أرشيف الوسم: غدير المرزوقي

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

“هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.”

[سركون بولص] – الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

“ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.”

[…]

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

“لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.”

[…]

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

“وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.”

[…]

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.”

[…]

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

[…]

عن القراءة والكتابة، من ديوان نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (التحولات الثلاث للعقل)، (الفن والجمال عند نيتشه)، (تساؤل نيتشه حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي). أما في كتابه (ديوان نيتشه) والذي نقله الأستاذ (محمد بن صالح) إلى اللغة العربية، كتب (نيتشه) في فصل بعنوان أسماه “القراءة والكتابة”، فقال:

مِن كل ما كُتب، لا أحب إلا ما كتبه المرء بدمه. اكتب بدمك؛ وستعرف أن الدم روح.

ليس سهلًا أن يفهم المرء دمًا غريبًا؛ إنني أكره القراء التافهين.

الذي يعرف القارئ، لا ينفعه في شيء. قرنٌ آخر من القراء، ويتعفن الفكر ذاته.

إذا أعطيَ الحق في تعلم القراءة لكل إنسان، فإن هذا سيُفسده، مع الوقت، لا الكتابة فحسب، ولكنه سيُفسد الفكر أيضًا.

قديمًا كان الفكر إلهًا، ثم إنسانًا، وها هو الآن رعاع.

إن من يكتب بحروف من الدم، وفي أمثالٍ لا يريد أن يُقرأ، بل أن يُحفظ عن ظهر قلب.

على الجبال، الطريق الأقصر تجري من قمة إلى أخرى؛ إنما لكي نأخذ لا بد لك من رجلين جيدتين. على الأمثال أن تكون قممًا، وعلى الذين نتكلم إليهم أن يكونوا عظماء وجبابرة.

الهواء العليل والصافي، والخطر المحدق، والفكر الممتلئ بالأذى المغبط؛ هذا ما يوافق بعضه بعضًا.

أريد أن تحيط بي أقزام حارسة الكنوز، لأنني شجاع.

الشجاعة التي تطرد الأشباح تخلق بذاتها أقزامها؛ الشجاعة ترغب في الضحك.

ما عدت على ود معكم؛ هذا السحاب الذي أراه تحتي، هذا الاسوداد وهذه الكثافة التي فيها أضحك، هي بالضحك غمامتكم العاصفة.

تنظرون إلى الأعلى حين تريدون القيام، أنا انظر إلى الأسفل لأنني علوت.

من منكم قادر، في الوقت ذاته، على الضحك وعلى التعالي؟

من يصعد أعلى الجبال يسخر من مسرح الحياة وجديتها.

غير عابثين، ساخرين، عنيفين، هكذا تُريدنا الحكمة؛ إنها امرأة وهي لا تقدر أن تحب إلا المحارب.

تقولون لي: “الحياة عِمل ثقيل”، ولكن لم جعلتم الصباح غروركم، والمساء خضوعكم؟

الحياة حمل ثقيل؛ لا تفرطوا في الرقة! فنحن جميعًا أحمرة وأُتن محمّلة كما يجب.

ماذا لنا من مشترك مع برعم الوردة إذ يرتجف لأن قطرة ندى عليه قد وقعت.

الحق؛ إننا نحب الحياة، لأننا متعودون، لا على الحياة، ولكن على الحب.

يوجد في الحب دومًا شيء من الجنون، ولكن يوجد في الجنون دومًا شيء من العقل.

حتى أنا، أنا مندفع إلى الحياة، أجد أن الفراشات، وكرات الصابون، وما يشبهها من الناس، هي التي تعرف السعادة أفضل.

إن رؤية هذه الكائنات الصغيرة والخفيفة والمجنونة واللطيفة والمتنقلة تعطي لـ(زرادشت) الرغبة في البكاء وفي الغناء.

[…]

لا يُقتل المرء عن غضب، وإنما عن ضحك يُقتل، لنقتل معًا روح الثقالة.

تعلمت المشي؛ مذاك صرت أسمح لنفسي بالركض.

تعلمت الطيران؛ مذاك ما عدت أنتظر أن يُدفع بي لأغير مكاني.

إنني الآن خفيف، الآن أحلق، الآن أراني فوق ذاتي، الآن إله في داخلي يرقص.

هكذا تكلم (زرادشت).

الفن والجمال عند نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي)، (التحولات الثلاث للعقل)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه). أما في كتابه (غسق الأوثان) أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعًا بالمطرقة، كما وصف العنوان، يتكلم عن الفن والجمال بدايةً فيقول:

لكي يكون هناك فن، ولكي يكون هناك عمل جمالي ما ونظرة جمالية، لا بد من توفر شرط فزيزلوجي لا محيد عنه: النشوة.

فالنشوة هي أساس كل عمل ونظرة جمالية برأي نيتشه، فيقول مؤكدًا بعد ذلك:

لا بد أن تكون النشوة قد رفعت من وتيرة استثارة الآلة بكليتها؛ من دون ذلك لا يمكن إنجاز أي فن.

فعلاقة النشوة بالجمال كما يقول نيتشه:

إن الأمر الأساسي في النشوة هو ذلك الشعور بتفاقم الطاقة وزخم الامتلاء. وبدافع من هذا الشعور نضفي من أنفسنا على الأشياء؛ نجبرها على أن تتسلم منا، بل نغتصبها – وتُسمى هذه العملية مثْلنة. ولندع عنا فكرة مسبقة متداولة؛ إن المثلنة لا تتمثل كما يظن الاعتقاد الشائع في أننا ننقّي الأشياء ونخصم منها كل صغير وثانوي، بل إن التركيز بصفة هائلة على إبراز الخاصيات الأساسية هو العامل الحاسم في جعل غيرها من الخاصيات يتوارى ويضمحل.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يُثري المرء في هذه الحالة كل شيء من زخمه الخاص: كل ما يرى، وكل ما يريد، يراه مكتنزًا، محتقنًا، قويًا، ممتلئًا بفائض من الطاقة. يُجري المرء، وهو في هذه الحالة، تحويلًا على الأشياء إلى أن تغدو مرآة لقوّته؛ -إلى أن تصبح انعكاسات لكماله. هذا التحول المرغَم إلى صورة للكمال- إنما هو الفن. وكل شيء، بما في ذلك ما ليس هو، يصبح ذلك موضوع متعة يجدها في نفسه: في الفن يستمتع الإنسان بنفسه ككمال.

أما بالنسبة للجمال فيقول:

ليس هناك ما هو أكثر نسبية وأكثر محدودية من إحساسنا بالجمال.

“الجمال في ذاته” كلمة خاوية لا غير، وليست حتى مجرد فكرة. في الجمال يتخذ الإنسان نفسه معيارًا للكمال، وهو لا يفعل في الحالات الجمالية المنتقاة سوى عبادة نفسه.

وعن علة الجمال يقول:

يعتقد الإنسان أن العالم يفيض جمالًا، وينسى نفسه كعلة لذلك الجمال. فهو وحده الذي منح العالم جمالًا؛ جمالًا إنسانيًا فحسب، جمالًا إنسانيًا مفرطًا في الإنسانية… وفي الحقيقة يعكس الإنسان نفسه في الأشياء، ويجد جميلًا كل ما يعيد إليه صورته الخاصة: حكمه بصفة “جميل” هو غرور النوع الذي ينتمي إليه.

ويتابع رأيه عن الجمال وعن علاقته بالقبح:

ليس هناك من شيء جميل ؛ الإنسان وحده هو الجميل: علم الجَمال بكليته يرتكز على هذه المقولة ؛ إنها حقيقته الأولى. ولنضف إليها حقيقة ثانية: ليس هناك من شيء قبيح سوى الإنسان في طور الفساد، -بهذا نكون قد رسمنا حدود حقل الحكم الجمالي-. ومن وجهة نظر العلوم الفيزيولوجية، كل قبيح يضعف ويفكر صفر الإنسان. إنه يذكره بالانهيار، وبالخطر، والعجز ؛ وبالفعل فهو يدفع ثمنًا لذلك خسارة في قواه.

فالقبح كما يقول نيتشه هو:

وبإمكاننا أن نقيس بالديناموميتر (مقياس الديناميكية) مفعول القبح. فحيثما يغدو المرء منهارًا، يستشعر حتمًا قرب شيء “قبيح”. فإحساسه بالقوة، وإرادة القوة لديه، وشجاعته ونخوته كلها تنهار مع القبح، وتعرف ارتفاعًا مع الجمال… وفي كلتي الحالتين نستطيع أن نستنتج الأمر نفسه: تكون بواكير الحالة (النذائر والإرهاصات) متراكمة بكمية هائلة داخل الغريزة.

وباختصار عن القبح يقول:

يتم إدراك القبيح كإشارة وعرض انحلال؛ وكل ما يذكّر عن قرب أو عن بعد بالانحلال يستدعي في ذهننا حكم “قبيح”.

وينهي كلامه قائلًا عن علة الشعور بالقبح:

وكل علامة انهاك، وثقل، وشيخوخة وإعياء، وكل ضرب من الإكراه المتجسد في هيأة تشنج عضلي أو شلل، وبصفة خاصة الرائحة واللون، ومظاهر الانحلال والتعفن، حتى في حالة اختزالها القصوى في هيئة رمز، -كل ذلك يستدعي نفس ردة الفعل: الحكم القيَمي “قبيح”. هناك حقد ينفجر ههنا: لكن، على من يحقد المرء؟ ليس هناك من مجال للشك هنا: إنه يحقد على انحطاط نوعه. يحقد هنا من عمق أعماق غريزة النوع ؛ وفي هذا الحقد رعدة، وحذر، وعمق رؤية، وبُعد نظر، -إنه الحقد الأكثر عمقًا على الإطلاق. وبسببه يكون الفن عميقًا.

أسئلة نيتشه للضمير

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني، وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وهو أول من درس الأخلاق دراسة تاريخية مفصّلة. قدم نيتشه تصورًا مهمًا عن تشكل الوعي والضمير، فضلًا عن إشكالية الموت. وهنا يتساءل فيه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي من كتابه (ماوراء الخير والشر). وفي كتابه (غسق الأوثان) أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعًا بالمطرقة، كما وصف العنوان، يضع أربعة أسئلة علينا أن نسألها أنفسنا بين حينة وأخرى، فيقول بأسلوبه المليء بالرمزية:

أنت تسير في المقدمة؟ هل تفعل ذلك كراعٍ؟ أم كاستثناء؟ الحالة الثالثة ستكون حالة التائه .. سؤال أول لضميرك

هل أنت حقيقي؟ أم مجرد ممثل؟ موكََل (بفتح)؟ أم الموكََل عنه نفسه؟ أو أنك في النهاية لا تعدو كونك نسخة عن ممثل .. سؤال ثانٍ لضميرك

هل أنت متفرج؟ أو واحد يضع يده في ما يُعمِل؟ أو واحد يصرف نظره ويمر جانبًا؟ .. سؤال ثالث لضميرك

أتريد أن تسير مع الجميع؟ أن تسير في المقدمة؟ أم تمضي لنفسك؟

على المرء أن يعرف ماذا يريد، وأنه يريد. سؤال رابع لضميرك.