أرشيف الوسم: عادل_مصطفى

في مديح الاستعارة، عند عادل مصطفى

0703_writing_cog

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. في كتابه (أوهام العقل)، والذي تناول فيه أفكار الفيلسوف (فرانسيس بيكون)، كتب جزءًا يمتدح في الاستعارة، كأسلوب أدبي رفيع. يقول الدكتور (عادل مصطفى):

إن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنى جديد أن يظهر. وبنفس الطريقة تتبدل العملية الإشارية في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارة ثانية هي التي تجيء بها الاستعارة. وقد يبدو أن الاستعارة لا تفعل أكثر من تحطيم العملية الإشارية؛ غير أن هذا في الظاهر فقط. فالاستعارة المبدعة الحية تخلق إشارة جديدة تتيح لنا أن نصف العالم أو جزءًا من العالم كان ممتنعًا على الوصف المباشر أو الحرفي. فالاستعارة وسيلة سيمانتية -دلالية- للإمساك بقطاعات من الواقع ومن خبايا النفس لا يطالها التعبير الحرفي ولا يملك منفذًا إليها. بوسع الاستعارة أن تقبض على مستويات عديدة للمعنى في وقت واحد، وتربط المعنى المجرد بالمعنى الحسي البدائي المشحون بالعاطفة والانفعال، وتعقد بينهما وصلًا مثريًا وتكاملًا صحيًا. والاستعارة إذ تهيب بالخيال الصوري فهي تدعم “الذاكرة البعيدة” وتنمّي الإنتاج اللفظي وتحفز الفهم التكاملي. والاستعارة إذ تجلب كل ملحقات المشبَّه به وتلصقها في المشبَّه فهي تتيح كمًّا معلوماتيًا كبيرًا بمبذول لفظي صغير. وهي بهذا الاقتصاد الذهني تجعل الفكر أبعد مرمى وأكثر طموحًا.

د. عادل مصطفى عن علاقة الفن والحياة

philosophy

الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة .. فى كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الاستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن) والذي يعتمد فيه بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل)، بقول متحدثًا عن علاقة الفن بالحياة:

مهما تكن علاقته بالحياة، فالفن غير الحياة. صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من تربة الحياة؛ إلا أنه –شأن كل كيان انبثاقي- مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن “رده” إلى عناصره الأولى. فلو كان الفن مجرد رهافة حسية إنسانية وتوقّد وجداني حياتي لكانت أي فتاة مراهقة نزقة هي أشعر الناس. ولو كان الفن مجرد تأثر بالطبيعة أو بأحداث الحياة لانتفت الحقيقة التي نراها جميعًا من أن المدرسة الأولى للفنانين هي مدرسة الفن لا مدرسة الحياة، وأن نقطة البداية في حياتهم هي التأثر بزعمال غيرهم من الفنانين العظام لا التأثر بمناظر العالم الخارجي، وهي المشاركة في عالم الفن لا المشاركة في عالم الطبيعة.

ثم يقول مشددًا على ذلك:

الفن فن والحياة حياة. ومَن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع في مغالطة “خلط المقولات” أو ما صار يسمى “الخطأ المقوليcategory mistake.

ويتابع قائلًا:

فمن الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الاستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة. فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص. ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه.

ويختم جملته باقتباس عن (كلايف بل) من كتابه (الفن):

“ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعَليه أن يتضع أمامه. أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدّروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه. وأيًا ما كان عالَم التأمل الاستطيقي فهو ليس عالَم المشاغل والأهواء البشرية. إنه عالمٌ لا تسمع فيه لغوَ الوجود المادي وصخبه. أو تسمعه مجرد صدى لتوافُق آخر أكثر جوهرية”.

ويختتم حديثه بكلمات عن ضرورة الفن وفائدته، فيقول:

والفن بوظيفته المعرفية […] يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني. فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري من العالم، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي. فبفضل كُتّاب من طراز (شكسبير) و(بروست) أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكلوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها. وبفضل مصوّرين من طراز (سيزان) و(مانيه) تعلّمنا كيف ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية الأشياء. ومهما أمدنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنبقى بحاجة إلى الفن لكي يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة.

د. عادل مصطفى شارحًا تاريخ الفن الحديث

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسي، مصري معاصر، حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة، وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005. له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. تحدث د. (عادل) عن تاريخ الفن الحديث في كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن)، والذي يقوم فيه بكتابة نظرته الفلسفية للفن، أو دفاعه عن الفن فلسفيًا كما يعبّر عن ذلك في المقدمة. متكئًا بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل) (1881-1964).

يقول مفتتحًا سرده:

كان الفن في أواسط القرن التاسع عشر في سُبات أقرب إلى الاحتضار. وكان الشطر الأكبر من اللوحات الفنية يهدف إلى المحاكاة الأمينة والترديد الحَرفي للمرئيات الطبيعية الجميلة، لشخصيات مليحة وشواطئ ساحرة ومناظر ريفية خلابة.

في قلب هذا الركود بزغت حركة قلِقة مُقلِقة تنم على حيوية جديدة، هي حركة “الانطباعيين” الفرنسيين. أما لفظة “انطباعية” فقد أطلقها النقاد على مجموعة من المصورين كان (مونيه) فارسها الأشهر. وهي مأخوذة من عنوان لوحة رسمها (مونيه) عام 1872 وسمّاها “انطباع” كناية عن مشهد لشروق الشمس.

 ويكمل بعد ذلك قائلًا:

لقد أعاد الانطباعيون تعليم الناس كيف ينظرون إلى الأشياء من جديد، كما عملوا على صرفهم عن تعاليم فنية كثيرة. تخلّى الانطباعيون عن مهمة إعادة بناء الماضي، وعن التآليف المجازية، وعن التخيلات الرمزية. وأصبح يُقال “الانطباعية إنما تثير الإحساس عوضًا عن إثارة المخيلة”.

 ثم يقول عن الترميز، مختتمًا جملته بمقولة (ألكسندر إليوت) في كتابه (آفاق الفن):

إن الرموز، على حد قول (كلايف بل)، ليست أشكالًا  دالة في عامة الأحوال بل ناقلات خبر شكلية. والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي. وهي جائسة مغلقة لأنها غير مغمورة في إيقاع “التصميم”. وليست الأساطير الشارحة التي اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم بأدخل على الفن البصري من الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. “إن الفن الرمزي المحض -الفن الذي يحتاج إلى مفتاح- ما هو دائمًا إلا بابٌ لخزانة، في حين أن الفن العظيم مصراعٌ مشرعٌ على التجربة العظيمة”.

ويبدو أن الحركة الانطباعية قد فقدت إشعاعها الأول. فيقول:

غير أن تركيز الانطباعيين على السطوح الخارجية للأشياء دفعهم إلى الإقلال من تكتل الموضوعات التي يصورونها وصلابتها، مما جعل فنهم يبدو في كثير من الأحيان خافتًا مائعًا رخوًا مفتقرًا إلى الشكل والصلابة. وفي قلب هذه البوادر الهدمية للحقيقة الواقعية في ظاهرها وُلدت الحاجة إلى إعادة بناء الواقع. وقد تم ذلك على يد (سيزان) أبي الفن الحديث.

ويقتبس عن كتاب (الوجودية) لـ(جون ماكوري):

“يُنظر إلى (بول سيزان) (1839-1906) في العادة على أنه أعظم شخصية مؤثرة في الفن الحديث، وربما تشير أعماله إلى ضرب من التوازي مع الحركة الوجودية، إذ نرى عنده نهاية للأشكال التقليدية في الفن وخلقًا لأشكالٍ جديدة. وهو يمكِّننا من أن نرى الأشياء بطريقة جديدة، وفي علاقات جديدة … إلخ”.

ثم يشرح آثار (سيزان) على الفن، فيقول:

أسس (سيزان)حركة بنائية أعادت للتصوير صلابته ومتانة بنيانه. واستخدم اللون من أجل التعبير عن “ثقل” الأشياء أو تكتلها. ولا يقل عن هذا أهمية ذلك العمق الكبير الذي اتسمت به لوحاته. وهكذا نراه يستطيع أن يخلق تجاوبًا إيقاعيًا بين العلاقات المكانية التي تمتد من وراء مسطح الصورة، فتنقل عين المشاهد فوق المسطحات المتداخلة للوحة ويشعر نتيجة لذلك بالحركة والتوتر. هذه العلاقات “التشكيلية” بين الكتل المصورة تؤلف جزءًا من معنى “الشكل” عند (سيزان).

ثم حصلت نقلة أخرى في تاريخ الفن. يقول د. (عادل):

وبعد حلول القرن العشرين اتجه الفنانون إلى استبعاد جميع آثار “التمثيل”. فالقيم التشكيلية واللونية للتصوير يُمكن أن تُستغل على أكمل نحو عندما لا يكون العمل مضطرًا إلى الاهتمام بمشابهة الواقع. وفي عام 1907 أتم (بيكاسو) رسمته الشهيرة (صبايا أفنينون) التي اعتبرت ثورة في فن التصوير واستبصارًا جديدًا بالواقع، وانبثقت عنها الحركة “التكعيبية”. كانت الدراسات التمهيدية التي قام بها (بيكاسو) قبل إنجاز اللوحة نهائيًا تلخص تطور هذه الثورة. ففي البداية كان المقصود من العمل أن يكون تمثيليًا، بل كان له شيء من الدلالة الأخلاقية. ،في الدراسات التالية أخذ البناء الشكلي للعمل يزداد أهمية، حتى انتهى الأمر إلى حذف العنصر الأخلاقي لصالح تكوينٍ يتألف من هيئة شكلية خالصة، تزداد بالتدريج، أثناء تطورها، تجريدًا وانتزاعًا للقوام الإنساني. وفي العمل النهائي انقسمت الوجوه والأجسام إلى تصميمات من الزوايا والمسطحات.

وبالمثل فإن الألوان في أجزاء الجسم كانت في كثير من الأحيان بعيدة كل البعد عن أية مشابهة مع الحياة. كانت هذه اللوحة إرهاصًا بالحركة التكعيبية التي أوغلت في التجريد وجعلت تحلل الموضوعات الطبيعية إلى تصميمات للسطوح، بطريقة تبلغ في كثير من الأحيان من الابتعاد عن الواقع حدًا لا نستطيع معه أن نعرف ما هو الأنموذج إلا عن طريق عنوان اللوحة.

الفكر الحر عند عادل مصطفى

philosophy
الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة .. فى كتابه (المغالطات المنطقية) يتكلم عن الفكر الحر و يقول :

ليست الحرية شيئاً يُضاف إلى الفكر ، فيكون لدينا فكرٌ حرٌ بعد أن كان لدينا فكرٌ غيرُ حر . فالفكر الحقيقى لا يكون إلا حراً . الفكر حر بحكم ماهيته و حكم تعريفه . الحرية ليست “محمولاً ” للفكر بل “كيفية وجود” أو “أسلوب كينونة” . الحرية ليست شيئاً “يَعرِض” للفكر بل هى شىء “يَكُونه” ! بدون حرية أنت لا تفكر .. بل تردد و تكرر .. و تصفر كجنادب الليل .. و تبيع إحدى جوارحك كالبغى لتشترى السلامة . و الفكر غير الحر ليس فكراً ، و إنما هو كـ “النقطة الممتدة” و “المربع المستدير” تناقض ذاتى.

و حول مغالطة إستخدام القوة الغير مقترنة بالعقل لتوجيه دفة الأمور يقول :

تعنى كلمة “baculum” باللاتينية : العصا . ومن ثم تعنى هذه المغالطة اللجوء إلى التهديد و الوعيد من أجل إثبات دعوى لا تتصل منطقياً بإنفعال الخشية و الرعب الذى تهيب به . تقبع فى صميم هذه المغالطة فكرة “القوة تصنع الحق” و هى مغالطة لأن التهديد يعمل على مستوى دافعى مغاير لمستوى القناعة الفكرية .
بوسعك أن تفرض السلوك القويم بالقوة ، و لكن ليس بوسع أحد قط أن يفرض الرأى العقلى بالقوة . و إن ألف سيف مُصلت على رقبتك لن تُنهض لك دليلاً على اثنين و اثنين تساوى خمسة مثلاً ! قد تشترى رقبتك بالطبع و تسلم للمأفونين بأنها كذلك ، و لكن الإنصياع لا يعنى الإقتناع .

هكذا فعل جاليلو حين أذعن للتفتيش و أثر السلامة . و بقيت الأرض تدور فى ملته و إعتقاده حيث لا تفتيش ثم ولا محاكم . و هذا ما لم يفعله جيوردانو برونو (1548-1600) من قبله . فقد ذهب برونو إلى أن هناك أنظمة شمسية عديدة تسبح فى فضاء لا نهائى ، و هددته الكنيسة بالموت ما لم يغير آراءه . إلا أنه لم يرضخ لمنطق العصا ، و آثر الموت حرقاً على الخازوق عام 1600