أرشيف الوسم: فاطمة باسلامة

قائمة بأبرز ١٥ كتابًا في الموسيقى الشرقية والعربية

من الصعب أن نجد مصدراً جيداً يصلنا لتاريخ أصيل يتحدث فيه عن جذور الموسيقى الشرقية والغناء العربي. وحتى وإن وجد، فلا نجد إصدارات حديثة لتلك الكتب و المراجع، وقد يصعب الوصول إليها في كثير من الأحيان إن وجدت.

بعد بحث وإطلاع. تم انتقاء هذه القائمة التي كان لا بد لها وأن تحوي أشهر الكتب النادرة إلى جانب بعض من الكتب الحديثة، تحاول أن تتخاطب معنا في تذوق الموسيقى العربية والتعرف على كبار العازفين والملحنين عن قرب.

1- الأغاني – أبو الفرج الأصفهاني

2- الموسيقى الكبير – أبونصر الفارابي

3- تاريخ الموسيقى في الجزيرة العربية والأندلس – جوليان ريبيرا. بترجمة الحسين الحسن

4- السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة – فكتور سحاب

5- الموسيقى العربية في القرن العشرين – إلياس سحاب

6- عود على العود: الموسيقى العربية وموقع العود فيها – د. نبيل اللو

7- دعوة إلى الموسيقى – يوسف السيسي

8 –الموسيقى الشرقية والغناء العربي – قسطندي رزق

9- تذوق الموسيقى العربية – محمود كامل

10- أسرار الموسيقى – علي الشوك

11- تراث الغناء العربي بين الموصلي و زرياب وأم كلثوم وعبدالوهاب – كمال النجمي

12- الموسيقى والحضارة – محمد السنان

13- تاريخ الموسيقى المصرية: أصولها وتطورها – سمير يحيى الجمال

14- حقائق تاريخية عن التأثير الموسيقي العربي – هنري جورج فارمر. بترجمة عبدالله السباعي

15- محمد القصبجي: الموسيقي العاشق – د.رتيبة الحفني

الشدياق عن الاختلافات في الموسيقى بين الافرنج والعرب

يتحدث (أحمد الشدياق) (1804-1887) المثقف التنويري والصحفي اللبناني، في كتابه (الواسطة في معرفة أحوال مالطة) يتحدث عن الموسيقى في باب منفصل فيقول:

إن الإفرنج قد جعلوا ترجيع الصوت وإيقاعه داخلاً تحت حس المشاهدة، فدلوا عليه بنقوش ورسوم معلومة كما دلت الحروف على المعاني، فلم يكن تحصيله متوقفاً على ذاكرة وعظيم معاناة كما في السابق، فمن كان منهم عارفاً بخارج النغم ورأى تلك العلامات، أمكن له أن يخرج عليها أي صوت كان من دون أن تتقدم له سابقة فيه، وإذا اجتمع منهم عشرون رجلاً وكانت أمامهم تلك النقوش رأيت منهم متابعة واحدة، ويُرَد على هذا التأويل أنه لو كانت الموسيقى فضلة من المنطق لكانت واحدة الاستعمال، كما أن المنطق واحد الضوابط، على أن الناس متغايرون فيها تغاير شديداً، فإن ألحان العرب لاتطرب غيرهم، بل هولاء-أيضاً- مختلفون، فإن أهل مصر لايطربون لألحان الشام، وألحان الإفرنج لا تطرب أحداً من هؤلاء.

وقد شرح هذا المعنى (ابن زيدون) في رسالة (لابن نباتة) تقول: “النغم فضل بقي من المنطق، لم يقدر اللسان على إخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلمّا ظهر عَشِقَته النفس وحَنَّ إليه القلب“.

فالمراد بالترجيع لا التقطيع هو أن يكون الصوت ممتداً ينحى به لا متقطعاً كأصوات الهجاء، فإذا كان فنّ الموسيقى-والحالة هذه- فضلة من المنطق على هذا التأويل لزم أن نقول إن لكل جيل من الناس محاسن في الغناء مقصورة عليهم فقط، فإن لكل لغة محاسن ولا توجد في غيرها، والواقع بخلاف ذلك فإن لغتي الصين والهند- مثلاً- تستميلان على محسنات لاتوجد في غيرهما، إلا أن أنغامهم خالية من ذلك، أما ألحان الإفرنج فلا يطرب لها إلا من ألِفَها.

ثم ذكر 4 إختلافات في الموسيقى بين الإفرنج والعرب فيقول :

أولاً: أن الإفرنج ليس لهم صوت مطلق للإنشاد من دون تقييد بتلك النقوش، فلو اقترحت على أحدهم مثلاً أن يغني بيتين ارتجالاً، كما يفعل عندنا في القصائد والمواليات لما قدر، وهو غريب بالنسبة إلى براعتهم  في هذا الفن؛ لأن الإنشاد على هذا النوع طبيعي، وقد كان عندهم من قبل أن تكون النقوش والعلامات، فياليت شعري. كيف كانوا ينشدون قبل أن ينبغ (غيودو الأريتسو) في إيطاليا؟

ثانياً: أن غناء الافرنج هو مثل قرأتهم، في أنه لا يخلو عن حماسة وتهييج، فضلاً عن التشويق والتطريب والترقيص، فغناء الحماسة والتهييج هو الذي يكون به ذكر القتال، وأخذ الثأر، والذب عن الحقيقة، فإذا سمعه الجبان- لاسيما من الآلات العسكرية- هانت عليه روحه، أما الغناء العربي فكله تشويق وغرامي، وأجدر به أن يكون جامعاً لمعنيي الطرب، وهو خفة تصيب الإنسان من فرح أو حزن، فإذا سمع أحد منا صوتاً أو آلة شغف قلبه الغرام، فبدت صبابته، وحنت نفسه كما يحن الإلف إلى إلفه حتي يصير عنده آخر الفرح ترحاً، ولا غرو إن صعد منه الزفرات وأذرف العبرات، فإن الشرور إذا تفاقم أمره وتكامل بدره دب فيه محاق الشجن، واختلط به الحزن حتى يستغرق صاحبه في بحر من الوجد، ويشتغل بنار من الهيام، وعلى ذلك ورد قولهم: “طربه وشجاه من الأضداد”.

ثالثاً: فهو أن الإفرنج لا قرار لأصواتهم إلا على الرصد. نعم، إن جميع الأنغام يوجد لها مقامات في آلاتهم، بل توجد أنصافها وأرباعها إلا مقامين منها، لا أنصاف لهما إلا أنهم لا يقرّون إلا على المقام الأول، وقد سمعت منهم الرهاوي، والبوسليك، والأصفهاني، أما غيرها فلم أسمعه قط، بل قد سمعت منهم بعض أغانٍ من أغانينا أوقعوها على آلتهم، فكانت كلها رصداً وقد- والله- طالما وقفت السمع على أن أسمع منهم أنغامنا فخبت، حتى اعترتني الحيرة، فإني – من جهة- كنت أرى آلاتهم بديعة الصنعة على كثرتها، وأفكر في أن العلوم انتهت إليهم، والفنون قَصُرت عليهم، وإن عندهم في هذا الفن بدائع كثيرة فاتتنا على ماسبق ذكره، ومن جهة أخرى أرى أن براعتهم كلها إنما هي من مقام الرصد، نعم إن هذا المقام هو أول المقامات، وأنه يُغَنّي منه في مصر وتونس أكثر مما يُغَنّى من غيره، إلا أن فضل الصبا والبيات والحجازي لا ينكر أيضاً، ثم أعود فأقول: لا غرو أن يكون قد فاتهم أيضاً بدائع في هذا الفن كما فاتهم في غيره أشياء أخرى، وذلك ككثرة بحور العروض عندنا، وكبعض محسنات الكلام، كالسجع في الكلام المنثور؛ إذ ليس عندهم سوى المنظوم، وهو -في الإنشاء- كالصوت المطلق في الغناء، فإن السجع مقدم على النظم، وكعجزهم أيضاً عن لفظ الأحرف الحلقية.

وقد سألت مرة أحد أهل الفن منهم فقلت: إن المقامات موجودة عندكم وعندنا على حد سويّ، وكذا أنصافها، فبقي الكلام على استعمالها، فإنا لو استعملنا -مثلا- نصفاً من الأنصاف مع مقامه، وأنتم تستعملونه مع مقام آخر، بحيث يظهر لنا أنه خروج، فمن أين تعلم الحقيقة؟ فما كان منه إلا أن قال: إن هذا الفن قد وُضع عندهم على أصول هندسية لا يمكن خرمها، فلا يصح أن يستعمل مقام إلا مع مقام آخر، على أني كثيراً ماسمعت منهم خروجاً فاحشاً، على شَغَفي بألحانهم، وقد شاقني، يوماً- وصف المادحين إلى سماع قينة بلغ صيتها أنها غنَّت في مجلس قيصر الروس، فلمّا سمعتها طربت لرخامة صوتها وطول نَفَسها في الغناء، إلا أني سمعت منها خروجاً بحسب ماوصل إليه إدراكي، ولو تيقَّن أن آلحان الروم التي يرتّلون اليوم في كنائسهم هي كما كان يتغنى به في أيام الفلاسفة اليونانيين لكان ذلك دليلاً آخر على قصور ألحان الإفرنج، فإن أنغام الروم مقاربة لأنغامنا.

رابعاً: أن أكثر أصحاب الآلآت عندهم لا يحسنون إخراج أنصاف النغم وأرباعها، مالم تكن مرسومة لهم إلا أصحاب الكمنجة، فأما الناي ففيه خروق شتى غير السبعة، لكل اثنين منهما طباقة إذا سُدّ منها منخر جاش منخر، غير أن الصنعة في إحكام سدها واستعمالها تقارب صنعة تغيير نقل الأصابع عندنا وهذه الأنصاف والأرباع في النغم مثل الروم والإشمام في النحو.

ويقول أخيراً:

أن الإفرنج على كثرة ماعندهم من الآلآت والأدوات، فقد فاتهم العود على محاسنه، والناي من القصب، على الرغم من أن أكثر العلماء قرروا أن أصل الموسيقى مأخوذ عن صوت الريح في القصب.

خلود الحرف والكاتب برؤية بلقيس الكركي

 

وصفَت د. بلقيس الكركي في كتابها:  (إرادة الكتابة) صورة الكاتب لذاته ومعنى الخلود من خلال كتابته وذكرت في  فصل “الرقباء”:”الذات”:

طالما أنك ستحيا الحياة على أي حال، فربما من الحكمة أن تلهي نفسك خلالها بانتظار شيء اخر غير الموت، بشيء تختاره أنت.
طبعا قد يبدو من الغباء أن تختار العمر من أجل لحظات قصيرة تدرك فيها خلودك الحاصل أو المحتمل، إدمان المسير في طريق شائك يجرحك ويقتلك ويهدمك رويداً رويداً كل يوم، لكن الغاية تستحق بلا شك لسببين:

الأول (استغلال الموت):
هو أن اللحظات القصيرة هذه في غاية الإغراء لأن فيها أقصى لذة ممكنة لبشر، لذة “كالأبد المؤقت في القصائد”، تجعل “طعم الموت” بعدها أخف وطأة لأنك عرفت طعم الأبد مؤقتاً.
طبعاً قد تبقى حياتك غالية على قلبك، لكنها قد تصبح زائدة عن حاجة صورتك الخاصة إذا لم تعد الأخيرة مرهونة بما ستكتب لو عشت أكثر، أما الموت فيصبح عندها اكسسوارًا مكملاً لما ألفت من نفسك، يصبح مجرد النهاية التي حضرت نفسك لها وحيداً محض سطر قصير، حدث عابر أسفل الصورة، لكنه يكملها فيجعلها أجمل، تكون عندها قد هزمت الموت، لا بأن منعته، بل بأن غيرت دوره وجعلته في خدمة صورتك، فنحن نحب الموتى من العظماء أكثر.

الثاني (متعة الأوهام):
هو أنك حتى لو لم تعش لحظات الأبد المؤقتة، فمتعة لابأس بها أيضاً هي الانتظار وتخيل اللذة التي قد تجتاحك فيما لو لم تفشل هذا  إن كنت تنهك نفسك حقاً في سبيل صورتك،
فالانتظار احتمال، كل البشر ينتظرون أشياء ممكنة أو مستحيلة كي يحتملوا الحياة، طالما أن ملء نفسك بالأوهام والأحلام الوردية قد يقربك فعلا مما تنتظر فمثلا من يتوهم أنه شجاع قد يصبح حقاً شجاع، هذا سيجعلك تحتمل الحياة من أجل غاية مترفة تنتظرها بدل الموت وتعينك على ضجر العالم الرتيب.
الانتظار آداة تسيطر عليها وتستغلها من أجل التأليف والوجود وزيادة احتمال الإحساس بمتعة الخلود.

اللغة العربية والألماني غوته

Goethe

يوهان غوته (1749 – 1832) هو أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميزين، والذي ترك إرثاً أدبيا وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية، وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية، وما زال التاريخ الأدبي يتذكره بأعماله الخالدة التي ما زالت أرفف المكتبات في العالم تقتنيها كواحدة من ثرواتها، وقد تنوع أدب غوته ما بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر وأبدع في كل منهم، واهتم بالثقافة والأدب الشرقي واطلع على العديد من الكتب فكان واسع الأفق مقبلاً على العلم، متعمقاً في دراساته.

يقول غوته معبرًا عن اللغة العربية:

من المحتمل أن لاتوجد لغة ينسجم فيها الفكر والكلمة والحرف بأصالة عريقة كما هي الحال في اللغة العربية.

فمن خلال الكثير الذي نقل عن غوته فإننا نلحظ تأثره الكبير خلال شعره بالثقافة العربية الشرقية. حتى أنه حاول مراراً تعلم اللغة العربية، ويقول في ذلك وقد كان في مشارف الرابعة والسبعين من عمره :

نظراً للصعوبات الهائلة التي ترافق وتعتم اللغة العربية فإن أكثر ماحصلته منها كان عن طريق الغزو والإغارة عليها وليس عن طريق الدراسة المنتظمة وأنه لايجوز لي في الوقت الراهن الذهاب إلى أبعد من ذلك.

وله وصف للشاعر العربي الذي يستخدم بيئته – الحيوانات البرية والجبال والصحاري والأشجار وغيرها- جيداً لطرح أفكاره ويقول:

نجد أن كل شيء في نظر الشرقي مترابط ، وقد تعود على الربط المرتجل بين أبعد الأشياء عن بعض في أن يشتق المتضادات الواحد من الآخر بتعديلات طفيفة في الحرف أو المقاطع. ومن هنا نرى كيف أن لغته بذاتها، وبذاتها هي لغة منتجة، وهذا على نحو خطابي حينما تلتقي بالفكر، وعلى نحو شعري حينما تلتقي بالخيال.

وقيل إلى جانب كل هذا أن الشاعر غوته أدخل  مفردات فارسية وعربية على قصائده، كاستخدامه لمفردة “ديوان” أو مفردة “هدهد”، بالإضافة إلى الاستعارات الشعرية العربية غير الموجودة في التعبير الألماني كتعبير “وجهها كالقمر”. أما تأثره بالقرآن فيظهر جليا في هذه القصيدة “لله المشرق، ولله المغرب، والشمال والجنوب يستقران في سلام يديه”، وهي محاكاة واضحة لقوله تعالى في سورة البقرة “ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله”.

للاستزادة حول تأثر غوته باللغة العربية، نقترح كتاب “غوته والعالم العربي” من تأليف (كاترينا مومزن)، أو المقالة “غوته شاعر كوني تأثر بالإسلام” المنشورة على موقع الجزيرة.نت، ومقالة “كيف وجدت الكلمات العربية طريقها إلى لغة غوته“.

جورج أورويل ودوافعه للكتابة

جورج أورويل

         إريك آرثر بلير الذي اشتهر وذاع صيته باسم جورج أورويل (1903-1950) هو صحافي وروائي بريطاني، حاز على المرتبة الثانية في قائمة (أعظم 50 كاتب بريطاني منذ 1945) في صحيفة التايمز في عام 2008. قال عنه إرفينغ هاو: “كاتب المقالات الأعظم منذ هازلت وربما منذ د. جونسون“!

كتب أورويل في النقد الأدبي والشعر الخيالي والصحافة الجدلية. اُشتهر برواياتٍ عديدة كان من أهمها روايتيه: (1984) و(مزرعة الحيوان)، واللتين تم بيع نسخٍ منهما معا أكثرَ من أيِّ كتابٍ آخر لأيٍّ من كُتّاب القرن الواحد والعشرون. فقد وجد الناس في رواية (1984) ماساعدهم على تجاوز مصاعب الحياة؛ كونها سلطت الضوء على الأنظمة الشمولية، وتأثيرها على حياة الأفراد.

كان من أجمل ماقاله في كتابه (لماذا أكتب؟!): “أكثر مارغبت بفعله طوال العشرة أعوام الماضية هو أن أجعل من الكتابة السياسية فنًّا، ونقطة انطلاقي هي دائمًا شعور من الحزبية والحسّ بالظلم. عندما أجلس لكتابة كتاب لا أقول لنفسي سأنتج عملاً فنياً، إنما أكتبه؛ لأن ثمة كذبة أريد فضحها، أو حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها، وهمي الوحيد هو أن أحصل على من يستمع. ولكن ليس بإمكاني القيام بمهمة تأليف كتاب أو حتى مقالة طويلة لمجلة لو لم تكن أيضاً تجربة جمالية”.

هنا يجيب جورج أورويل في كتابه (لماذا أكتب؟!) عن دوافعه للكتابة في أربعة نقاطٍ موجزة.. فيقول:

        أعتقد أن هناك أربعة دوافع للكتابة على الأقل عند كل كاتب، وتكون بنسبة متفاوتة من وقت لآخر حسب وضع العالم الذي يعيش فيه، وتلك الدوافع هي:

(١) حب الذات الصرف:

          الرغبة في أن تكون ذكياً، أن يتم الحديث عنك، أن تُذكر بعد الموت، أن تنتقم من الكبار الذين وبخوك في طفولتك.. إلخ، من الهراء التظاهر بأن هذا ليس بدافع، بل دافع قوي.

الكتَّاب يتحلون بهذه الصفة إلى جانب العلماء والفنانيين و السياسيين والمحاميين والجنود ورجال الأعمال الناجحين، باختصار لدى كل النخب الإنسانية. الغالبية العظمى من البشر هم أنانيون تماماً، بعد سن الثلاثين يتخلون تقريباً عن وعيهم بفرديتهم بالكامل، ويعيشون بشكل رئيس من أجل الاخرين، أو يسحقون ببساطة تحت وطء العمل الكادح، لكن هناك أيضاً أقلية من الأشخاص الموهوبين والجامحين المصممين على عيش حياتهم حتى النهاية، أو الكتاب الذين ينتمون إلى هذه الطبقة، ينبغي عليّ القول بأن الكتاب الجادين هم في المجمل أكثر اختيالاً وأنانية من الصحفيين، لكن أقل اهتماماً بالمال.

(٢) الحماس الجمالي:

             إدراك الجمال في العالم الخارجي، أو من ناحية أخرى في الكلمات وترتيبها الصحيح. البهجة من أثر صوت واحد على الاخر. في تماسك النثر الجيد أو إيقاع قصة جيد.

الرغبة في مشاركة تجربة يشعر المرء أنها قيمة ويتعين عدم تقويتها. الدافع الجمالي واهن جداً عند الكثير من الكتَّاب، لكن حتى مؤلف الكتيبات أو الكتب المدرسية ستكون لديه كلمات ومصطلحات مدللة تروق له دون أسباب نفعية، أو قد يهتم بقوة بأسلوب الطباعة، واتساع الهامش.. إلخ، فوق مستوى دليل القطارات، لايوجد كتاب يخلو من الاعتبارات الجمالية.

(٣) الحافز التاريخي:

             الرغبة برؤية الأشياء كما هي، لاكتشاف حقائق صحيحة، وحفظها من أجل استخدام الأجيال القادمة.

(٤) الهدف السياسي:

            استخدام كلمة (سياسي) بأشمل معنى ممكن! الرغبة في دفع العالم في اتجاه معين؛ لتغيير أفكار الآخرين حول نوع المجتمع الذي ينبغي عليهم السعي نحوه. مرة أخرى، لايوجد كتاب يخلو من التحيز السياسي، “الرأي القائل أن الفن ينبغى ألا يربطه شيء بالسياسة هو بحد ذاته موقف سياسي”.

عن تاريخ الموسيقى الكردية

نلاحظ أن أكثر الشعوب المتمسكة بتراثها الفني خاصة في موضوع الموسيقى والغناء، هي تلك التي تكون تحت الاضطهاد أو النفي. كي لا تموت هي تمد صوت موسيقاها وتعليه في أي وضع كانت، وفي أي مكان تحط رحالها فيه. الموسيقى هي كاشفة للبعد الاجتماعي لشعوبها، تكشف عن مدى سعادتها أو شقائها أو حالتها القائمة، فنستطيع ملاحظة بعض الموسيقى التي تحمل في طبيعة تكوينها الموسيقية صوت ثائر أو صامد أو متأهب للقتال، ونلحظ بعض الموسيقى تحمل لون حزين يحوي لغة نداء ورجاء لاستجلاب السلام بعد القلق، الموسيقى لا تنفصل أبداً عن رحلة الحقيقة، ولهذا نستطيع أن نسمع صوت الأكراد جلياً عبر موسيقى تحمل معاناة إنسان.

الشعب الكردي في حقيقته شعب محب للموسيقى وخالق لها لأن الموسيقى بالنسبة إليه آداة التعبير عما يحتويه وجدانهم وعن فيض شعورهم، ونستطيع أن نلحظ تفاعل موسيقاهم وتداخلها مع موسيقى من حولهم من الشعوب حين احتوت المقامات الموسيقية الشرقية على مقامين كرديين هما “مقام كرد، ومقام نهاوند“. فيقول الباحث الدكتور أحمد خليل:

للموسيقى الكردية الشعبية طابعها الخاص، شأنها في ذلك شأن موسيقى بقية الشعوب، وكل من له خبرة بموسيقى شعوب غربي آسيا، يمكنه تمييز الموسيقى الكردية عن الموسيقى الفارسية والأرمنية والتركية والعربية، على أن ذلك لا يعني أن ثمة قطيعة بين الموسيقى الكردية وموسيقى الجيران، ففي المناطق التي يتجاور فيها الكرد مع جيرانهم، نجد تمازجاً بين موسيقى أولئك وهؤلاء، وثمة ألحان كردية دخلت موسيقى الشعوب المجاورة للكرد، على أيدي الملحّنين الكرد الذي عاشوا بين تلك الشعوب، ولا سيّما في تركيا وبلاد الشام.

رغم تداخل موسيقى الأكراد بالتركية وغيرها إلا أنها تنفصل بعمق أغانيها عنها جميعاً وتتفرد في صورتها فتقول الصحفية منى كريم:

هنالك ثلاثة أنواع من المؤدين في الموسيقى الكردية: المنشدون، رواة القصة والشعراء. وقامت الموسيقى الكردية الكلاسيكية على نوع معين يتعلق بالمحاكم الكردية يؤدى بين الحشود خلال فترة المساء. بالإضافة إلى العديد من الأغاني والملحميات التي تعكس الطبيعة الكردية الجميل كـ’اللاوكس’ الشعبي وهو عبارة عن أغنية أو ملحمة شعبية بطولية تعيد سرد حكايات الأبطال الأكراد، والـ’هيرانس’ أو أغنية الحب الشهيرة التي تتحدث عن كآبة الفراق أو الحب المستحيل. وهناك موسيقى دينية (اللاوجي) وأغاني الخريف (بايزوكس) والأغاني الإيروتيكية التي تتحدث عن الحب والجنس وتفاصيل حياة الإنسان الكردي البسيط.
أما بالنسبة للآلات الموسيقية فهي البزق (شكل آخر من العود) والمزمار والناي في شمال وغرب كردستان، بينما ينتشر الناي الطويل والطبل في الجنوب والشرق.

نلاحظ أن الأغنية لا تأتي دائماً مصحوبة بموسيقى تغذي كلماتها، بل أحياناً الغناء وحده وصاحب الحنجرة التي تؤدي هذا الغناء كفيلة بأن تؤثر فيمن يسمعها دون أن يتفهم حرفياً لما يحمله المعنى التفصيلي حين تختلف اللغة بل المعنى عالجملة و حسب النظرة العامة للتاريخ يستطيع أن يستخرج ويصيب في فهم المعنى العميق، لكن هل الأغنية الكردية تأتي منفردة وبمعزل عن الموسيقى؟ يجيب الباحث الدكتور أحمد خليل بذكره لبعض الملاحظات عن الموسيقى :الكردية، فيقول

الملاحظة الأولى: تُسمَع الموسيقى الكردية منفردةً، من غير مصاحبة الغناء، وعندئذ تبرز خصائصها الصوتية والسيكولوجية على نحو أفضل، ويحتاج تذوّقها إلى قدر عال من رهافة الحس الجمالي الموسيقي، وإلى قدرات تأملية متقدمة، لذا يجد هذا النمط رواجاً عند النخب الكردية المثقفة، أكثر من رواجها عند الجماهير الشعبية. وتُسمع الموسيقى الكردية مصاحبة للغناء، والجماهير الشعبية أكثر إقبالاً على هذا النمط، وتكتسب الموسيقى حينذاك أكبر قدر من الروعة حينما تتناغم معها نبرات صوت المغنّي، ويا لبؤسها حينما تكون هي في واد ونبرات صوت المغنّي في واد آخر.

الملاحظة الثانية: الموسيقى- سواء أكانت منفردة أم مصحوبة بالغناء- عميقة الجذور في الميثولوجيا الكردية، وما زلنا نرى إلى اليوم حضور الموسيقى في المناسبات الدينية عند الكرد الكاكَه ئي (اليارسانية) والكرد الأيزدي، وما يثير الانتباه أن الطابع الغالب على الموسيقى في تلك المناسبات ليس كئيباً، وإنما هو طابع تغلب عليه الحيوية والإشراق؛ وهذه الظاهرة في حد ذاتها جديرة بالدرس والتمحيص.

الملاحظة الثالثة: لا أزعم أنني استمعت إلى الموسيقى في جميع مناطق كردستان، لكن لاحظت- في حدود ما سمعت- أن الموسيقى الكردية التراثية أكثر تطوراًً وفنّية في جنوب وشرقي كردستان إذا قيست بالموسيقى في شمال وغربي كردستان، 
والدليل على صحة ملاحظتنا أن آلة السَّنتور، بألحانها المتنوعة العذبة الرقيقة، حاضرة في الكَوْرس الموسيقي عند كرد الجنوب والشرق، إضافة إلى آلة الكمنجة، في حين لا نرى لهاتين الآلتين حضوراً في الكورس الموسيقي عند كرد الشمال والغرب، أما الكمنجة المستطيلة الصندوق المستعملة عند بعض كرد الشمال فالأرجح أنها دخيلة على التراث الموسيقي الكردي، وأحسب أنها مقتبسة من التراث الموسيقي التركماني، لذا ثمة تنافر واضح بين أنغام تلك الكمنجة ونبرات الصوت الكردي عند الغناء، وأظن أن المنطقة التي تُستعمَل فيها الكمنجة المستطيلة الصندوق هي منطقة حصل فيها تجاور كردي- تركماني منذ عهد السلاجقة.

لا تستطيع أن تستمع إلى الموسيقى الكردية دون أن تلحظ ارتباطها بالحزن والألم، بل ربما يتفشى داخلك المعنى الانساني حين تتأمل رسائل البسطاء من الأكراد خلال أحزانهم، لهذا يقال بأنها الموسيقى الشرقية الأكثر إثارة وخصوصية.

للاستماع إلى بعض الأغاني والموسيقى الكردية  :
http://www.youtube.com/watch?v=AOOso_y47yQ
http://www.youtube.com/watch?v=D-W7X7LnIHM

روابط للاستزادة حول الموسيقى الكردية وتاريخها : [1]، [2]