب عليه أن يسأل إلا السؤال الذي يلزمه وضعه ويلزمه الجواب عنه انطلاقاً من مجاله الثقافي والقومي، من هنا فإن من حق كل قوم أن يتفلسفوا انطلاقا من حاجياتهم ومقتضياتهم الثقافية الخاصة مع الاعتراف لغيرهم بممارسة نفس الحق مما يخلق تنوعاً فلسفياً لا تقليد ولا اتباع فيه لنمط واحد مهيمن، وكل ثقافة تدعو لنمط واحد مهيمن ماهي إلا ثقافة مستبدة أشبه هي بالعقيدة المتسلطة منها بفلسفة حرة، فلا وجود لمطلق في الفلسفة، حتى ولو كان العقل نفسه، فحق الاختلاف الثقافي والاختلاف الفلسفي ينبغي أن يتم الاقرار به لكل الأمم لا ينبغي أن تستأذن فيه أمة أمة أخرى.


دعاوى منع التفلسف

والعرب كأي أمة أخرى لا بد لها أن تسلك طريقها في طلب الاختلاف الفلسفي وأن يكونوا أحراراً في فلسفتهم، فلسفة مختلفة عن الفلسفات المطروحة والمفروضة عليهم، لذا وجب عليهم أن يقاوموا جميع الدعاوي التي تمنعهم من ممارسة حريتهم الفلسفية والطريق في ذلك يبدأ في النظر في تلك الدعاوي ولعل أولها هو القول بكونية الفلسفة وأنها معرفة عقلية تشمل الجميع بأسئلتها وأجوبتها، أفراداً كانوا أو أقواماً.

نقض القول بكونية الفلسفة: يحتمل مفهوم الكونية مدلولان عَبَرَا تاريخ الفلسفة بالتتابع فأولهما هو مدلول “الكلية” وقد ساد خلال الطور الإغريقي ويقول بأن قضايا الفلسفة تصدق على جميع البشر من حيث هي كائنات عاقلة، أي أن الكونية هنا تتخذ صبغة أنطولوجية أو بالتعبير الطهائي ذات صبغة “كيانية”، أما المدلول الثاني الذي ساد في الطور الأوربي الحديث فهو القول بـ“العالمية” أي أن القضايا الفلسفية تعم جميع أقطار الأرض القائمة. ويردّ طه عبد الرحمن على هذه الدعاوي بجملة اعتراضات أهمها ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي الاجتماعي الخاص بأمة ما فلا وجود لفلسفة بدون هذا  السياق الخاص، كما أن أي فلسفة هي مرتبطة بالسياق اللغوي، فبقدر تعدد اللغات كان هناك تعدد في الفلسفات كما أن الاختلاف الأدبي ينتج عنه اختلاف في قضايا الفلسفة فلكل لغة أشكال صرفية ومعاني لغوية وبلاغية لا تتطابق مع بقية لغات العالم وبالتالي فإن المقتضيات البنيوية والدلالية والبيانية ستختلف من فلسفة لأخرى، ثم إن هناك الاختلاف الفكري بين الفلاسفة أنفسهم وأنساقهم الفلسفية وأخيراً التصنيف القومي للفلسفة، فلا يكاد يخلو كتاب يصنف في تاريخ الفلسفة من تصانيف الفلسفات بحسب قوميتها، كالفلسفة الألمانية والفلسفة الانجليزية والفلسفة الفرنسية وغيرها.

فلا وجود إذن لما يقال أنه فلسفة كونية كليانية، فهذا القول باطل على حسب تعبير (طه)، وإذا انتفت صفة الكونية وجبت صفة الجزئية والقومية، فالفلسفة اليونانية كانت فلسفة قومية كما هو تاريخهم وأدبهم وأساطيرهم، وما منع المتقدمين من العرب من التفطن إلى هذه الخاصية هو كونها وصلتهم بسياق علمي مندمج مع كل المعارف من رياضيات وفلك ومنطق وطب وسياسة وغيرها، فما انطبق على هذه العلوم انطبق على الفلسفة نفسها بما هي تفكير نظري.

أما المحدثين من العرب فقد انبهروا بالدعوة الغربية إلى القول بالكونية السياسية للفلسفة وذلك منذ عصر التنوير بمفاهيمه الكبرى العالمية التي لا يرقى إلى كونيتها شك وقد ردّ (طه عبد الرحمن) على هذه الدعوى برد الفلسفة الحديثة إلى أوروبا ثم رد هذه الأخيرة إلى الفلسفة الألمانية ثم القول بأن هذه الأخيرة تم تهويدها من طرف الثقافة اليهودية منذ القرن الثامن عشر وتأثر كبار فلاسفة الألمان بفلاسفة اليهود كما كانوا يقتبسون بعضاً من مفاهيمهم المحورية من التوراة مباشرة وقد تم تسييس هذه الفلسفة اليهودية بما يخدم انتشار فكرة القومية اليهودية وشيئاً فشيئاً بدأ يتشكل فضاء فلسفي يهودي عالمي، يندمج فيه الجميع بما فيه غير اليهودي عن قصد أو عن غير قصد فبدلاً من تهويد الفلسفة الألمانية وحدها تم تهويد الفلسفة بشكل عام.

ولم ينج العرب من الدخول في هذه الدائرة فقد ظلوا يدورون فيها مناقشين نفس مسلماتها ونظرياتها فأصبح يتفلسف بما يخدم عدوه وهو لا يدري بذلك، وأصبح بالتالي يمارس التطبيع عن غير قصد أو وعي، بل أصبح يمارس هذا التطبيع من حيث يريد أن يقاومه، فبدلاً من التيه في الأرض الذي عوقب به اليهود، دخلنا نحن في تيه فكري وفلسفي بحسب طه عبد الرحمن. فلا بد إذن من نهضة فكرية وفلسفية تتيح للعرب وسائل مقاومة تغلغل هذا الفضاء الفلسفي المتهوّد المفروض بواسطة القوة المادية والهيمنة السياسية ويقترح (طه عبد الرحمن) مفهوماً جديداً لمواجهة هذا الفضاء وهو مفهوم: “القومية اليقظة” فهو مفهوم حركي لا متناهي يفرض نفسه بفضل القوة المعنوية والهمة الإنسانية عكس الأول، ويتميز بمجموعة خواص مشتقة منه مثل القيام المنسوب للجماعة التي تتحرك وتعمل لكي ينشأ بين أفراد الجماعة روابط راسخة تحفظ كيان الجماعة والقيام قيام جهادي يقوم في دفع التهديدات وقيام اجتهادي يقوم في جلب ما ينفع القوم، كما يتميز المفهوم بدلالات أخرى هي القوام والقومة التي يستعملها (طه عبد الرحمن) في مكان مفهوم الثورة؛ فالأخيرة لا تحصل إلا في المجال المادي، والقومة لا بد أن تنطلق من مبدأ أو من مسلمة جوهرية وهي أن الخطاب الفلسفي لا بد له أن يكون كلاماً تحته عمل موجّه أو بالتعبير الطهائي “كلاما ذا قيام” وذلك يستدعي وضع خطط واستراتيجيات تكون مناسبة لمواجهة التهويد اليهودي للفلسفة.

أولى تلك الخطط هي خطة المقاومة وتقوم على مبدأ الإعتراض على أي مفهوم منقول من الفضاء الفلسفي العالمي لم يقم أي دليل على صحته أو فائدته للمجال التداولي للفيلسوف العربي، فالمقاومة هنا هي مقاومة مفاهيم، ثم هناك خطة التقويم وتلك تعتمد على معنيين في قومتها وهما إزالة الإعوجاج والتزوّد بالقيّم وتقوم على مبدأ أن تتمتع المفاهيم الفلسفية بأكبر قدر ممكن من الحركية داخل مجال التداول الخاص بالعرب عن طريق وصلها بقيمه العملية، ثم أخيراً خطة الإقامة التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالنقد للمفاهيم الفلسفية وللأسئلة والقضايا المطروحة في الفضاء الفلسفي العالمي المتهوّد بل تسعى إلى إقامة فضاء فلسفي عربي على مبدأ أن نرتقي بالمعاني الطبيعية التي تدور في المجال التداولي العربي إلى رتبة المفاهيم الصناعية، مع الاستدلال عليها وبها لكي تصبح معاني ذات أساس إبداعي فتصبح الأمة قادرة على دخول المعركة الإصطلاحية لتوضيح ماهو متهوّد وما ليس كذلك، فقوة الاصطلاح لم تعد تقل ضرورة عن قوة السلاح، وخلق فضاء فلسفي عربي بخصوصية قومية هو الأولوية الآن.

“ونحن العرب نريد أن نكون أحراراً في فلسفتنا، وليس من سبيل إلى هذه الحرية إلا بأن نجتهد في إنشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة أولئك الذين يسعون بشتى الدعاوى إلى أن يحولوا بيننا وبين ممارستنا لحريتنا الفكرية”[2].

ولدرء شبهة تعارض اعتبار العنصر القومي مع اعتبار العنصر الإسلامي يقدّم طه عبد الرحمن عدة أدلة تثبت فساد هذه الشبهة، فبحسبه فالقومية التي تم بناء هذا الفضاء الفلسفي فيها يؤيدها نص التنزيل فلا وحي بغير لسان، ولا رسالة إلا في قوم، وقوم خاتم الأنبياء هم العرب، ولسان هؤلاء هو العربية كما هو لسان الإسلام، فالإسلام لم يكن يوماً معارضاً للقومية بقدر ماهو معارض للقومانية، تلك التي تدعو إلى الجمود على مقومات عربية مخصوصة.


الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري

بعد أن بحث (طه عبد الرحمن) عن الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، وعن خصوصية السؤال العربي عن بقية الأسئلة في أطوار الفلسفة المختلفة، وأوضح أن الحق في الاختلاف يستدعي الحق في الاستقلال في النظرة إلى الأشياء وفي خصوصية استشكال القضايا وبالتالي يتطلب تحرراً فكرياً وتاريخياً، يأتي إلى الحق الاسلامي في تقديم الأجوبة عن أسئلة زمانه، فلكل زمان أسئلته الخاصة وواجب كل أمة أن تقدّم أجوبتها الخاصة عن تلك الأسئلة، أجوبة تتسم بالاستقلالية، والأمة المسلمة بصفتها أمة حاملة لرسالة خالدة وخاتمة لما سبقها وناسخة له، وإن كان الحال الآن لا يشي بذلك لما فيه الأمة من ضعف ووهن وعجز عن أداء الرسالة المنوطة بها ولما تتعرض له من سلب في خيراتها المادية ومن محوٍ لقيّمها الروحية من طرف أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقوق والحريات في العالم. لكن يبقى للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها فالفكر الطهائي ينظر إلى الأمة الإسلامية على أنها “مجموعة قيّم تسعى إلى أن تساهم في الأحداث المشهودة” وليس بالضرورة إلى أنها واقع متحقّق. ولأن الأسئلة التي تقتضي وجود جواب إسلامي أكثر من أن تحصى فإن طه استغنى عن تعداد تفاصيل هذا الجواب وبدلاً من ذلك ركّز على إبراز “الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى ولو كانت أشدّ منها بأساً، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق ولو كانوا من بني جلدتها؛ ففي هذه الروح غناء عن هذه التفاصيل”[1]. وقد استخلص طه عبد الرحمن من هذه الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي مبدأين أساسيين:

  • الأول هو “مبدأ إختلاف الآيات”، وهو مبدأ مبنيٌ على اختلاف الآيات الكونية، وهنا يقيم طه عبد الرحمن تفريقاً جذرياً بين مفهوم الآية ومفهوم الظاهرة، فالأخيرة هي كل ما يظهر للعيان محدداً بزمان ومكان، أما الآية ف”هي الظاهرة منظوراً إليها من جهة المعنى الذي يزدوج بأوصافها الخارجية دالاً على الحكمة من وجودها”[2] فعالم المعاني هو مملكة الآيات  وعلى من يطلب تلك القيّم أن يعمل بمقتضاها. ونظرة المسلم إلى الأشياء في الأصل أنها نظرة تأمل في الآيات، أو بالتعبير الطهائي “نظرة ملكوتية” ولا يمكن أن تتحول إلى ملاحظة للظواهر أو بالتعبير الطهائي “نظرة مُلكية” إلا إذا قام دليل كالبحث عن قوانين الظاهرة السببية، فالنظر الأول هو بالنسبة لطه نظر أصلي يوصل الانسان إلى الإيمان أما النظر الثاني فهو نظر فرعي يوصله إلى العلم، والفرق بين المسلم وبين الآخر (الغربي خصوصاً) هو أن المسلم يؤسس نظره الأصلي على نظره الفرعي فيكسب الدارين، بينما فضّل الغرب وحداثته الإكتفاء بالنظر الفرعي وأصبح نظرهم متناهياً، لذا لا جدال أن النظر الإسلامي هو الأحق بالشرعية لأنه نظر لا متناهي ومتصل بالزمان المطلق.
  • ثم هناك المبدأ الثاني وهو “اختلاف الناس أنفسهم” وهذا مبنيٌ أساساً على اختلاف الأمم المثبت في محكم التنزيل، ويفرّق طه بين مفهوم الأمة ومفهوم المجتمع، فالمجتمع لا يربط بين أفراده سوى ما يجعلهم يتعاونون في سدّ الحاجيات وأداء الخدمات، وهذا ما أطلق عليه طه “العمل التعاوني” وهو ما دعى إليه القرآن لحفظ المجتمع، فالعمل التعاوني ضروري لحفظ هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية المادية، أما الأمّة فهي المجتمع بعد أن يحمل قيّماً يكون مطالباً بايصالها للأمم والمجتمعات الأخرى في سبيل الرقي بالإنسان، فالعمل هنا أخلاقيّ لا ماديّ ولا أخلاق وقيّم أدعى للتبليغ من “قيم الخير” وهيّ قيّم تأمر بإتيان المعروف وترك المنكر، حيث يتعامل جميع أفراد الأمة الواحدة إلى التبليغ عن هذه القيّم من خلال التعامل مع الأشخاص المختلفين ومع أفراد الأمم الأخرى في سبيل هذا “العمل التعارفي” بالتعبير الطهائي، والأخير أسمى من “العمل التعاوني”.

من هنا يبني (طه عبد الرحمن) إذن أحقية الاختلاف الفكري ومشروعية الجواب الإسلامي من اختلاف النظر الملكي عن النظر غير الملكي واختلاف العمل التعارفي عن العمل التعاوني غير الإسلامي، وهذه النظرة وهذا التعامل لا يكتملان بالنسبة لطه إلا إذا استوفيا شرطين مهمين؛ وهما شرط ثبوت حصول الفائدة في الارتقاء بالإنسان في مراتب الكمال العقلي ثم شرط ثبوت حصول الفائدة في الإرتقاء بالإنسان في مراتب الكمال السلوكي، والعلاقة علاقة تأسيس فالنظر الملكي ينبغي أن يتأسس على النظر الملكوتي فالأخير هو وحده القادر على حسم كل نظر ملكي مثبتاً له حصول الفائدة من عدمها، ثم إن العمل التعاوني يتأسس على العمل التعارفي على نفس القاعدة في حصول الفائدة، والأمر هنا يتعلق بقاعدة أخلاقية لا تنكرها الفطرة الانسانية.

 إن روح الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تظهر في حقيقتين اثنتين أولاهما الإيمان الذي يتم التوصل إليه بالنظر في مختلف الآيات أو النظر الملكوتي ثم وجود التخلّق الذي يتم التوصل إليه عن طريق التعامل مع مختلف الأمم والأشخاص أو كما سماه طه بالعمل التعارفي. فما يميّز الجواب الإسلامي إذن باختلافه الفكري هو “النقد الإيماني” ثم “التخلق التعارفي” وهما يتجاوزان النظرة المادية والتعاونية التي اتسمت بهما الكونية الجديدة. وهاتان الحقيقتان تحدّدان للجواب الإسلامي عدة خصائص أهمّها أنه جواب اختلافي واختلافيته ذات طابعين؛ إيماني وأخلاقي، ثم إن إيمانية الجواب الإسلامي تعتبر أشمل إيمانية لأنها تنطلق من الدين الخاتم الذي جمع ما في بقية الأديان من أسرار الإيمان وزاد عليها، وأخلاقيته أكمل أخلاقية انطلاقا من كون خاتم النبيين ما بعث إلا ليتتم مكارم الأخلاق.


مشروع الإستقلال الفكري مستمر..

إن الفلسفة الحق التي يدعو إليها الفكر الطهائي هي التي يرتبط فيها النظر بالعمل أو التي يرتبط فيها العقل بالأخلاق، والنقد الأخلاقي والإيماني هو صلب هذا الفكر، فالخصوصية الإسلامية خصوصية إيمانية وأخلاقية بالدرجة الأولى  لكنها تنبني على نظر كوني وتقوم على الحوارية والتعارف في مقابل للخصوصية الغربية التي تقوم على الإرغام وفقدان المضمون الأخلاقي، وقد اتخذ النقد الأخلاقي والإيماني في مجمل أعمال طه عبد الرحمن عدة أشكال، ففي نقد الحداثة كتب طه كتابين تأسيسيين هما سؤال الأخلاق وروح الحداثة وقدّم تصوّراً اختلافياً يفضي إلى تعدديّة متجاوزاً احتكارية النموذج الغربي الأحادي لها، فالحداثة برأيه دخلت مأزقاً ناتجاً عن إفلاسها القيمي ينبغي إنقاذها منه وهذا الحل ينبغي أن يميّز بين روح الحداثة وتطبيقاتها، فروحها هي مجموعة من المبادئ والقيّم والتي من الممكن أن تشترك فيها عدة مجالات تداولية مختلفة، أما تطبيقاتها فهي تحقيقات هذه المبادئ وتلك تختلف من مجال تداولي لآخر، فروح الحداثة تتميّز بمبادئ ثلاثة: مبدأ الرشد أي الخروج من تبعية الغير ومبدأ النقد ومبدأ الشمول فهذه المبادئ وإن كانت عامة ولها روح واحدة إلا أن تجلياتها خاصة ومتعددة.

أما الأشكال الأخرى لهذا النقد فقد تركّزت على نقد العولمة بصفتها ضرباً من العنف الخفي والجلي تحاول تحويل العالم إلى متجر واحد ثم تحويل البشرية إلى مجموعة مستهلكين، ثم يأتي نقد العلمانية وقد شغلت أساساً كتبه روح الدين، وبؤس الدهرانية، وشرود مابعد الدهرانية ، فالعلمانية بما هي فصل للدين عن السياسة تقع في ثلاثة محاذير: أولها ضيق الأفق، فهي تحصر الوجود الانساني في ما نراه من عوالم بينما الوجود أكثر اتساعاً مما نراه بحسب طه عبد الرحمن، بل أكثر فما لا نراه أكثر مما نراه، ثم هناك محذور المنطق المتناقض الذي تقع عليه، فبالنسبة لطه فكل منهج أو نظام مهما كان هو دين، فالدعوة إلى الخروج عن الدين هي دعوة إلى دين آخر وهذا تناقض بيّن، ثم المحذور الثالث وهو التأله، ففي طريق نزعها للسيّادة من الإله خلقت إلهاً جديداً هو الفرد نفسه. ثم يأتي الشكل الآخر للنقد الطهائي في نقد “الدهرانية” وقد وضع طه هذه الكلمة لتعني الدعوة التي تطالب بفصل الأخلاق عن الدين واهتم كتابه “بؤس الدهرانية” بهذا النقد مبيّنا فساد تصوراته عن علاقة الإنسان بالإله وعن بطلان دعوته لفصل الأخلاق عن الدين حتى لكأن الأولى دين مستقل وهو فصلٌ يؤدي إلى إلغاء الأخلاق نفسها، فأي دعوة للفصل هي دعوة إلى خلق أخلاق جامدة وفانية بلا روح.

تخليق الحداثة في المشروع الطهائي ماهو إلا دعوة صريحة لإقامة فلسفة إسلامية عربية تتخطى فرض تطبيقات الحداثة وأوهام العولمة وتبتعد عن التبعية والتقليد للفكر الغربي وذلك يستدعي رجوعاً للترّاث لا بصفته نصّا مفصولاً عن الهوية ولا مجرّد مدوّنة معرفية متاحة للقراءة والتأويل، بل التراث بصفته مضامين وآليات تسمح بخلق فيلسوف مرتبط بمجاله التداولي، فيلسوف قادر على تجديد الدين بنظرة تكاملية للتراث ونظرة غير تقديسية لتراث الآخر الفلسفي، فيلسوف قادر على تجاوز المبادئ التي قامت عليها روح الحداثة بحيث يكون قادراً على إكمالها وإتمامها ونقلها إلى مستوى أشمل وأكثر تخلقاً وأكثر ارتباطاً بدينه، وكل ذلك لا يمكن أن يتم بغير الانعطافة اللغوية واعتبار اللغة لا مجرد وسيلة تواصل بل آلية قادرة على أن تصل الفيلسوف بكينونته، وما تحمله من إمكانيات قادرٌ على أن يصل بالفيلسوف إلى أسباب النهوض. 


المصادر:

[1]  طه عبد الرحمن، الحوار أُفُقاً للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 2014.

[2]  طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2009.

الإلهيات النظرية عند طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن (مواليد 1944)، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

يُعتبر كتاب (العمل الديني وتجديد العقل) من أبرز المؤلفات لدى الدكتور (طه عبدالرحمن)، مبيّنا فيه تجربة دينية مؤسسة على مشروع فكري، تساهم في في تقويم اليقظة الدينية، ولنأخذ طرفا عن وجهة نظره في الإلهيات النظرية وموقفنا منها:

أعلم أن العقل المجرد عُرف عند علماء الإسلام باسم “النظر“. فالنظر عندهم، بصفة عامة، عبارة عن الفعل الإدراكي الذي يطلب شيئا معينا، ويسلك إليه طرقا محددة، مع الاعتقاد بأن هذه الطرق قادرة على الظفر بهذا الشيء المطلوب.
وهذه الحدود تقوم في الأوصاف التالية:
أ- الوصف الرمزي: لما كان أهل العقل المجرد من المتكلمين همهم الأول هو العلم بالوجود بعينه، وليس مجرد العلم بتصور هذا الوجود، فإن توسلهم باللغة التي هي مجموعة من الرموز تسد مسدها أية مجموعة أخرى، سواء ورد هذا التوسل على صورة “تسميات” أو على صورة “عبارات“، ما كان ليمدهم بأكثر من تصورات عن هذا الوجود تبقى حبيسة الأذهان، ولا تُدخلهم أبدا إلى عالم التحقق والعيان، إذ أننا نُسْأَل عن معرفة هذا الوجود وقد لا نُسأل عن غيره، أدركنا أن يكون استعمال الرموز اللغوية أبعد عن الوفاء بحاجتنا من المعرفة الإلهية من بعده عن الوفاء بحاجتنا من معرفة غيرها.
ب- الوصف الظني: ما فتئ أهل العقل المجرد من النظار ينشئون الأدلة لبلوغ مرادهم في البرهنة على الوجود الإلهي، لكن أدلتهم هاته تقع فيما يخرج صورتها عن صورة البرهان؛ فالتصورات التي تقوم عليها معالمها غير محددة، وطريقة تحصيلها غير مضبوطة، وصفتها الإجرائية غير معلومة. وحتى لو فرضنا أن أدلة النظار خلت من هذه التصورات المضطربة، وسلكت طريقا سليما في التركيب والترتيب، ما كان ذلك ليجعلها كافية ولا ضرورية لإفادة اليقين بالوجود الإلهي. وما كثرة الأدلة التي ينصبها هؤلاء على الوجود الإلهي إلا شاهد على عدم حصولهم على برهان يفيد اليقين، كأنما يبتغون درء تعذر البرهان بتعدده.
ج- الوصف التشبيهي: إن المتكلمين وإن بدوا، بنزعتهم العقلانية التجريدية، أكثر استعدادا لطلب الحقائق الموصوفة بالتنزيه من غيرهم، فإنهم، أحبوا أم كرهوا، واقعون في التشبيه بصنفيه: “التشبيه الاضطراري” الذي لا تنفعهم معه حيلة، للميل الطبيعي للعقل النظري إلى القياس على المعلوم من الأشياء، و “التشبيه الاختياري” الذي يسوقهم إلى الخوض المتكلف والشنيع في حقائق لطيفة تستلزم من الأدب والتعظيم ما لا يطيقه العقل المجرد.

ثم يكمل حديثه قائلًا:

وهكذا يتبين أن الطريق إلى إدراك الحقائق الإلهية بواسطة العقل المجرد ذي الأوصاف الثلاثة: الوصف الرمزي والظني والتشبيهي، طريق مسدود أو على الأقل طريق محدود.
أما أهل النظر الذوقي الذين التزموا التجربة الحية ودليل المحبة، فدليل الوجود الصحيح عندهم ليس الدليل على وجود الله، وإنما الدليل على وجود العبد؛ ليس إثبات الربوبية وإنما إظهار العبودية؛ ليس البحث في أفعال الألوهية وصفاتها وذاتها، وإنما البحث في أفعال العبد وأوصافه وماهيته، هذا البحث وحده الكفيل بأن يُجدد الإيمان ويخرج الحظوظ من النفس، فيقبل العبد على حقوق ربه إقبال العارف بالله على الله.

ليس العقل هو ما يميّز الإنسان، كما يقول طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويُعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

هنا يبيّن الدكتور (طه عبدالرحمن) الفرق بين الإنسان والحيوان، ويجيب على من قال بأن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن غيره من المخلوقات. هذا المفهوم يتردد على الألسنة، وكأنها إحدى المسلمات التي لا يمكن الحيدة عنها، فيقول الدكتور في كتابه (سؤال العمل):

إن فكرة أن الانسان تميّز عن الحيوان بعقله ، فكرة تلقاها علماء المسلمين بالقبول جيلا إثر جيل حتى أصبحت من الحقائق الثابتة، وهو أن الإنسان حيوان ناطق، أي قائل عاقل، هذا التعريف للإنسان غير مسلّم، فلِم لا يجوز أن تكون القوة العقلية من قوى الإنسان من جنس قوة الادراك التي يملكها الحيوان والتي يهتدي بها إلى مراعيه وموارده، ويميّز بها بين المضار والمنافع، متجنّبا للمضار ومقبلا على المنافع، كما يتعرف بها على أقرب المسالك التي توصّله إلى حضيرته ولو بعد محاولات متتالية يخطئ فيها بقدر ما يصيب.

غريب حقا أن يرتضي علماء المسلمين تخصيص الإنسان بالعقل دون غيره، وأن لا يساورهم شك في صحته، ولا يُحتج علينا بالآية الكريمة:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} أو بالآية: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. فيقال إن ذكر الأنعام جاء في سياق نفي العقل عنهم بالكلية، فيكون المراد بتشبيه الغافلين بهم نزول رتبتهم عن رتبة العاقلين، لكن هذا التأويل يقع في خطأين:
أحدهما: أنه يتجاهل أن الأنعام في الواقع، تُبصر وتسمع وتفقه (أي تعقل)، وأن القرآن لاينفي عنها وجود هذه الادراكات الظاهرة، وإنما الذي ينفيه هو وجود إدراكات أخرى من جنسها تعلو عيها وتليق برتبة الإنسان، وهي التي أشبه الغافلون الأنعام في الخلو منها، وإلا فهم يبصرون ويسمعون ويفقهون كما تبصر وتسمع وتفقه الأنعام.
الثاني: أن هذا التأويل يُغفل الأهميّة التي يكتسيها أحد اللوازم المترتّبة على وصف الغافلين بأنهم أضل من الأنعام، وهذا اللازم هو بالذات ” أن الأنعام أهدى سبيلا “، والواقع أنه لا هادي لها إلا ما جُعل فيها من عقل يُرشدها إلى مأكلها ومشربها ومربضها ولو كان عقلا أدنى من عقل الانسان والانسان الغافل أي غير العاقل، لا هادي له ولو كان عقله أعلى من عقل الأنعام، فتكون رتبته دون رتبتها.
إذا بطل أن العقلانية هي الحد الفاصل بين الانسان والحيوان، وجب أن يكون الحد الفاصل بينهما في شيء يُثبت به تفوّق الانسان ويتحقق به كماله، وما هذا الشيء الفاصل إلا الأخلاق، فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق الحيوان.

يتابع بعد ذلك حديثه قائلًا:

ومن الأدلة على أن الأخلاقية هي التي تميّز الانسان عن الحيوان، طلب للانسان للكمال، وذلك أن يكون السعي إلى الصلاح يقتضي أن يكون الساعي قادرا على استحضار في نفسه القيم المثلى، والحيوان ليس بمقدوره أن ينفصل عن واقعه المادي، متطلعا إلى واقع أفضل منه ماديا أو معنوي.

وأخيرا ألا ترى كيف أن أيّ تصرّف تثبت “لا أخلاقيته” يصير معدودا في التصرّفات “اللاإنسانية“، بينما التصرف الخالي من العقلانية لا يعدّ خلوا من الإنسانية !

وهكذا، يتبيّن أن الإنسانية لا تتحدد، كما اشتهر بالعقلانية، وإنما تتحدد بالأخلاقية، بحيث يكون للإنسان من الإنسانية على قدر ما يكون له من الأخلاقية.

رأي طه عبدالرحمن عن فلاسفة الإسلام

طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن (مواليد 1944)، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

في محاضرة للدكتور (طه) حملت عنوان “الاشتغال بفقه الفلسفة ضرورة علمية، لا خيار فكري”، يقول:

معلوم أن المسلمين اشتغلوا، منذ القرن الثاني من الهجرة، بالفلسفة، ترجمة وتأليفا، على اعتبار أن الفلسفة تشمل مختلف المعارف المحصَّلة، علمية كانت أو فكرية؛ وقد اتخذ هذا الاشتغال الإسلامي بالفلسفة اتجاهين اختلفا باختلاف هذه المعارف، فاتَّسم أحدهما بالعطاء والإبداع، وذلك في مجال المعارف ذات الصبغة العلمية مثل “الرياضيات” و”الطبيعيات” و”الطب”؛ في حين اتَّسم الاتجاه الثاني بالتقليد والتبعية، وذلك في مجال المعارف ذات الصبغة الفكرية مثل “ما بعد الطبيعة” و”علم الأخلاق” و”علم السياسة”؛ وفي هذا مفارقة واضحة، حيث إن الأصل في المعرفة الإسلامية أن لا تقل فيها مكنونات المجال الفكري عن ممكنات المجال العلمي، بحكم صلتها بدين جديد جاء للعالمَين بمبادئ وقيم مُميَّزة تفتح للفكر الإنساني آفاقا غير مسبوقة.

وفي كتابه (حوارات من أجل المستقبل)، يقول:

وظل الاشتغال بالفلسفة مَبْعث الشبهات ومثار الاعتراضات؛ فعلى مستوى العقيدة، حاول بعض الفلاسفة، بحجة الاستناد إلى المنطق البرهاني، إثبات أفكار تخالف الشرع الإسلامي، أما على مستوى اللغة، فقد سلك بعضهم مسالك في التعبير تَخْرُج عن عادات العرب في البيان والإيجاز؛ وأما على مستوى المعرفة، فقد تكلم بعضهم في أمور ليس تحتها عمل ولا وراءها منفعة ولا تستند إلى أصول الشرع.

أما في كتابه (بؤس الدهرانية)، فقال فيه:

فهؤلاء الفلاسفة على غزارة علمهم وسعة عطائهم، لم يخوضوا إلا بحر “الفلسفة اليونانية” التي تقوم على عقلانية التجريد، واكتفوا من قضايا الإسلام بمناقشة التوفيق بين بعض إشكالات هذه الفلسفة وبين الدين الإسلامي، قبولا أو ردّا؛ لذلك، فإن إطلاق اسم “الفلسفة الإسلامية” على مجموع إنتاجهم، على فائدته بالنسبة لعموم الثقافة التي احتضنها المجتمع الإسلامي، لا يستقيم على الأصول الإسلامية لهذه الثقافة، إلا أن يكون من باب التجوُّز، اعتبارا لكون أرباب هذا الانتاج من المسلمين حتى ولو أشربت قلوبهم بفلسفة غير إسلامية.

الدولة المستحيلة، عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

ألّف الدكتور (وائل حلاق) كتاب (الدولة المستحيلة) يفرِّق فيها بين الحكم الإسلامي ومفهوم الدولة الحديثة فيعتقد أنه لم يكن ثمة دولة إسلامية قط، فالدولة شيء حديث، وإنما كان حكما إسلاميا على أسس أخلاقية وقانونية مختلفة جذريا عن الدولة الحديثة، وأسهب في شرح مفهوم قانون الدولة الحديث وأنه يختلف عن القضاء الإسلامي، فالقاضي يرجع للمفتي والفقيه، الذين يقومون بوظائفهم تحت سلطة الشريعة وليس تحت سلطة قانون الدولة، كما في الدولة الحديثة.

والآن لنعرض رأي الدكتور (طه عبدالرحمن) حول مفهوم الدولة في كتابه (روح الدين)، والتي تتفق إجمالا مع كتاب (الدولة المستحيلة):

لئن كان مصطلح “الدولة” يفيد في استعماله الإسلامي الأصلي مجرّد “انتقال السلطة من حال إلى آخر”، انطلاقا من معناه القرآني الوارد في الآية الكريمة: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، فإن المراد به في الشعار الأصولي المذكور هو مدلوله الاصطلاحي الحديث؛ ومعلوم أن الدولة، بحسب هذا المدلول، هي، على وجه الإجمال، “كيان تدبيري مؤسسي قوامه أرض محروسة وساكنة مراقبة وحكومة متسيّدة”؛ وهذا الكيان لم يولد فجأة، وإنما نتج من تطوّر تنظيمات سياسية سابقة مثل “المدينة اليونانية” و “الجمهورية الرومانية”؛ واستعمال هذا المفهوم الحديث في صيغة شبه تعريفية للإسلام يومئ إلى أنه لا يكفي أن يتضمن هذا الدين جملة من القوانين التدبيرية، بل أيضا يحتاج إلى أن تتخذ هذه القوانين صورة “الدولة” الحديثة لكي يكتمل نظام تدبيره؛ والحال أن القوانين التنظيمية التي اشتملت عليها الشريعة الإسلامية لم تُسطّر نظام تدبير بعينه، وجاءت به أمرا جُمْليا غير مفصَّل، فما الظن بنظام تدبيري صناعي هو ثمرة الفصل بين الدين والسياسة كالدولة الحديثة.
إذا سكتت الشريعة عن تفاصيل هذا النظام، فليس ذلك بسبب الظروف التنظيمية المحدودة التي عرفها مجتمع المدينة، فالشريعة التي فصّلت في تدبير الأسرة، وهي من دقّ الأمور، أقدر على التفصيل في تدبير المجتمع الذي هو من جِلّها؛ ولا هذا السكوت هو لمجرد التوسعة على المكلفين، حتى يُحددوا النظام السياسي الذي يطيقه زمانهم، وإنما السبب في ذلك هو أن الشريعة الإسلامية توفّر للمكلفين أكثر الاختيارات التدبيرية الرشيدة الممكنة التي يكون فيها صلاح دنياهم، حتى يضعوا بأنفسهم من القوانين ما يفي بحاجتهم ويخدم مصالحهم، مسترشدين في ذلك بالقانون الأسمى الذي وضعه الله لهم؛ وكفى دليلا على حكمة هذا السكوت أن نظام الدولة الذي طالما تكلّف الدارسون الكشف عن مبادئه في الشريعة، نرى اليوم أن مؤسساته وقوانينه أخذت تتآكل مع زحف العولمة الاقتصادية وانتشار الحُرّانية (أو الليبرالية) السياسية في المعمور، حتى أصبحت سيادة الدولة على أرضها وساكنتها مهددة بالاضمحلال، وإلا فلا أقل من أنها تشهد تقلّص استقلالها؛ وليس ببعيد أن نرى في الأمد القريب تشكّل تنظيم جديد للتدبير في العالم يختلف عن تنظيم الدولة قد يكون عبارة عن نظام كوني واحد أو يكون، على العكس من ذلك، عبارة عن أنظمة تدبيرية محلية متعددة بديلة للدولة؛ وقد يأتي، في المستقبل، من المقلّدة من يبحث لهذه الأنظمة البديلة، هي الأخرى، عن أصول في الإسلام، مرتكبا مفارقة زمنية كما ارتكبها هؤلاء السابقون بشأن الدولة الحديثة؛ وهكذا، فإن الشرع، ما غفل عن ذكر نظام تدبيري بعينه، ولا بالأولى نسي تفصيل معالمه كلها، وإنما قصد، على الحقيقة، مراعاة المصالح التدبيرية للعباد التي تتطور بتطور الاجتماع البشري، وهذا الأصل هو من أهم أصول الشريعة وأنفعها.

المنطق واللوغوس عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن
يبدع الدكتور (طه عبدالرحمن) في بيانه، وصف عبارته وتحقيقه في توضيح معنى المنطق واللوغوس فيقول في كتابه (سؤال العمل) [بتصرف]:
لقد اعتبر مفهوم النطق مرادفاً لمفهوم العقل، ذلك أن العرب لمّا باشروا ترجمة الفلسفة اليونانية، وجدوا بين أيديهم لفظاً يونانيّا يجمع بين مدلولين يفرق بينهما التداول العربي، وهذا اللفظ هو اللوغوس إذ يدل على معنى العقل ومعنى القول في آن واحد، ولمّا تعذر على المترجمين أن يظفروا في اللسان العربي بلفظ يستعمله الجمهور في المعنيين المذكورين، قرروا – وقرر فلاسفة الإسلام في أثرهم – أن يستعملوا لفظ النطق في مقابل اللوغوس بحيث جعلوه يفيد ما يفيد، أي الجمع بين العقل والقول؛ ومن هنا كان نقلهم لتعريف الإنسان الذي وضعه (أرسطوطاليس) كالتالي “الإنسان حيوان ناطق” والمقصود هو أن الإنسان حيوان قائل عاقل، غير أن هذه الترجمة ولو أنها تجديد في الاصطلاح وتوسيع في اللغة ، فإنها لم تزد مفهوم العقل إلا استغلاقاً على استغلاق، وبيان ذلك من الوجوه الآتية:
[١] إذا صار العقل مقترنا بتحريك اللسان، فإن في عمل العقل وعمل اللسان لَبْس صريح. فإذا كان اليوناني يقصد بهذا الاقتران أن العقل واللسان وجهان لحقيقة واحدة، بل أنهما حقيقة واحدة، فإن العربي يتبادر إلى فهمه أن العقل والقول حقيقتان مختلفتان، بل حقيقتان متضادتان، ويتجلى هذا التضاد في كون عمل العقل يقوم بالذات في ضبط عمل اللسان، حتى لا يقع في آفات الكلام المعلومة، مثل فضول الكلام والكذب وما إليها.
[٢] الواقع أن لفظة المنطق هي نفسها صرفوها عن معناها الأصلي إلى معناهم الاصطلاحي، إذ كان يجري استعمالها في معنى الكلام كما في الآية الكريمة؛ “وورث سليمان داوود، وقال يأيها الناس علّمنا منطق الطير”، أي كلام الطير. ولو أن هؤلاء المتفلسفة سلكوا طريقاً آخر في الاصطلاح، وهذا الطريق هو أن يشقوا من فعل عَقَلَ اسم العلم الذي ينظر في قوانين العقل على نفس الصيغة التي وضع عليها مصطلح المنطق، ويقولوا المَعقل.
[٣] اقتران العقل بالقول، يشعر بوجود تلازم بينهما من جانبين، بحيث لا قول بغير عقل، ولا عقل بغير قول، وكلا الأمرين لا يصح، فمن الأقوال ما ليس فيه مسكة من عقل، حتى يكون أشبه بالمكاء والتصدية، كما أن من دقيق المدركات العقلية لا يقدر على أن توفي به العبارة وصريح القول، حتى يكون أشبه بالمعاني الروحية الخفية، فيكتفى في حقه بالإشارة والتلميح.
[٤] ليس العقل أولى بالاقتران بالقول منه بالعمل، فإذا اقترن في التداول اليوناني بالقول، فيبدو أن اقترانه بالعمل أقرب إلى التداول الإسلامي، بل قد يكون أصلاً من أصوله الأساسية، ذلك أن العقل يعدّ عند جمهور المسلمين علامة على تحصيل العلم الذي يصحبه التغلغل في العمل، عبادة أو معاملة أو تجربة، فهذا (الفارابي) يقول : “إن هؤلاء – أي جمهور المسلمين – إنما يعنون بالعاقل من كان فاضلاً وجيد الروية في استنباط ما ينبغي أن يُؤثر من خير أو يُتجنب من شر ، ويمتنعون أن يوقعوا هذا الاسم على من كان جيد الروية في استنباط ما هو شر ، بل يسمونه داهية”.
كما أن (الغزالي) ألحّ في إحصائه لمعاني العقل على على هذا الجانب العملي، إذ يقول: “وقد يطلق العقل على من جمع بين العلم والعمل ، حتى إن المفسد ، وإن كان في غاية الكياسة ، يُمنع من تسميته عاقلاً”.
أما المقابل للكلمة “اللوغوس” فيقول في كتابه (فقه الفلسفة؛ القول الفلسفي المفهوم والتأثيل):
إن المقابل العربي الأمثل للكلمة اليونانية الجامعة logos هو بالذات لفظ “البيان” وقد توصلنا إلى هذه الحقيقة غير طريق (هيدغر) الطويل؛ ويتمثل طريقنا في ملاحظة أمرين اثنين، أحدهما دلالي، إذ استعمل في المدلولين اللذين اشتهر بهما لفظ اللوغوس وهما : العقل والقول، فقد سمّيت العبارة المنطقية بياناً كما سمّيت العبارة اللغوية بياناً؛ والثاني تداولي، فقد كانت شهرة “البيان” في المجال التداولي الإسلامي العربي تضاهي شهرة “اللوغوس” في المجال التداولي اليوناني كما كان اقتران “البيان” بالمسألة الدينية الكلامية في المجال الإسلامي لا يقل اقتران “اللوغوس” بالمسألة الوجودية الإلهية في المجال الإغريقي.
 ولذا، لا بدع أن يحذف (ابن حزم) لفظ المنطق عند تعريفه لموضوع كتابه (التقريب لحد المنطق) وعند رده على من ينكر الاشتغال بالمنطق، فقد اتضح أنه يُنزل تعريفه للبيان منزلة تعريف للمنطق، ويجعل لفظ “البيان” مرادفاً للفظ “المنطق”.

العنف في الحوار عند طه عبدالرحمن

 طه عبدالرحمنطه عبد الرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

في كتابه (الحق العربي في الاختلاف الفلسفي)، يميز (طه عبد الرحمن) بين عنفين اثنين يمكن حصولهما في الحوار:
  1. العنف الأشد “القمع“: والمقصود به إنهاء الاختلاف بين المتحاورين بالقوة. وهو على ضربين اثنين: 
    1. العنف المادي: وهو الذي تستخدم فيه قوة اليد “المِقمعة” لإلحاق الأذى الخَلقي بالغير.
    2. العنف المعنوي: وهو الذي تستخدم فيه قوة اللسان لإلحاق الضرر الخُلقي بالغير.
  2. العنف الأخف “الحسم“: وهو فض الاختلاف بتحكيم طرف ثالث، حكمًا كان أو حاكمًا أو وسيطًا، أو باللجوء إلى الحل الوسط أو بإجراء القرعة.
يقول في “العنف الأخف“:

فلما كانت نهاية الاختلاف لا تأتي على يد المتنازعين نفسهما بفضل أدلتهما الخاصة، وإنما على يد طرف ثالث سواهما أو بطريق غير تدليلي، جعلهما ذلك يشعران بأنهما غير قادرين على تحمل مسؤوليتهما في رفع الاختلاف بينهما؛ وفي هذا الشعور من التأديب لهما ما هو أشبه بالتعنيف، إلا أنه، إن جاز التعبير، عنف فيه لطف.

ثم يبين أن الاختلاف في الرأي لا يندفع بالقمع حتى لو كان بواسطة الحسم، يقول:

أما الاختلاف في الرأي داخل دائرة الحوار النقدي، فلا يندفع أبدًا بواسطة القمع، بل إن ممارسة القمع قد تزيد في حدة هذا الاختلاف، حتى لا سبيل إلى الخروج منه، نظرًا لأن الطريق الموصل إلى هذا الخروج إنما هو طريق الإقناع؛ فكل واحد من المتحاورين يسعى إلى أن يقتنع الآخر برأيه اقتناعًا منبعثًا من إرادته، لا محمولًا عليه بإرادة غيره، فالإقناع والإقماع ضدان لا يجتمعان؛ كما أن الاختلاف في الرأي لا يندفع بواسطة الحسم، لأن أحد المتحاورين على الأقل قد يجد في نفسه حرجًا مما حُسم به، فلا يُسَلّم، وإنما يندفع، على العكس من ذلك، بارتفاع الحرج والإقرار بالصواب الذي ظهر على يد محاوره، وهو بالذات مقتضى «الإذعان»؛ وعلى هذا، فالحسم لا ينفع في تحصيل الإذعان الضروري للخروج من الاختلاف.

ثم يؤكد أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضعفها إنما هي المنازعة التي تلجأ إلى العنف، يقول:

يتضح أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضعفها إنما هي المنازعة التي تلجأ إلى العنف، قمعًا كان أو حسمًا، لأن المعنَّف لا بد أن ينتهي به الأمر، إما إلى أن يهلك أو ينشق أو يتآمر، وفي كل واحد من هذه الأحوال الثلاثة يتسبب في خلخلة الجماعة، زيادة أو نقصانًا؛ أما المنازعة التي ينبني عليها الاختلاف، فإنها تُوافق الجماعة كل الموافقة وتقويها أيما تقوية، إذ تقضي بأن تقوم علاقات التعامل فيها، من جهة، على فعل الإقناع الذي يحمل تمام الاعتبار لذات الغير، ومن جهة ثانية، على فعل الإذعان الذي يحمل تمام الاعتبار للصواب؛ ولا بد لمثل هذه المنازعة أن تكون خادمة للجماعة بم يورثها مريدًا من التماسك في البنية الجامعة والتناصح في المصلحة العامة؛ ولولا أننا ننفر مما تجتره الألسن تحت ضغط الإعلام، لقلنا: “يكسبها مزيدًا من الشفافية“.

الفلسفة و الأخلاق من منظور د.طه عبدالرحمن

1329261627

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة  والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

 

كيف ينظر الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة الفلسفة والأخلاق من حيث أن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ماتوصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل، يرد على ذلك قائلاً:

بدون شك هيمن على الفلسفة تصور ما، كان هذا التصور هو أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات. لكن لو نظرنا لهذا التصور، لوجدناه يخل بمقتضى منطقي وهو أن النظر المجرد لايمكن أن يحكم على السلوكيات، لأنه يحتاج أن يتحقق بخصائص السلوكيات لكي يتمكن من الحكم عليها. أي لابد للفسفة أن تكون مصحوبة بالعمل، حتى تفتح في العمل أفاق جديدة لم تكن فيه لما كانت الفلسفة نظراً مستقلاً عن العمل. لأن العمل يؤثر في النظر، من حيث أنه ينشئ استدلالاً جديداً في النظر واستشكالات في القضايا. وحين يكون النظر أخ العمل ولا ينفك عنه عند ذلك نقول أن الفيلسوف له الحق أن يحكم في السلوكيات وأن يحكم كذلك على الغيبيات.
لذلك لا نستغرب أن العالم الاسلامي لما تلقى الفلسفة أسماها الحكمة لأن الحكمة مخروطة بالعمل بشكل كامل بل تعد مرتبة،و ليست فقط مرتبة يتأطر فيها النظر بالعمل، بل يصبح العمل هو الذي يوجه النظر وليس العكس.
ونستطيع أن نقول بأن العمل هو ليس إلا جملة سلوكيات وهذه السلوكيات يمكن أن تكون موصوفة بالخير أو الشر أو الحسن أو القبح. وحين ذاك فإنها تعتبر داخلة في باب الأخلاق. إذن فكل سلوك يخضع أو يكون محط الحكم عليه بالخير أو الشر يعد خلقاً من الأخلاق. بمعنى آخر، أن الأفكار لابد أن تكون مصحوبة بالأخلاق حتى تحقق الفلسفة كما عاشها التراث الاسلامي، بل أقول أن بعض المدارس اليوناينة كالرواقيين كان تصورهم للفلسفة تصوراً عملياً، ونحن اليوم أحوج مانكون إلى استحضار هذا التصور العملي للفسفة لأسباب موضوعية موجودة في واقعنا، أي لايمكن أن ننشئ فلسفة بالنظر المجرد والواقع أمامنا يتحدانا بإشكالات وعوائق كبيرة ملموسة واقعية. بل نحتاج تجاوزها، ولايمكن تجاوزها بالفكر المجرد بل لابد من فكر قد انطبع وتشكل بالعمل تشكلاً كاملاً.

فالأخلاق على هذا الأساس ينبغي فيها مراجعة المسلمات التي بنيت عليها، لأن التصور للفلسفة كان تصوراً نظرياً والأخلاق كانت تعتبر لمحة نظرية، فإذا اعتبرنا أن الفلسفة من مقتضاها المنطقي أن تجمع بين العمل والنظر فمن الواجب مراجعة مسلماتها التي انبنت عليها الأخلاق، ومن هذه المسلمات:

أولاً: أن الأخلاق هي صفات كمالية يعني لا يضر فقدها الإنسان بل يمكن أن يستغنى عنها أحياناً بل هي بمنزلة ترف لا ننضر بعدم حصوله. ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الأخلاق هي صفات ضرورية جوهرية يختل بفقدها ليس فقط نظام السلوك بل نظام الحياة، فلو تصورنا أن مجتمعا ليس فيه تمسك بالأخلاق والقيم سنعتبره مجتمع غير حي،أي لا حياة فيه.

ثانياً: تصور الأخلاق أنها صفات محدودة وأنها تشكل فقط جزء من السلوك الانساني، أن هناك أفعال نصفها بالأخلاق وأفعال لا نطبق عليها وصف الأخلاق وهذا كذلك غير مسلم ومعترض عليه. الأخلاق تشمل جميع أفعال الإنسان ابتداء من الفعل النظري; الفعل النظري فعل خلقي من حيث أنه يقتضي بموجب أن لنا بصر، فإذن يقتضي أن ننظر في المصلحة التي يجلبها لنا أو المفسدة التي يدفعها عنا، إنه بذلك الاعتبار يعتبر فعلا خُلقيا دافع للمصلحة.

كيف نستطيع أن نعتبر أفعال العقل هي أفعال خُلقية؟ يجب د. طه عبدالرحمن عن ذلك قائلا:

مادامت جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي مايجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني. فمثلا قد نقول هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا عقلانياً وليس هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا أخلاقياً. أي كلما زاد الإنسان أخلاقية اعتبرناه زيادة في انسانيته لكن لا نقول أنه كلما زاد في تقدم العقل زادت انسانيته، لأن زيادة تقدم العقل قد يضر بالإنسانية متى دمر هذا العقل الإنسان.

على ماذا يستند د.طه عبدالرحمن ليثبت أن الأصل في الأخلاق هو الدين، يجيب عن ذلك قائلاً:

أن ايمانويل كانت (كانط) علمن الأخلاق، أي فصلها عن الدين وأدخل عليها التعقيل -التحليل والتنظير- العقلي. وهذا لا يمنع أن الأصل في كثير من المفاهيم أن تكون دينية. ونحن نستطيع أن نجد ذلك -أي عقلنة الأخلاق- حياً اليوم في حياتنا مثلا: مفهوم ( التضامن) هو مفهوم أخلاقي ديني ولكنه الأصل فيه (الإحسان) عند المسيحين و (آلتراحم) عند المسلمين. فمبدأ (التراحم) أدخلت عليه الصفة العقلية ليصبح هو (التضامن). ومثال آخر: وهو مفهوم (المواطنة) هذا المفهوم هو علمنة لمفهوم (الأخوة). كانت هو في الحقيقة فصل الأخلاق عن الدين وهي موصولة أصلاً وفصلاً ليستجيب لمقتضى الحداثة و الأنوارية و مقتضى فكّر بنفسك ولا تنتظر وصاية أحد عليك. هي مسألة استيلاء العقل على أمور دينية وصرفها صرفاً عقلانياً.
لكن في الحقيقة هو أن الدين الأصل، لأن القيم الأخلاقية هي مُثل لاوجود لها في الواقع. لا هي وقائع ولا هي مجردات من الوقائع كما تجرد الكليات من الجزئيات. ولا أكتفي بالقول بأنها مُثل، بل هي معاني مشخصة في داخل الإنسان ليست مُثل في عالم خارج الواقع ومن هنا أقول بأن وظيفة الوحي كانت لخبرنا بوجود هذه المعاني وكيفية التصرف وفق هذه المعاني. ولماذا نقول أن هذه هي وظيفته بالضبط؟  لأن الوحي لم ينزل إلينا ليخبرنا عما يستطيع العقل أن يصير إليه مثلاً من حقائق كونية بل جاء ليخبرنا بالحقائق المعنوية التي فُطرنا عليها والتي ينبغي أن نسلك حياتنا وفقها، حيث أن وظيفته ليست التعريف بالكونيات -الملكيات- بل التعريف بالآيات -الملكوتيات- يعني القيم الأخلاقية التي هي آيات أُودعت في نفس الإنسان بإرادة الله سبحانه وتعالى.

للإستزادة:
مسارات:في الفلسفة والأخلاق
سؤال الأخلاق – طه عبدالرحمن

 

الخبر الديني عند د.طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين. يتكلم في كتابه (سؤال الأخلاق) عن المنظومة الدينية فيقول:

حقيقة الدين أنه أشبه بالمؤسسة منه بالنظرية ، بل هو أصلاً مؤسسة ، ومقتضى المؤسسة أن تكون مجموعة أحكام ومعايير تحدد كيفيات العمل من أجل تلبية حاجات معينة.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى الخبر الديني، والمغزى من ورائه:

ليس الغرض من الخبر في الدين تبليغ معلوم معين بقدر ماهو الحث على الاعتبار بهذا المعلوم، أي ليس هو الدلالة على الشيء ذاته بقدر ماهو الاستدلال بهذا الشيء على ما سواه ، أو قل بإيجاز، إن الخبر الديني هو آية قبل أن يكون حكاية.

الخبر الديني ليس خبرًا علميًا وإنما هو خبر عملي ؛ ذلك أن الدين لم يأت لكي يُعلم الناس مايمكن أن يدركوه بآلاتهم وقدراتهم المختلفة التي خلقوا بها، ولا أتى على نسق نظرية علمية حتى يمكن أن تُجرى عليها وسائل التحقيق المعلومة وإنما أتى لكي يرشد الخلق إلى الطريق التي ينبغي أن يوجّهوا بها هذه الآلات والقدرات الإنسانية حتى يستطيعوا أن يحيوا حياة طيبة في العاجل وحياة سعيدة في الآجل ؛ وذلك لأن هذه الآلات والقدرات المختلفة، بالنظر إلى ذاتها، يجوز أن تطرق كل أبواب الإمكان وتأخذ في ممارساتها كل اتجاه، إذ ليس لها من ذاتها مايحملها على فعل هذا بعينه، أو فعل هذا دون فعل ضدّه ولا مطمع في توجيهها إلا بتعيين جملة من القيم التي ينبغي لها أن تطلبها، وهي التي يتولى الخبر الديني الإعلام بها أو الإشارة إليها، فإذن لا خبر في الدين بمعزل عن قيمة قريبة أو بعيدة.