أرشيف الوسم: فريدريك لونوار

قوة الفرح: أن تتوافق مع العالم

من لا يرغب في الفرح؟ القوة التي تهزنا والانفعال الذي يمدنا بالحيوية لتذوق الوجود.

في كتابه (قوة الفرح) يحاول الفيلسوف الفرنسي (فريدريك لونوار) أن يفسر هذا الشعور. ويتحدث عن مسارين مهمين لبلوغه: طريق يقطعه المرء نحو ذاته وطريق يتجه صوب الآخر. على المرء أن يهيء نفسه لتلقي الفرح بالانتباه والحضور، الثقة والعطاء والتواصل مع العالم بطريقة صحيحة.

تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم وهكذا يختنق ذهننا ولا نعود منتبهين بحال من الأحوال لحياتنا.

[…] وهكذا لو كنا ننظر إلى منظر طبيعي بديع ونحن نفكر في نموذج التأمين الاجتماعي الذي لم نملأه بعد, فليس ثمة فرصة كبيرة ليصادفنا الفرح.

وعن الحضور يقول أنه مرحلة تأتي بعد الانتباه، بحيث يشمل وجودنا كله:

الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة ما أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

الكثير من الناس يعيشون بقلوب مصفحة، أو يحيطونها بغشاء يحميها من المعاناة لكنه قد يعيق وصول الفرح والمشاعر العميقة إليهم.

لكي ينفتح قلبك لابد أن تثق بالحياة.

[…] إن الفرح لا ينمو في الظلام، لكنه ينتشر في نور الصباح.

نعيش رهن عالم متسارع مليء بالخيارات لكننا مقيدين بضيق الوقت وكثرة المشاغل، فنميل دائما لكل مايعود علينا بالنفع.

لكي يتفتح الفرح لايتعين البقاء رهن هذا البعد النفعي الموجود باستمرار والذي يحول بيننا وبين الانفتاح ويحول دون حضورنا الدائم. يأتي الفرح في الغالب في أوقات لا نتوقعها، ولانتوقع أن نجني منه شيئا.

المسار الثاني للفرح هو مسار حب ومشاركة وخلق الروابط الصحيحة والحقيقية.

يختار الأصدقاء والرفقاء الحقيقيون بعضهم بعضا. وهذه العلاقة ليست محتومة أو مفروضة، لكنها تتطلب خيارا ولابد من رعايتها كي تزدهر.

[…] الحب الحقيقي لا يقيّد بل يحرر. ولا يخنق الآخر بل يعلمه أن يتنفس على نحو أفضل. يعلم أن الآخر لا ينتمي اليه لكن يمنح نفسه له بحريته.

 

فريدريك لونوار، وكلماته في أن نصبح أحرارًا

فريدريك لونوار

 

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يكتب تحت عنوان “أن نصبح أحرارًا” مفهومه الخاص للحرية والتي استلهم جزء منها من فلاسفة وحكماء يأتي على ذكرهم فيها، فيقول مبتدئًا الحديث:

كلنا مولعون بالحرية، ولكن هل نقدر قيمة الاستقلال الذاتي الذي ننعم به ونستخدمه بمعرفة تامة، وهو شرط ملزم للتعبير عن ذاتيتنا؟

كانت الحرية الفردية، حتى فترة زمنية قريبة نسبياً، تعيقها بشدة قوة الروابط الاجتماعية و العائلية، و وطأة التقاليد والطابع السلطوي للأنظمة الأساسية . أما اليوم فنحن نتمتع في الغرب بحظ خارق يتجلى في القدرة على تحقيق خياراتنا في الوجود. فباستطاعتنا البت في قضية مهنتنا ومكان إقامتنا، تغيير المدينة أو البلد، اختيار شريك حياتنا، وتحمل مسؤولية تأسيس عائلة أو عدم إنجاب أطفال. ويحق لنا بالطريقة ذاتها, وبحرية وصدق أن نتبنى القيم تبدو لنا  أشد صوابية لتوجيه حياتنا. وبإمكاننا اختيار دين نلزم أنفسنا به أو لا نلزمها، وأن نسلك هذا الطريق الروحي أو ذاك. كل ذلك يبدو أمراً مبتذلاً، ولكن لا ننسى مع ذلك أن الدين والمعايير الأخلاقية، في كثير من البلدان، وحتى إلى اليوم، تفرضها السلطات السياسية والدينية عبر توحيد جهودهما. فمن ينتهكها، أو ما هو أسوأ أيضاً، من يرفض تبنيها باسم حرية المعتقد أو قناعاته العقائدية، يعاقبه القانون وقد يتعرض لعقوبة الموت.

على أن حرية الاختيار والمعتقد، أياً كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لجعلنا أحراراً تماماً. فثمة في الواقع شكل آخر من الاستلاب (انتقاص الحقوق) يتبدى في العبودية الداخلية، وأقصد به انقيادنا واستسلامنا لأهوائنا، ولرغباتنا الواعية أو اللاواعية، ولروابطنا الداخلية المكبوتة. هذا الاستلاب يجعل منا أسرى ذواتنا، فلنتمهل في مراقبة أنفسنا. فئة قليلة منا ستعترف بكل نزاهة أنها نجحت في حيازة حريتها الباطنية كاملة. إننا جميعاً، متأثرون بأحكام مسبقة وحاجات ورغبات أو حالات نفور غاية في العنف بحيث إنها تجتاح أحياناً فضاء حريتنا. ولنا جميعاً، وبدرجات متفاوتة، عادات سيئة بتنا عبيداً لها، وهي تحول دون تحقيق ذواتنا بصورة تامة وبدون إقامة علاقات طيبة مع الآخرين. هذه العوائق الباطنية هي قيود غليظة أشبه بالقيود التي كانت، في الأنظمة الشمولية، تجعل الناس سجناء بالجسد.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى حديث أعمق عن مفهوم “الحرية الداخلية”، التي تطرق إليها قبلًا، فيقول، مستشهدًا بتعاليم (بوذا) و(سقراط) و(يسوع):

أراد معلمو الحكمة الثلاثة هؤلاء تحرير الفرد من قيود الجماعة وعبء التقاليد، فلم يكن ذلك بهدف جعله مستقلاً سياسياً وحسب، بل لتمكينه من شق طريق له قيوده إلى التحرر الباطني. ففي نظر (بوذا)، الحرية الحق هي الحرية التي يتوجب على كل كائن بشري أن ينالها بمقاومة أهوائه ورغباته وشهواته، والتي تشكل في الواقع قيوداً تربطه بعجلة “سمسار” ويقوم كل تعليمه على بضع حقائق حول العطش إلى الشهوات والتعلق بها، توثق الفرد بدورة التجسدات الجهنمية. أما في رأي (سقراط)، فالجهل هو علة كل الشرور؛ علة الخطأ، الظلم، الخبث والحياة الفاسقة، أي علة كل  شيء يسيء إلى الآخرين، وبخاصة إلى الإنسان نفسه. فالناس بجهلهم إجمالاً، يلحقون الأذى بأنفسهم. وبمعرفة أنفسهم وطبيعة الأشياء الحقيقية يتحررون من الرذيلة والشقاء. فمن توصل إلى معرفة الحق والعدل والخير لا يسعه إلا أن يكون إنساناً طيب القلب فاضلاً.

وجاءت رسالة (المسيح) متناغمة مع رسالتي (سقراط) و(بوذا)، وهو الذي وعد مستمعيه قائلاً: “إن ثبتم في كلامي، كنتم تلاميذي حقاً تعرفون الحق، والحق يحرركم”. وأضاف: “كل من يرتكب الخطيئة يكون عبداً للخطيئة”.

إذاً يتفق (بوذا) و(سقراط) و(يسوع) ليؤكدوا أن الإنسان لا يولد حراً بل يصبح كذلك عندما يخرج من الجهل، ويتعلم تميز الحق من الباطل، والخير من الشر، والعدل من الظلم، ويتعلم كذلك أن يعرف نفسه، ويتحكم بها، ويتصرف بحكمة ورحمة.

فريدريك لونوار، في فلسفة عدم التعلق

 

فريدريك لونوار

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يتطرق إلى فلسفة عدم التعلق بالأشياء، كطريقة لنيل حياة مثالية وسعيدة. ففي مقالة حملت عنوان “التعلق وعدم التعلق” يشرح بأسلوب بسيط كيف يكون ذلك، فيقول:

إن عدم التعلق بالأشياء هو إحدى الوسائل الأساسية لعيش “حياة سعيد“. فنحن يهمنا أن يكون لكل منا بيت نملكه، وأن نأكل كل يوم عند شعورنا بالجوع. أما في ما يختص بالأمور الأخرى، فإن السعادة والشقاء يتوقفان أساساً على عوامل أخرى هي: الحب، الحرية، الصحة، ضبط الذات. لذا يتوجب علينا أن نستقبل الحياة كما تعرض علينا وبما تنطوي من يسر وعسر.

فنرضى بفتراتها السعيدة التي ننعم أثناءها أحياناً بمتع نحن بغنى عنها. وبفتراتها الأصعب كذلك التي نقدرها من أجل التنعم بمتع أشد عمقاً. يتراءى لي أن الفلسفة البوذية التي تعتبر كل شيء خاضعاً للتحول والتغير والحركة الدائمة هي عين الصواب . إنها تؤسس لفلسفة “عدم التعلق“: علينا ألا نتعلق بما هو غير ثابت.

إذ بإمكاننا أن نتمتع يوماً بصحة جيدة، وفي اليوم التالي بصحة سيئة، أن نكون أغنياء يوماً، وفقراء في الغد، ولا أحد يسعه أن يضمن ثبات مراتب الشرف والثروة. ثم إن فلسفة عدم التعلق البوذية نجدها في فلسفات العصور القديمة الرئيسة، كما رأينا ذلك في الفصول السابقة التي ذكرت فيها الأبيقوريين والرواقيين، ونجدها كذلك في تعاليم جميع الأديان الكبرى التي لا تشجب المادة أو الملذات الحسية، بل تشجب التعلق بالماديات والمال.

يتحدث بعد ذلك عن المسافة بين التعلق والازدراء، فيقول:

إن عدم التعلق فلسفة لا تحض على التقشف ولا تستوجب ازدراء الماديات، بل تكتفي ببساطة برفض التعلق بها. فمن الطبيعي أن يشعر المرء بالمتعة إن توافرت له حياة مادية رخية، وكان له بيت، وكمبيوتر وسيارة يعملان على أفضل وجه، وإن أتيح له السفر في أوقات لفراغ. المهم هو البقاء في حال من اليقظة وعدم الاستسلام لمغريات التعلق بكل هذه الأمور التي تحت تصرفنا، والتي ينبغي، إذا ما خسرناها، ألا توقعنا في الحزن والأسى، ولا تهز نفوسنا. فنحن لسنا عبيداً لها .. لكننا ملزمون مع ذلك باحترامها، إذ ليس من العدل في شيء، أن نترك منازلنا تتداعى، ونملك بستاناً ولا نعنى باستصلاح أرضه. فاحتقار الماديات، وهو عمل يرثى له، مرتبط في الغالب باحتقار الجسد. هذا ولا يعني عدم التعلق بالأمور الفانية كراهية الجسد أو ازدراءه وازدراء ما يمت بصله إلى المادة، كما هي الحال أحياناً في بعض التيارات الدينية التقشفية. وحب المرء لجسده، على ما قلت آنفاً، والعناية به بشكل صحيح يعتبر من صميم الحياة الروحية ويسهم في ازدهارها. كذلك حب البيئة التي نعيش فيها وتخصيص قليل من الوقت بغية تحسينها وتجميلها يشكل إجراء مماثلاً، لذلك، أكرر، أن نحافظ على المسافة الضرورية كي لا نصبح عبيد أجسادنا وأهوائنا ومساكننا.

لكن الكاتب لا يوافق فلسفة عدم التعلق بالماديات البوذية في امتدادها إلى الأشخاص، فيقول:

فـ(بوذا) يوصي في الواقع بعدم التعلق بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، بمن فيهم الذين هم أقرب إلينا؛ كوالدينا، وزوجاتنا وأبنائنا. هؤلاء أيضاً، يقول (بوذا)، خاضعون، على غرار الكون بأكمله، لقانون عدم الثبات: إنهم سيرحلون ذات يوم، وسينفصلون عنا، ونحن سنتألم من جراء ذاك.

ثم يعقّب (فريدريك لونوار) على رأي (بوذا)، فيقول:

(بوذا) على حق تماماً؛ إذا شئنا تجنب كل أنواع الألم يجدر بنا ألا نتعلق أبداً بأي إنسان كان. ولكن ماذا يحل آنذاك بتجربة الحب، والصداقة اللذين يعتبران شرطاً لاكتمالنا؟ إن انعدام الحب، عطاًء ونيلاً، يجفف النفس. والحال أني لا أعتقد بأن في إمكاننا أن نحب من دون تعلق. ليتنا نستطيع أن نحب ونظل لا مبالين إذا مات الشخص الذي نحب.

بينما تحاول الفلسفة البوذية عدم التعلق بالأشخاص تجنباً لألم فقدانهم يرى الكاتب أن الألم جز طبيعي من الحياة:

فالحياة تقتضي وجع فقدان أشخاص محبوبين. وينبغي قبول ذلك. إن التمزق الناجم عن القطيعة أو الحداد هو الثمن الواجب دفعه للحب. إنه ثمن باهظ، ولكن يبدو لي من الضروري قبوله بوعي تام لنعيش الحياة بصورة كاملة.