أرشيف الوسم: فان غوخ

فان جوخ وحديثه عن جمال وسحر الحزن والعواصف في الطبيعة والحياة

لوحة بورتريه لـ(فان غوخ) مرتديًا قبعة قشية

أوه علينا أن نتنفس بعضًا من الهواء النقي ونشعر ببعض من السعادة، لاسيما الشعور بما تعنيه اللوحة، فلندع  ظلال اللوحة تعبر بكل أسى.

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.

لن توصلنا الفرص للسعادة ولا للشعور بها، فبعض الأروح يثقلها الحزن والأسى أكثر من غيرها. سيكون من السهل الممتنع أن نضفي طابعًا رومانتيكيًا على المعاناة، على الرغم من اختلاف (إليزابيث باريت برواننج) في مذكرتها على ذلك، إلا أن بحوزتنا تاريخ ثقافي حافل في تكريس “أساطير معاناة العباقرة” وواقعهم الأشد مرارة.

ألا يعني هذا أن نعتبر أن الانغماس في الحزن والاشفاق على الذات، جزءان جوهريان في مجاراة الحياة بدلاً من معاداتها؟

هذا ما خاطب به فنسنت (فان غوخ) في رسالة بعثها لشقيقه (ثيو) التي نشرت في كتاب بعنوان (المخلص دومًا فنسنت؛ الجواهر من رسائل فان خوخ)، ذلك الكنز الثمين الذي أهدانا إياه متحدثًا عن اقتران القول بالعمل وكيف يحركنا ارتكاب الأخطاء نحو المضي قدمًا.كتاب المخلص دومًا فنسنت فان جوخ الجواهر من رسائل فان خوخ

على الرغم من الفقر الذي لازمه طوال حياته و الوهن الذي أصابه جراء مرضه العصبي، إلا أنه قد تمكن من تحويل هذه المصاعب المختلفة إلى فن من أعرق الفنون التي انتجتها البشرية.

أثناء مكوثه في لاهاي و صراعه مع المرض بعث في سبتمبر عام 1883 برسالة إلى شقيقه كتب فيها:

كتبت لي عن جولتك لـ(فيل دافري) ذلك الأحد، في اليوم نفسه والتوقيت نفسه كنت أمشي وحيدًا أيضًا، أود إخبارك  بشيء حصل في تلك الجولة، يبدو أن خواطرانا قد تواردت ثانيةً إلى درجةٍ ما.

ذهب (فان غوخ) في جولة قاصدًا أن يصفي ذهنه وينعش فؤاده عقب انتهاء علاقته أخيرًا ببائعة الهوى ومدمنة الكحوليات (سين) التي جمعتهما علاقة حب استمرت لمدة عام ونصف العام، بدأت تلك العلاقة عقب تعافيه من تجربة الانكسار العاطفية التي علمته أن الحب من طرفِ واحد ليس سوى إذكاءِ للفن.

اعترف (فان غوخ) أن انفصالهما كان أمرًا في غاية الغرابة، فعلى الرغم من تعلقه الشديد بسين وأطفالها وتعلقها هي بنفس الشدة إلا انهما لم يستطيعا إسعاد بعضهما البعض على المدى البعيد.

في جولة للصفاء الذهني توجه (فان غوخ) لقضاء برهة من الوقت في رفقة الطبيعة، في تلك اللحظة وفي حالة الاضطراب الداخلية تلك شاهد اجتياح عاصفة قوية ومن الغريب شعوره أن اجتياح العاصفة قد ساعده في تعافيه وإعادة اكتشاف جمال الحياة الحقيقي.

لوحة : أشجار الصنوبر في المساء 1889 (متحف فان خوخ)

ويسرد لشقيقه تفاصيل لقائه الرائع مع الطبيعة قائلًا:

كما تعرف المناظر الطبيعية هناك؛ أشجار رائعة مفعمة بالجلال والصفاء بجوار الخضرة وبيوت صيفية مربعة الشكل مثل بيوت ألعاب الأطفال، وكل مايثقل خيالات الهولنديين من سخافات، من أصحاب الدخل الخاص فينعكس ذلك على طراز أحواض الأزهار وسقائف الشرفات. معظم البيوت قبيحةٌ جدًا و بعضها قديمٌ وأنيق.

والجيد في تلك اللحظة، تدافع السحب واحدة  تلو الأخرى فوق المروج المترامية الأطراف كالصحراء، فيما ضربت الرياح البيوت الريفية بأشجارها على الضفة الأخرى من المجرى المائي على امتداد الأشجار الرائعة على الطريق المتشح بالسواد الفاحم، رأيت بداخل كل شخص منها، أقصد في كل شجرة شيء من المأساة.

حيث بدا كل شيء أجمل في تلك الأشجار التي عصفت بها الرياح إذ تراها في ذواتها. لأن هذه اللحظة قد أضفت شخصية فريدة حتى على تلك البيوت الصيفية غير المتناسقة و الغارقة في المطر. و قد تصورت كيف يمكن أن يتشكل شخص بمظهر عبثي وبقناعات منافية للعقل ومثقل بالغرابة والنزوات داخل قالب مأساوي بشخصية فريدة قد تمكن منها الواقع المرير. لقد جعلني ذلك أفكر في حال المجتمع اليوم و تنشئته يبدو أشبه بلوحة ظلية قد انعكس عليها نور التغيير.

و يضيف قائلاً:

نعم، فبالنسبة لي فإن مأساة الطبيعة تكمن في العاصفة ومأساة الحياة في الحزن وذلك الأمثل .. أوه علينا أن نتنفس بعضًا من الهواء النقي ونشعر ببعض من السعادة، لاسيما الشعور بما تعنيه اللوحة، فلندع  ظلال اللوحة تعبر بكل أسى.

وبعد سبع سنوات من كتابة هذه الرسالة، مزقت المأساة  لوحة حياة (فان غوخ).

لوحة: منظر طبيعي في الطقس العاصف 1885 (متحف فان جوخ)

[المصدر]

 

الوحدة واحتياج البشر إلى العاطفة عند فان غوخ

فان غوخ

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.

في الخامس عشر من أغسطس 1879، كتب (فان غوخ) رسالة إلى أخيه (ثيو)، يتحدث فيها عن الوحدة، وحاجة البشر إلى العاطفة والألفة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فان غوخ) في رسالته:

عزيزي ثيو،
أنا أكتب إليك لأعبر عن مدى إمتناني لزيارتك. لقد مر وقت طويل منذ أن تقابلنا أو تراسلنا كما كنا نفعل سابقًا. ومع ذلك، فإنه من الأفضل أن نكون مُقربين، لبعض الوقت، على أن نكون عديمي الحياة تجاه بعضنا البعض … على الأقل، أثبتت هذه السويعات التي قضيناها معًا أننا مازلنا ننتمي لأرض الأحياء. عندما رأيتُك مرة أخرى وتجولنا سويًا، شعرت بشيٍئ لم أعد أشعر به كثيرًا، وهو أن الحياة شيئ جيد وثمين، ويجب على الإنسان أن يقدرها. وشعرت أنني سعيد ومفعم بالحياة أكثر مما شعرت به منذ وقت طويل. فمؤخرًا، وبالرغم مني، أصبحت تدريجيًا أشعر باللامبالاة تجاه حياتي، وأحسها أقل قيمة وأهمية، أو هكذا بدت لي.
عندما يعيش الإنسان مع الآخرين ويشعر بعاطفة تجاههم، يكتشف وجود مغزى لحياته وأنه في نهاية الأمر ليس بكائن ضئيل أو قابل للاستبدال، بل صالح لفعل شيئ ما، فتقديرنا السليم لذواتنا يعتمد بشكل كبير على علاقتنا بالآخرين.
سيعاني السجين الممنوع من العمل والمحكوم عليه بالعزلة، بعد مدة طويلة من سجنه، من نتائج كالتي يعاني منها من بقي بلا طعام لمدة طويلة. أنا أحتاج، مثل سائر البشر، إلى المودة والعلاقات الدافئة و الحميمية، فأنا لم أُصنَع من الحجر أو الحديد، فلا يمكن الا أشعر بفراغ أو بغياب شيئ ما، عندما تكون الحياة بدون هذه الأشياء – وأنا أخبرك بكل هذا لتعلم كم كان تأثير زيارتك جيد عليّ.
[…]
وأنا استرجع زيارتك في مخيلتي بإمتنان، تعود أفكاري بي إلى قرارتنا ايضًا: خطط من أجل الإصلاح والتغيير وإثارة الحيوية بداخلي. لقد امتلكت بعض من هذه الخطط في الماضي، حتى الكثير منها في بعض الأحيان، وبشكل مستمر – ولكن، ولا تنزعج من قولي هذا، أنا أخافها قليلًا، لأنني في بعض الأحيان سعيت بالفعل لتحقيقها ولم أجني منها سوى أمال مُحطمة.
التغيير من أجل حياة أفضل، الا يجب علي التعطش إلى ذلك؟ أم أنه يأتي على الإنسان وقت لا يحتاج حينها إلى تحسين حالته؟ أتمنى أن يتغير حالي إلى الأفضل. ولكن أن يكون السبب تحديدًا لأنني أطمح إلى ذلك، فأنا أخاف من العلاج الأكثر ضررًا من المرض.
هل يمكنك لوم مريض على الوقوف في وجه طبيبه ورفض تعاطي العلاج الخاطئ؟ هل من الخطأ أن يُصر شخصًا يعاني من داء السل أو حمى التيفوس أنه سيحتاج إلى علاج أكثر فاعلية من مجرد شرب المياة، وأن يشكك في قوة تأثيرها في حالته؟ سيكون خطأ من الطبيب الذي كتب له هذا العلاج أن يقول: هذا المريض حيوان عنيد وسيلقي بنفسه إلى التهلكة لإنه يرفض تعاطي دواءه – لا، المشكلة ليست في أن المريض غير راغب بذلك، بل لإن ما يسميه الطبيب دواءًا، هو بلا قيمة. فيمكن لهذا الدواء أن يكون ذو تأثير جيد لشيئ ما، لكنه لا يناسب حالته.
هل يمكنك لوم شخص على الشعور باللامبالاة تجاه لوحة صنفت على انها لوحة لميملنج، لكنها لا تملك أي صفة مشتركة مع لوحات ميملنج أكثر من كونها ذات موضوع مماثل للعصر القوطي، ولكن بدون إستحقاق فني؟
والآن، إنني أرى صدقًا أنه سيكون من الأفضل لو أن علاقتنا كانت أكثر قربًا من كلا الطرفين. وإذا شعرت، بجدية، أنني اُشكل عائقًا لك أو لأسرتي في المنزل، أو أنني بلا فائدة لأي منكم … فسيكون من الأفضل لو انني غادرت نهائيًا – عندما أفكر في ذلك، يغمرني شعور بالحزن واليأس. فأنا أجد صعوبة بالغة في تحمل هذه الفكرة، وصعوبة أكبر في تحمل فكرة أنني تسببت بشكلًا ما في الكثر من الحزن والأسى بيننا أو في المنزل، وإذا كان هذا ما حدث بالفعل، فأتمنى الا يتبقى لي الكثير من الوقت على قيد هذه الحياة.
ومع ذلك، عندما تتسبب هذه الفكرة بشعوري بإكتئاب شديد وعميق، يأتيني بعدها بفترة طويلة فكرة أخرى: ربما كان ذلك فقط حلم مرعب، ولاحقًا سأستيقظ وأراه وأفهمه بطريقة أكثر وضوحًا. ام أن ذلك حقيقيًا؟ وهل سيتحسن الحال يومًا ام سيزداد سوءًا؟ ربما يرى الكثيرون انه من الغباء أن تؤمن بالتغيير إلى الأفضل.
في بعض الأحيان يصبح الطقس قارص البرودة، فيقول المرء: “إن البرودة باتت شديدة إلى حد عدم إهتمامي بمجيئ الصيف من عدمه”، فيتغلب الألم على الخير. ولكن، شئنا أم أبينا، يأتي يوم وينتهي فيه هذا الطقس القاس. وفي صباح صاف لإحدى الأيام، تتغير الرياح ويُذيب الدفء آثار البرد والجليد. عندما أقارن حالة الطقس بحالتي النفسية وظروفي، وأراها، مثل الطقس، مُعرضة للتغيير والتحول، أشعر عندها بوجود بعض الأمل في تحسن الأحوال إلى الأفضل.
سأكون سعيدًا للغاية إذا كتبت لي قريبًا مرة أخرى … إلى اللقاء، فلتقبل مصافحتي لك في مخيلتي، ولتصدقني،
المخلص،
فينسنت

الخوف والمخاطرة عند فان غوخ

فان غوخ

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.
في الثاني من شهر أكتوبر عام 1884 كتب (فان غوخ) لشقيقه (ثيو) رسالة، نترجمها لكم بشكل حصري، يقول فيها:

إذا أراد الإنسان أن يكون حيًا فعليه في بعض الأحيان الا يخاف من اقتراف الأخطاء؛ ألا يخاف من السقوط. يعتقد الكثيرون أن عدم إقتراف الأخطاء هو سبيلهم الوحيد ليكونوا أخيارًا، وهذا غير صحيح .. فهذا يؤدي بهم إلى الجمود والاعتيادية. عندما ترى أمامك لوح رسم فارغ  يحدق تجاهك بشكلًا  أبله، فقط لطخه بأي .شكلٍ كان

أنت لا يوجد لديك فكرة عن قدر هذا الشعور بالعجز، هذه الحالة من التحديق في لوح رسم فارغ يخبر الرسام بأنه غير قادر على فعل أي شيء. لوح الرسم لديه نظرة بلهاء يؤثر على بعض الرسامين ويحولهم إلى أغبياء.

يخاف الكثير من الرسامين من لوح الرسم الفارغ، لكن لوح الرسم الفارغ أشد خوفًا من الرسام صادق الشغف الذي جرؤ وكسر سابقًا تعويذة “لا أستطيع“.

على نفس النمط تنحرف الحياة ذاتها إلى جانب تافه ومحبط وفارغ من كل شيئ مثل لوح رسم فارغ.

 لكن مهما بدت الحياة تافهة وفارغة وجامدة، إلى أن الإنسان المؤمن المليء بالحيوية والدفء لا يترك نفسه ضحية للاستسلام بهذا الشكل بل يتدخل ويفعل شيئًا ما ويتمسك به، باختصار هو يكسر القيود، ويرتكب الأخطاء!


Continue Reading →