أرشيف الوسم: علم النفس والاجتماع

تودوروف تساءل؛ كيف نتعامل مع المختلفين؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، يتساءل (تودوروف) في خاتمة كتابه؛ “كيف يمكن، كيف ينبغي أن نتصرف تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى الجماعة التي ننتمي إليها؟”

يعتمد الدرس الأول الذي تعلمناه على التخلي عن تأسيس استدلالاتنا على تمييز من هذا النوع. على أن الكائنات الإنسانية قامت باستدلالات من هذا النوع، منذ أبد الدهر، واكتفت بتغيير موضوع المديح، […] حكم البشر على أنفسهم بأنهم أفضل مَن في العالم، وقدّروا أن الآخرين سيئون أو خيّرون تبعًا لبعدهم أو قربهم منهم؛ وعلى العكس من ذلك، […] وجدت الكائنات الإنسانية أن الشعوب الأبعد هي الشعوب الأسعد والأكثر إثارة للإعجاب. في حين أنها لم تجد في تجمعاتنا الخاصة إلا الانحطاط، وفي الحالتين، نحن أمام وهم بصري؛ “نحن” لسنا بالضرورة صالحين، ولا “الآخرون” كذلك.

يلخّص حديثه قائلًا:

كل ما يمكن قوله بهذا الخصوص هو أنه في الانفتاح على الآخرين وفي رفض إقصاءهم دون دراسة، حسنة يمتاز بها الإنسان عن غيره.

ثم يتساءل بعد ذلك: “ما معنى انتماءنا إلى تجمّع ما؟ وكيف نبرر أحكامنا؟”. ويجيب قائلًا:

ليست الكائنات الإنسانية مجرد أفراد منتمين إلى نوع واحد بحد ذاته، بل إنها تنتمي أيضًا إلى تجمعات خاصة ومتنوعة، تولد هذه الكائنات فيها وتتصرف. التجمّع الأقوى حاليًا هو ما يُسمى بالأمة، ونعني بهذا التطابق الكامل تقريبًا بين الدولة والثقافة. الانتماء إلى الإنسانية مختلف تمامًا عن الانتماء إلى الأمة، كان (روسو) يقول: “الإنسان ليس المواطن”، حتى أنه يوجد بين الاثنين نزاع كامن، قد يصبح علنيًا في اليوم الذي نجد فيه أنفسنا مجبرين على الاختيار بين قيم الإنسانية وقيم الأمة. يُحكم على الإنسان ضمن هذا المعنى للكلمة، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية، بينما ينشأ سلوك المواطن من وجهة نظر سياسية.

لا يمكن إقصاء أي من وجهي الحياة الإنسانية هذين، ولا يمكن اختزال الواحدة في الأخرى، من الأفضل أن نعي دومًا هذه الثنائية المأساوية أحيانًا. وفي الوقت نفسه، فإن الفصل الجذري بين عناصرها ووضعها في أفلاك لا تتواصل في ما بينها أبدًا، قد يكون وخيم العواقب أيضًا. […] لا تنطبق الأخلاق على السياسة، لكنها تستطيع وضع حواجز لا يحق للسياسة أن تتخطاها. إذ لا يعفينا الانتماء إلى الإنسانية من الانتماء إلى الأمة، ولا يمكن أن يحل محله، لكن على الأحاسيس الإنسانية أن تتمكن من احتواء منطق الدولة.

يتابع حديثه بعد ذلك، فيقول:

وجود شيء ما، لا يعني أنه يجب أن يكون. على كل حال، يعمد الفرد وبشكل جيد جدًا إلى التصحيح بنفسه، فلا يخلط بين الحب والعدالة، إنه يحب ابنه أكثر من ابن جاره، لكن عندما يوجد الاثنان في بيته، فهو يعطيهم حصصًا متساوية من الحلوى. ثم أن الشفقة ليست أقل طبيعية من الأنانية، ومن خصوص الكائن الإنساني أن يرى ما هو أبعد من مصلحته، ولهذا فإن الشعور الأخلاقي موجود.

ويكمل حديثه في موضع آخر، قائلًا:

لا يتحدد ما هو إنساني، حقًا، بهذه السمة الثقافية أو تلك حتمًا. فالكائنات الإنسانية تتأثر بالسياق الذي تأتي من خلاله إلى العالم، ويتغير هذا السياق تبعًا للزمان والمكان. العنصر المشترك بين مجمل الكائنات الإنسانية هو القدرة على رفض هذه التحديات، وبتعبير فيه أقل قدر من الرسمية، سنقول أن الحرية هي السمة المميزة للنوع الإنساني.

مالك بن نبي، وحديث عن أدوار الوثنية

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ.

يُعدّ المفكر الجزائرى (مالك بن نبى) أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ويُمكن اعتباره امتدَادًا لـ(ابن خلدون)، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة.

وكان (بن نبى) أول باحث يُحاول أن يُحدّد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجًا مُحدّدا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

يتحدث (مالك بن نبي) في كتابه (شروط النهضة) عن دور الوثنية في غياب الفكر وحضور الصنم فيقول:

من المعروف أن القرآن الكريم قد أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع، وأدب فذ، من أن يصفهم القرآن بهذا الوصف، لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة الخالية من كل عنصر “خلاق” أو فكرة عميق. وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكاراً، بل ينصب أصناماً، وهذا هو شأن الجاهلية.

ثم يبين عن غياب الفكرة وحضور الوثنية فيقول:

فلم يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة، ولم يكن عجيباً أيضاً أن مر الشعب العربي بتلك المرحلة، حين شيد معبداً للأقطاب (الدراويش) المتصرفين في الكون، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح أحياناً.

وعن جهل المتعلم يقول:

ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من جهل العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه، أما الأول فهو متخف في غرور المتعلمين.

معادلة الحضارة عند (مالك بن نبي) من:

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

ويرى أن الوثنية هي غياب الفكرة والروح الدافعة للعمل، غياب ذاك الإيمان الذي يضم مركبات الحضارة.

لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ جون هورجان يجيب

جون هورغان

جون هورجان (مواليد 1953)، هو كاتب أمريكي، اشتهر عام 1996 بكتابه (نهاية العلم). نشر العديد من المقالات في عدة صحف شهيرة، منها (ناتشيونال جيوغرافيك)، (نيويورك تايمز)، وغيرها. يدير (هورجان) مركز كتابات العلوم في معهد ستفينسونز التكنولوجية.

في مقالة نشرتها مجلة (Scientific American) العلمية الشهيرة، بعنوان “لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ حديثي مع الطلبة في كلية الهندسة”، نقدمها بترجمة حصرية لدى ساقية، تحدث (هورجان) عن أهمية العلوم الإنسانية، فيقول مستفتحًا:

ما أهمية العلوم الإنسانية ؟ ما الذي سنجنيه من دراسة الفلسفة والتاريخ والأدب و العلوم الناعمة كعلم النفس والسياسة؟ هذا ما حاولت لجنة الانسانيات والعلوم الاجتماعية التي تتكون من مجموعة من كبار الأكاديميين والسياسين والعاملين في قطاع الشركات و الترفيه الإجابة عليه في تقرير مطول تم تقديمه إلى الكونجرس الأمريكي. يهدف التقرير إلى دعم و مواجهة القصور في الاقبال على الإنسانيات، حيث يتنامى انطباع يرى هذه التخصصات كماليات لا يستطيع الطلاب تحمل عناء تكلفتها كما أشارت إلى ذلك صحيفة النيويورك تايمز.

يقول التقرير الذي عُنْوِنَ بـ(جوهر القضية): “في سعينا الجاد لصناعة خطاب عام أكثر مدنية، وقوى عاملة أكثر إبداعاً وقدرة على التكيف، وأمة أكثر أمناً، تقع الإنسانيات والعلوم الإجتماعية في جوهر هذه القضية. حيث تحافظ هذه العلوم على الدولة من خلال كونها مصدراً للقوة المدنية والذاكرة الوطنية والتفاهم الثقافي والقيمة الفردية والمُثل التي نتشاركها جميعاً. كل هذه الأمور تعتبر حساسة وحاسمة للمجتمع الديموقراطي ومن هنا فإن هذه العلوم تحتاج إلى دعمنا.”

في الحقيقة فإني أجد هذا الدفاع عن العلوم الإنسانية فيه من التكلف والغموض الكثير.  خلال السنوات الماضية استطعت أن أصيغ دفاعي الخاص عن الإنسانيات وذلك أثناء تدريسي مقرر جديد للطلبة المستجدين في معهد ستفينسونز التكنولوجية. اشتملت الخطة الدراسية على وجوه الفكر والفلسفة والأدب في الحضارة الغربية كـ(سوفوكليس)، (أفلاطون)، (ثيودوروس)، (شكسبير) و(ديكارت) و(هوبز)، (لوك)، (كانط)، (مِل)، (ماركس) و(نيتشه)، و(ليم جيمس)، (فرويد)، (كينز)، (إليوت). شخصياً، أحب تدريس هذا المقرر، ولكن أعلم بأن أغلب الطلبة لا يودون دراسته. ولذلك قمت بسؤال التلاميذ “كم شخص يود تجاوز هذا المقرر في حال أنه لم يكن مقرر عليهم إجبارياً؟” وبعد طمأنتي بأنهم لن يؤذوا مشاعري ارتفعت كل الأيدي.

وعندما حاولت استقصاء أصل الإشكال، علل الطلاب مجيئهم للجامعة برغبتهم دراسة الهندسة وعلوم الحاسوب والفيزياء والطب والاقتصاد وانتاج الموسيقى الرقمي وما إلى ذلك من تخصصات.  فلا حاجة لهم بدراسة هذه العلوم التي لن تفيدهم بشيء في مسيرتهم المهنية مستقبلاً.


ولطالما كانت الإجابة عن سؤال “هل يعرفون سبب فرض هذا المقرر عليهم؟”  إجابة متحاذقة ومتعجرفة على النحو الآتي “إرادة الجامعة بأن تكون دراستنا أكثر توازناً وشمولاً”. هذه الإجابة أثارت حفيظتي واستغرابي دوماً، فلم أجد لها معنى. فليس الهدف أن تكون قادراً على الثرثرة عن (شكسبير) أو غيره في المناسبات للتباهي إن كان هذا ما تعنيه جملة “أكثر توازناً وشمولاً”. كنت أعقب هذا الحوار بكلمة عن المقرر أقول فيها: “نحن نعيش في زمن أصبح فيه العلم مسيطراً على كل شيء. هذا أمر جيد، فأنا أصبحت كاتب علمي لأنني أرى أن العلوم هي أكثر الأمور حيوية ونشاطاً وتشويقا في الثقافة البشرية، ولذلك أردت أن اكون جزءاً من هذا .”

بالإضافة إلى ذلك، فإن اثنان من أطفالي في عمر الجامعة ولا أخفيكم بأنني سوف أشعر بسعادة غامرة إذا ما قررا أن يكملا مسيرتهم المهنية في علوم كالهندسة أو الطب. وسوف أحثهم على تعلم المزيد من العلوم والرياضيات بقدر استطاعتهم لأن هذه المهارات سوف تزيد من فرص حصولهم على عمل ذو قيمة رفيعة الشأن. إلا أنه وبسبب قوة ونفوذ العلوم نحتاج الإنسانيات الآن أكثر مما مضىى؛ أكثر ما نتلقاه في محاضرات الرياضيات والهندسة من حقائق وإجابات ومعارف تصاغ من قبل المعلم على أنها قطعية وإلزامية غير قابلة للشك. ما تقوم به العلوم الإنسانية هو على النقيض تماماً من هذا، فهي تمنحك القدرة على التشكيك ومسائلة يقينياتك. إن الإنسانيات تقوض دعاوى كل من الدين والعلوم والسياسة، فهي تنزع السلطة والقدسية عنهم. فالقدرة على التشكيك مزية هامة جداً حينما نتحدث عن كل ما هو إنساني، عندما نتسائل من نحن، ومن أين أتينا، وما الذي ينبغي علينا أن نكون عليه. حل العلم مكان الدين في الإجابة عن هذه المسائل فهو يخبرنا بالكثير عن أصولنا ويمنحنا المزيد من المعرفة.


ولكن الإنسانيات دائماً ما تذكرنا بأننا نتملك قدرة هائلة على مخادعة أنفسنا. فهي تركز على الفرد وتمنحه ما يستحقه من الأهمية. هذا الفرد المميز الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته وقدرته على التغير. مجتماعاتنا تتغير باستمرار بسبب العلوم والتكنولوجية، ورغم هذا ما زال البشر يقاومون ما تقدمه العلوم من إيضاحات وشروح. الإنسانيات تهتم بشكل أكبر بالتساؤل وتمنحه الأفضلية على الإجابات. ولذلك سوف نتعارك في هذا المقرر مع أسئلة بدهية كبيرة. كماهية الحقيقة؟ كيف نعرف أن ما نفعله صحيح أم خاطئ؟، لماذا نعتقد بأن بعض الأمور صحيحة والأخرى خاطئة ولا يجب فعلها على المستوى الفردي أو الاجتماعي؟

بالإضافة إلى أسئلة، كمعنى الحياة ؟ وما الهدف منها؟ هل يفترض أن نسعى إلى السعادة وأن نجعل منها هدفاً في الحياة؟ إن كانت الإجابة بنعم، فما هي السعادة؟ وهل السعادة هي في ذاتها المنتهى أم أنها مجرد عرض جانبي لأهداف أسمى؟ كحيازة المزيد من المعرفة أو التقليل من معاناة الآخرين؟

يجب أن يجد كلٌ منكم نسخته الخاصة من الإجابة عن هذه التساؤلات. لقد اعتقد (سقراط)، وهو أحد الفلاسفة الذين سوف نتدارسهم معاً، الحكمة هي أن تعرف مدى جهلك وقلة ما تعرفه.

إن استطعت تأدية عملي على أكمل وجه، يجب أن تكونوا قادرين على مسائلة كل من يفرض نفسه عليكم كسلطة معرفية. سوف تُساؤلون كل ما اُملِّي عليكم حول طبيعة الحقيقة، والغاية من الحياة، ومعنى أن تكون إنساناً جيداً. وهذه هي فحوى العلوم الإنسانية وغايتها، فهي تحفظنا من سعينا الدائم نحو الدوغمائية.


[المصدر]

إيريك فروم يشرح المبدأين الأبيسي والأموسي

إريك فروم

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

يتحدث (فروم) في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن مفهومي “المبدأ الأبيسي” و“المبدأ الأموسي”، فيقول مستفتحًا:

ليُسمح لي أن أذكر بمفكر كبير للقرن 19 ويتعلق الأمر بالسويسري (يوهان ياكوب) Johnan Jakob Bachofen، الذي أظهر لأول مرة منهجيًا وعلميًا بأن المجتمع محكوم بمبدأين بنيوين مختلفين: المبدأ الأموسي، والمبدأ الأبيسي، ماذا يميز هذين المبدأين عن بعضهما؟

فيتحدث بداية شارحًا المبدأ الأبيسي، فيقول:

في المجتمع الأبيسي، كما هو معروف في العهد القديم ومنذ الحكم الروماني، فإن الأب هو الذي يمتلك ويتحكم في الأسرة. وعندما أتحدث عن الامتلاك، فإن ذلك يجب أن يفهم في المعنى الحرفي للكلمة. ذلك أن الزوجة والأطفال كانوا في النظام الأبيسي، وفي القانون الأبيسي البدائي ملكًا لأب الأسرة تمامًا كالعبيد والماشية. كان باستطاعته عمل ما يريد بهما.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى شرح المبدأ الآخر، الأموسي، فيقول:

في المجتمع الأموسي كان الأمر مختلفًا تمامًا. فالشخصية المحترمة على العموم، والتي لا يمكن الحديث عندها عن الامتلاك، بل عن كونها كنت محط اهتمام دون منازع، كانت هي الأم.

وبعد ذلك يتحدث عن الفارق في مفهوم الحب لدى المبدأين:

وبين الحب الأبيسي والحب الأموسي هناك فرق. فالحب الأبوي في جوهره هو حب مشروط، لأنه موقوف على الاستجابة لشروط بعينها. وعندما أتحدث عن “الحب الأبيسي” فإنني لا أعني حب الأب (س) أو الأب (ص)، لكن الأبيسي على العموم. وقد سمى (ماكس فيبر) ذلك بـ“النموذج المثالي”. فالأب يحب في الغالب الابن الذي سوف يحقق أمانيه وتطلعاته. ويصبح هذا الابن في غالب الأحيان وارث الأب. وبهذا فإننا نجد في المجتمع الأبيسي “الابن المفضل” -في غالب الأحيان يكون هو الابن الأكبر- عندما تقرأ العهد القديم، فإننا نجد دائمًا أن هناك ابن مفضل، يكون مختارًا ومفضلًا عند الأب، إنه يعجبه لأنه يطيعه.

في النظام الأموسي نجد الأشياء بشكل آخر. فالأم تحب كل أبنائها على مستوى واحد؛ إنهم كلهم ودون استثناء ثمرة رحمها، وبحاجة إلى عنايتها. فإذا كانت الأم لا ترضع رضيعها إلا لأنه يعجبها ويطيعها، فإن أغلبية الصبية سيموتون. وكما نعلم، فإن الرضيع لا يعمل البتة ما تريده الأم. لو كانت الأم تتوفر على نفس الحب الأبيسي -البيولوجي- لكان النوع الإنساني قد انقرض. إن الأم تحب الطفل لأنه ابنها. ولهذا السبب لا نجد في المجتمع الأموسي أية تراتبية، بل نجد نفس الحب لجميع من يحتاجه من أبنائها.

ويختتم شروحاته لهذين المبدأين، وسبب ذكرهما، فيقول:

إن مرجع هذا العرض السريع هو (باخ أوفن) Bachofen. ففي المجتمع الأبيسي يكون المبدأ الأعلى هو النظام، القانون، المثال، المعنوي. أما في المجتمع الأموسي فإن المبدأ هو العلاقة الطبيعية، وهي العلاقة التي تجمع بين الناس. وهي علاقة لا يحتاج أن يفكر فيها أو تصنع، بل إنها هنا ببساطة.

إيريك فروم وكلماته عن الملل الحديث

إريك فروم

 

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

يتحدث (فروم) في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن ما وصفه بـ“الملل الحديث”، فيقول مستفتحًا حديثه:

عندما نتحدث عن القوة التي تسكن داخل الإنسان فإن الكثيرين قد لا يفهمون ما نقصده. فعادة ما نعتقد أن القوة هي الطاقة التي توجد في الآلات وليس في الإنسان. وعندما نتحدث عن القوة عند الإنسان، فإنه يكون من المفترض أن يصنع الآلات ويستعملها. إن إعجابنا بقوة الآلة تكبر باستمرار، في حين يتراجع التفكير في قوة الإنسان. والجملة التي نجدها عند الشاعر اليوناني في (أنتيجون) Antigone “هناك الكثير من العجائب في العالم، لكن ليس هناك أعجب من الإنسان” لم يعد لها معنى يذكر.

ويتابع بعد ذلك:

يجب علينا أن نعيد التفكير عندما نهتم بالوعي وبالقوة التي تكمن في الإنسان. لا يتعلق الأمر فقط بقوة إمكانية الكلام والتفكير، بل وكذلك بالامتلاك الدائم لفكر أكبر، لتطوير نضج أكبر، وقوة حب أو فن، وكل هذا موجود عند الإنسان، ولا ينتظر إلا أن يحقق. إن النشاط والحيوية عند المفكرين […] هي بالضبط قوة الخلق، وتمظهر قوة الإنسان، التي تكون في غالب الأحيان إما موجّهة توجيهًا آخر أو مكبوتة.

ثم يضع (فروم) يده على أحد مسببات “الملل الحديث” فيقول بأن الفعل لأجل المكافأة أو العقاب، أو ردة فعل للمؤثرات الخارجية، هو أحد معالِم العصر، التي تقود إلى هذا الملل:

وتهتم سيكلوجيتنا السلوكية الحالية بالتالي؛ إن الإنسان هو كائن رد الفعل، يُحدِث المرء مؤثِّرًا، ثم يتم رد الفعل. يمكن للمرء أن يعمل هذا مع الفئران، مع القردة، مع الإنسان وحتى مع القطط على الرغم من صعوبة ذلك. ولسوء الحظ فإن الأمر أسهل مع الإنسان. يعتقد المرء أن كل سلوك الإنسان مبني على مبدأ المكافأة والعقاب. وهذان الأخيران هما المؤثران الكبيران في حياته. ويُنتظر منه أن يسلك ككل حيوان آخر، يعمل ما هو مكافؤ عليه، ويترك كل ما هو معاقب عليه. لا يجب أن يكون معاقبًا بالفعل، لأن التهديد بالعقاب يكون كافيًا. على كل حال يكون من الضروري أن يعاقب من حين لآخر بعض الأشخاص كمثال، لكي لا يصبح التهديد فارغ من أي معنى.

ويكمل حديثه عن النقطة السابقة، قائلًا:

إن “النشاط” كرد فعل على مؤثر، أو كدفع المرء لرد الفعل على شكل مرض هو في الأساس خمول شغوف، على الرغم من كل التمظهرات الخارجية. ولكلمة الشغف/العشق/الوله علاقة مع المعاناة/المكابدة. عندما يتحدث المرء عن إنسان عاشق فإن يستعمل تعبيرًا مناقضًا. لقد قال (شلايماخر) مرة: “إن الغيرة هي شغف يبحث بحماس ما يحققه المضض”. ولا ينطبق ذلك على الغيرة وحسب، بل على كل عشق يوجد عند الإنسان؛ الإدمان على البحث عن الشرف، عن المال، عن السلطة، على الأكل. فكل الإدمانات هي شغف يسبب الألم، إنها خمول.

ثم ينتقل إلى نقطة أخرى رئيسية في حديثه، فيقول:

هناك واقعة جد مهمة في ثقافتنا، تتمثل في كون الناس ليسوا واعيين بما في الكفاية بالمضض الذي يحدثه الملل. إذا كان المرء وحيدًا، وعندما لا يستطيع لسبب من الأسباب شغل نفسه بنفسه، فإنه يشعر، عندما لا يمتلك في نفسه مصدر القيام بشيء حيوي أو وعي ذاته، بالملل كحمل ثقيل، كشلل لا يمكنه شرحه بنفسه. إن الملل هو أصعب عذاب، وهو حديث ويقضي على كل ما حوله. والإنسان الذي يكون معرضًا للملل دون مقاومة هذا الأخير لا يشعر بأنه إنسان محبط. لماذا؟ لماذا لا يعرف الكثير من الناس الشر الذي يمثله الملل، والعذاب الذي يحدثه؟

أعتقد بأن الجواب على هذا السؤال جد بسيط؛ إننا ننتج الكثير من الأشياء التي بإمكانها أن تساعدنا للقضاء على الملل. فإما أن يتناول المرء أقراصًا مهدئة أو أنه يشرب أو يذهب من حفل إلى آخر، أو أنه يتخاصم مع الزوجة أو يترك وسائل الإعلام تنسيه أو أنه يمارس الجنس لكي ينسى الملل. فالكثير من أنشطتنا هي محاولات لكي لا يصل الملل إلى وعينالكن لا يجب على المرء أن ينسى هذا الشعور القاتم الذي يعمنا عندما نشاهد فيلمًا سخيفًا أو عندما نريد أن نقضي على الملل بطريقة سخيفة. لا يجب أن ننسى إذًا عذابات الضمير الذي نشعر به في داخلنا، عندما نلاحظ بأن الأمر كان مملًا، وبأن المرء لم يستفد من وقته، بل إنه قتل هذا الوقت. ما يثير الانتباه في ثقافتنا إذًا هو أننا نعمل كل شيء لكي ننقذ الوقت، لكي نقتصد الوقت، وعندما ننقذه أو نقتصده، فإننا نقتله، لأننا لا نعرف ماذا يمكننا عمله بهذا الوقت.