أرشيف الوسم: علم النفس والاجتماع

التفكير والوجدان والإحساس والحدس، ٤ وظائف نفسية أساسية من منطلقات علم النفس التحليلي عند (كارل يونج)

ولد (كارل جوستاف يونج) عام ١٨٧٥م في سويسرا، واختار الدراسة في تخصص الطب، وبعد تخرجه عمل مساعدا في مستشفى الصحة النفسية في زيورخ، وبعد ذلك أصبح محاضرا في جامعة زيورخ وافتتح عيادة خاصة وطور مقياس ترابط الكلمات. وكان أول لقاء بينه وبين (فرويد) عام ١٩٠٧م، وقد أعجب كل منهما بالآخر حتى أن (فرويد) كان يعامل (يونج) وينظر إليه على أنه وريثه وينال مكانة خاصة أكثر من غيره، ولكن في عام 1913م تم الانفصال بينهما بسبب اختلاف في وجهات النظر لكل منهما [انجلر، ٢٠١٢م].

يتكون بناء الشخصية من عدد من الأنظمة الرئيسية هي:

  1. الأنا: وهو المختص بالشعور ويتضمن الأحاسيس والأفكار.
  2. اللاشعور الشخصي:يحتوي على الرغبات المكبوتة والخبرات المنسية.
  3. اللاشعور الجمعي: ويتضمن الخبرات النفسية والمتراكمة التي مر بها الفرد.
  4. القناع: هو المظهر الخارجي الذي نريه للآخرين.
  5. الظل: ويشمل الميول والرغبات غير المقبولة وغير المتناسبة مع القناع، ولذلك يخفيها الفرد.
  6. الأنيما أو الأنيموس: وهي تلك الصور التي تجعل الذكور ينجذبون للإناث وتجعل الإناث ينجذبون للذكور ، حيث أن الأنيموس هو النمط الذكري للأنثى والأنيما هو النمط الأنثوي للرجل.
  7. الذات: وهي نقطة الوسط في الشخصية والمحيط الذي يضم الشعور واللاشعور.
  8. الاتجاهات: وقسمها يونج إلى قسمين: الاتجاه المنبسط والاتجاه المنطوي، ويوجد كلاهما في الشخصية إلا أن أحدهما يكون أقوى شعوريا.
  9. الوظائف:حيث جعل يونج الوظائف النفسية اربعة وظائف وهي: التفكير والوجدان والإحساس والحدس [العنزي، ١٩٩٨م].

الطاقة النفسية:

وهو أحد المفاهيم الأساسية لدى (يونج). حيث يستخدم يونج مفهوم (اللبيدو) وينسبه إلى الطاقة النفسية، ويتميز (اللبيدو) عند (يونج) بأنه لا يقتصر على الحافز الجنسي فقط كما يرى (فرويد) وإنما طاقة نفسية شاملة لأنشطة الحياة والرغبات التي يسعى الفرد من خلالها إلى تحقيق هدف معين [انجلر، ٢٠١٢م].

لم يُفصِّل (يونج) مراحل النمو التي تمر بها الشخصية كما فعل (فرويد)، حيث أنه أوجزها باختصار فذكر أنه في مرحلة الطفولة يستمر (اللبيدو) في نشاطات ضرورية للبقاء وقبل سن الخامسة تبدأ القيم الجنسية في الظهور وتبلغ قيمتها خلال المراهقة وفي مرحلة الشباب وسن الرشد تبلغ الغرائز الأساسية والعمليات الحيوية ذروتها، وعندما يصل الفرد إلى أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات تتغير قيمه وأهدافه لتصبح أكثر ثقافة ووعيا [كامل، ٢٠٠٧م].

أنماط الشخصية:

يرى (يونج) أن الناس تميل بدرجة كبيرة أو قليلة إلى أي من الأنماط الثمانية التالية:

  1. النمط المنبسط المفكر: يتعامل مع الأشياء ويدركها من منطلق عقلي.
  2. النمط المنطوي المفكر: وأصحاب هذا النمط ينشغلون دائما بتتبع أفكارهم متوجهين للداخل بدلا من توجههم إلى الخارج.
  3. النمط المنبسط الوجداني: هذا النمط اجتماعي ويحب صحبة الآخرين والتفاعل معهم.
  4. النمط المنطوي الوجداني: هذا النمط تحكمه اعتقاداته مع صعوبة ظهور مشاعره.
  5. النمط المنبسط الحسي: ويندرج تحته كل من يستمتع بالخبرة الحسية العيانية كالفنانين ومن يحب تذوق الأطعمة.
  6. النمط المنطوي الحسي: يتميز بالذاكرة القوية، وبسبب هدوئهم وانطوائهم فإنه لا يبدو عليهم مباشرة أن إدراكهم للواقع يتميز بالغرابة.
  7. النمط المنبسط الحدسي: يتميز أصحاب هذا النمط بوضع الخطط للمشاريع والحماس والطاقة ويكرهون الروتين.
  8. النمط المنطوي الحدسي: هذا النمط ملتزم برؤية داخلية، وقد يكون صاحب هذا النمط مبتكرا [عبداللطيف، ٢٠١٣م].

المراجع:

  1. أبو أسعد، احمد عبد اللطيف. علم نفس الشخصية. الطبعة الثانية. الأردن: عالم الكتب الحديث.۲۰۱۳م.
  2. العنزي، فريح عويد. علم نفس الشخصية. الطبعة الأولى. الكويت : مكتبة الفلاح.۱۹۹۸ م.
  3. احمد، سهير كامل. سيكولوجية الشخصية. الطبعة الثانية. القاهرة: مركز الإسكندرية.۲۰۰۷م.
  4. انجلر،باربرا. مدخل إلى نظريات الشخصية.ترجمة فهد بن عبد الله الدليم. الطبعة الأولى. الرياض: دار زدني.۲۰۱۲م.

حديث (إيريك فروم) عن الحياة الامتلاكية والحياة الوجودية

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

كتب (فروم) عددًا من الكتب، كان من أواخرها كتاب (الامتلاك أو الوجود؛ الأسس النفسية لمحتمع جديد)، من ترجمة الأستاذ (حميد لشهب)، والذي كتب فيه عن أسلوبين للحياة؛ هما أسلوب الحياة الامتلاكية، وأسلوب الحياة الوجودية. يقول في أحد أجزاء الكتاب عن الحاجة إلى الامتلاك:

إن عدم القيام بأي خطوة للأمام، والبقاء حيث يوجد المرء، باختصار الاعتماد على ما يمتلكه المرء هو غرور؛ ذلك أن المرء يعرف ما يملكه ويشعر بالأمان في الشعور بهذه المعرفة ويمكنه التشبث بها. نخاف القيام بخطوة في المجهول، في غير الآمن، ولهذا السبب فإننا نتجنبه، وحتى وإن كانت الخطوة التي علينا القيام بها غير خطيرة، بعد القيام بها، فإنها تظهر لنا كما تظهر لنا عواقبها قبل القيام بها خطيرة وتعبة. فالقديم هو وحده الذي يكون آمنًا أو على الأقل يظهر هكذا. فكل خطوة جديدة تخبئ خطر الإخفاق، ويُعدّ هذا من أسباب خوف الإنسان من الحرية.

ويتابع بعد ذلك:

على الرغم من الأمن المضمون عن طريق الامتلاك فإننا نعجب بالناس الذين لهم رؤية لما هو جديد ويُعبِّدون طرقًا جديدة ولهم الشجاعة للسير قُدمًا. ويجسد البطل في الميثولوجيا نمط الحياة هذا. فالبطل هو الإنسان الذي تكون له الشجاعة على مغادرة ما عنده – وطنه، عائلته، ممتلكاته – والهجرة إلى الخارج، ليس من دون خوف، بل من دون الخضوع إلى هذا الخارج.

[…] نُعجب بهؤلاء الأبطال، لأننا نشعر في قرارة أنفسنا بأنه يجب أن يكون طريقهم طريقنا – لو كان بإمكاننا المشي عليه. ولكن بما أننا نخاف فإننا نعتقد بأننا لا نستطيع القيام بهذا وبأن الوحيد الذي يمكنه الإقدام عليه هو البطل. وهكذا يصبح البطل مثالًا نقتديه، نُصعد عليه كفاءاتنا للتقدم إلى الأمام، لكننا نبقى نحن في الواقع لأننا لسنا أبطالًا.

ويصف بعد ذلك معيارًا للحياة الامتلاكية، فيقول:

يمكن للمرء أن يقرأ رد الفعل في وجوه الناس في بعض الأحيان. […] غالبًا ما يمكن ملاحظة البهجة من دون الرغبة في الامتلاك في السلوك تجاه الأطفال الصغار. أعتقد أن الأمر يتعلق هنا كذلك بجزء وافر من خداع الذات، بحيث إننا نرى أنفسنا في دور صديق للطفل. وعلى الرغم من هذا الشك، فإنني أعتقد أن رد الفعل العفوي والحقيقي تجاه الأطفال يوجد بما فيه الكفاية. قد يكون سبب هذا هو أن غالبية الناس لا تخاف من الأطفال، بالمقارنة بالشباب والراشدين. وغياب هذا الخوف هو الذي يسمح لنا بأن نحب ما لا يمكننا أن نحبه إذا كان الخوف أمامنا.

[…] يمكن القول بصفة عامة بأن العلاقة بين البشر، عندما تكون محكومة بتوجه امتلاكي، تكون مطبوعة بالمنافسة والتضاد والخوف. ويكمن عنصر التضاد في مثل هذه العلاقة في خاصية الامتلاك نفسه؛ عندما يكون الامتلاك أساسًا شعوريًا بهويتي، “لأنني أمتلك”، فإن الرغبة في المزيد من الامتلاك هي التي تقود المرء.

ويتابع قائلًا:

لا نجد هذه الأهمية الكبيرة للامتلاك، الملكية الخاصة، في نمط الحياة الوجودية، فلا أحتاج امتلاك شيء ما لكي أتمتع به أو أستعمله. يمكن لأكثر من شخص، بل لملايين الناس، في الواقع، الفرحة باستعمال شيء، ولا يكون من الضروري امتلاك هذا الشيء من طرف شخص واحد، للتمتع به. ولا يُجنب هذا الأمر الفعلي الخصام، لكنه يُمكن من تقاسم أعمق مُعاش إنساني للسعادة، يعني تقاسم فرحة ما.

وأخيرًا يبدأ في وصف أسلوب الحياة الوجودي، فيقول:

يتميز النشاط الوجودي بشروط أساسية وهي الاستقلال والحرية وحضور العقل النقدي. أما سمته الأساسية فتتمثل في النشاط / الحيوية، والإيجابية والفعل، لا بمعنى النشاط الظاهري / الخارجي، أي الانشغال بشخص أو شيء ما، بل المقصود هو النشاط الداخلي، يعني الاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. أن يكون الإنسان نشيطًا يعني التعبير عن الملكات والقدرات والمواهب الذاتية، يتمتع كل كائن بشري بقدر منها، حتى وإن اختفت مقاديره. ويعني نشاط الإنسان العثور على ذاته والنمو والتطور والتدفق والحب وتجاوز حدود سجن الذات المعزولة لذاتها وبذاتها والشغف بما يشتغل عليه ومن أجله ويحسن الإصغاء للذات وللآخرين ويكون معطاء مع نفسه ومع الآخرين.

هل ظلم غوستاف لوبون الجماهير أم وصفها؟

غوستاف لوبون (1841-1931) هو طبيب ومؤرخ فرنسي، درس الثورة الفرنسية وحاول فهم طبيعة الثائرين، كتب عن حضارة العرب، الهند وعن اليهود أيضًا. أهم كتب لوبن هو كتاب سيكولوجية الجماهير حيث يحاول شرح طبيعة الجماهير

اهتم بعلم النفس الاجتماعي وأنتج فيه مجموعة من الأبحاث المؤثرة عن سلوك الجماعة، والثقافة الشعبية، ووسائل التأثير في الجموع، مما جعل من أبحاثه مرجعًا أساسيًّا في علم النفس، ولدى الباحثين في وسائل الإعلام في النصف الأول من القرن العشرين.

في كتاب سيكولوجية الجماهير، يُعرف غوستاف لوبون الجماهير والجماعات بأنها اجتماع مجموعة من الأفراد لتحقق هدف معين. أما علم النفس يُخبرنا أن صفات الجماهير تختلف عن صفات الأفراد، حيث أن صفات الفرد تذوب بين الجماهير، وتظهر لنا روح جماعية ذات صفات واضحة

وحسب لوبون غالبًا تكون صفات الجماعة أسوأ من صفات الفرد، وأن صفات الأفراد تنحدر في الفكر إلى درجة غياب العقل والمنطق عند ارتباطهم بأي جماعة، وهذا ما يساعدها على ممارسة أبشع الأعمال

غياب العقل والمنطق هو ما يُفسر لنا سبب البلاهة المشتركة عند الجماهير بأشكالها، وأنه لا فرق بين قرارات الجماعات التي تملك أفراد ذات كفاءة عالية وبين مجموعة من البلداء، لأن غياب العقل هو العامل المشترك. وحتى يصف لوبون مشاعر الجماهير فقد قال أنها متأججة ومندفعة، هذا الاندفاع يقودها لتصبح همجية. يقول لوبون أن القادة استفادوا من هذا اندفاع الجماهير حيث جعلوهم يمارسون التضحيات ب اسم الدين والوطن مثلا

في الكتاب يصف غوستاف لوبون الجماهير بأنها عاطفية وبلا وعي, وسهل تحريكهم عن طريق استفزاز عاطفتهم. لهذا فإن الخطابات التي تحتوي على كلمات واسعة المفهوم كالحرية والديمقراطية وتُلقى بصوت مرتفع مع قليل من العبارات العاطفية تؤثر على الجماهير بدرجة كبيرة. نلاحظ هذا في طريقة هتلر في إلقاء خطاباته على جماهيره

لا يقتصر رأي لوبون على الجماهير وحسب، إنما وصف قاداتهم أيضًا. فهو يرى أن القادة يملكون صفات مشابهة لجماهيرهم،  حيث أنهم  يفتقدون للعقل، مندفعين ولا يملكون الحكمة.

في المقابل يعترف لوبون بأن المجالس النيابية أفضل أشكال الحكومات، حيث يستطيع كل من في المجلس المشاركة. لكن بالرغم من هذا فإنه يرى أن هذه المجالس تشابه الجماهير في عواطفها، وأنها مندفعة هي الأخرى

عليّنا الآن كقارئين أن نسأل إذا كانت رؤية لوبون عن الجماهير ظالمة أو لا؟ وهل فعلاً أن عواطف الجماهير هي محركهم الأول؟

لقاء مايك والاس التلفزيوني مع عالم النفس والفيلسوف (إيريك فروم)

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه الشهير (الإنسان بين الجوهر والمظهر).

نقدّم لكم في ساقية، وبترجمة حصرية، اللقاء الصحفي الذي أجراه (مايك والاس) مع (فروم). يقول (والاس) في مقدمة اللقاء:

الدكتور (إيريك فروم)، أحد أكثر المحللين النفسيين تأثيرًا في العالم. رجل أُشيد بعمله باعتباره خطوة مهمة إلى التقدم انطلاقًا من نظريات (سيغموند فرويد). قال الدكتور (فروم) مؤخراً: «لم يكن هناك مجتمع قطّ أفضل من الولايات المتحدة في عام 1958»، لكنه أضاف: «إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليًا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها». سنخوض في الأسباب خلال لحظات.

مقابلات (مايك والاس)، مقدمة من شركة البث الأمريكية (ABC) بالتعاون مع صندوق الدعم للجمهورية، تقدم لكم سلسلة تلفزيونية خاصة تناقش مشاكل النجاة والحرية في أمريكا.


مساء الخير، مُحدثكم (مايك والاس). في الأسابيع الأخيرة، ناقشنا مشاكل المجتمع الحُر وما عليه فعله للبقاء على قيد الحياة. والليلة، سنحاول قياس تأثير مجتمعنا الحُر علينا كأفراد، سواء كنا سعداء كما نود أن نعتقد، أو أحرارًا في التفكير والشعور. ضيفنا هو الدكتور (إريك فروم)، محلل نفسي وناقد اجتماعي مشهور عالميًا لدراساته عن الإنسان وبحثه عن الحرية.

دكتور (فروم)، دعني أسألك هذا السؤال أولاً. تعرضت الولايات المتحدة للانتقاد، وأعتقد أنك تتفق، تعرضت للانتقاد من عدة مناطق على أنها عبارة عن مجتمع مادي وربما مجتمع ضحل. لكنك قلت مؤخراً: «لم يكن هناك قطّ مجتمع أفضل من الولايات المتحدة عام 1958». ماذا تقصد بذلك؟

نعم، أعني ذلك نسبيًا بالطبع. ولا يدعو التاريخ البشري حتى الآن إلى التباهي، إن نظرنا للأمر من ناحية أفكارنا. وما عنيتُه هو أننا إذا قارنّا المجتمع الأمريكي مع معظم المجتمعات الأخرى، فإنه مجتمع حقق إنجازات عظيمة. ثروة مادية أكبر من أي شعب آخر، تحرر نسبي من الاضطهاد، سهولة نسبية في التنقل ونشر الفن والموسيقى والأفكار وهو أمر فريد من نوعه. لذلك، أود أن أقول مقارنةً بالقرن التاسع عشر، مقارنة بمعظم تاريخنا السابق، إنه مجتمع أفضل من أي مجتمع صنعه الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه جيد.

هنا تكمن المشكلة، إذ أنك أدليتَ بتصريح مناقض كما يبدو، لأنك قلتَ في وقت سابق هذا الأسبوع: «إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها» كيف هذا؟ وبأي طريقة؟

نعم سيد (والاس)، أود أن أقول، وسأتحدث بشكل عام، بسبب حماسنا للسيطرة على الطبيعة ولإنتاج المزيد من السلع المادية قد حوّلنا الوسائل إلى غايات. أردنا الاستفادة من حلول مشاكل القرن التاسع عشر لحل مشاكل القرن العشرين بهدف إعطاء الإنسان فرصة أكبر لحياة كريمة ولكن ما حدث في الحقيقة هو أن الإنتاج والاستهلاك توقفا عن كونهما وسائل وأصبحا غايات بحد ذاتهما، ونحن الآن مهووسون بالإنتاج ومهووسون بالاستهلاك.

حسنًا، باستخدام هذه النقطة كبداية لحديثنا أرغب في فهم وجهة نظرك بصفتك محلل نفسي في عدة مواضيع محددة عما يحدث لنا كأفراد. على سبيل المثال، ما قولك عما يحدث للإنسان، الإنسان الأمريكي، في علاقته مع عمله؟

أعتقد أن عمله إلى حد كبير لا معنى له؛ لعدم وجود إرتباط بينهما. إذ أصبح الإنسان شيئا فشيئا جزءًا من آلة كبرى، آلة اجتماعية تحكمها بيروقراطية عظمى. وأعتقد أن الإنسان الأمريكي يكره عمله في أوقات كثيرة دون قصد لأنه يشعر أنه محاصر ومسجون، ولأنه يشعر أنه يسخر معظم طاقته لأمر لا معنى له في أصله.

إن عمله وسيلة لكسب لقمة العيش وهذا هو المعنى الأصل، هذا بالتأكيد أمر محترم ومعقول وضروري.

نعم، لكن هذا ليس كافيًا لجعلك سعيدًا. كونك تقضي ثمانِ ساعات في اليوم في أمر ليس له معنى أو فائدة في أصله عدا أنه وسيلة لكسب المال.

نعم، بالمعنى والفائدة في العمل، واعذرني على التفصيل في الحديث، ماذا تعني تحديدًا، عندما يعمل الرجل في مصنع ما بمفتاح مسامير على سبيل المثال، ما المعنى الأعمق الذي تبحث عنه؟

هناك متعة خاصة يملكها حرفيو العصور الوسطى على سبيل المثال ولا زالت في بلد مثل المكسيك اليوم، متعة خلق شيء ما. والآن، قد تجد عددا لا بأس به من العمّال المهرة الذين يملكون هذه المتعة، ربما عامل في مصنع للحديد أو عامل يستخدم آلات معقدة ويشعر أنه يصنع فارقا بعمله هذا، أما البائع الذي يبيع سلعًا لا فائدة منها يشعر أنه محتال ويكره هذه السلعة ككرهه لـ… شيء ما.

لكنك تقول سلعًا لا فائدة منها، وإن باع فرشاة أسنان أو سيارات؟

نعم، إن مصطلح «عديم النفع» نسبي. فعلى سبيل المثال، حتى يغطي الشخص نفقاته لفترة محددة فعليه إقناع الناس بشراء أشياء يعلم أنهم ليسوا بحاجة لها. عندها تكون هذه الأشياء دون فائدة لهؤلاء الناس وإن كانت ذات فائدة كمادة منفردة.

في كتابتك عن الناس في أمريكا، قلتَ مرارا، وتحدثتَ مرارا عما أسميتَه «التوجه التسويقي». ماذا تعني بالتوجه التسويقي دكتور (فروم

أعني بذلك أن طريقتنا الأساسية في ربط أنفسنا بالآخرين هي كما تربط الأشياء بعضها ببعض في الأسواق. نريد أن نقايض شخصياتنا، أو كما يقال حزمة شخصياتنا بشيء ما. هذا ليس صحيحًا بالنسبة للعمال، فالعامل ليس مضطرًا لبيع شخصيته ولا لبيع ابتسامته. ولكن الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالمندفعين، أولئك الذين يتعاملون مع الشخصيات والناس والرجال، والذين يتلاعبون، وهذا مصطلح محترم نوعا ما، الذين يتلاعبون بالناس والإشارات والكلمات، يضطر هؤلاء لبيع ما هو أكثر من مجرد خدمات، عليهم بيع شخصياتهم نوعا ما كجزء من الصفقة، وهناك استثناءات.

إذا فإحساسه بقيمته الخاصة يعتمد على القيمة التي يدفعها السوق؟

بالضبط، كحقيبة يد لا يمكن بيعها لعدم وجود طلب كاف عليها وبالتالي لا فائدة منها ماديا. وإن استطاعت الحقيبة أن تفكر فستشعر بنقص كبير لأنها لم تشترَ، وستشعر أنها دون فائدة. كذلك الإنسان الذي يعتبر نفسه مادة، وإن لم ينجح في بيع نفسه فسيشعر أنه مُخفِق فعلًا.

حسناً، لننتقل إلى علاقاتنا الاجتماعية، في مشاعرنا تجاه الجيران والأصدقاء، مالذي يحدث للإنسان في هذه المسائل؟

أريد أن أبدأ بقولي أن علاقاتنا الاجتماعية ضحلة نسبيًا. إننا خائفون من العلاقات العاطفية مع الناس. وهناك العديد ممن هم كذلك حتى مع أزواجهم وزوجاتهم. إننا نستبدل، أو بالأصح نُخفي هذا الخوف من العواطف بنوع من المودة الظاهرية وهذا أمرٌ لطيفٌ فعلا ولكنه لا يزال ضحلًا جدا. وأعتقد أن هناك إجابة أخرى لسؤالك أود أن أعبر عنها، في الحقيقة، إن نظرت إلى الفرد الأمريكي الطبيعي، وقد أظهرت الدراسات ذلك، إنه يهتم بشأنه الخاص فقط، أي بصحته وماله وعائلته، لكنه ليس مهتما بمجتمعه. صحيح أنه يتحدث عنه لكن ما أعنيه بالاهتمام هو القلق الذي قد يفقدك نومك أحيانا. والأمريكي الطبيعي لا يفوّت نومه قطّ من أجل أمر متعلق بمجتمعه أو ببلده ككل، وبهذا أعني أنه قد فصل حياته الخاصة عن وجوده كجزء من مجتمعه وترك كل ذلك للمختصين وللحكومة.

أتعتقد أن هذا ما يحدث للإنسان الأمريكي، وبالطبع أنا لا أتحدث عن الإنسان الأمريكي الذكر فقط بل عن الإنسانة الأمريكية كذلك دكتور (فروم)، في علاقته بالسياسة وأفكاره السياسية؟

نعم بالطبع. لقد تخلينا بنفس الطريقة عن مسؤولياتنا وما يحدث في بلدنا وتركنا القرار للمختصين المسؤولين. أما المواطن فلا يشعر أن بإمكانه إتخاذ القرارات أو أن عليه أصلا أن يتخذ أي قرار أو أن يتحمل أية مسؤولية. أعتقد أن هناك العديد من التطورات مؤخرًا تثبت ذلك.

مثلًا؟

على سبيل المثال، إننا نواجه احتمالية اندلاع حرب أو دمار ما في الزمن الحالي يهدد وجود دولتنا ويهدد العالم بأكمله. يعرف الناس هذه المعلومة ويقرؤونها في الصحف. يقرأ الناس أن الهجوم الأول قد يودي بحياة مائة مليون ضحية أمريكية، ومع ذلك يتحدثون عن الموضوع وكأنهم يتحدثون عن عيب في كربون سيارة على سبيل المثال. في الحقيقة، لقد أولوا اهتماماً أكبر لمخاطر أوبئة الإنفلونزا أكثر من اهتمامهم بالقنبلة الذرية، لأن ..

ألا تظن أن في ذلك شيء من المبالغة، دكتور (فروم

أتمنى لو كان الأمر كذلك حقيقة، لأن ما أراه هو عدد قليل نسبياً من الأشخاص الذين يهتمون ويشعرون بالخطر الذي يهددنا والذين يشعرون بمسؤولية القيام بشيء ما حيال ذلك.

حسناً، ربما عندما تتحدث عن مسؤولية القيام بشيء ما، فربما يكون ببساطة أننا نجد صعوبة بالغة في وضع بصمتنا في هذا المجتمع المتفكك الذي نعيش فيه. يريد كل فرد أن يفعل شيئًا ما ولكنه يجد صعوبة في التأثير والتغيير.

أعتقد أنك تشير هنا إلى أحد العيوب الأساسية في نظامنا، وهي أن المواطن الفرد ليس له تأثير ولا لرأيه قيمة في اتخاذ القرارات، وأعتقد أن ذلك بحد ذاته يؤدي إلى قدر كبير من البلادة السياسية والغباء. صحيح أن على الفرد أن يفكر أولا ثم يتصرف، ولكن صحيح أيضا أنه إن يكن للفرد إمكانية التصرف فسيصبح التفكير فارغًا وغبيًا.

لنتحدث عن الإنسان وعلاقته بالحب والزواج؟

حسنًا، أرى أن الحب أمر يتحدث عنه الجميع. والحاجة إلى الحب هي أحد الاحتياجات الأساسية للإنسان، وتحديدا تجربة الاتحاد مع شخص آخر والتحول من كائنين مختلفين إلى كائن واحد، ومع ذلك أرى أن الحب في يومنا هذا أصبح ظاهرة نادرة نوعا ما. لدينا الكثير من المشاعر ولدينا الكثير من الأوهام عن الحب وتحديدا أنه أمر نقع فيه، والحقيقة هي أنه لا يمكن لأحد أن يقع في الحب، بل قد يعيش في الحب. وهذا يعني أن تصبح المحبة أو تصبح القدرة على الحب أحد أهم الأمور في الحياة.

ولكن مالسبب في صعوبة عيشنا بِحُبّ كبشر، ماهي مشكلتنا من وجهة نظرك؟

لأننا منشغلون بالأشياء، منشغلون بالنجاح، منشغلون بالمال، منشغلون بالأدوات. وأهم الأمور التي نتحدث عنها في خطبنا الدينية هي أمور لا نلقي لها بالًا في الأغلب. الحب ليس سهلًا، كل الأديان المهمة تعتبر الحب من أهم الإنجازات. ولو كان الحب سهلا، أو بالسهولة التي يتحدثون عنها، فبالتأكيد أن القادة الدينيون العظماء لم يكونوا سوى سُذّجًا.

حسنا، لقد ذكرتَ ما نفكر فيه أو نتحدث عنه في خطبنا الدينية. ماذا عن الإنسان وعلاقته بدينه؟

أعتقد أنك ستجد الظاهرة نفسها. لدينا صحوة دينية اليوم في أمريكا، كما يقول الكثيرون. وأرى شخصيًا أن 90% من هذه الصحوة الدينية تُعتبر خطرًا عظيمًا تواجهه التجارب الدينية الحقيقية.

لماذا؟

لأن هذه الحركة المسماة بالصحوة الدينية هي محاولة لدمج فكرة (ديل كارنيجي) عن كسب الأصدقاء والوصول إلى النجاح ومعايير الإنجيل بعهديه القديم والجديد. وبطريقة ذكية نوعا ما، وأحيانًا ليست ذكية، يحاول الناس دمج الإثنين معًا. وهذا في الحقيقة يتناقض تماما مع روح تقاليدنا الدينية الحقة.

يمكنني شرح ذلك بطريقة أخرى سيد والاس، يمكنني أن أقول أن الإنسان اليوم بانشغاله بالإنتاج والاستهلاك بكونهما غايات ليس لديه سوى القليل من الطاقة والوقت لتكريس نفسه للتجربة الدينية الحقيقية، لذا ..

عندما تتحدث عن التجربة الدينية الحقيقية، ماذا تعني بذلك؟

أعني بذلك القدرة على الشعور بحب عميق واتحاد عميق مع أقراني ومع الطبيعة، وإن كنت مؤمنا إيمانا تقليديا سأقول مع الرب. ولكن لا يهمني وجود الرب هنا أو عدم وجوده. المهم هو التجربة التي يخوضها الشخص.

الصورة التي ترسمها للمجتمع، ونحن هنا نتحدث عن المجتمع الغربي، أو المجتمع الأمريكي، الصورة التي ترسمها عنه صورة كئيبة للغاية. الآن، أحد الأمور الرئيسة التي تُشغِلنا، ودعني أوضّح، بطبيعة الحال أن شاغلنا الرئيسي كبشر، على الأقل في هذا الجزء من العالم هو أن ننجو ونعيش أحرارا، ونحقق ذاتنا. كيف يؤثر كل ما قلتَه على قدرتنا على أن ننجو ونعيش أحرارا في هذا العالم الذي يمر بأزمة حرجة حاليا؟

لقد تطرقتَ إلى نقطة مهمة هنا، وهي أن علينا اتخاذ قرار بشأن قيمنا، إذا كانت قيمنا السامية هي تطوير تقاليد غربية لإنسان يعتبر أهم ما في حياته هو الإنسان. وحب الإنسان، واحترام الإنسان، وكرامة الإنسان هي القيم السامية، فلا يمكننا إذا أن نتساءل عما إذا كان من الأفضل لحياتنا إسقاط هذه القيم. إن كانت تلك هي قيمنا السامية فيجب ألا نتخلى عنها وسواء عشنا أو متنا، لن نغير هذه القيم. ولكن إن بدأنا بافتراضات كإمكانية التعايش مع الروس إن تحولنا إلى مجتمع مُسيَّر، أو كما سمعت أحدهم يقول إن درّبنا جنودنا ليكونوا كالأتراك الذين حاربوا بشجاعة في كوريا. إن كنا مستعدين لتغيير جذري لحياتنا من أجل أن “نحيا” فلنفعل ذلك إذا. وهذا ما سيهدد حياتنا؛ لأن نجاتنا هي نجاة كل أمة مبنية على صدق وعمق الأفكار التي تعلنها وتتبناها. أعتقد أن خطرنا هو أننا نقول مالا نشعر به ولا نفعله.

ماذا تعني؟

أعني أننا نتحدث عن المساواة وعن السعادة وعن الحرية وعن قيم الدين الروحية وعن علاقتنا بربنا. ونتصرف في حياتنا اليومية بناء على مبادئ مختلفة وقد تكون متناقضة.

حسنا، أريد أن أطلب الآن أن توضح، ذكرتَ المساواة والسعادة والحرية؟

نعم، سأحاول. بالمساواة، أعني بنفس الطريقة التي فُهمَت بها مسبقا وهي الطريقة التي ذكرت في الإنجيل، أننا جميعا سواسية إذ خُلقنا في صورة ربنا. وإن تجنبت اللغة اللاهوتية سأقول أننا جميعا سواسية بطريقة ترفض أن يصبح إنسانًا وسيلة وغرضًا لإنسانٍ آخر. كل إنسان هو غاية بحد ذاته. نتحدث اليوم عن المساواة، لكني أعتقد أن ما يعنيه أغلب الناس هو التشابه، أن جميع البشر متشابهون، وهم متخوفون من أنهم إن لم يكونوا متشابهين فبالتالي لن يكونوا سواسية.

والسعادة؟

السعادة كلمة يفخر بها تراثنا الثقافي بأكمله. أعتقد أنك إن سألت الناس عن معانيهم للسعادة فهي تجربة الاستهلاك اللامحدود. وهو ما شرحه السيد (هاكسلي) في كتابه (عالم جديد شجاع)، أعتقد أنك إن سألت الناس عن مفهومهم عن الجنة فإن إجابتهم الصريحة هي أنها متجر كبير مليء بالأشياء الجديدة التي يعاد تجديدها أسبوعيا، ومالٌ يمكنك به شراء كل شيء جديد. السعادة اليوم بالنسبة لمعظم الناس، كما أعتقد، هي الراحة بالشرب الأبدي المستمر من هذا المشروب وذاك وذاك.

وماذا يجب أن تكون السعادة؟

السعادة هي أمر ينتج عن التقارب الشديد، الخالص، الخلاَّق، الواعي، المتجاوب مع كل ما في الحياة من أناس وطبيعة. لا تستثني السعادة الحزن، إن تجاوبَ الشخص مع الحياة فسيكون سعيدًا مرة وحزينًا مرة أخرى، المهم أنه يتجاوب.

والأمر الثالث، الديمقراطية الحرة؟

حسنا، أستخدم كل هذه الكلمات عادة بعفوية. أود القول أن الديمقراطية كانت تعني يوما تنظيم المجتمع ونقله إلى حالة تجعل كل مواطن فيه يشعر بالمسؤولية ويتصرف بمسؤولية ويشارك في اتخاذ القرار. أرى أن الديمقراطية اليوم وفي الواقع تعني إلى حد كبير الموافقة بالتلاعب، ليس الموافقة الإجبارية بل الموافقة بالتلاعب والذي ساعد فيه أكثر وأكثر ما يحدث في شارع ماديسون.

حسنا إذا، الآن وقد حددنا أصل المشكلة، أخبرني كيف أصبحنا هكذا؟ ماذا حدث لنا؟ كيف انحرفنا عن الطريق دكتور فروم؟

أعتقد أننا انحرفنا عن الطريق كما هي الحال مع معظم المجتمعات، حين اتبعنا هدفا واحدا بنجاح وأشغَلَنا اتّباعنا لهذا الهدف عن رؤية أهداف أخرى أكثر شمولا وأهمية، أعني بذلك أننا توجهنا إلى طريق مسدود. وحتى أكون دقيقا أكثر، أعتقد أننا انحرفنا أكثر وأكثر عندما اتجهنا إلى إنتاج الأشياء، وحينها خلقنا شِقا بين العقل والعاطفة، لأنك إن أردتَ إنتاج تقنيات معاصرة فعليك الاعتماد على العقل وقد فعلنا ذلك باستثمارنا في الناس وجعلهم أذكياء وعباقرة ولكن حياتنا العاطفية أصبحت فقيرة.

أتتحدث عن الرأسمالية؟

نعم، أتحدث عن الرأسمالية وعن النظام الصناعي الذي أُنشئ منذ مائة أو مائتي عام.

هل تقترح نظاما آخر؟ نظاما يقوي الإنسان ويساعده في فهم نفسه وتحقيق ذاته؟

نعم بالطبع. أنا اشتراكي، لكن أودّ أن أضيف أن ما أفهمه عن الاشتراكية هو عكس ما يعنيه الكثير من الناس أو معظم الناس اليوم بالاشتراكية.

اشرح.

إنني أفهم الاشتراكية أنها المجتمع الذي لا يكون فيه هدف الإنتاج هو الربح بل الفائدة، يساهم فيها المواطن الفرد باتخاذه المسؤولية في عمله وفي المنظومة الاجتماعية بأكملها والتي لا يكون فيها مجرد وسيلة تم توظيفها من المسؤولين.

لكن الدولة ستوظفه على أية حال، أليس كذلك دكتور (فروم

نعم.

ألستَ تضع الفرد الاشتراكي تحت تصرف الدولة؟ ألا يقلل هذا من قيمة الفرد؟

حسنًا، علينا أن نوضح شيئا هنا، إذا زعم الروس أنهم اشتراكيون، فهذه برأيي هي مجرد كذبة. ليس لديهم اشتراكية على الإطلاق، لديهم ما يمكن أن أسميه الدولة الرأسمالية. نظامهم هو أكثر نظام رجعي ومقاوم للتغيير اليوم، أكثر من أي مكان آخر، في أوروبا، أو في أمريكا كذلك. وفي الواقع امتلاك الدولة للصناعة لا تسمى اشتراكية. في الواقع، لا فرق بين صناعة بريطانية دولية وصناعة محركات فورد الهندسية فيما يخص واقع العمل في المصانع.

حسنا إذا، ماهي الاشتراكية؟ إن لم تكن هذه اشتراكية، فما هي؟

حسنًا، حتى أكون دقيقًا، أود القول أن الاشتراكية هي كإدارة مشروع ما من قبل كل من يعمل في هذا المشروع. أعتبر الاشتراكية مزيجا بين الحد الأدنى من المركزية الضرورية لدولة صناعية حديثة والحد الأعلى من اللامركزية. ما أود قوله سيد والاس، هو أننا مبدعون جدا عندما يتعلق الأمر بالتقنيات والعلم، أما عندما يتعلق الأمر بالتغيير في المنظومة الاجتماعية فإننا نفتقد إلى الخيال تماما، إذا أردنا …

ولكن دكتور (فروم)، ما زلت أفكر أثناء حديثك أننا أُخبرنا من عدة جهات بأن لدينا اشتراكية زاحفة تتجه الآن إلى الولايات المتحدة وبالتأكيد أنها بلد أكثر اشتراكية اليوم مما كانت عليه قبل 20 أو 25 سنة، ومع ذلك أنت نفسك تشتكي من البيروقراطية، أنت نفسك تشتكي من أن الفرد فقد طريقه في البلد التي نعيش فيها، وفي الوقت نفسه تدعو إلى المزيد من الاشتراكية. ألستَ تضيف سمّاً إلى السم الذي يتم حقنه بالفعل في نظامنا، إذا كانت الاشتراكية سم فعلا؟

نعم، ولكن الاشتراكية كما أراها هي نقيض البلد المحكومة بيروقراطيا. نتحدث اليوم كثيرا عن روسيا، لكني أخشى أننا خلال 20 سنة، سنصبح نحن وروسيا أكثر تشابها لا اختلافا.

لماذا؟

لأن ما هو شائع في كلا المجتمعين هو تطورهما إلى مجتمعات مشوهة تديرها بيروقراطيات عظمى، تتحكم بالبشر. يفعلها الروس بالإجبار ونفعلها نحن بالإقناع. إنني أقدر الاختلاف الهائل حيث يمكننا التعبير عن الأفكار دون خوف من التعرض للقتل أو السجن. لكنني أعتقد أن الروس قد يتخلصون من هذا الإرهاب خلال 20 أو 30 عامًا، عندما يكونون أغنى وعند عدم حاجتهم إلى استخدام هذه الأساليب القمعية. الشيء المشترك بيننا هو وجود عدد كبير من الناس ووجود بيروقراطية عظمى تتلاعب بالجميع للتحكم في تصرفاتهم مع إيهامهم أنهم يتخذون قراراتهم الخاصة وآرائهم الخاصة.

حتى الآن، أنا شخصيًا إن سمحت لي أن أعبر عن رأيي أتفق معك، ولكني أجد صعوبة في الاتفاق مع حلّك، أتفق مع التشخيص ولكن أختلف مع العلاج، لأني لا أفهم اشتراكيتك على ما أعتقد.

إنه أمرٌ صعب جدًا. لأن الروس قد نجحوا في شيء واحد، لقد خدعوا العالم بادعائهم أنهم يمثلون الاشتراكية ويمثلون أفكار (ماركس) وقد قدّمنا لادعائهم أعظم خدمة باتفاقنا مع ما يقولون. سأحتاج وقتا كبيرا للتوضيح أن الاشتراكية من المنظور الديمقراطي والتي عناها (ماركس) والتي كما فهمتها هي نقيض المجتمع المحكوم تماما، المحكوم ببيروقراطية عظمى. كيف يمكن تحقيق ذلك، كيف يمكن إثارة المسؤولية الفردية وتعزيزها، هذه مسألة تخوض في النظام الاجتماعي وتحتاج الكثير من التفاصيل.

أين يمكنني ويمكن لمشاهدينا الليلة معرفة المزيد عن هذا؟

حاولت شرح ذلك في أحد كتبي، (المجتمع العاقل) “The Sane Society”، أريد أن أذكر أن (ماركس) وإنجيل العهد القديم يتشاركان في شيء ما، وأرجو تقبّل المقارنة، كثير من الناس يتحدثون عنهما ولا يوجد من يقرأ لهما فعلا، والحقيقة أن هناك العديد من كتابات (ماركس) المهمة التي لم تترجم إلى الإنجليزية حتى.

إذا فنصيحتك هي قراءة ما كتبه الدكتور (إيريك فروم) و(كارل ماركس).

ليس تماما، لكني أفخر بهذه الصحبة.

سؤال أخير يا دكتور، أثناء قراءة المجتمع العاقل، ويؤسفني أن أقول أن عليك الإجابة في نصف دقيقة، أشعر بشيء من اليأس من (إيريك فروم) تجاه مستقبل هذا العالم.

سيد (والاس)، إنني أشعر بقلق، قلق شديد تجاه أمر واحد وهو احتمالية الوقوع أو صعوبة تجنب حرب ذرية، واهتمامي الوحيد اليوم هو أن نستمر في وضع سياسة خلف سياسة حتى تمكننا من تجنب كارثة أقل ما يقال عنها أنها لا توصف. عدا ذلك، لدي إيمان كبير بإمكانيات الناس والذين أثبتوا قدراتهم سلفا، وأؤمن أننا إن تجنبنا الحرب فسنستطيع أن نحيي قيمنا الحقيقية في الحياة، لكن علينا أولا رؤيتها ولذا علينا نقد وضعنا الحالي.

شكرا دكتور (فروم) على مجيئك وقضاء هذا الوقت معنا.

سواء وافقتم على حله أم لا، يشير الدكتور (إريك فروم) إلى مشكلة ملحة. في رأيه، تميل أمريكا إلى تقديس الآلات بدلاً من الإنسان، نفضّل النجاح على التعقل. يقول الدكتور (فروم) أن المجتمع الذي يريد أن يتمتع بالحرية السياسية فعليه أن يحصّن نفسه من هذا الاستعباد الروحي.

قواعد إريك فروم الست في فن الإصغاء

“الحب والفهم لاينفصلان عن بعضهما فهما يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي”

بحسب ماكتبت (حنة آرندت): “لا يُعطى الرأي في التجارب إلا بعد ذكرها”، عن رأيها  في مدى إضفاء اللغة الواقعية على الوجود بتعبيرها، “ولطالما لم تذكر هذه التجارب فيصح القول بأن لا وجود لها”. ولكن إن ذُكرت التجربة ولم تلق آذاناً صاغية، فسيصبح نصف واقعها مبتور وانسجامها الأساسي مختل توازنه.

عَرف الفيزيائي العظيم (ديفيد بوهم) هذا بقوله: “علينا العيش بإنسجام مع أنفسنا ومع البيئة”، وبإختصار كتب في أطروحته المتميزة بشأن “معضلة التواصل”:

إننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على التواصل بحرية في حركة إبداعية حيث لا أحد يتمسك فيها بأفكاره دومًا أو يدافع عنها بصورة أخرى.

أما عن كيفية فعل هذا، هو ما كشفه الفيلسوف والمحلل النفسي المؤثر (إريك فروم)، الذي ولد في 1900 وتوفي في عام 1980، في حلقة دراسية عقدت في سويسرا عام 1974 والتي نشرت بعد وفاته في كتاب يحمل عنوان (فن الإصغاء).

ويناقش في فن الإصغاء قائلًا أنه”فن أشبه بفهم الشعر” وحاله من حال الفنون الأخرى التي لها أصولها وقواعدها الخاصة. واستنادًا إلى ممارسته في المعالجة النفسية على مدار 50 عاماً، يقدم لنا ست إرشادات لإتقان فهم هذا الفن:

  • القاعدة الأساسية لممارسة هذا الفن بالتركيز التام للمستمع.

  • يجب أن يكون خال الذهن، أن يكون متحرراً على النحو الأمثل من القلق وكذلك من الجشع.

  • التمتع بمخيلة تعمل بحرية ملموسة وبدرجة كافية للتعبير عنها بالكلمات.

  • التمتع بقدر كبير وقوي من التعاطف مع الآخرين يكفي للشعور بتجارب الآخرين وكأنها تجربته الشخصية.

  • حالة التعاطف هذه، تعد جانبًا أساسيًا للمقدرة على الحب. إن فهم الآخر يعني محبته، دون أن يكون ذلك نابع من إحساس شهواني.

  • الحب والفهم لا ينفصلان عن بعضهما، يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي.


[المصدر]

الجمل والأسد والطفل .. التحولات الثلاثة للعقل، كما يذكرها نيتشه في تشبيهه عن رحلة الوعي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا. بلغة ألمانية بارعة.

يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء. وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (أسئلة نيتشه للضمير)، (تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه)، (الفن والجمال عند نيتشه). وفي كتابه الشهير (هكذا تكلم زرادشت)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (علي مصباح)، تحدث نيتشه عن ثلاثة تحولات للعقل، في أحد خطب شخصيته الأشهر (زرادشت). فيقول مستفتحًا حديثه:

أذكر لكم ثلاث تحولات للعقل: كيف يتحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

فيبدأ حديثه عن التحول إلى الجمل فيقول:

أثقال كثيرة هناك بالنسبة للعقل القوي المكابد، العقل الممتلئ احترامًا؛ إلى الثقيل والأكثر ثقلًا ترنو قوته.

ما الثقيل؟ هكذا يسأل العقل المكابد، وهكذا يجثو على ركبتيه مثل الجمل ويطلب حملًا جيدًا.

ما هو الأكثر ثقلًا أيها الأبطال؟ يسأل العقل المكابد، كي أحمله وأغبط لقوتي.

أليس هذا ما يعني أن يحط الواحد من نفسه كي يكسر شوكة غروره؟ وأن يدع حمقه يشع كي يسخر من حكمته؟

أم ترى: أن نتخلى عن قضيتنا في اللحظة التي نحتفل فيها بانتصارها؟ أن نتسلق جبالًا شاهقة من أجل أن نجرب المجرَّب؟

أم هو هذا: أن نتغذى من عروق وأعشاب المعرفة، ونجعل الروح تكابد الجوع من أجل الحقيقة؟

أم هو هذا: أن تكون مريضًا تصد المواسين وتعقد صداقة مع الصم الذين لن يسمعوا أبدًا ما الذي تريده؟

أم هو هذا: أن يلج الواحد المياه القذرةإن كانت تلك ماء الحقيقة، وأن لا يدفع عنه الضفادع الباردة والعلاجيم السامة؟

أم هو هذا: أن تحب أولئك الذين يحتقروننا، وأن نمد يدنا إلى الشبح عندما يريد أن يرعبنا؟

بكل هذه الأثقال يأخذ العقل المكابد على عاتقه، وكما الجمل الذي يسعى حثيثًا بأثقاله عبر الصحراء، كذلك يسعى هو حثيثًا في صحرائه.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) من وصف “العقل المكابد”، أو ما شبهه بالجمل، إلى التحول التالي للعقل، فيقول:

لكن في الصحراء الأكثر خلاء ووحدة يحدث التحول الثاني: أسدًا يستحيل العقل، يريد انتزاع الحرية، وسيدًا يريد أن يكون في صحرائه الخاصة. هنا يبحث عن آخر أسياده: عدوًا يريد أن يصير لآخر أسياده ولآخر آلهته، ومن أجل النصر يريد الاشتباك مع أعظم تنين.

ما هو هذا التنين الأكبر الذي لم يعد يرغب فيه العقل سيدًا وإلهًا؟

“ينبغي عليك” يُدعى التنين الأكبر. لكن عقل الأسد يقول: “أريد”.

“ينبغي عليك” تسد عليه الطريق ملتمعة ببريق الذهب؛ حيوان حرشفي، وفوق كل حرشفة تلتمع مقولة “ينبغي عليك” ببريق ذهبي.

قيم آلاف السنين تلتمع فوق تلك الحراشف، وهكذا يتكلم التنين الأشد قوة: “قيمة الأشياء بكليتها تلتمع فوق جسدي”.

كل القيم التي قد تم خلقها، وكل القيم التي تم خلقها هي: أنا. حقًا، لم يعد هناك من مكان لأي “أريد”! هكذا يتكلم التنين.

لكن ما ضرورة الأسد للعقل يا إخوتي؟ ما الذي ينقص دابة الحمل والمكابدة المتبتلة والمفعمة احترامًا؟

خلق قيم جديدة، ذلك ما لا يقدر عليه الأسد بعد ؛ أما اكتساب الحرية من أجل إبداع جديد، فلذلك ما تقدر عليه قوة الأسد.

اكتساب الحرية وإعلان الـ”لا” المقدسة تجاه الواجب أيضًا، ذلك هو ما يحتاج إليه الأسد.

اكتساب حرية ابتداع قيم جديدة، إنه الكسب الأكثر فظاظة بالنسبة لعقل مكابد ومفعم بالاحترام. لكنه في الحقيقة مجرد صيد وعمل حيوان مفترس.

في ما مضى كان العقل يحب “ينبغي عليك” ويجلها كأرقى مقدساته؛ أما الآن فلا بد أنه واجدٌ جنونًا واستبدادًا في أكبر المقدسات أيضًا، كي ينزع إلى افتكاك حريته من حبه هذا؛ إنه بحاجة إلى الأسد من أجل هذه الغنيمة المنتزعة.

فالعقل المكابد كما يقول (نيتشه) هو العقل الذي يحمل المعلومات والأفكار. أما ما يحتاجه الأسد فهو الحرية للإبداع، ضد جميع الموروثات وواجبات الإنسان. ينتقل بعد ذلك (نيتشه) إلى التحول الأخير من العقل، فيقول:

لكن قولوا لي يا إخوتي، ما الذي يقدر عليه الطفل مما لا يقدر عليه حتى الأسد؟ ولمَ ينبغي على الأسد المفترس أن يتحول أيضًا إلى طفل؟

براءةٌ هو الطفل ونسيان. بدء جديد، لعب، دولاب يدفع نفسه بنفسه، حركة أولى، “نعم” مقدسة.

أجل، إن لعبة الابتكار يا إخوتي تتطلب “نعم” مقدسة: إرادته الخاصة، يريد العقل الآن؛ والذي يكون غريبًا في العالم يكسب عالمه الخاص.

فالمرحلة الأخيرة للعقل هي “العقل المريد”، ذلك الذي يزيح “التنين” والمقدسات الموروثة عن معادلته، في سبيل أن يصنع طريقه الخاصة، بعيدًا عن الخصام مع ما يختاره العالم والمجتمع.

ثلاث تحولات للعقل ذكرت لكم: كيف تحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

هكذا تكلم (زرادشت). وكان آنذاك مقيمًا في المدينة التي تدعى “البقرة المرقطة”.

تودوروف تساءل؛ كيف نتعامل مع المختلفين؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، يتساءل (تودوروف) في خاتمة كتابه؛ “كيف يمكن، كيف ينبغي أن نتصرف تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى الجماعة التي ننتمي إليها؟”

يعتمد الدرس الأول الذي تعلمناه على التخلي عن تأسيس استدلالاتنا على تمييز من هذا النوع. على أن الكائنات الإنسانية قامت باستدلالات من هذا النوع، منذ أبد الدهر، واكتفت بتغيير موضوع المديح، […] حكم البشر على أنفسهم بأنهم أفضل مَن في العالم، وقدّروا أن الآخرين سيئون أو خيّرون تبعًا لبعدهم أو قربهم منهم؛ وعلى العكس من ذلك، […] وجدت الكائنات الإنسانية أن الشعوب الأبعد هي الشعوب الأسعد والأكثر إثارة للإعجاب. في حين أنها لم تجد في تجمعاتنا الخاصة إلا الانحطاط، وفي الحالتين، نحن أمام وهم بصري؛ “نحن” لسنا بالضرورة صالحين، ولا “الآخرون” كذلك.

يلخّص حديثه قائلًا:

كل ما يمكن قوله بهذا الخصوص هو أنه في الانفتاح على الآخرين وفي رفض إقصاءهم دون دراسة، حسنة يمتاز بها الإنسان عن غيره.

ثم يتساءل بعد ذلك: “ما معنى انتماءنا إلى تجمّع ما؟ وكيف نبرر أحكامنا؟”. ويجيب قائلًا:

ليست الكائنات الإنسانية مجرد أفراد منتمين إلى نوع واحد بحد ذاته، بل إنها تنتمي أيضًا إلى تجمعات خاصة ومتنوعة، تولد هذه الكائنات فيها وتتصرف. التجمّع الأقوى حاليًا هو ما يُسمى بالأمة، ونعني بهذا التطابق الكامل تقريبًا بين الدولة والثقافة. الانتماء إلى الإنسانية مختلف تمامًا عن الانتماء إلى الأمة، كان (روسو) يقول: “الإنسان ليس المواطن”، حتى أنه يوجد بين الاثنين نزاع كامن، قد يصبح علنيًا في اليوم الذي نجد فيه أنفسنا مجبرين على الاختيار بين قيم الإنسانية وقيم الأمة. يُحكم على الإنسان ضمن هذا المعنى للكلمة، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية، بينما ينشأ سلوك المواطن من وجهة نظر سياسية.

لا يمكن إقصاء أي من وجهي الحياة الإنسانية هذين، ولا يمكن اختزال الواحدة في الأخرى، من الأفضل أن نعي دومًا هذه الثنائية المأساوية أحيانًا. وفي الوقت نفسه، فإن الفصل الجذري بين عناصرها ووضعها في أفلاك لا تتواصل في ما بينها أبدًا، قد يكون وخيم العواقب أيضًا. […] لا تنطبق الأخلاق على السياسة، لكنها تستطيع وضع حواجز لا يحق للسياسة أن تتخطاها. إذ لا يعفينا الانتماء إلى الإنسانية من الانتماء إلى الأمة، ولا يمكن أن يحل محله، لكن على الأحاسيس الإنسانية أن تتمكن من احتواء منطق الدولة.

يتابع حديثه بعد ذلك، فيقول:

وجود شيء ما، لا يعني أنه يجب أن يكون. على كل حال، يعمد الفرد وبشكل جيد جدًا إلى التصحيح بنفسه، فلا يخلط بين الحب والعدالة، إنه يحب ابنه أكثر من ابن جاره، لكن عندما يوجد الاثنان في بيته، فهو يعطيهم حصصًا متساوية من الحلوى. ثم أن الشفقة ليست أقل طبيعية من الأنانية، ومن خصوص الكائن الإنساني أن يرى ما هو أبعد من مصلحته، ولهذا فإن الشعور الأخلاقي موجود.

ويكمل حديثه في موضع آخر، قائلًا:

لا يتحدد ما هو إنساني، حقًا، بهذه السمة الثقافية أو تلك حتمًا. فالكائنات الإنسانية تتأثر بالسياق الذي تأتي من خلاله إلى العالم، ويتغير هذا السياق تبعًا للزمان والمكان. العنصر المشترك بين مجمل الكائنات الإنسانية هو القدرة على رفض هذه التحديات، وبتعبير فيه أقل قدر من الرسمية، سنقول أن الحرية هي السمة المميزة للنوع الإنساني.

مالك بن نبي، وحديث عن أدوار الوثنية

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ.

يُعدّ المفكر الجزائرى (مالك بن نبى) أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ويُمكن اعتباره امتدَادًا لـ(ابن خلدون)، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة.

وكان (بن نبى) أول باحث يُحاول أن يُحدّد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجًا مُحدّدا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

يتحدث (مالك بن نبي) في كتابه (شروط النهضة) عن دور الوثنية في غياب الفكر وحضور الصنم فيقول:

من المعروف أن القرآن الكريم قد أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع، وأدب فذ، من أن يصفهم القرآن بهذا الوصف، لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة الخالية من كل عنصر “خلاق” أو فكرة عميق. وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكاراً، بل ينصب أصناماً، وهذا هو شأن الجاهلية.

ثم يبين عن غياب الفكرة وحضور الوثنية فيقول:

فلم يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة، ولم يكن عجيباً أيضاً أن مر الشعب العربي بتلك المرحلة، حين شيد معبداً للأقطاب (الدراويش) المتصرفين في الكون، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح أحياناً.

وعن جهل المتعلم يقول:

ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من جهل العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه، أما الأول فهو متخف في غرور المتعلمين.

معادلة الحضارة عند (مالك بن نبي) من:

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

ويرى أن الوثنية هي غياب الفكرة والروح الدافعة للعمل، غياب ذاك الإيمان الذي يضم مركبات الحضارة.

لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ جون هورجان يجيب

جون هورغان

جون هورجان (مواليد 1953)، هو كاتب أمريكي، اشتهر عام 1996 بكتابه (نهاية العلم). نشر العديد من المقالات في عدة صحف شهيرة، منها (ناتشيونال جيوغرافيك)، (نيويورك تايمز)، وغيرها. يدير (هورجان) مركز كتابات العلوم في معهد ستفينسونز التكنولوجية.

في مقالة نشرتها مجلة (Scientific American) العلمية الشهيرة، بعنوان “لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ حديثي مع الطلبة في كلية الهندسة”، نقدمها بترجمة حصرية لدى ساقية، تحدث (هورجان) عن أهمية العلوم الإنسانية، فيقول مستفتحًا:

ما أهمية العلوم الإنسانية ؟ ما الذي سنجنيه من دراسة الفلسفة والتاريخ والأدب و العلوم الناعمة كعلم النفس والسياسة؟ هذا ما حاولت لجنة الانسانيات والعلوم الاجتماعية التي تتكون من مجموعة من كبار الأكاديميين والسياسين والعاملين في قطاع الشركات و الترفيه الإجابة عليه في تقرير مطول تم تقديمه إلى الكونجرس الأمريكي. يهدف التقرير إلى دعم و مواجهة القصور في الاقبال على الإنسانيات، حيث يتنامى انطباع يرى هذه التخصصات كماليات لا يستطيع الطلاب تحمل عناء تكلفتها كما أشارت إلى ذلك صحيفة النيويورك تايمز.

يقول التقرير الذي عُنْوِنَ بـ(جوهر القضية): “في سعينا الجاد لصناعة خطاب عام أكثر مدنية، وقوى عاملة أكثر إبداعاً وقدرة على التكيف، وأمة أكثر أمناً، تقع الإنسانيات والعلوم الإجتماعية في جوهر هذه القضية. حيث تحافظ هذه العلوم على الدولة من خلال كونها مصدراً للقوة المدنية والذاكرة الوطنية والتفاهم الثقافي والقيمة الفردية والمُثل التي نتشاركها جميعاً. كل هذه الأمور تعتبر حساسة وحاسمة للمجتمع الديموقراطي ومن هنا فإن هذه العلوم تحتاج إلى دعمنا.”

في الحقيقة فإني أجد هذا الدفاع عن العلوم الإنسانية فيه من التكلف والغموض الكثير.  خلال السنوات الماضية استطعت أن أصيغ دفاعي الخاص عن الإنسانيات وذلك أثناء تدريسي مقرر جديد للطلبة المستجدين في معهد ستفينسونز التكنولوجية. اشتملت الخطة الدراسية على وجوه الفكر والفلسفة والأدب في الحضارة الغربية كـ(سوفوكليس)، (أفلاطون)، (ثيودوروس)، (شكسبير) و(ديكارت) و(هوبز)، (لوك)، (كانط)، (مِل)، (ماركس) و(نيتشه)، و(ليم جيمس)، (فرويد)، (كينز)، (إليوت). شخصياً، أحب تدريس هذا المقرر، ولكن أعلم بأن أغلب الطلبة لا يودون دراسته. ولذلك قمت بسؤال التلاميذ “كم شخص يود تجاوز هذا المقرر في حال أنه لم يكن مقرر عليهم إجبارياً؟” وبعد طمأنتي بأنهم لن يؤذوا مشاعري ارتفعت كل الأيدي.

وعندما حاولت استقصاء أصل الإشكال، علل الطلاب مجيئهم للجامعة برغبتهم دراسة الهندسة وعلوم الحاسوب والفيزياء والطب والاقتصاد وانتاج الموسيقى الرقمي وما إلى ذلك من تخصصات.  فلا حاجة لهم بدراسة هذه العلوم التي لن تفيدهم بشيء في مسيرتهم المهنية مستقبلاً.


ولطالما كانت الإجابة عن سؤال “هل يعرفون سبب فرض هذا المقرر عليهم؟”  إجابة متحاذقة ومتعجرفة على النحو الآتي “إرادة الجامعة بأن تكون دراستنا أكثر توازناً وشمولاً”. هذه الإجابة أثارت حفيظتي واستغرابي دوماً، فلم أجد لها معنى. فليس الهدف أن تكون قادراً على الثرثرة عن (شكسبير) أو غيره في المناسبات للتباهي إن كان هذا ما تعنيه جملة “أكثر توازناً وشمولاً”. كنت أعقب هذا الحوار بكلمة عن المقرر أقول فيها: “نحن نعيش في زمن أصبح فيه العلم مسيطراً على كل شيء. هذا أمر جيد، فأنا أصبحت كاتب علمي لأنني أرى أن العلوم هي أكثر الأمور حيوية ونشاطاً وتشويقا في الثقافة البشرية، ولذلك أردت أن اكون جزءاً من هذا .”

بالإضافة إلى ذلك، فإن اثنان من أطفالي في عمر الجامعة ولا أخفيكم بأنني سوف أشعر بسعادة غامرة إذا ما قررا أن يكملا مسيرتهم المهنية في علوم كالهندسة أو الطب. وسوف أحثهم على تعلم المزيد من العلوم والرياضيات بقدر استطاعتهم لأن هذه المهارات سوف تزيد من فرص حصولهم على عمل ذو قيمة رفيعة الشأن. إلا أنه وبسبب قوة ونفوذ العلوم نحتاج الإنسانيات الآن أكثر مما مضىى؛ أكثر ما نتلقاه في محاضرات الرياضيات والهندسة من حقائق وإجابات ومعارف تصاغ من قبل المعلم على أنها قطعية وإلزامية غير قابلة للشك. ما تقوم به العلوم الإنسانية هو على النقيض تماماً من هذا، فهي تمنحك القدرة على التشكيك ومسائلة يقينياتك. إن الإنسانيات تقوض دعاوى كل من الدين والعلوم والسياسة، فهي تنزع السلطة والقدسية عنهم. فالقدرة على التشكيك مزية هامة جداً حينما نتحدث عن كل ما هو إنساني، عندما نتسائل من نحن، ومن أين أتينا، وما الذي ينبغي علينا أن نكون عليه. حل العلم مكان الدين في الإجابة عن هذه المسائل فهو يخبرنا بالكثير عن أصولنا ويمنحنا المزيد من المعرفة.


ولكن الإنسانيات دائماً ما تذكرنا بأننا نتملك قدرة هائلة على مخادعة أنفسنا. فهي تركز على الفرد وتمنحه ما يستحقه من الأهمية. هذا الفرد المميز الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته وقدرته على التغير. مجتماعاتنا تتغير باستمرار بسبب العلوم والتكنولوجية، ورغم هذا ما زال البشر يقاومون ما تقدمه العلوم من إيضاحات وشروح. الإنسانيات تهتم بشكل أكبر بالتساؤل وتمنحه الأفضلية على الإجابات. ولذلك سوف نتعارك في هذا المقرر مع أسئلة بدهية كبيرة. كماهية الحقيقة؟ كيف نعرف أن ما نفعله صحيح أم خاطئ؟، لماذا نعتقد بأن بعض الأمور صحيحة والأخرى خاطئة ولا يجب فعلها على المستوى الفردي أو الاجتماعي؟

بالإضافة إلى أسئلة، كمعنى الحياة ؟ وما الهدف منها؟ هل يفترض أن نسعى إلى السعادة وأن نجعل منها هدفاً في الحياة؟ إن كانت الإجابة بنعم، فما هي السعادة؟ وهل السعادة هي في ذاتها المنتهى أم أنها مجرد عرض جانبي لأهداف أسمى؟ كحيازة المزيد من المعرفة أو التقليل من معاناة الآخرين؟

يجب أن يجد كلٌ منكم نسخته الخاصة من الإجابة عن هذه التساؤلات. لقد اعتقد (سقراط)، وهو أحد الفلاسفة الذين سوف نتدارسهم معاً، الحكمة هي أن تعرف مدى جهلك وقلة ما تعرفه.

إن استطعت تأدية عملي على أكمل وجه، يجب أن تكونوا قادرين على مسائلة كل من يفرض نفسه عليكم كسلطة معرفية. سوف تُساؤلون كل ما اُملِّي عليكم حول طبيعة الحقيقة، والغاية من الحياة، ومعنى أن تكون إنساناً جيداً. وهذه هي فحوى العلوم الإنسانية وغايتها، فهي تحفظنا من سعينا الدائم نحو الدوغمائية.


[المصدر]

إيريك فروم يشرح المبدأين الأبيسي والأموسي

إريك فروم

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

يتحدث (فروم) في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن مفهومي “المبدأ الأبيسي” و“المبدأ الأموسي”، فيقول مستفتحًا:

ليُسمح لي أن أذكر بمفكر كبير للقرن 19 ويتعلق الأمر بالسويسري (يوهان ياكوب) Johnan Jakob Bachofen، الذي أظهر لأول مرة منهجيًا وعلميًا بأن المجتمع محكوم بمبدأين بنيوين مختلفين: المبدأ الأموسي، والمبدأ الأبيسي، ماذا يميز هذين المبدأين عن بعضهما؟

فيتحدث بداية شارحًا المبدأ الأبيسي، فيقول:

في المجتمع الأبيسي، كما هو معروف في العهد القديم ومنذ الحكم الروماني، فإن الأب هو الذي يمتلك ويتحكم في الأسرة. وعندما أتحدث عن الامتلاك، فإن ذلك يجب أن يفهم في المعنى الحرفي للكلمة. ذلك أن الزوجة والأطفال كانوا في النظام الأبيسي، وفي القانون الأبيسي البدائي ملكًا لأب الأسرة تمامًا كالعبيد والماشية. كان باستطاعته عمل ما يريد بهما.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى شرح المبدأ الآخر، الأموسي، فيقول:

في المجتمع الأموسي كان الأمر مختلفًا تمامًا. فالشخصية المحترمة على العموم، والتي لا يمكن الحديث عندها عن الامتلاك، بل عن كونها كنت محط اهتمام دون منازع، كانت هي الأم.

وبعد ذلك يتحدث عن الفارق في مفهوم الحب لدى المبدأين:

وبين الحب الأبيسي والحب الأموسي هناك فرق. فالحب الأبوي في جوهره هو حب مشروط، لأنه موقوف على الاستجابة لشروط بعينها. وعندما أتحدث عن “الحب الأبيسي” فإنني لا أعني حب الأب (س) أو الأب (ص)، لكن الأبيسي على العموم. وقد سمى (ماكس فيبر) ذلك بـ“النموذج المثالي”. فالأب يحب في الغالب الابن الذي سوف يحقق أمانيه وتطلعاته. ويصبح هذا الابن في غالب الأحيان وارث الأب. وبهذا فإننا نجد في المجتمع الأبيسي “الابن المفضل” -في غالب الأحيان يكون هو الابن الأكبر- عندما تقرأ العهد القديم، فإننا نجد دائمًا أن هناك ابن مفضل، يكون مختارًا ومفضلًا عند الأب، إنه يعجبه لأنه يطيعه.

في النظام الأموسي نجد الأشياء بشكل آخر. فالأم تحب كل أبنائها على مستوى واحد؛ إنهم كلهم ودون استثناء ثمرة رحمها، وبحاجة إلى عنايتها. فإذا كانت الأم لا ترضع رضيعها إلا لأنه يعجبها ويطيعها، فإن أغلبية الصبية سيموتون. وكما نعلم، فإن الرضيع لا يعمل البتة ما تريده الأم. لو كانت الأم تتوفر على نفس الحب الأبيسي -البيولوجي- لكان النوع الإنساني قد انقرض. إن الأم تحب الطفل لأنه ابنها. ولهذا السبب لا نجد في المجتمع الأموسي أية تراتبية، بل نجد نفس الحب لجميع من يحتاجه من أبنائها.

ويختتم شروحاته لهذين المبدأين، وسبب ذكرهما، فيقول:

إن مرجع هذا العرض السريع هو (باخ أوفن) Bachofen. ففي المجتمع الأبيسي يكون المبدأ الأعلى هو النظام، القانون، المثال، المعنوي. أما في المجتمع الأموسي فإن المبدأ هو العلاقة الطبيعية، وهي العلاقة التي تجمع بين الناس. وهي علاقة لا يحتاج أن يفكر فيها أو تصنع، بل إنها هنا ببساطة.