أرشيف الوسم: عبد الكريم سروش

الغفلة، كمَعلَم أساسي للعصر الحديث، في رأي د. سروش

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، سأل فيها د.(سروش) عن الهدف من الحياة:
أود أن أطرح هنا سؤالًا: (لماذا نعيش هذه الحياة؟) لا بد أن يمسك الإنسان يومًا بتلابيب نفسه ويسألها هذا السؤال: الكثيرون منا منهمكون في انشغالاتهم اليومية وغاياتهم الجاهزة التي يحقنونهم بها ويبيعونهم إياها، فيتلقونها كبديهيات متعالية على التفكير وإعادة النظر، إلى درجة تذهل فيها عن أية مراجعة لهذه الغايات والأهداف. إننا لا نفكر حتى في مدى ابتعادنا عن معنى الحياة.
ثم يبيّن بأن هذا التساؤل هو أحد أسباب الأزمات النفسية في الوقت الراهن. وبأن التساؤل عن ذلك يعد شيئًا من الفطنة:
الذين يصابون بأزمات نفسية، حينما يراجعون الأطباء النفسانيين، يتفطنون إلى توهم وجود شيء اسمه (معنى الحياة) لا تملأ فراغه أي من هذه الأدوات والوسائل والآلات والبهارج الدنيوية الظاهرية.
ثم يتحدث عن الحالة الفكرية العامة للعصر الحديث، ويقول بأن التغافل عن الأسئلة المهمة بحياتنا أضحت سمة أساسية للعصر الحديث:
لقد اكتسبت الحياة في العالم الحديث معنى جديدًا، وانعقدت نفوس الناس على غايات مختلفة. الغاية الحياتية التي تشيعها المظاهر ووسائل الإعلام بين الناس تنحصر في اللذة والمتعة. خلاصة ما يروج له كهدف للحياة هو أن نشعر بالنشوة والهياج، ونشتري أكثر، ونستهلك أكثر، ونلبس أفضل، ونغفل أكثر. من عجائب العالم الحديث أن الغفلة أمست من أركان الحياة ومحاورها الرئيسة. لو ألقينا نظرة إلى أسباب الترفيه وأدواته في العالم المعاصر، سنلاحظ أنها جميعًا تحاول صرف أذهاننا ولو لفترة قصيرة عن الوجه العابس الجاد للحياة إلى أمور أخرى. الغفلة أضحت اليوم أحد العناصر الرئيسة المكونة للحياة وغاياتها. الكثير من أنظمة التسلية في العالم الحديث، ومزاولة الأعمال، وإلقاء الخطب والمحاضرات، والألعاب الرياضية، إنما هي من سنخ الغفلة وتحقيقها. العبارة الغربية التي كثيرًا ما نسمعها اليوم من الأمريكيين: (نحن نعيش لمرة واحدة)، لذلك علينا أن نقضي هذه المرة الواحدة بالمرح والرفاه. غير أن هذه نتيجة خاطئة تستنتج من مقدمة صحيحة، نعم، الإنسان يعيش حياته الدنيا لمرة واحدة، ولهذا يجب أن يعيشها بشكل مدروس، لا أن يستهلكها بالغفلة واللامبالاة.
حينما تتأمل في الغفلة وصناعة الفغلة التي تنتجها وسائل المرح والترفيه الحديثة، سنرى كيف أن غاية الحياة قد تغيرت، وكيف يتهرب الناس من تفكيرهم في الهدف من الحياة، ولا يريدون حتى أن يخطر على بالهم.

د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.

عبدالكريم سروش، عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (سروش) عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم، مبتدئًا حديثه يتبيين الفكرة السائدة عن كلٍ من العالمين:

غالبًا ما ينظر الناس من الحداثة إلى ثمارها، وقلما يتبصرون في جذورها وأرضيتها. والسبب واضح: الناس عقولهم في عيونهم، كما يقول المثل. عامة الناس لا يجنحون إلى تحري الأصول إلا بصعوبة، وفي أطوار متأخرة أي إنسان تسألونه: ما هو العالم الحديث؟ سيقول لكم هو الطائرات، والكمبيوترات، والكهرباء، والسكك الحديدية، والأدوية الحديثة، والمستشفيات عالية التجهيز، والقنابل الكيمياوية، والبرلمانات، والأحزاب، والصحف، والجامعات، والبنوك، ودور السينما، ..إلخ. أي أنهم ينسبون إلى الحداثة، ما يشاهدونه اليوم مما لم يكن في السابق، هم لا يعدون الأشجار والسماء والأرض من العالم الحديث، بل هي من وجهة نظرهم تنتمي للعالم القديم. مرض السل أيضًا ينتمي للعالم القديم من منظارهم، رغم أن طريقة معالجته قد يعتبرونها من خصائص العالم الحديث. وكذا الحال بالنسبة لأساليب حل المسائل الرياضية.

 بنظرة أدق، يضع د. (سروش) على الإجابة الأصح برأيه حول السمة الأساسية للعصر:
فبنظرة أعمق نستطيع القول أن ما يميز العالم الحديث عن العالم القديم ويرسم بينهما حدودًا دقيقة هو وجود وعدم وجود العلم الحديث. العلم ولا سيما العلوم الطبيعية، حصيلة عصرية لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون. مثل هذا المخلوق وبهذه السمات لم يكن قد ظهر إلى مسرح الحياة في العالم القديم. إذا عدنا عن التقنية وهي ثمرة العلم، إلى الوراء قليلًا، سنصل إلى العلم ذاته، وبوسعنا اعتباره مؤقتًا السمة الأبرز للعالم الحديث.
 ثم يتحدث عن كون أغلب الاكتشافات والنظريات العلمية كانت وليدة الصدفة:
أن تعزو هذه الفوارق إلى الصدفة جواب ناقص، يترك في الواقع العديد من الأمور بلا جواب. إذا اعتبرنا هذا العلم بكل عظمته وليد عدد من الحوادث المتفرقة التي لا تحكمها أي حسابات أو ضوابط، نكون قد ضاعفنا عدد الأسئلة على أنفسنا قبل أن نجيب عن أي سؤال. لذا سيكون سؤالنا اللاحق: إذا كان العلم الحديث أبرز نتائج وعلامات العصر الحديث، فما هو مرد ظهور هذا المخلوق، وهذه النتيجة؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال عصية عليكم فلا تلوموا أنفسكم، لأنها ما انفكت عصية على جميع العلماء والفلاسفة. إنه سؤال جد رهيب ومشكل.
 يعود مرة أخرى للحديث عن العلم الحديث، فيبيّن أقسامه:
إن ما يوجد اليوم ولم يكن بالأمس، وقد حاز في الوقت الحاضر أهمية محورية ومركزية، بحيث تعزى إليه الكثير من وقائع العالم الحديث، إنما هو عنصر مهم يدعى العلم التجريبي. بوسعنا الاعتراف بهذا العنصر كسمة وخصيصة مميزة إلى جانب التقنية والصناعة الحديثة.
يمكننا إدراج منجزات العلوم التجريبية، سواء كانت اجتماعية أو طبيعية تحت عناوين أربعة، هي باختصار: الوسائل، الغايات، المفاهيم (التصورات)، القبليات (التصديقات أو المسلمات).
 أما القسم الآخر للعلم الحديث والذي لا يقل أهمية عن الأول فهو:
كنت أشدد إلى الآن على العلم الطبيعي، وهو علم واضح التعريف والخصائص. لكنني لم أتطرق إلى العلوم الاجتماعية. وأضيف هنا، أن العلوم التجريبية الطبيعية لم تكن وحدها التي غابت عن لائحة عناصر العالم القديم ومكوناته، بل والعلوم الاجتماعية أيضًا كانت غائبة هي الأخرى. لم يكن في الماضي علم اجتماع أو علم نفس، أو علم اقتصاد، أو علم إنسان، بالمعنى الحديث للكلمة، ولم يكن ثمة معارف قريبة من هذه العلوم العصرية بشكل أو بآخر.

  ثم يتساءل: هل يجعل العلم الحديث، من هذا العصر أفضل وأذكى من العصور السابقة؟

يستشف أن العالم الحديث وجد لنفسه عيونًا ونظارات لم تكن لدى السلف. ومع ذلك ينبغي علينا ألا نفاخرهم، فقد كانت لديهم عيونًا ونظارات، أهّلتهم لبعض الاكتشافات، فأبصروا أشياء لم يمر بها المعاصرون ولا يرونها. لذلك نلاحظ أن القادمين من قلب العالم القديم، حاملين معهم منه بضائع طازجة (أو هذا ما يدعونه على الأقل) تلاقي طروحاتهم إقبالًا وترحيبًا وتبجيلًا، لاسيما في أوساط العالم الدنيوي الغربي الغارق في المادة.

لماذا عجزت عقول الأقدمين عن اكتشاف بعض الأمور البديهية، كالجاذبية مثلًا، ألا يُعد الموضوع في منتهى البساطة؟

العديد من الأسئلة التي تتفاعل اليوم في الأذهان مردها إلى أن الإنسان يرى أسلوب حياته بديهيًا، لذلك يسأل: لماذا لم يفكر الماضون بهذه الطريقة؟ نحن عمومًا ميالون إلى اعتبار واقعنا الحياتي بديهيًا. وتشتد هذه الميول فينا إلى درجة تترك الأحوال والظروف الأخرى عجيبة جدًا في أنظارنا. لذا نستفهم دائمًا: لماذا كان الماضون سيئي الفهم إلى هذه الدرجة، فلم يتوصلوا إلى أمور بديهية، يدركها عقلنا المعاصر بكل يسر؟ والمقصود من الماضين هنا ليس عامة الناس فقط، بل حتى العلماء والنوابغ العظام، الذين لم يكتشفوا من بديهياتنا شيئًا.
 يجيب عن ذلك، فيقول:
إن لكل عصر بديهياته التي لا يطالها الشك، في ذلك العصر، ولا تخضع للنقاش والمساءلة، ولهذا تسمى بديهيات. بكلام آخر، لكل عصر عقلانيته المقبولة المسلّم لها، والتي لا يجادل أحد فيها خلال ذلك العصر. الإنسان في كل عصر يتفرج على عقلانية العصور الأخرى وبديهياتها من زاوية عقلانية وبديهيات عصره، فتستغرقه الحيرة إلى هامته. خذ للمثال قضية حقوق المرأة، ففي عصرنا ثمة بديهيات على صعيد حقوق الإنسان، رجلًا  كان أو امرأة، يذهل المعاصرون حقًا لعدم تنبه السلف إليها. على أن هذا ليس بالمنهج السليم في تحليل التاريخ. إذا أردنا دراسة التاريخ برمته من منظار زماننا سوف ننأى عن الصواب كثيرًا، ولن نوفّق لاستيعاب ذهنية الأسلاف إطلاقًا. بغية أن نفهم الأحداث الماضية بنحو أصح، علينا استخدام نظارات السلف، وفي ما عدا ذلك سنكيل التهم والوصمات لهم بأنهم كانوا يعيشون فترة طفولة خلافًا لإنسان العصر الحاضر الذي بلغ رشده ونضجه، وغدت كل آرائه صادقة سليمة بالبداهة.
 ثم يتحدث عن أحد سلبيات العلم التجريبي أو العالم الحديث، بأنه ينظر إلى كل شيء وكأنه مادة للاستهلاك، بعد أن كانت عقليات الأقدمين ترى بأنها مشاركة على هذه الأرض، وليست مسيطرة كما ترى العقلية المعاصرة:
على صعيد آخر، نلاحظ أن من خصائص النظرة العصرية للعالم، أنها تعتبر كل شيء خزانًا للطاقة وظهرًا يمكن أن يُركب، بل يجب أن يركب ويستفاد منه. العلم والثقافة الحديثة لا ينظران للعالم كنهر يجري، ويجب أن نجلس على جرفه، ونكتفي بالتفرج عليه، واستلهام العبر منه. لقد كوّن الإنسان المعاصر تصورات جديدة عن العالم تملي عليه لعب دور فيه. يؤكد الإنسان الحديث أنه يريد النزول إلى ساحة العمل، والتدخل في صياغة الحياة وتشكيلها. لا بأس أن نتذكر هنا عبارة (ماركس) الشهيرة: “أن الفلاسفة قاموا لحد الآن بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغيير العالم”.

عن الحقوق والواجبات، د. سروش يتحدث

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (عبدالكريم سروش) في البداية عن كون الإنسان المعاصر لم يعد قنوعًا بما يُقدّم إليه، وبأنه أصبح إنسانًا معارضًا لكل شيء:
الإنسان الحديث ليس بالإنسان القنوع، بل هو مخلوق معارض لا يوافق أي شيء كما هو.
 ثم يضيف في ذات الموضوع قائلًا:
لم يبق العالم الحديث من معنى للقناعة، لهذا بات من العسير جدًا أن نعالج هذه الكلمة مع أنفسنا، ونفكر في المعنى الحقيقي لهذه المفردة التي سمعناها وفيما يتوخاه منها من يستعملونها ولهجون بها. الحق أن مسألة القناعة في العالم الحديث مسألة معضلة بينما كانت بالنسبة للسلف مبدأ يتبع، بل ومن الأركان الأخلاقية كما أسلفت.
 ثم يتحدث عن سبب تبدّل القناعة عند الإنسان بين الإنسان المعاصر، والإنسان القديم، فيقول:
حينما نقارن بين الإنسان الحديث والإنسان القديم، ونستعرض كتابات الأسلاف، نعاين أن توقعات الإنسان القديم وتقييماته لنفسه وللمجتمع، تدور جميعها حول محور التكليف، بينما تدور مطالبات الإنسان الحديث حول مدار الحقوق.
 يوضح ذلك أكثر، عن فكرة الحقوق والواجبات عند السلف، فيقول:
الواجبات والتكاليف كانت مرجحة على الحقوق في وعي السلف، فكان الناس ذوي (وعي تكليفي) في الغالب. في العالم القديم كان رجال التربية في المجتمع، سواء الأنبياء أو غيرهم، يثقفون الناس بواجباتهم قبل كل شيء. ولا يعني هذا الكلام أنه لم تكن ثمة حقوق في السابق، إنما كانت تنتزع حقوق البشر من صميم واجباتهم. الإنسان القديم كان يرى نفسه في الأصل وقبل كل شيء حيوانًا مكلفًا، فيتوخى قبل كل شيء تعيين تكاليفه وواجباته، وبعد ذلك تنبثق إلى جانب تلك التكاليف ومن صميمها مجموعة من الحقوق. الواجب كان إطارًا مرجعيًا سائدًا في العالم القديم، استغرق حياة أجدادنا وأسلافنا.
 وكل ذلك تبدّل في العصر الحديث:
وحينما يجري الحديث عن الواجبات سيتم تصنيف الناس بطبيعة الحال إلى سادة وعبيد، آمرين ومطيعين. أما اليوم فحقوق الإنسان من بديهيات العصر. لقد دخلنا في العصر الحديث إطارًا مرجعيًا جديدًا، يعتبر فيه الإنسان نفسه حيوانًا محقًا، لا حيوانًا مكلفًا، فيبحث في الدرجة الأولى عن حقوقه، ليستخرج منها في مرحلة لاحقة واجباته.
ثم يقول بأنه يعتقد بأن الإنسان يجب أن يوازن بين المطالبة بحقوقه وأداء واجباته، بالإنسان يجب أن يكون محقًا مكلفًا:
لقد تحدثت كثيرًا عن الحقوق والواجبات داخل إيران وفي البلدان الأخرى، مع المسلمين وغير المسلمين، وكنت أركز على الحقوق أو الواجبات بما يتناسب مع المستمعين. في الداخل أواجه أفرادًا وشبابًا حتى لو لم يعرفوا هم بأنفسهم، فإنني أعرف جيدًا أنهم طبقًا لتعريفهم لأنفسهم، بعتبرون الإنسان حيوانًا مكلفًا. في مثل هذا المناخ أحاول منحهم حق الوعي والصحوة، وعليكم المطالبة بحقوقكم. لا تسألوا عن واجباتكم فحسب،اسألوا ولو لمرة واحدة عن حقوقكم، ودافعوا عن مطالبكم. لكنني حين أواجه مستمعين أجانب تتغير المسألة إلى الضد، إذ غالبًا ما تترك المسؤولية في الغرب لأتربة النسيان، ويتحول الإنسان إلى مخلوق دائن محق بالمطلق، يجب أن يأخذ ويسلب، ويحوز كل شيء لنفسه. هنا تتحتم الدعوة إلى شعور الضمير بالمسؤولية والتذكير بالواجبات.
هل صحيح بأن الدولة الغربية هي التي اختلقت للإنسان حقوقه؟ يجيب د. (سروش):
وزارة الخارجية الأمريكية والبلدان الأوروبية ليست هي التي صنعت حقوق الإنسان، فقد كانت هذه الحقوق صنيعة تنظرات الفلاسفة، ومعناها أن للإنسان حقوقًا لمجرد كونه إنسانًا. هذه الحقوق طبيعية لم يمنحها أحد إياه، حتى يجوز له بعد ذلك أن يسلبه إياها. الفجائع التي وقعت في العصر الحديث كانت حصيلة انحراف روحي مني به الإنسان. حينما تتسمّر نظرة الإنسان على نقطة صغيرة سيرى تلك النقطة كبيرة لا متناهية، إلى حد ينسى معها سائر الأشياء. حينما تتركز ذهنية الإنسان على الحقوق سيجدها عظيمة هائلة بحيث تذهله عن الوعي التكليفي والشعور بالمسؤلية. خير دليل على هذا أننا نملك راهنًا (ميثاقًا عالميًا لحقوق الإنسان) ولا نمتلك (ميثاقًا عالميًا لواجبات الإنسان).

نظرة عبدالكريم سروش الفريدة للفكر الليبرالي

s03

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في كتابه “الدين العلماني” يستعرض سروش نظرته إلى الليبرالية من منظارها التاريخي ويشرح في استعراضه معاني القداسة والدولة من منظور الليبرالية بشكل ممتع وفريد.

ففي حديثه عن نشأة المفهوم من خلال التاريخ الغربي يقول

إن مصطلح الليبرالية وكذلك هويته وماهيته قد وفد إلينا من الغرب، فهذا المذهب نشأ في البداية في أجواء الفلاسفة والاقتصاديين الغربيين، ثم امتد إلى مساحات فكرية وثقافية في مناطق أخرى في العالم.

إن الحكام المستبدين وسلاطين الجور يعتبرون من أعداء الأغنياء والتجار بالدرجة الأولى، فما أن تجتمع ثروة كبيرة بيد أحد الأشخاص فإن هؤلاء الحكام والسلاطين يسعون لانتزاعها منه بأشكال مختلفة، ولهذا لم يرغب أو يتجرأ أحد على جمع ثروة كبيرة إلا أن يكون من عملاء البلاط أو من المتقربين للسلطة حيث يتقاسم الثروة معهم باستمرار. وعلى هذا الأساس فإن الليبرالية ظهرت في البداية في ميدان التجارة والاقتصاد حيث تعالت الصيحات المطالبة بالتحرر من سيطرة الدولة وطلب الأمن الاقتصادي لرؤوس الأعمال.

ولكي نفهم الليبرالية من منظور سروش، فيجب أن نستوعب المحاور التي يقوم عليها المفهوم وهي المحور السياسي والمحور الفكري والنظري والمحور الاقتصادي (الذي تحدثنا عنه آنفاً). ففي حديثه عن المحور السياسي الذي يقوم عليه المفهوم يقول سروش

أما في مجال السياسة فإن الليبرالية تهدف إلى تقليص دور السلطة وتقليم أظافرها إلى مرتبة رجل الشرطة فحسب. وهذه النظرة السلبية عن الحكومة واعتبارها معرقلة لحركة الأفراد وينبغي الحد من تدخلاتها إلى أدنى مستوى، وهي النظرة الليبرالية في مجال السياسة والتفكير السياسي.

وأما في حديثه عن المحور الفكري النظري فيكتب سروش

وأقول أيضًا بأن أهم شعار لليبرالية هو (لتكن جريئًا في التعلم والمعرفة) وهكذا يمكننا استخلاص كل ما يدور حول مفهوم الليبرالية من هذا الشعار، في الحقيقة أن ما يقال عن العقلانية المفرطة، أي إهمال العواطف والتحرك باتجاه العقل والعقلانية هو الشيء الذي أفرز المذهب الهيرمونيطيقي بعد ذلك كرد فعل للتأكيد على العقلانية والليبرالية، وكذلك تنكر للوحي والدين وإلغاء دور رجال الدين والمؤسسة الدينية ونفي المقدسات الدينية والحقوق الإلهية وأمثال ذلك كلها تتولد من رحم هذا الشعار (لتكن جريئًا في طلب العلم).

ولكن سروش لا يتوقف عند عند هذا الحد. بل يناقش مباشرة أحد أهم الركائز التي يتمحور عليها الفكر الليبرالي وهو مفهوم التقديس. حيث يكتب

إن أول ما نضحي به في مقابل المقدسات الموهومة هو عنصر الجرأة، فلا شك أن الجرأة غير محمودة بصورة مطلقة، والعقل هو الذي يجب أن يشخص موارد الصواب والخطأ في الجرأة والشجاعة، أي الحد الوسط فيها (…) فالكثير من الأمور المقدسة لدى الإنسان لا تستحق التقديس ولا ينبغي له تقديسها أصلًا.

فصحيح أن البشر كانت لديهم الجرأة والشجاعة في دائرة العلم والفلسفة ولكنها لم تكن تعيش الجرأة في مقابل المقدسات أو ما تتصوره مقدسًا. ومن هنا يمكننا تعريف الليبرالية على أساس هذه الرؤية أنها التحرر من قيد المقدسات.

ولكن ما العلاقة بين تحرير الإنسان في السياسة والحقوق وبين التحرر من المقدسات ؟ يجيب سروش

ولكن الحرية التي يتمحور حولها الفكر الليبرالي لم تكن تختص بأي وجه بالحرية في دائرة الحقوق والسياسة، بل ترمي إلى معنى أوسع من ذلك، أي التحرر من المقدسات. (الليبرالية) تعني أن كل شيء وكل شخص ليس مقدسًا إطلاقًا وعلى الناس أن يتحرروا من شر المقدسات فلا ينبغي الاعتقاد بشخصية أو عقيدة معينة من خلال عنصر التقديس والتجليل فقط.

أجل إن الليبرالية بدأت من تحرير الإنسان من شر المقدسات. ولكنها لم تحدد بتحرير الإنسان من شر ولاية الكنيسة المقدسة، بل كانت هناك مقدسات أخرى كولاية الملوك والسلاطين، وقداسة السلف من العلماء والمفكرين. ولعلكم جميعًا سمعتم بهذه العبارة التي كانت سائدة في القرون الوسطى، وهي (هكذا قال الأستاذ) أي أفلاطون أو أرسطو، وهذا يعني أنه يكفي أن يقول الشخص في تأييد كلامه أن أرسطو أو أفلاطون قال هذا الكلام حتى يسكت الطرف الثاني ويذعن.

ثم ينتقل سروش إلى الحديث عن نظرة الليبرالية المركزية إلى الإنسان والتي تقوم عليها جميع الركائز الأخرى حيث يقول

إن الليبرالية تنظر إلى الإنسان بأنه غير معصوم من الخطأ، وهذا هو الأصل المقدس والوحيد الذي حل جميع الأصول المقدسة السابقة، فالإنسان غير معصوم من الخطأ في دائرة السياسة، وفي دائرة المعرفة، وفي دائرة الدين.

من جهة أخرى فإن الحرية السياسة التي تقدم الكلام عنها تتجلى بصورة أوضح وأعمق في هذا المذهب، بمعنى أنه لا أحد له حق الحكومة على الناس بذاته أو من عند الله تعالى، فهذا الحق يجب أن يعطى له من قبل الناس وباختيارهم. والمعنى الأولي للحرية السياسية هو أن يقوم الناس باختيار نوع الحكومة والحاكم من خلال صناديق الاقتراع، بيد أن هذا المعنى يتضمن خلفية فلسفية عميقة يتولد منها هذا الحق للناس، وهو الاعتراف بالحقوق الطبيعية للإنسان في مقابل الحقوق الإلهية.

فالشعار المهم جدًا في الفكر الليبرالي هو أن الحق ليس جليًا، بل ينبغي على الجميع السعي للكشف عنه واستجلاء مضمونه، وأما أن يعتقد الإنسان بأنه على حق فإن ذلك من شأنه أن يمنحه الجرأة في التعامل مع الآخرين من موقع الخصومة، ولكن اعتقاد الشخص بأنه مخطئ وأنه لا زال باحثًا عن الحقيقة يدفعه إلى اتخاذ سبيل الاحتياط والحذر.

وفي معرض انتقاده وحديثه عن سر رفض اللبرالية للخطاب الديني بالعموم يقول سروش

أجل إن العقل يفرض على الإنسان أن يرفض القيود والتكاليف الأجنبية عن ذاته. ولكن هل الذات الإلهية أجنبية عن ذات الإنسان ؟ ولماذا تعنبر الله أجنبيًا عنا ؟ وأين يمكننا اللجوء إلى غير سلطانه ؟ إن الأمر الذي دفع الغربيين بعيدًا عن الله هو أن قدسية الله اقترنت بقدسية رجال الدين وأرباب الكنيسة، ورأوا الجمال الإلهي ينعكس على الوجه العبوس والغاشم لرجل الدين المسيحي، واستبدلت الرحمة الإلهية بتعليمات الكنيسة التعسفية حيث صنعت الكنيسة من الله المحبوب أداة حرب لقتل كل معرفة وفن لدى الإنسان (…) إن الأشخاص الذين أعرضوا عن المقدسات والدين لم يعرضوا في واقعهم الوجداني والفطري عن الله. فهذه الفطرة الإلهية تحتل مكانها في أعماق وجدان الإنسان وليس بإمكانه تركها أو الإعراض عنها.

إن كبار الملحدين أمثال ماركس وفوير باخ لم تكن أذهانهم فارغة عن وجود الله، بل كان لهم فكر ديني، وكانوا يهتمون بالمقولات الدينية، رغم أن النتائج التي توصلوا إليها كانت مخالفة للمعتقدات الدينية.

ويلخص سروش رأيه في معنى العلمانية وعلاقة الدولة بالدين في هذه الفقرة قائلا

ولهذا السبب فإن العلمانية ومقولة فصل الدين عن السياسة هي المتعينة، أي أن تقف الحكومة على الحياد وتصرف اهتمامها بالأمور الدنيوية، وهذه العملية تعني أن تعود الحكومة إلى محطة ما قبل قبول الدين والأخلاق والفلسفة وأمثال ذلك وتسعى لحفظ هذه الحالة أي تفترض أن المجتمع لحد الآن لم ينتخب دينًا معينًا من الأديان. فلابد في هذه الحالة أن تقف الحكومة على الحياد ولا تحاول إرغام المواطنين على اختيار نظرتها ورأيها.

وختاما، كيف يمكن للفرد أن يفهم الليبرالية وباقي الفلسفات المستلهمة من المجتمعات الغربية حقا ؟ يجيب سروش

سبق وأن قلت أن تاريخ المجتمعات الغربية وخلافًا للتصور السائد هو تاريخ ديني عميق التدين، وما لم يطلع الشخص على المسيرة الدينية في الغرب فلن يكون بإمكانه استيعاب تاريخ المجتمعات الغربية.