أرشيف الوسم: علم النفس والاجتماع

علم النفس التحليلي عند (كارل يونج)

حياة يونج الخاصة :

ولد (كارل جوستاف يونج) عام ١٨٧٥م في سويسرا، واختار الدراسة في تخصص الطب، وبعد تخرجه عمل مساعدا في مستشفى الصحة النفسية في زيورخ، وبعد ذلك أصبح محاضرا في جامعة زيورخ وافتتح عيادة خاصة وطور مقياس ترابط الكلمات. وكان أول لقاء بينه وبين (فرويد) عام ١٩٠٧م، وقد أعجب كل منهما بالآخر حتى أن (فرويد) كان يعامل (يونج) وينظر إليه على أنه وريثه وينال مكانة خاصة أكثر من غيره، ولكن في عام 1913م تم الانفصال بينهما بسبب اختلاف في وجهات النظر لكل منهما [انجلر، ٢٠١٢م].

بناء الشخصية:

يتكون بناء الشخصية من عدد من الأنظمة الرئيسية هي:

  1. الأنا: وهو المختص بالشعور ويتضمن الأحاسيس والأفكار.

  2. اللاشعور الشخصي:يحتوي على الرغبات المكبوتة والخبرات المنسية.

  3. اللاشعور الجمعي: ويتضمن الخبرات النفسية والمتراكمة التي مر بها الفرد.

  4. القناع: هو المظهر الخارجي الذي نريه للآخرين.

  5. الظل: ويشمل الميول والرغبات غير المقبولة وغير المتناسبة مع القناع، ولذلك يخفيها الفرد.

  6. الأنيما أو الأنيموس: وهي تلك الصور التي تجعل الذكور ينجذبون للإناث وتجعل الإناث ينجذبون للذكور ، حيث أن الأنيموس هو النمط الذكري للأنثى والأنيما هو النمط الأنثوي للرجل.

  7. الذات: وهي نقطة الوسط في الشخصية والمحيط الذي يضم الشعور واللاشعور.

  8. الاتجاهات: وقسمها يونج إلى قسمين: الاتجاه المنبسط والاتجاه المنطوي، ويوجد كلاهما في الشخصية إلا أن أحدهما يكون أقوى شعوريا.

  9. الوظائف:حيث جعل يونج الوظائف النفسية اربعة وظائف وهي: التفكير والوجدان والإحساس والحدس [العنزي، ١٩٩٨م].

الطاقة النفسية:

وهو أحد المفاهيم الأساسية لدى (يونج). حيث يستخدم يونج مفهوم (اللبيدو) وينسبه إلى الطاقة النفسية، ويتميز (اللبيدو) عند (يونج) بأنه لا يقتصر على الحافز الجنسي فقط كما يرى (فرويد) وإنما طاقة نفسية شاملة لأنشطة الحياة والرغبات التي يسعى الفرد من خلالها إلى تحقيق هدف معين [انجلر، ٢٠١٢م].

نمو الشخصية:

لم يُفصِّل (يونج) مراحل النمو التي تمر بها الشخصية كما فعل (فرويد)، حيث أنه أوجزها باختصار فذكر أنه في مرحلة الطفولة يستمر (اللبيدو) في نشاطات ضرورية للبقاء وقبل سن الخامسة تبدأ القيم الجنسية في الظهور وتبلغ قيمتها خلال المراهقة وفي مرحلة الشباب وسن الرشد تبلغ الغرائز الأساسية والعمليات الحيوية ذروتها، وعندما يصل الفرد إلى أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات تتغير قيمه وأهدافه لتصبح أكثر ثقافة ووعيا [كامل، ٢٠٠٧م].

أنماط الشخصية:

يرى (يونج) أن الناس تميل بدرجة كبيرة أو قليلة إلى أي من الأنماط الثمانية التالية:

  1. النمط المنبسط المفكر: يتعامل مع الأشياء ويدركها من منطلق عقلي.

  2. النمط المنطوي المفكر: وأصحاب هذا النمط ينشغلون دائما بتتبع أفكارهم متوجهين للداخل بدلا من توجههم إلى الخارج.

  3. النمط المنبسط الوجداني: هذا النمط اجتماعي ويحب صحبة الآخرين والتفاعل معهم.

  4. النمط المنطوي الوجداني: هذا النمط تحكمه اعتقاداته مع صعوبة ظهور مشاعره.

  5. النمط المنبسط الحسي: ويندرج تحته كل من يستمتع بالخبرة الحسية العيانية كالفنانين ومن يحب تذوق الأطعمة.

  6. النمط المنطوي الحسي: يتميز بالذاكرة القوية، وبسبب هدوئهم وانطوائهم فإنه لا يبدو عليهم مباشرة أن إدراكهم للواقع يتميز بالغرابة.

  7. النمط المنبسط الحدسي: يتميز أصحاب هذا النمط بوضع الخطط للمشاريع والحماس والطاقة ويكرهون الروتين.

  8. النمط المنطوي الحدسي: هذا النمط ملتزم برؤية داخلية، وقد يكون صاحب هذا النمط مبتكرا [عبداللطيف، ٢٠١٣م].


المراجع:

  1. أبو أسعد، احمد عبد اللطيف. علم نفس الشخصية. الطبعة الثانية. الأردن: عالم الكتب الحديث.۲۰۱۳م.
  2. العنزي، فريح عويد. علم نفس الشخصية. الطبعة الأولى. الكويت : مكتبة الفلاح.۱۹۹۸ م.
  3. احمد، سهير كامل. سيكولوجية الشخصية. الطبعة الثانية. القاهرة: مركز الإسكندرية.۲۰۰۷م.
  4. انجلر،باربرا. مدخل إلى نظريات الشخصية.ترجمة فهد بن عبد الله الدليم. الطبعة الأولى. الرياض: دار زدني.۲۰۱۲م.

حديث (إيريك فروم) عن الحياة الامتلاكية والحياة الوجودية

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

كتب (فروم) عددًا من الكتب، كان من أواخرها كتاب (الامتلاك أو الوجود؛ الأسس النفسية لمحتمع جديد)، من ترجمة الأستاذ (حميد لشهب)، والذي كتب فيه عن أسلوبين للحياة؛ هما أسلوب الحياة الامتلاكية، وأسلوب الحياة الوجودية. يقول في أحد أجزاء الكتاب عن الحاجة إلى الامتلاك:

إن عدم القيام بأي خطوة للأمام، والبقاء حيث يوجد المرء، باختصار الاعتماد على ما يمتلكه المرء هو غرور؛ ذلك أن المرء يعرف ما يملكه ويشعر بالأمان في الشعور بهذه المعرفة ويمكنه التشبث بها. نخاف القيام بخطوة في المجهول، في غير الآمن، ولهذا السبب فإننا نتجنبه، وحتى وإن كانت الخطوة التي علينا القيام بها غير خطيرة، بعد القيام بها، فإنها تظهر لنا كما تظهر لنا عواقبها قبل القيام بها خطيرة وتعبة. فالقديم هو وحده الذي يكون آمنًا أو على الأقل يظهر هكذا. فكل خطوة جديدة تخبئ خطر الإخفاق، ويُعدّ هذا من أسباب خوف الإنسان من الحرية.

ويتابع بعد ذلك:

على الرغم من الأمن المضمون عن طريق الامتلاك فإننا نعجب بالناس الذين لهم رؤية لما هو جديد ويُعبِّدون طرقًا جديدة ولهم الشجاعة للسير قُدمًا. ويجسد البطل في الميثولوجيا نمط الحياة هذا. فالبطل هو الإنسان الذي تكون له الشجاعة على مغادرة ما عنده – وطنه، عائلته، ممتلكاته – والهجرة إلى الخارج، ليس من دون خوف، بل من دون الخضوع إلى هذا الخارج.

[…] نُعجب بهؤلاء الأبطال، لأننا نشعر في قرارة أنفسنا بأنه يجب أن يكون طريقهم طريقنا – لو كان بإمكاننا المشي عليه. ولكن بما أننا نخاف فإننا نعتقد بأننا لا نستطيع القيام بهذا وبأن الوحيد الذي يمكنه الإقدام عليه هو البطل. وهكذا يصبح البطل مثالًا نقتديه، نُصعد عليه كفاءاتنا للتقدم إلى الأمام، لكننا نبقى نحن في الواقع لأننا لسنا أبطالًا.

ويصف بعد ذلك معيارًا للحياة الامتلاكية، فيقول:

يمكن للمرء أن يقرأ رد الفعل في وجوه الناس في بعض الأحيان. […] غالبًا ما يمكن ملاحظة البهجة من دون الرغبة في الامتلاك في السلوك تجاه الأطفال الصغار. أعتقد أن الأمر يتعلق هنا كذلك بجزء وافر من خداع الذات، بحيث إننا نرى أنفسنا في دور صديق للطفل. وعلى الرغم من هذا الشك، فإنني أعتقد أن رد الفعل العفوي والحقيقي تجاه الأطفال يوجد بما فيه الكفاية. قد يكون سبب هذا هو أن غالبية الناس لا تخاف من الأطفال، بالمقارنة بالشباب والراشدين. وغياب هذا الخوف هو الذي يسمح لنا بأن نحب ما لا يمكننا أن نحبه إذا كان الخوف أمامنا.

[…] يمكن القول بصفة عامة بأن العلاقة بين البشر، عندما تكون محكومة بتوجه امتلاكي، تكون مطبوعة بالمنافسة والتضاد والخوف. ويكمن عنصر التضاد في مثل هذه العلاقة في خاصية الامتلاك نفسه؛ عندما يكون الامتلاك أساسًا شعوريًا بهويتي، “لأنني أمتلك”، فإن الرغبة في المزيد من الامتلاك هي التي تقود المرء.

ويتابع قائلًا:

لا نجد هذه الأهمية الكبيرة للامتلاك، الملكية الخاصة، في نمط الحياة الوجودية، فلا أحتاج امتلاك شيء ما لكي أتمتع به أو أستعمله. يمكن لأكثر من شخص، بل لملايين الناس، في الواقع، الفرحة باستعمال شيء، ولا يكون من الضروري امتلاك هذا الشيء من طرف شخص واحد، للتمتع به. ولا يُجنب هذا الأمر الفعلي الخصام، لكنه يُمكن من تقاسم أعمق مُعاش إنساني للسعادة، يعني تقاسم فرحة ما.

وأخيرًا يبدأ في وصف أسلوب الحياة الوجودي، فيقول:

يتميز النشاط الوجودي بشروط أساسية وهي الاستقلال والحرية وحضور العقل النقدي. أما سمته الأساسية فتتمثل في النشاط / الحيوية، والإيجابية والفعل، لا بمعنى النشاط الظاهري / الخارجي، أي الانشغال بشخص أو شيء ما، بل المقصود هو النشاط الداخلي، يعني الاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. أن يكون الإنسان نشيطًا يعني التعبير عن الملكات والقدرات والمواهب الذاتية، يتمتع كل كائن بشري بقدر منها، حتى وإن اختفت مقاديره. ويعني نشاط الإنسان العثور على ذاته والنمو والتطور والتدفق والحب وتجاوز حدود سجن الذات المعزولة لذاتها وبذاتها والشغف بما يشتغل عليه ومن أجله ويحسن الإصغاء للذات وللآخرين ويكون معطاء مع نفسه ومع الآخرين.

هل ظلم غوستاف لوبون الجماهير أم وصفها؟

غوستاف لوبون (1841-1931) هو طبيب ومؤرخ فرنسي، درس الثورة الفرنسية وحاول فهم طبيعة الثائرين، كتب عن حضارة العرب، الهند وعن اليهود أيضًا. أهم كتب لوبن هو كتاب سيكولوجية الجماهير حيث يحاول شرح طبيعة الجماهير

اهتم بعلم النفس الاجتماعي وأنتج فيه مجموعة من الأبحاث المؤثرة عن سلوك الجماعة، والثقافة الشعبية، ووسائل التأثير في الجموع، مما جعل من أبحاثه مرجعًا أساسيًّا في علم النفس، ولدى الباحثين في وسائل الإعلام في النصف الأول من القرن العشرين.

في كتاب سيكولوجية الجماهير، يُعرف غوستاف لوبون الجماهير والجماعات بأنها اجتماع مجموعة من الأفراد لتحقق هدف معين. أما علم النفس يُخبرنا أن صفات الجماهير تختلف عن صفات الأفراد، حيث أن صفات الفرد تذوب بين الجماهير، وتظهر لنا روح جماعية ذات صفات واضحة

وحسب لوبون غالبًا تكون صفات الجماعة أسوأ من صفات الفرد، وأن صفات الأفراد تنحدر في الفكر إلى درجة غياب العقل والمنطق عند ارتباطهم بأي جماعة، وهذا ما يساعدها على ممارسة أبشع الأعمال

غياب العقل والمنطق هو ما يُفسر لنا سبب البلاهة المشتركة عند الجماهير بأشكالها، وأنه لا فرق بين قرارات الجماعات التي تملك أفراد ذات كفاءة عالية وبين مجموعة من البلداء، لأن غياب العقل هو العامل المشترك. وحتى يصف لوبون مشاعر الجماهير فقد قال أنها متأججة ومندفعة، هذا الاندفاع يقودها لتصبح همجية. يقول لوبون أن القادة استفادوا من هذا اندفاع الجماهير حيث جعلوهم يمارسون التضحيات ب اسم الدين والوطن مثلا

في الكتاب يصف غوستاف لوبون الجماهير بأنها عاطفية وبلا وعي, وسهل تحريكهم عن طريق استفزاز عاطفتهم. لهذا فإن الخطابات التي تحتوي على كلمات واسعة المفهوم كالحرية والديمقراطية وتُلقى بصوت مرتفع مع قليل من العبارات العاطفية تؤثر على الجماهير بدرجة كبيرة. نلاحظ هذا في طريقة هتلر في إلقاء خطاباته على جماهيره

لا يقتصر رأي لوبون على الجماهير وحسب، إنما وصف قاداتهم أيضًا. فهو يرى أن القادة يملكون صفات مشابهة لجماهيرهم،  حيث أنهم  يفتقدون للعقل، مندفعين ولا يملكون الحكمة.

في المقابل يعترف لوبون بأن المجالس النيابية أفضل أشكال الحكومات، حيث يستطيع كل من في المجلس المشاركة. لكن بالرغم من هذا فإنه يرى أن هذه المجالس تشابه الجماهير في عواطفها، وأنها مندفعة هي الأخرى

عليّنا الآن كقارئين أن نسأل إذا كانت رؤية لوبون عن الجماهير ظالمة أو لا؟ وهل فعلاً أن عواطف الجماهير هي محركهم الأول؟

قواعد إريك فروم الست في فن الإصغاء

“الحب والفهم لاينفصلان عن بعضهما فهما يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي”

بحسب ماكتبت (حنة آرندت): “لا يُعطى الرأي في التجارب إلا بعد ذكرها”، عن رأيها  في مدى إضفاء اللغة الواقعية على الوجود بتعبيرها، “ولطالما لم تذكر هذه التجارب فيصح القول بأن لا وجود لها”. ولكن إن ذُكرت التجربة ولم تلق آذاناً صاغية، فسيصبح نصف واقعها مبتور وانسجامها الأساسي مختل توازنه.

عَرف الفيزيائي العظيم (ديفيد بوهم) هذا بقوله: “علينا العيش بإنسجام مع أنفسنا ومع البيئة”، وبإختصار كتب في أطروحته المتميزة بشأن “معضلة التواصل”:

إننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على التواصل بحرية في حركة إبداعية حيث لا أحد يتمسك فيها بأفكاره دومًا أو يدافع عنها بصورة أخرى.

أما عن كيفية فعل هذا، هو ما كشفه الفيلسوف والمحلل النفسي المؤثر (إريك فروم)، الذي ولد في 1900 وتوفي في عام 1980، في حلقة دراسية عقدت في سويسرا عام 1974 والتي نشرت بعد وفاته في كتاب يحمل عنوان (فن الإصغاء).

ويناقش في فن الإصغاء قائلًا أنه”فن أشبه بفهم الشعر” وحاله من حال الفنون الأخرى التي لها أصولها وقواعدها الخاصة. واستنادًا إلى ممارسته في المعالجة النفسية على مدار 50 عاماً، يقدم لنا ست إرشادات لإتقان فهم هذا الفن:

  • القاعدة الأساسية لممارسة هذا الفن بالتركيز التام للمستمع.

  • يجب أن يكون خال الذهن، أن يكون متحرراً على النحو الأمثل من القلق وكذلك من الجشع.

  • التمتع بمخيلة تعمل بحرية ملموسة وبدرجة كافية للتعبير عنها بالكلمات.

  • التمتع بقدر كبير وقوي من التعاطف مع الآخرين يكفي للشعور بتجارب الآخرين وكأنها تجربته الشخصية.

  • حالة التعاطف هذه، تعد جانبًا أساسيًا للمقدرة على الحب. إن فهم الآخر يعني محبته، دون أن يكون ذلك نابع من إحساس شهواني.

  • الحب والفهم لا ينفصلان عن بعضهما، يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي.


[المصدر]

تودوروف تساءل؛ كيف نتعامل مع المختلفين؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، يتساءل (تودوروف) في خاتمة كتابه؛ “كيف يمكن، كيف ينبغي أن نتصرف تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى الجماعة التي ننتمي إليها؟”

يعتمد الدرس الأول الذي تعلمناه على التخلي عن تأسيس استدلالاتنا على تمييز من هذا النوع. على أن الكائنات الإنسانية قامت باستدلالات من هذا النوع، منذ أبد الدهر، واكتفت بتغيير موضوع المديح، […] حكم البشر على أنفسهم بأنهم أفضل مَن في العالم، وقدّروا أن الآخرين سيئون أو خيّرون تبعًا لبعدهم أو قربهم منهم؛ وعلى العكس من ذلك، […] وجدت الكائنات الإنسانية أن الشعوب الأبعد هي الشعوب الأسعد والأكثر إثارة للإعجاب. في حين أنها لم تجد في تجمعاتنا الخاصة إلا الانحطاط، وفي الحالتين، نحن أمام وهم بصري؛ “نحن” لسنا بالضرورة صالحين، ولا “الآخرون” كذلك.

يلخّص حديثه قائلًا:

كل ما يمكن قوله بهذا الخصوص هو أنه في الانفتاح على الآخرين وفي رفض إقصاءهم دون دراسة، حسنة يمتاز بها الإنسان عن غيره.

ثم يتساءل بعد ذلك: “ما معنى انتماءنا إلى تجمّع ما؟ وكيف نبرر أحكامنا؟”. ويجيب قائلًا:

ليست الكائنات الإنسانية مجرد أفراد منتمين إلى نوع واحد بحد ذاته، بل إنها تنتمي أيضًا إلى تجمعات خاصة ومتنوعة، تولد هذه الكائنات فيها وتتصرف. التجمّع الأقوى حاليًا هو ما يُسمى بالأمة، ونعني بهذا التطابق الكامل تقريبًا بين الدولة والثقافة. الانتماء إلى الإنسانية مختلف تمامًا عن الانتماء إلى الأمة، كان (روسو) يقول: “الإنسان ليس المواطن”، حتى أنه يوجد بين الاثنين نزاع كامن، قد يصبح علنيًا في اليوم الذي نجد فيه أنفسنا مجبرين على الاختيار بين قيم الإنسانية وقيم الأمة. يُحكم على الإنسان ضمن هذا المعنى للكلمة، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية، بينما ينشأ سلوك المواطن من وجهة نظر سياسية.

لا يمكن إقصاء أي من وجهي الحياة الإنسانية هذين، ولا يمكن اختزال الواحدة في الأخرى، من الأفضل أن نعي دومًا هذه الثنائية المأساوية أحيانًا. وفي الوقت نفسه، فإن الفصل الجذري بين عناصرها ووضعها في أفلاك لا تتواصل في ما بينها أبدًا، قد يكون وخيم العواقب أيضًا. […] لا تنطبق الأخلاق على السياسة، لكنها تستطيع وضع حواجز لا يحق للسياسة أن تتخطاها. إذ لا يعفينا الانتماء إلى الإنسانية من الانتماء إلى الأمة، ولا يمكن أن يحل محله، لكن على الأحاسيس الإنسانية أن تتمكن من احتواء منطق الدولة.

يتابع حديثه بعد ذلك، فيقول:

وجود شيء ما، لا يعني أنه يجب أن يكون. على كل حال، يعمد الفرد وبشكل جيد جدًا إلى التصحيح بنفسه، فلا يخلط بين الحب والعدالة، إنه يحب ابنه أكثر من ابن جاره، لكن عندما يوجد الاثنان في بيته، فهو يعطيهم حصصًا متساوية من الحلوى. ثم أن الشفقة ليست أقل طبيعية من الأنانية، ومن خصوص الكائن الإنساني أن يرى ما هو أبعد من مصلحته، ولهذا فإن الشعور الأخلاقي موجود.

ويكمل حديثه في موضع آخر، قائلًا:

لا يتحدد ما هو إنساني، حقًا، بهذه السمة الثقافية أو تلك حتمًا. فالكائنات الإنسانية تتأثر بالسياق الذي تأتي من خلاله إلى العالم، ويتغير هذا السياق تبعًا للزمان والمكان. العنصر المشترك بين مجمل الكائنات الإنسانية هو القدرة على رفض هذه التحديات، وبتعبير فيه أقل قدر من الرسمية، سنقول أن الحرية هي السمة المميزة للنوع الإنساني.