أرشيف الوسم: فروم

حديث (إيريك فروم) عن الحياة الامتلاكية والحياة الوجودية

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

كتب (فروم) عددًا من الكتب، كان من أواخرها كتاب (الامتلاك أو الوجود؛ الأسس النفسية لمحتمع جديد)، من ترجمة الأستاذ (حميد لشهب)، والذي كتب فيه عن أسلوبين للحياة؛ هما أسلوب الحياة الامتلاكية، وأسلوب الحياة الوجودية. يقول في أحد أجزاء الكتاب عن الحاجة إلى الامتلاك:

إن عدم القيام بأي خطوة للأمام، والبقاء حيث يوجد المرء، باختصار الاعتماد على ما يمتلكه المرء هو غرور؛ ذلك أن المرء يعرف ما يملكه ويشعر بالأمان في الشعور بهذه المعرفة ويمكنه التشبث بها. نخاف القيام بخطوة في المجهول، في غير الآمن، ولهذا السبب فإننا نتجنبه، وحتى وإن كانت الخطوة التي علينا القيام بها غير خطيرة، بعد القيام بها، فإنها تظهر لنا كما تظهر لنا عواقبها قبل القيام بها خطيرة وتعبة. فالقديم هو وحده الذي يكون آمنًا أو على الأقل يظهر هكذا. فكل خطوة جديدة تخبئ خطر الإخفاق، ويُعدّ هذا من أسباب خوف الإنسان من الحرية.

ويتابع بعد ذلك:

على الرغم من الأمن المضمون عن طريق الامتلاك فإننا نعجب بالناس الذين لهم رؤية لما هو جديد ويُعبِّدون طرقًا جديدة ولهم الشجاعة للسير قُدمًا. ويجسد البطل في الميثولوجيا نمط الحياة هذا. فالبطل هو الإنسان الذي تكون له الشجاعة على مغادرة ما عنده – وطنه، عائلته، ممتلكاته – والهجرة إلى الخارج، ليس من دون خوف، بل من دون الخضوع إلى هذا الخارج.

[…] نُعجب بهؤلاء الأبطال، لأننا نشعر في قرارة أنفسنا بأنه يجب أن يكون طريقهم طريقنا – لو كان بإمكاننا المشي عليه. ولكن بما أننا نخاف فإننا نعتقد بأننا لا نستطيع القيام بهذا وبأن الوحيد الذي يمكنه الإقدام عليه هو البطل. وهكذا يصبح البطل مثالًا نقتديه، نُصعد عليه كفاءاتنا للتقدم إلى الأمام، لكننا نبقى نحن في الواقع لأننا لسنا أبطالًا.

ويصف بعد ذلك معيارًا للحياة الامتلاكية، فيقول:

يمكن للمرء أن يقرأ رد الفعل في وجوه الناس في بعض الأحيان. […] غالبًا ما يمكن ملاحظة البهجة من دون الرغبة في الامتلاك في السلوك تجاه الأطفال الصغار. أعتقد أن الأمر يتعلق هنا كذلك بجزء وافر من خداع الذات، بحيث إننا نرى أنفسنا في دور صديق للطفل. وعلى الرغم من هذا الشك، فإنني أعتقد أن رد الفعل العفوي والحقيقي تجاه الأطفال يوجد بما فيه الكفاية. قد يكون سبب هذا هو أن غالبية الناس لا تخاف من الأطفال، بالمقارنة بالشباب والراشدين. وغياب هذا الخوف هو الذي يسمح لنا بأن نحب ما لا يمكننا أن نحبه إذا كان الخوف أمامنا.

[…] يمكن القول بصفة عامة بأن العلاقة بين البشر، عندما تكون محكومة بتوجه امتلاكي، تكون مطبوعة بالمنافسة والتضاد والخوف. ويكمن عنصر التضاد في مثل هذه العلاقة في خاصية الامتلاك نفسه؛ عندما يكون الامتلاك أساسًا شعوريًا بهويتي، “لأنني أمتلك”، فإن الرغبة في المزيد من الامتلاك هي التي تقود المرء.

ويتابع قائلًا:

لا نجد هذه الأهمية الكبيرة للامتلاك، الملكية الخاصة، في نمط الحياة الوجودية، فلا أحتاج امتلاك شيء ما لكي أتمتع به أو أستعمله. يمكن لأكثر من شخص، بل لملايين الناس، في الواقع، الفرحة باستعمال شيء، ولا يكون من الضروري امتلاك هذا الشيء من طرف شخص واحد، للتمتع به. ولا يُجنب هذا الأمر الفعلي الخصام، لكنه يُمكن من تقاسم أعمق مُعاش إنساني للسعادة، يعني تقاسم فرحة ما.

وأخيرًا يبدأ في وصف أسلوب الحياة الوجودي، فيقول:

يتميز النشاط الوجودي بشروط أساسية وهي الاستقلال والحرية وحضور العقل النقدي. أما سمته الأساسية فتتمثل في النشاط / الحيوية، والإيجابية والفعل، لا بمعنى النشاط الظاهري / الخارجي، أي الانشغال بشخص أو شيء ما، بل المقصود هو النشاط الداخلي، يعني الاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. أن يكون الإنسان نشيطًا يعني التعبير عن الملكات والقدرات والمواهب الذاتية، يتمتع كل كائن بشري بقدر منها، حتى وإن اختفت مقاديره. ويعني نشاط الإنسان العثور على ذاته والنمو والتطور والتدفق والحب وتجاوز حدود سجن الذات المعزولة لذاتها وبذاتها والشغف بما يشتغل عليه ومن أجله ويحسن الإصغاء للذات وللآخرين ويكون معطاء مع نفسه ومع الآخرين.

قواعد إريك فروم الست في فن الإصغاء

“الحب والفهم لاينفصلان عن بعضهما فهما يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي”

بحسب ماكتبت (حنة آرندت): “لا يُعطى الرأي في التجارب إلا بعد ذكرها”، عن رأيها  في مدى إضفاء اللغة الواقعية على الوجود بتعبيرها، “ولطالما لم تذكر هذه التجارب فيصح القول بأن لا وجود لها”. ولكن إن ذُكرت التجربة ولم تلق آذاناً صاغية، فسيصبح نصف واقعها مبتور وانسجامها الأساسي مختل توازنه.

عَرف الفيزيائي العظيم (ديفيد بوهم) هذا بقوله: “علينا العيش بإنسجام مع أنفسنا ومع البيئة”، وبإختصار كتب في أطروحته المتميزة بشأن “معضلة التواصل”:

إننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على التواصل بحرية في حركة إبداعية حيث لا أحد يتمسك فيها بأفكاره دومًا أو يدافع عنها بصورة أخرى.

أما عن كيفية فعل هذا، هو ما كشفه الفيلسوف والمحلل النفسي المؤثر (إريك فروم)، الذي ولد في 1900 وتوفي في عام 1980، في حلقة دراسية عقدت في سويسرا عام 1974 والتي نشرت بعد وفاته في كتاب يحمل عنوان (فن الإصغاء).

ويناقش في فن الإصغاء قائلًا أنه”فن أشبه بفهم الشعر” وحاله من حال الفنون الأخرى التي لها أصولها وقواعدها الخاصة. واستنادًا إلى ممارسته في المعالجة النفسية على مدار 50 عاماً، يقدم لنا ست إرشادات لإتقان فهم هذا الفن:

  • القاعدة الأساسية لممارسة هذا الفن بالتركيز التام للمستمع.

  • يجب أن يكون خال الذهن، أن يكون متحرراً على النحو الأمثل من القلق وكذلك من الجشع.

  • التمتع بمخيلة تعمل بحرية ملموسة وبدرجة كافية للتعبير عنها بالكلمات.

  • التمتع بقدر كبير وقوي من التعاطف مع الآخرين يكفي للشعور بتجارب الآخرين وكأنها تجربته الشخصية.

  • حالة التعاطف هذه، تعد جانبًا أساسيًا للمقدرة على الحب. إن فهم الآخر يعني محبته، دون أن يكون ذلك نابع من إحساس شهواني.

  • الحب والفهم لا ينفصلان عن بعضهما، يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي.


[المصدر]

إيريك فروم يشرح المبدأين الأبيسي والأموسي

إريك فروم

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

يتحدث (فروم) في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن مفهومي “المبدأ الأبيسي” و“المبدأ الأموسي”، فيقول مستفتحًا:

ليُسمح لي أن أذكر بمفكر كبير للقرن 19 ويتعلق الأمر بالسويسري (يوهان ياكوب) Johnan Jakob Bachofen، الذي أظهر لأول مرة منهجيًا وعلميًا بأن المجتمع محكوم بمبدأين بنيوين مختلفين: المبدأ الأموسي، والمبدأ الأبيسي، ماذا يميز هذين المبدأين عن بعضهما؟

فيتحدث بداية شارحًا المبدأ الأبيسي، فيقول:

في المجتمع الأبيسي، كما هو معروف في العهد القديم ومنذ الحكم الروماني، فإن الأب هو الذي يمتلك ويتحكم في الأسرة. وعندما أتحدث عن الامتلاك، فإن ذلك يجب أن يفهم في المعنى الحرفي للكلمة. ذلك أن الزوجة والأطفال كانوا في النظام الأبيسي، وفي القانون الأبيسي البدائي ملكًا لأب الأسرة تمامًا كالعبيد والماشية. كان باستطاعته عمل ما يريد بهما.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى شرح المبدأ الآخر، الأموسي، فيقول:

في المجتمع الأموسي كان الأمر مختلفًا تمامًا. فالشخصية المحترمة على العموم، والتي لا يمكن الحديث عندها عن الامتلاك، بل عن كونها كنت محط اهتمام دون منازع، كانت هي الأم.

وبعد ذلك يتحدث عن الفارق في مفهوم الحب لدى المبدأين:

وبين الحب الأبيسي والحب الأموسي هناك فرق. فالحب الأبوي في جوهره هو حب مشروط، لأنه موقوف على الاستجابة لشروط بعينها. وعندما أتحدث عن “الحب الأبيسي” فإنني لا أعني حب الأب (س) أو الأب (ص)، لكن الأبيسي على العموم. وقد سمى (ماكس فيبر) ذلك بـ“النموذج المثالي”. فالأب يحب في الغالب الابن الذي سوف يحقق أمانيه وتطلعاته. ويصبح هذا الابن في غالب الأحيان وارث الأب. وبهذا فإننا نجد في المجتمع الأبيسي “الابن المفضل” -في غالب الأحيان يكون هو الابن الأكبر- عندما تقرأ العهد القديم، فإننا نجد دائمًا أن هناك ابن مفضل، يكون مختارًا ومفضلًا عند الأب، إنه يعجبه لأنه يطيعه.

في النظام الأموسي نجد الأشياء بشكل آخر. فالأم تحب كل أبنائها على مستوى واحد؛ إنهم كلهم ودون استثناء ثمرة رحمها، وبحاجة إلى عنايتها. فإذا كانت الأم لا ترضع رضيعها إلا لأنه يعجبها ويطيعها، فإن أغلبية الصبية سيموتون. وكما نعلم، فإن الرضيع لا يعمل البتة ما تريده الأم. لو كانت الأم تتوفر على نفس الحب الأبيسي -البيولوجي- لكان النوع الإنساني قد انقرض. إن الأم تحب الطفل لأنه ابنها. ولهذا السبب لا نجد في المجتمع الأموسي أية تراتبية، بل نجد نفس الحب لجميع من يحتاجه من أبنائها.

ويختتم شروحاته لهذين المبدأين، وسبب ذكرهما، فيقول:

إن مرجع هذا العرض السريع هو (باخ أوفن) Bachofen. ففي المجتمع الأبيسي يكون المبدأ الأعلى هو النظام، القانون، المثال، المعنوي. أما في المجتمع الأموسي فإن المبدأ هو العلاقة الطبيعية، وهي العلاقة التي تجمع بين الناس. وهي علاقة لا يحتاج أن يفكر فيها أو تصنع، بل إنها هنا ببساطة.

هنا والآن، إيريك فروم

ErichFromm8

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه العظيم (الإنسان بين الجوهر والمظهر)، والذي نقتبس منه هنا. يتحدث (إيريك فروم) هنا في الماضي و الحاضر والمستقبل من حيث أسلوب التملك و الكينونة والفرق بينهما فيقول:

لايوجد أسلوب الكينونة إلا في هنا والآن. بينما لايوجد أسلوب تملك إلا في الماضي والحاضر والمستقبل.

في أسلوب التملك،
نحن مربوطون إلى ماتمكنا من حيازته في الماضي: المال، الشهرة، المكانة الاجتماعية…وغيرها. نحن نفكر في الماضي ونشعر بتذكر مشاعر الماضي أو مايبدو كذلك. وهذا هو جوهر العاطفة، ومن ثم فنحن لانكون إلا في الماضي، ويمكن القول: أنا هو ماكنت.
أما في المستقبل، فهو مانتوقع أن يصير إليه الماضي. والإحساس بالمستقبل في أسلوب التملك مثل الإحساس بالماضي، ويتضح ذلك في تعبير “هذا شخص له مستقبل” للدلالة على أن الشخص سيملك أشياء كثيرة، حتى لو لم يكن يملك الآن شيئاً.
والحاضر ليس إلا نقطة الوصل بين الماضي والمستقبل، ليس إلا محطة في مسيرة الزمن، ولاتختلف اختلافاً نوعياً عن العالمين الموصولين.

أما الكينونة،
فهي ليست بالضرورة خارج الزمن، ولكن الزمن ليس هو البعد الذي يحكمها. ولنضرب مثلا بالمفكرين. إن كتابة الأفكار عملية تحدث في الزمن أما تصورها فهو فعل خلاق خارج الزمن، وهكذا التجليات الكينونية، الحب والفرحة وإدراك الحقيقة.. كلها لاتحدث في الزمن، وإنما هنا والآن. وتلك هي السرمدية، أي التحرر من الزمن، فالسرمدية لاتعني كما يساء فهمها أحياناً الزمن الممتد بغير نهاية.
ومايخص الماضي، فإن الإنسان يستطيع إحياؤه، ويمكن أن يحس الإنسان بموقف قد مضى بالعذوبة والنضارة نفسيهما كما لو كان يحدث هنا والآن. أي أن الإنسان يستطيع خلق الماضي، ويعيد إليه الحياة، فيكيف الماضي على أن يكون ماضياً، ويكون هنا والآن.
وكذلك المستقبل، يمكن أن نحسه به كما لو كان هنا والآن. ويحدث هذا حين يتصور الإنسان حالا مستقبلية بدرجة من الاكتمال، بحيث تكون هي المستقبل من الناحية الموضوعية، أي كحالة خارجية وليست خبرة ذاتية داخلية. وهذا هو في الحقيقة التفكير الطوباوي الأصيل عكس أحلام اليقظة الطوباوية. إنه جوهر العقيدة الأصيلة الذي لا يحتاج إلى التحقق الخارجي في المستقبل كي يومن به الإنسان، أي لايحتاج لجعل الخبرة الذاتية واقعاً.