أرشيف الوسم: علم النفس

الإضراب عن الطعام، وإرادة الموت

أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة، في كتابه (بدايات الذي يسرد فيه تاريخ أهله، واستحضار ذاكرتهم، وإحياء مصير (عشيرة بني معلوف) التي سوف تنتشر من لبنان إلى كافة أرجاء المعمورة، وصولاً إلى الأمريكيتين وكوبا. يروى في صفحات هذا التاريخ حادثة وقعت في عام 1923، حيث أعلن أسد ابن أخت من أخوات بطرس (جد أمين معلوف)، ومن ألمع تلاميذه في المدرسة العمومية، أعلن لأهله، أنه لا ينوي العمل في المؤسسة العائلية، وسوف ينتسب إلى الجامعة لدراسة الأدب. وتكريس حياته للشعر. وكان هذا التمرد على تقاليد العائلة يقوده إلى مأساة ظلت عالقة في الأذهان لفترة طويلة.

يروي (أمين معلوف):

لم ترق هذه المشاريع لأمه التي أكانت أخت بطرس، أو لأبيه، فكلاهما كان يفضل أن يتوجه نحو طموحات أقل غرابة. ولكانا رضخا للأمر الواقع، كما قيل لي، لو وافق الأخ البكر للوالد الذي كان يمارس، حسب التقاليد والأعراف، السلطة الحقيقية في هذا الفرع من الأسرة. ولكن العم رفض رفضاً قاطعاً، وأعلن لابن أخيه الذي تجرأ على مناقشته: “لن تذهب إلى أي مكان! سوف تعمل هنا، ومعنا، ومثلنا! أصبحت رجلاً الآن، وآن الأوان لتكسب خبزك كفاف يومك”. فأجاب الشاب: “لن آكل الخبز بعد اليوم!”.

مات ذلك شاب في  28تموز/يوليو 1923. عندما بدأ الإضراب عن الطعام، لم يذعن أهله، مقتنعين أنه سوف يستسلم في نهاية المطاف. ثم بدلوا رأيهم، إذ أيقنوا أنه كف بالفعل عن تناول الطعام، وراح ينحل ويهزل، ووعدوه بعدم معارضة مشاريعه. ولكنه كان قد تخطى الخط الخفي الفاصل بين الرغبة بالعيش والرغبة بالموت.

يقول (أمين معلوف):

روى لي أبي الذي ولد في تشرين الأول / أوكتوبر 1914، وكان في التاسعة أو أقل حينها، تلك المأساة في بعض الأحيان:

–  أذكر ما حصل كما لو كان بالأمس. كان كل أفراد الأسرة يزورون ابن عمتي ويتوسلون إليه أن يتقوت. ويناولونه أطعمة يحبها، كأنما سوف يستعيد الشهية. ويقسمون له، ويقطعون له الوعود .. تجمعوا حول فراشه، وكانت أمه تبكي. ولكنه لم يعد يصغي لأحدهم.

ـ هل أضرب عن الطعام حتى الموت؟

ـ لم ينطفئ ببطء  كالشمعة. ففي أحد الأيام، وكان الجميع يأملون إقناعه، توقف قلبه عن الخفقان.

كان بطرس في بيروت حين نشبت الأزمة. في بادىء الأمر لم يشأ أهل الفتى إخطاره، إذ اعتبرا أنه يتحمل شيئاَ من المسؤولية عن نزوات ولدهما، وخشيا أن يدعمه في عناده، وهو المشهور بمواقفه العنيدة التي أصبحت مضرب مثل في الأسرة. ولما تدهورت الحالة، طلبا مساعدته. بعد فوات الأوان. فالصائم ما عاد يريد الإصغاء إلى أحدهم.

فجعت الاسرة بأكملها بهذه المأساة التي أرخت بظلها القاتم على الأذهان لفترة طويلة. كانت هذه المجاعة المقبولة بملء حرية، والمرفوضة بملء حرية على الذات، ولأسباب مبدئية صرف، تتسم بنبل مقلق، لا سيما بعد حدوثها بعيد انتهاء المجاعة الكبرى التي تسببت لكل أبناء الجبل بصدمة مستديمة. لقد هاجر ابن أخت بطرس نحو الموت كما يهاجر آخرون إلى أمريكا، لأسباب نفسها؛ فقد أضحى محيطهم ضيقاُ، وضيقة أمست طوائفهم، وأفكارهم، ومعتقداتهم، ومؤامراتهم، وانهماكهم الخنوع، وضيقة كذلك عائلاتهم، ضيقة وخانقة. ولابد من الفرار!

دون جدي في أحد دفاتره المرثية التي ألقاها في هذه المناسبة، بعضها نثراً، وبعضها الآخر شعراً، في السطور الافتتاحية، لا يذكر الإضراب عن الطعام بل “الموت المباغت” فقط..

تظهر كل كلمة من كلماته عميق تأثره وغضبه، وفي الوقت نفسه، لم يستطع التحامل على شقيقته المفجوعة ولا على صهره، أو أفراد أسرته، مهما كان ذنبهم. فالمأتم لا يصلح للسجال، وتصفية الحسابات، وإدانة العقلية الضيقة لبعض الأشخاص، وبعضهم الآخر. ولا تصلح المناسبة لقول الحقيقة، كل الحقيقة. بل تصلح للعزاء وتهدئة الخواطر، وبلسمة الجراح.

لم تتجاوز الكلمات الأولى لبطرس هذا الإطار. فبعد الإعلان عن كون بعض الأشخاص يخلفون، إثر مرورهم العابر بيننا، أثراً لا يخلفه الكثيرون غيرهم ممن كتب لهم العيش المديد، خاطب نفسه، بأسلوب المرثيات القديمة:

أمخضب الأجفان وكل ما جرى

ما كان قبل اليوم دمعك أحمرا…

ثم يعدد صفات الفقيد, ببعض الصور البلاغية المألوفة, ” قد عاش كعمر الورد” , وصور أخرى أكثر فرادة… قبل التقدم بخطى وئيدة , نحو الموضوع الذي يقف أمامه اللسان عاجزاً:

“بل جوهر جادت به الدنيا وقد

ندمت فقامت تسترد الجوهرا

إلى أن أعلن, قبل الختام:

أكرهت يا أسد متاعب عيشنا

فتركته وتركتنا متخيراً…

قيلت الكلمة. وأزيح قناع اللياقات: فالفتى  رحل بملء إرادته و” بسببنا ” .

فْليهنك العيش الذي حاولته

في قصر ذي الملكوت من أعلى الذرى

وعلى ضريحك للمدامع صبب

يسقى به أبداً ويبقى أخضرا.”

نظرة د. مصطفى حجازي للإنسان المهدور

د.مصطفى حجازي

الدكتور مصطفى حجازي، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا، شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة. تعد أبرز كتاباته كتابي (الإنسان المهدور)، والجزء الثاني بعنوان (التخلف الاجتماعي). يتكلم الدكتور في كتابه (الإنسان المهدور) عن الهدر الإنساني، فيبتدئ حديثه بأن يقول :

يجب الاعتراف بإنسانية الإنسان قبل الديموقراطية، ولابدَّ من تسمية الأشياء بمسمّياتها حتى يصبح الحديث في الديموقراطية والحرية فاعلاً ومؤثراً.

وقبل الخوض في تفاصيل الهدر لابدّ من تعريفه يرد في قاموس لسان العرب أن الهدر هو: مايُستباح ويمكن سفحه في حالة من زوال حرمته التي تُحصِّنه ضد التعدي عليه”. إلا أن الموضوع الذي يعنينا في هذا المقام هو هدر الإنسان تحديداً بمعنى التنكر لإنسانيته وعدم الاعتراف بقيمته وحصانته وكيانه وحقوقهويسرد أكثر بقوله:

إن الهدر الإنساني حالة ليست نادرة ،ويتخذ الهدر شكل عدم الاعتراف بالطاقات والكفاءات أو الحق في تقرير المصير والإرادة الحرة وحتى الحق بالوعي بالذات والوجود، وقد يكون الهدر مادياً أو معنوياً أو على مستوى الحقوقومن هنا يتجلى الهدر الإنساني باعتباره أكثر جذرية من القهر

ويوضح هنا الفرق بين الهدر والقهر، فهو يرى “أن القهر يبقى حالة خارجية يمكن الاحتماء إزاءها من خلال الحفاظ على الرفض أو الثورة والتمرد الداخلي (كما هو شأن رفض الاستغلال ورفض الاستعمار). قد لايتمكن القهر الخارجي من النيل من الحرية الداخلية، ومن اعتراف الإنسان بكيانه الذاتي ولو بشكل خفي. أما في الهدر فإن هناك سحباً للاعتراف أصلاً لقيمته الكيان أو الطاقات أو الوعي أو المكانة”. ويختم فكرته حول علاقة غياب الديموقراطية بالهدر الإنساني بأنها:

حالة منقطعة الصلة، وأن الاستبداد ليس مجرد حجب للديموقراطية أو منع للحقوق، بل هو علاقة مختلفة نوعياً تقوم على أختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى «الرعيّة».

وتحدث ايضاً عن ألوان الهدر ومستوياته ويوضح هذا التعدد بأنه انعدام الاعتراف بإنسانية الإنسان وتتخذ أشكالاً ومستويات متفاوته. ويرى أن للهدر نوعين رئيسين هما الهدر العام والهدر الخاص، أما الهدر العام فوصفه بأنه:

يطال شرائح كبرى من الناس ، أو حتى مجتمعات بأكملها. يدخل هذا ضمن حالات الطغيان والاستبداد، ومن حالات الهدر العام، هدر الطاقات وهدر الوعي وهدر الفكرذلك أن الوجود الإنساني محكوم بالقيمة وباعتراف الآخر بقيمتنا الذاتية في تذبذباتها مابين الاكتئاب والمرارة والتبلد، وبين التمردات الداخلية والحرب على الذات المعاقة في كينونتها .

ومع هدر الوعي يهدر العقل ذاته باعتبار أن الوعي هو المدخل إلى التفكير والعطاء الفكريولابدَّ هنا من إشارة إلى الهدر الذي تفرضه نُظُم التحريم، وهو الحب المهدور وملفه الكياني الممنوع. العاطفة بما هي أشد وأسمى محركات الوجود الإنساني تُصادر وتُمنع .وبذلك الهدر العاطفي يكمل ثلاثي هدر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي وبالتالي نكون بصدد كيان سلبت منه حيويته وحياته .

ولخص الهدر الخاص في ثلاث فئات من المجتمع وهم المرأة والشباب والطفولة فهي أكثر الشرائح السكانية تعرضاً للهدر، سواء على المستوى الكياني أم على مستوى  الطاقات والوعي أم على مستوى الدور والمكانة . بداية يوصف هدر المرأة بقوله:

يختزل دور كيان المرأة كملكية عصبية وأداة إنجاب ومصاهرة، كما يُهدر كيانها من خلال جعلها ملكية العشيرة والأسرة (من خلال ملكية الأب والأخ للبنت ومن بعده الزوج لزوجته) كما يهدر كيانها من خلال تحويلها إلى أسطورة الضعف والعار، حيث يستخدم كموضوع لإسقاط ضعف الرجل وهدره عليها، كي يعود فيكتسب شيئاً من التوازن والقيمة التعويضية من خلال هذا الإسقاط.

أما هدر الطفولة فهو إحدى مشكلات التنشئة الكبرى في عالمنا العربيكما يبدأ الطفل حياته في سنينه الأولى وهو يعبّر عن الكثير من إمكانيات الإبداع العفويإلّا أن أسلوب التنشئة القمعية التي تقمقم الطاقات يفعل فعله في البيت، ويستكمل في المدرسة في نوع من الخطة المبرمجة لقمع العفوية والإبداع والانطلاق والحيوية. على أن هدر كيان الطفل قد يتخذ أشكالاً أخرى من خلال التعامل معه باعتباره طفل أداة لتحقيق طموحات الأهل، أوطفل عبء، أو طفل عقبة، أو الطفل أداة الصراع بين الوالدين.

في كل هذه الحالات يهدر كيان الطفل بدلاً من رعايته لذاته، وإطلاق طاقاته المعبرة عن ظفر الحياة على الموت. وأما هدرالشباب فهو استكمال لهدر الطفولة الذي يحمل نزوة الحياة التي تتمثل أولاً في الرغبة في الاعتراف والتقدير، والصراع من أجل نيلهما، فالرخاء المادي وحده ليس كافياً لملء حياة الإنسانهناك نزوة الحياة في كل إنسان تتخذ شكل الرفض والكبرياء والرغبة في إثبات الذات وإجبار الآخر على الاعتراف بها وبحقها في الوجود. فهذه النزوة تدفع الإنسان إلى خلق ذات جديدة لنفسه في حالة طموح مثالي بأخذ الخيار الصعب والقدرة عليه.

ستيوارت ميل، في حديث عن المُتع الدنيا والعليا

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في كتابه الشهير (النفعية)، والذي يُعد أساسًا لفهم النظرية الأخلاقية المعاصرة، تحدث عن الكائن الحي، والمتعة، فيقول:

لا نزاع حول الحقيقة المفيدة أن الكائن الذي قدرات تمتعه منخفضة، له الحظ الأعظم بتحقيقها وإشباعها بشكل كامل. والكائن ذو القدرات العالية سيشعر، وبشكل دائم، بأن أي سعادة يتمكن من طلبها هي ناقصة، كما هو تركيب العالم. غير أنه غير قادر على أن يتعلم وأن يتحمل عيوبه وشوائبه، إذا أمكن تحملها، وهي لن تجعله يحسد الكائن الذي ليس واعيًا بالعيوب والشوائب، فالأفضل أن يكون إنسانًا مستاءً وغير راض لا خنزيرًا راضيًا. الأفضل أن يكون سقراط المستاء ولا يكون مغفلاً راضيًا. وإذا كان للمغفل أو الخنزير رأي مختلف، فمرد ذلك أنهما لا يعرفان سوى ناحيتهم من المسألة. أما الطرف الآخر فهو، بالمقارنة معهم، يعرف الناحيتين.

وقد يُعترض بالقول، إن كثيرين قادرين على اللذات العليا وقد يؤجلونها أحيانًا من أجل الدنيا. غير أن هذا يتسق مع تقدير كامل للعلو الحقيقي للذات العليا. وغالبًا مايختار الناس، لعيب في الشخصية، الخير القريب، بالرغم من معرفتهم أنه الأقل قيمة. وهذا لا يحصل عندما يكون الخيار بين لذتي جسديتين بأقل مما يحصل عند الخيار بين لذة جسدية ولذة عقلية. فهم يسعون وراء الانغماسات الحسية لحد الأذية بصحتهم، مع وعيهم الكامل بأن الصحة هي الخير الأعظم.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

وقد يُعترض باعتراض إضافي بالقول، إن الكثيرين الذين يبدأون بحماس شبابي لكل شيء نبيل، يغرقون مع تقدم الزمن في الكسل والأنانية. غير أني لا أظن أن أولائك الذين يمرون بذلك التغيير العام يختارون طوعيًا الوصف الأدنى للذات بدلاً من الوصف الأعلى لها. وأعتقد أنهم قبلوا تكريس أنفسهم، حصريًا، لإحداهما، ذلك أنهم صاروا عاجزين عن الآخر. فالقدرة على المشاعر النبيلة هي عند معظم الطبيعيات كنبته سريعة العطب، وقتلها سهل، ولا يكون ذلك مقتصرًا على المؤثرات المعادية، وإنما للحاجة إلى التغذية والإعالة وهي تموت بسرعة عند أكثرية الشبان، إذا كانت الوظائف التي وضعهم فيها مركزهم في الحياة، والمجتمع الذين رموا فيه غير صالحين للحفاظ على تلك القدرة العليا على التمرين. فالبشر يفقدون مطامحهم العليا حالما يفقدون ميولهم الفكرية، لعدم وجود وقت أو فرصة لديهم للانغماس فيها، ويكرسون نفوسهم للذات الدنيا، ولا يكون ذلك لأنهم يفضلونها عن قصد، وإنما لأنها تكون الوحيدة المتاحة لهم، أو لأنها الوحيدة التي لم يبق لهم سواها ليتمتعوا بها.

هنا والآن، إيريك فروم

ErichFromm8

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه العظيم (الإنسان بين الجوهر والمظهر)، والذي نقتبس منه هنا. يتحدث (إيريك فروم) هنا في الماضي و الحاضر والمستقبل من حيث أسلوب التملك و الكينونة والفرق بينهما فيقول:

لايوجد أسلوب الكينونة إلا في هنا والآن. بينما لايوجد أسلوب تملك إلا في الماضي والحاضر والمستقبل.

في أسلوب التملك،
نحن مربوطون إلى ماتمكنا من حيازته في الماضي: المال، الشهرة، المكانة الاجتماعية…وغيرها. نحن نفكر في الماضي ونشعر بتذكر مشاعر الماضي أو مايبدو كذلك. وهذا هو جوهر العاطفة، ومن ثم فنحن لانكون إلا في الماضي، ويمكن القول: أنا هو ماكنت.
أما في المستقبل، فهو مانتوقع أن يصير إليه الماضي. والإحساس بالمستقبل في أسلوب التملك مثل الإحساس بالماضي، ويتضح ذلك في تعبير “هذا شخص له مستقبل” للدلالة على أن الشخص سيملك أشياء كثيرة، حتى لو لم يكن يملك الآن شيئاً.
والحاضر ليس إلا نقطة الوصل بين الماضي والمستقبل، ليس إلا محطة في مسيرة الزمن، ولاتختلف اختلافاً نوعياً عن العالمين الموصولين.

أما الكينونة،
فهي ليست بالضرورة خارج الزمن، ولكن الزمن ليس هو البعد الذي يحكمها. ولنضرب مثلا بالمفكرين. إن كتابة الأفكار عملية تحدث في الزمن أما تصورها فهو فعل خلاق خارج الزمن، وهكذا التجليات الكينونية، الحب والفرحة وإدراك الحقيقة.. كلها لاتحدث في الزمن، وإنما هنا والآن. وتلك هي السرمدية، أي التحرر من الزمن، فالسرمدية لاتعني كما يساء فهمها أحياناً الزمن الممتد بغير نهاية.
ومايخص الماضي، فإن الإنسان يستطيع إحياؤه، ويمكن أن يحس الإنسان بموقف قد مضى بالعذوبة والنضارة نفسيهما كما لو كان يحدث هنا والآن. أي أن الإنسان يستطيع خلق الماضي، ويعيد إليه الحياة، فيكيف الماضي على أن يكون ماضياً، ويكون هنا والآن.
وكذلك المستقبل، يمكن أن نحسه به كما لو كان هنا والآن. ويحدث هذا حين يتصور الإنسان حالا مستقبلية بدرجة من الاكتمال، بحيث تكون هي المستقبل من الناحية الموضوعية، أي كحالة خارجية وليست خبرة ذاتية داخلية. وهذا هو في الحقيقة التفكير الطوباوي الأصيل عكس أحلام اليقظة الطوباوية. إنه جوهر العقيدة الأصيلة الذي لا يحتاج إلى التحقق الخارجي في المستقبل كي يومن به الإنسان، أي لايحتاج لجعل الخبرة الذاتية واقعاً.

 

جوديث بتلر والوصف الذاتي

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

إذا كانت الهوية التي نقول إنها نحن لا تستطيع الإمساك بنا وظلّت تؤشر مباشرة فائضاً وعتمة يقعان خارج مقولات الهوية، إذن فإن أية محاولة “لتقديم وصف لذاتي” ستكون محكومة بأن تجرب الفشل لكي تقارب الصواب. بينما نحن نطلب معرفة الآخر، أو نطالب الآخر أن يعرّف نفسه على نحو نهائي ومؤكد، فإن من المهم لنا ألا ننتظر جواباً شافياً بأي حال. إننا بامتناعنا عن السعي إلى القناعة وبإبقائنا السؤال مفتوحاً بل حتى ثابتاً، نمنح الآخر فرصة أن يعيش ما دام بالإمكان فهم الحياة بوصفها على وجه الدقة ذلك الذي يتجاوز أي وصف قد نقدمه له. إذا كان السماح للآخر بأن يعيش هو جزء من كل تعريف أخلاقي للاعتراف ، فإن هذا النمط من الاعتراف سيستند إلى إدراك الحدود الأبستمية أكثر منه إلى المعرفة.

يتكون الموقف الأخلاقي كما اقترحت كافاريرو من طرح السؤال ” من أنت ؟ ” والاستمرار في طرحه دون أدنى توقع بالحصول على جواب كامل ونهائي ، لذلك فإذا كان في السؤال رغبة في الاعتراف فعلى هذه الرغبة أن تبقي نفسها حية بوصفها رغبة وألا تحلّ نفسها.

لقد حذرنا لاكان على نحو شائن بالقول ” لا تتخل عن رغبتك ” وهي دعوة غامضة لأنه لا يقول إن رغبتك تستحق الإشباع أو هكذا يجب . إنه يكتفي بالقول إن الرغبة يجب أن تدوم . في الواقع ، يكون الإشباع نفسه أحيانًا الوسيلة التي يتخلى بها المرء عن الرغبة ، الوسيلة التي ينقلب المرء بها ضدها ، ويرتب لموتها السريع.