أرشيف الوسم: فلسطين

في الشعر، ما يشمله وما يبقى خارجه. ولماذا ينظُم محمود درويش؟

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر (درويش) يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. ويظهر ذلك جليًا في وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (أنا الموقع أدناه)، وهو لقاء صحفي مع الشاعر قامت به الصحفية (إيفانا مرشليان)، ونُشر بعد وفاة الشاعر بعدة سنوات كما أوصاها حين خابرها، من الأردن، في ربيع 2008، متمنّياً عليها: «أعلني عن الأوراق، بعد 5 سنين على الأقل، وأنشريها لتكن هديتي ومفاجأتي، على يدكِ… أنا الموقّع أدناه محمود درويش».

سألت الصحفيّة: “أستاذ محمود، لماذا الشعر؟ وماذا يبقى منك خارجه؟”. فكان جواب (درويش):

لماذا الشعر؟ لأني أستطيع أن أقول فيه وأن أفعل فيه ما لا أستطيع قوله أو فعله خارج الشعر.

فلو فعلنا وقلنا خارج الشعر ما نفعل ونقول داخله، لبدا الشعراء عصابة من المجرمين والمجانين.

تصوّري لو أنني مشيت عاريًا في الشارع، أو تصوّريني أقول لجرسون المقهى: “أعطني فنجانًا من القهوة تزغرد فيه مياه المزاريب”!

لا أستطيع في القصيدة إلا أن أكون حرًا. ولا أستطيع أن أكون حرًا إلا إذا كنت عاريًا تمامًا من الأقنعة، ومن الأهداف، ومن التقاليد، ومن الحرية ذاتها.

أما ما يبقى مني خارج الشعر فهو: القناع، والهدف، والموروث، وشرط الحرية.

وقد يكون ذلك أفضل.

يكمل محمود درويش بعد ذلك، فيقول:

ولكن اسمعي هذه النصيحة من إنسان يدخل إلى الشعر ويخرج منه: إن بعض الأسئلة المهووسة بالمفارقة، كسؤالك هذا – وهو سؤال جميل لأنه يريد أن يؤسس التناقض، أو التعارض، بين داخل الشاعر وخارجه.

ولكن، علينا أن نتذكر دائمًا أو أحيانًا كما تشائين، أنه لا وجود للداخل من دون الخارج. ليس لي ما أجده داخل الشعر إذا لم أكن ممتلئًا بالخارج، بالواقع، بالناس، بالتاريخ، بالطبيعة وغيرها.

وللداخل أن يركب كيمياء داخله الخاص والسري، بطريقته التي نفهم آلية عملها، مع العناصر القادمة من الخارج والمكوّنة أيضًا لعلاقة الداخل بها.

أما كيف يتجلّى الداخل داخلًا مستقلًا عن عناصر تكوينه الخارجية، فتلك إحدى أسرار خصوصية كل واحد منا. من الطبيعي أن يخرج الداخل بعالمه الخاص – قصيدته – إلى الخارج مختلفًا عنه. ولكنه لو لم يكن منه اختلف عنه. وليس في وسع الشاعر أن يكون شاعرًا دائمًا.

إن ما يتبقى منا خارج الشعر هو قابليتنا المتوترة لتحويل الخارج إلى مادة يهضمها الداخل، أي إلى تحويل الواقع اللاشعري إلى حالة شعرية.

خطاب محمود درويش لدى عودته إلى المدرسة بعد ٤٠ عامًا

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (حيرة العائد) تم نشر كلمات ألقاها (درويش) في احتفال خاص في مدرسة (كفر ياسيف)، والتي درس فيها الشاعر، في مدينة (الجليل) الفلسطينية. يقول:

أرجو أن تأذنوا لي بالتعبير عن حيرة عاطفية، فليس سهلًا على المرء، حتى لو كان شاعرًا ضالًا، أن يجد نفسه بين أهله دفعة واحدة، دون أن يضطرب. فالسعادة المفاجئة هي أخت الحَرَج. وأنا سعيدٌ ومُحرج؛ سعيد لأني الآن معكم، هنا في (الجليل) الجميل، مُبتدأ الكلام وخَبره. ومُحرج لأني لا أقوى على النظر في ماضيَّ الذي يوبخني قليلًا؛ أين كنت؟ دون أن تغرورق اللغة بدمعها السري.

كأني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي. أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخُ السخريةَ بثمن أقل من الرحيل؟

مر أربعون عامًا، منذ زودّني هذا المكان الأجمل بعُدّة السفر الطويل على طرق لم يكن واضحًا منها إلا أولها. أما آخرها، فتلك أمنية تتقاذفها مغامرة الحياة وسِجال العلاقة بين الخطوة والطريق. لكن إغواء الشِّعر فينا يحث السائر الحالم على ابتكار جهاته، بذكاء القلب وطيشه، متوهمًا أن طريقه هي خطاه، وأن الطريق المعبّد ليس طريق الحالمين.

وكأني أحلم بأنني أرى في الحلم أنني أفيق من حلمي. وحين أعود الآن إلى هذا المكان زائرًا، أتساءل: هل يزور المرء نفسه؟ ولا أعرف إن كانت لغتي التي تعلمت الكتابة بها هنا، ما زالت صالحة للتعبير عن رموز لا تجد مجالها الحيوي إلا في الرحلة، من فرط ما أدمنت الحضور في الغياب، ولا أعرف أيضًا إن كان في وسع لغتي أن تألف مرجعيتها الأولى، منذ حوّلت المسافة الماكرة كل حجر هنا إلى طائر هناك. وهل أستطيع أن أعيد الصورة الشعرية إلى عناصرها الأولى، بطريقة لا تمدح المنفى إلا على دوره في رفع العادي إلى المقدس؟

لعل هذا هو امتحاني في ثنائية البيت والطريق. أما البيت، فلا يليق به إلا المعنى الخالي من البلاغة. ولكن، هل عدت حقًا؟ وهل عاد أحد إلا مجازًا؟ سأجد صعوبة بالغة إن حاولت الإمساك بأولى المفردات، للتأكد من صحة مكانتها في السياق، فقد اختلط الواقعي بالأسطوري، والتبس البعيد على القريب. بيد أن النهر ليس هو الينبوع.

من هذا المكان الجليلي، وُلدت من لغتي تدريجيًا، ولم أكمل ولادتي بعد، فلا فرد يستطيع الإطمئنان إلى جوابه الشخصي عن سؤال كان جماعيًا منذ البداية، منذ مأساة الاقتلاع الكبير … إلى ملهاة سلام لا يعتمد إلا موازين القوى مرجعيّة وحيدة. فماذا تفعل اللغة أكثر من الدفاع عن ثقافتها، عن ذاكرة جماعية ومكان مكسور، وهوية؛ وعن عناد الأمل المُحاصر بالقنوط والتشكيك. فما من شيء غير الخيال بقادر على إعادة تركيب الزمن المنكسر، أما الواقع، هو كالتاريخ، من صُنع البشر القادرين على وضع الزمان في المكان الصحيح.

كان هذا المكان كبيرًا عليَّ حين كنت صغيرًا فيه. كان مَعلَمًا ومُعلّمًا. فمنه أخذتني الحياة إلى أسئلتي الأولى، وإلى اختباراتي الأولى. منه أُخذت إلى زنزانتي الأولى .. إلى امتحان حريتي الأول. ومنه ذهبت إلى قصائدي الأولى التي أخذتني، ومازالت، إلى عذاب غربة لا شفاء منها، مهما اطمأن الشعر إلى قدرته على تثبيت المكان في اللغة، وإلى تشييد منطقة حُرة في أعالي الكلام.

من هنا، من (كفر ياسيف) من الجليل، بدأ أول الطريق إلى وضع الهاجس الشخصي والسؤال الذاتي في مكانه من السؤال العام، واتضح الوعي الأول بالتلاحم التلقائي بين الذاكرة الجَمعيّة والذكرى الشخصية، حين كانت هذه القرية/البلدة تحمل من الإشارات والمعاني أكثر من مساحتها الجغرافية. فلم نتعلم من المدرسة بقدر ما تعلمنا من محيطها، من الصراع الملتبس الاسم على هوية المكان وعلى هوية الكائن، من غاب منه ومن حضر. ومن وقف، مثلي، بين المنزلتين حاضرًا غائبًا. ولعل أحد لم يُسأل كما سُئِل كل واحد منا: من أنت؟

لم يكن الجواب في حاجة إلى تعقيد؛ أنا ابن هذه الأرض وابن تاريخها، لولا إلحاح الاقتلاع المدجج بالسلاح وبالأسطورة على الزج بنا في معركة الصراع على شرعية الوجود، وجودنا. إذ كان يقترح علينا تبنّي رواية تاريخ آخر، يبدأ من الأسطورة ولا ينتهي إلا بتفريغ التاريخ من محتوياته ومنا. وإذ، لم يكن لتاريخ هذه الأرض من عَمَل إلا انتظار امتلائها بأمس الآخر الأبدي.

لم يكن ذلك يعني صراعًا على الحاضر وحده، بل على الماضي أيضًا، إذ لم يكن وجودنا هنا، إذًا، إلا احتلالًا! ولم يكن الموجود فينا أكثر من شبح زائر يقتضي تنظيف الأرض منه ارتكاب بعض المجازر بحق البعض، ووضع بقية الشبح في شاحنات الترحيل. أما الناجون من المذبحة ومن الشاحنة، الصامدون الذين آثروا الموت على الرحيل، فسيصارعون طويلًا  من أجل الحصول على إقامة دائمة في هامش المواطنة، وعلى مساواة شكلية في حق الاقتراع على دين الدولة اليهودية. وهكذا لن تتمكن واحة الديموقراطية الغربية من إرجاء البوح بنزعتها العرقية، منذ البداية.

لم ينس أحد قصته، لا ماضيه ولا حاضره. ولم نكن في حاجة إلى انتظار المؤرخين الجدد، لنحمّل الدولة الإسرائيلية المسؤولية عن الظلم التاريخي الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني، دون أن تعترف أو تعتذر، لتحسين مناخ السلام، على الأقل. لم ينسَ أحد قصته، فما زال الدفاع عن حقوق المواطنة مرتبطًا بالدفاع عن حق العودة. ومازال اللاجئون في بلادهم لاجئين في بلادهم، وفي منأى عن أي تفاوض خارجي أو داخلي. فالمواطنة ليست بديلًا أو تعديلًا عن حقوق المواطنين، ولا حلًا لمشكلة اللاجئين في بلادهم.

إن للأقلية القومية ذاكرة جماعية، لها تداعياتها ومطالبها الثقافية والحقوقية والسياسية، ودورها في وعي ذاتها، وفي تحديد سياسة الدولة تجاهها، وتجاه قضية شعبها التي لن تتشظى هويته الوطنية إلى هويات مبعثرة ومتنافرة، مهما ابتعدت مسيرة السلام أو اقتربت من جوهر السلام.

وفي هذا المكان الذي درّبني على الربط بين المسألة الديموقراطية والمسألة القومية من جهة، وعلى التمهل في البحث عن حل نظري أو عملي للتوتر القائم بين الجنسية والهوية، من أجل ترجيح سؤال البقاء في الوطن على أي سؤال آخر، من جهة ثانية، أشعر بخشية خفيفة وخفيّة من تداعيات الانقلابات الدولية والإقليمية على طريقتنا في محاكمة تجربتنا السابقة بمعايير الآن الضاغطة، وخارج سياقها التاريخي، فصواب فكرة ما، كفكرة العدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في التحرر، وحقوق الإنسان، لا يُقاس دائمًا بنجاحها الآني، ولن تصبح أفكارًا بالية لأن أداة تطبيقها قد فشلت هنا أو هناك. لذا، لا يحق لأحد بأن يطالبنا بالاعتذار عن الإيمان بمثل هذه القيم الإنسانية الخالدة. ولا يحق لأصحاب الخيار الصهيوني بأن يطالبونا بتقويمهم على أنهم كانوا مستقبليين بعيدي النظر، لا لشيء، إلا لأن المشروع الصهيوني نجح في احتلال المزيد من الأراضي العربية، واستطاع أن يجد منصب سفير إسرائيلي شاغرًا في موريتانيا.

لكن شعوري بالعنفوان هنا أقوى من شعوري بالقنوط، وبالخشية من سقوط المعنى في البراغماتية المبتذلة السائدة. فإن ملحمة الصمود الطويلة على هذه الأرض كانت أحد العوامل الرئيسية التي لم تأذن للخرافة الصهيونية الكبرى أرض بلا شعب بأن تعمّر طويلًا. وفي هذا الصمود اليومي البطولي حافظ شعبنا، هنا، على وحدة مكونات هويته القومية والثقافية على أرضه، وعلى إبقاء ملف القضية الوطنية الفلسطينية مفتوحًا، كما حرم المشروع الإسرائيلي من تحقق حلمه بإقامة دولة طاهرة العرق على حساب تطهير الأرض من شعبها الأصلي. وهكذا لم يسلَم المشروع من بذور ثنائية القومية، الأمر الذي يعرض تجاهله الديموقراطية إلى امتحان يومي، كما تعرض الديموقراطية الحرص على طهارة الدولة اليهودية، وغير اليهودية ديموغرافيًا، إلى امتحان آخر. لذا، لا يسلَم أحد، حتى المنتصر، من سؤال الهوية المتوتر. فإما التحصن في القلعة حرصًا على نقاء الهوية، وإما الخروج إلى الأفق حرصًا على الحياة في المستقبل، حتى لو كان أحد شروطها انفتاح الذات على الآخر، واختلاط الهوية في ما ليس منها. فإذا كان من الطبيعي أن تخشى الناس من الحروب، فإنه ليس مألوفًا ولا طبيعيًا أن يتحدث أحد عن خطر السلام!

لستُ هنا لأذكّر أحدًا بقصته. بل لنتذكر جميعًا حكايتنا الجماعية .. أيام كان الطريق أصعب وأوضح. أيام لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى هذا البلد، ولم يكن الحكم العسكري المباشر قد رفع قبضته الفولاذية عن أحد، ولم يسلَم المدرّسون ولا الطلبة من المُلاحقة. أيام لم تكن الوطنية، ولا عكسها، مجرد وجهة نظر. أيام لم نجد كتبًا كافية للتعلم. أيام كان (حاييم نحمان بياليك) يطرد (أبا الطيب المتنبي)، و(أحاد هعام) يطرد (ابن خلدون) من برامج التعليم. أيام كانت (بياعر بحديرة) ضرورية أكثر من جحيم (دانتي). وأيام كان “يوم الاستقلال” هو المناسبة الوحيدة لزيارة أنقاضنا بلا عقاب. ذكرى تذكِّر بنقيضها. أيام كنا صغار السن كبار النفوس والمحن. أيام لم نعرف من هو المسيحي فينا ومن هو المسلم. لم تعتَدِ الكنيسة على الجامع، ولم يستفز الجامع الكنيسة. أيام كان الدين لله والوطن للجميع. وأيام لم نتذكر من سيرة (صلاح الدين الأيوبي) إلا تحريره بلاد الشام والقدس من الصليبيين، ولم يكن في سيرته ما يصلح لإشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين.

في تلك الأيام، دلّتنا (كفر ياسيف) على بوصلة الشمال، على أول الوعي، وعلى أول الطريق، وعلى أولى الخطوات. على السجن الأول، وعلى حرياتنا الصغيرة، وعلى طموحاتنا الأولى وخياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة.

هل مرّ أربعون عامًا حقًا دون أن أنتبه إلى ما فعل بي الزمن. لا أحد يعود إلى مرآته الأولى إلا ليهرب من ذاته الأولى إلى ذاته الثانية. أو ليقفز من وجهه إلى قلبه، ومن قلبه إلى ماضيه. لكن الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة، بل لزيارة ضرورية، نُحاكم خلالها أفعالنا، ونجسّ ما في الزمن من تاريخ، ونسأل: هل كنّا جديرين بأحلامنا الأولى، وأوفياء لأرضنا الأولى؟ أما أنا، فلعلي لا أستطيع الإجابة، ولكني أحيل الأسئلة كلها إلى هويتي الشخصية الوحيدة؛ قصيدتي. أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. وفي الشعر.

وهكذا أجد نفسي هنا. لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازًا. ولم أعد إلا مجازًا.

البراجماتيّة الأمريكية و البراجماتيّة التلموديّة عند المسيري

عبدالوهاب المسيري

عبدالوهاب المسيري (1938-2008) هو مفكر وعالم اجتماع مصري، في كتابه (الفردوس الأرضي) و الذي نُشر مرة واحدة عام 1978م في بيروت و لم يُنشر ثانية، برغم أهميته الفائقة في إلقاء الضوء على مرحلة فارقة في حياة مؤلّفه العلاّمة, وتطوّره الفكري.

يقول موطّداً لأوجه التشابه بين الوجدان الأمريكي و الصهيوني و تطابقهما – على الرّغم من أن الحضارة الأمريكية لايزيد عمرها على بضعة قرون, بينما تتباهى الحضارة اليهودية الإسرائيلية بتاريخ قديم قِدم الإنسان – بقوله:

ولعلّ أهم أوجه التّشابه بين الوجدانين أنّ كليهما يرفض التاريخ بعناد و إصرار، أو على الأقل يحوّله إلى أسطورة متناهية في البساطة. و قد بدأ التاريخ الأمريكي حينما استقلّ البيوريتانيون سفنهم و هاجروا من أوروبّا إلى العالم الجديد أو أرض الميعاد؛ هرباً من المشاكل التي أثارها التاريخ الأوروبي. و البيوريتانيون أو التطهيريون هم لفيف من البروتستانت المتطرفين، الذين وجدوا من العسير عليهم البقاء داخل الكنيسة الإنكليزية لأنها – حسب تصوّرهم – لم تبتعد بما فيه الكفاية عن النمط الكاثوليكي في العبادة بما فيه من طقوس و تماثيل و زخارف؛ و طالبوا بتطهير العبادة المسحية من كل هذه العناصر الدخيلة التي لم يأتِ لها ذكرٌ في العهدين القديم و الجديد.

إن العودة للبساطة الأولى للتطهيريين، الذين حاولوا تشييد مدينتهم الفاضلة أو -صهيون الجديدة كماكانوا يسمونها- حسب المثل و القواعد التي وضعها و طبّقها المسيحيون الأُول ( ولمَ لا؛ أليسوا هم النخبة الصالحة التي ورثت رؤى العهد القديم و الجديد؟ ). ولذا يُمكننا القول إن الوجدان البيوريتاني يرفض التاريخ المسيحي كله، بل يرفض أية رؤية تاريخية على الإطلاق؛ لأن العودة إلى البساطة الأولى ( وهي نقطة سكون ميتافيزيقية غير متطورة أو متغيّرة ) تصبح واجب كل فرد في كل زمان و مكان.

يتجلّى أثر هذا التصوّر البيوريتاني في الأعمال الأدبية و الفنيّة الأمريكية و ذكر منها: قصائد إيميلي
ديكنسون و أشعار والت ويتمان.

و في مقابل الرفض البيوريتاني الأمريكي، الرفض الصهيوني الإسرائيلي للتاريخ اليهودي في الدياسبورا ( الشتات ).

يُوضّح ذلك بقوله:

فالصّهاينة يرون أن الوجود اليهودي في أي حضارة غير يهودية ظاهرة شاذة و علامة على المرض الروحي؛ ولذلك فهم أيضاً يعودون إلى ” البساطة الأولى ” أيام كان اليهود يعيشون ككيان قوميّ مستقل فريد لم تدخل عليه الشوائب ( التاريخية ) المختلفة؛ غير اليهودية. و الصّهاينة يرون أن التاريخ اليهودي يؤدي إلى النهاية الإسرائيلية السعيدة و في الفردوس اليهودي الجديد يحمل كل المواطنين أسماء عبرانية لها رنين خاص ( على عكس يهود الحركة الإصلاحية في أوروبا؛ الذين تخلوا عن أسمائهم العبرانيّة و سموا أنفسهم بأسماء أوروبية لا تميّزهم عن الشعوب التي ينتمون إليها).

يُلخّص هذا التشابه بقوله:

إن أسطورة العالم الجديد الذي يتحلّى بالبساطة و البراءة، و الذي هو أقرب إلى الفردوس الأرضي؛ تُسيطر على الوجدانين الأمريكي و الصهيوني.

و أمّا عن فهم المدينة الفاضلة فلم يختلف فهم البيوريتان عن فهم الصّهاينة لإسرائيل؛ فهم كانوا مقتنعين تمام الاقتناع أنهم هاجروا من أوروبا للعالم الجديد ليُنشئوا ” مدينة على التلّ ” تنظر إليها كل الأمم و تحاكي أفعالها، وبذا يعمّ الخير و يأتي الخلاص. و المفهوم البيوريتاني للتاريخ مفهوم ديني ضيّق، يرى في كل شيء علامةً مرسلة من الله يستشهد بها على شيءٍ مّا. و كما هو الحال مع الإسرائيليين، نجد أن البوريتانيين استخدموا هه ” العلامات” الربّانية لتبرير كل أعمالهم العدوانيّة، من إبادة للهنود الحمر و احتلال لأراضي الغير. وقد استمر هذا التزاوج بين الأحلام الدينيّة و الأحلام القوميّة التوسّعية الأمريكيّة حتى القرن التاسع عشر, فوالت ويتمان كان يؤمن بالفتوحات التوسّعية (في المكسيك و غيرها) بنفس إيمان المسيحي بـ : السر الإلهي على حد قوله، كما كان يحلم بأمريكا العظمى التي تمتد من كندا و من القطب إلى خط الاستواء, وكان يسمي هذا بـ “الرؤيا العذبة“.
أما أوسوليفان المفكر الأمريكي التوسّعي. فقد كان يسمّي هذا التوسّع بـ “القدر الجليّ“، وهو قدر لأنه مكتوب على الأمريكيين أصحاب الرسالة الخالدة، وهو جليٌّ لأنه واضح للعيان ولا جدل فيه.

و عقليّة الريادة تُسيطر على كلٍ من الصّهاينة و الأمريكيين؛ فالبوريتانيون “اكتشفوا” أمريكا ثم انتشروا فيها عن طريق إنشاء مستعمرات ذات طابع زراعي عسكري. و المستوطنون الصّهاينة هم الآخرون “اكتشفوا” فلسطين واحتلّوها بنفس الطريقة.
وعقليّة الرائد عقلية عملية تفضّل الفعل على الفكر, و النتائج العملية على الاعتبارات الخلقية.

و لعلّ وجه الشبه الرئيسي بين الوجدانين الأمريكي و الصهيوني الإسرائيلي هو العنف العصري، فرفض التاريخ نتج عنه تعامٍ عن الواقع وتجاهل لكل تفاصيله.
ولذلك وقع البيوريتانيون والصهاينة في تناقضات رؤياهم المثالية القبيحة، رؤيا عالم جديد بريءٍ لا يمكن أن يُشيّد إلا عن طريق العنف و الإبادة، إبادة الهنود الحمر و الفلسطينيين؛ الفردوس و الجحيم في آنٍ واحد.

و من أوجه التشابه الرئيسية بين المجتمعين الإسرائيلي و الأمريكي؛ أنّ كليهما مجتمع استيطاني يتكوّن من المهاجرين الذين عليهم أن يطرحوا عن أنفسهم هويّتهم القديمة، ليكتسبوا هويّة قوميّة جديدة بمجرد وصولهم إلى نيويورك أو حيفا.
و اكتساب الهوية الجديدة هو مشكلة المشاكل بالنسبة لكل المجتمعات الاستيطانية الرافضة للتاريخ و التراث، و التي تُفبرك “تراثاُ جديداً” يدور حول أسطورة بسيطة يؤمن بها “الإنسان الجديد” .
فأمريكا استحدثت أسطورة “آدم الديمقراطي الجديد”، الذي يأتي إلى الأرض أو الجنة العذراء ليقيم فيها، ويستلهم كل مافي التراث العالمي من إيجابيات و ينفتح على كل الحضارات اليهودية الخالصة، والذي يهاجر إلى أرض الميعاد اليهوديّة ليحارب غي جيش يهوديّ، و يزرع في حقل يهودي، ويقرأ في كتاب يهودي ( وربما يحب على الطريقة اليهودية و يقتل بالطريقة نفسها ).

 

و على المستوى الإعلامي يُؤكّد المسيري على ضرورة فهمنا للعلاقة المشتركة بين المجتمعين بقوله:

يجب أن نضع في اعتبارنا أنه من اليسير على الشعب الأمريكي فهم العقلية الإسرائيليّة و التعاطف مع الشعب الإسرائيلي و قيَمه اللاأخلاقية من عنصرية و عنف، نظراً للتشابه بين وجدان الشعبين. و هذه النتيجة ليست فيها أيّة دعوة لليأس، و إنما هي مجرّد تعرّف على عنصر موجود بالفعل إن لم نعترف به هزمنا و أُفشلت خططنا. أما اعترافنا به فيساعدنا على معرفة حدود و مدى أي حملة إعلامية نقوم بها.
إن الشّعب الأمريكي وقادته الذي تسيطر عليهم عقلية الرائد و الكاوبوي؛ لايفهمون سوى منطق القوّة ولايعترفون إلا بالنتائج العمليّة المباشرة لذلك فالإعلام الذي لاتسنده قوة أو وضع قائمٌ بالفعل ماهو إلا دعوة للأخلاق الحميدة لن يُنصت لها إلا ذوو النوايا الطيبة و حتى هؤلاء سينسونها و ينسوننا بعد دقائق.

من أحجار داوود إلى دبابات جليات، يكتب ساراماغو

خوزيه ساراماغو (1922-2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب (عام 1995) وأيضًا كاتب أدبي ومسرحي وصحفي. يمكن اعتبار بعض مؤلفاته أمثولات، تستعرض عادة أحداثًا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. من أبرز رواياته وأشهرها رواية (العمى) التي نُشرت في عام 1995.

في مجلة الكرمل، العدد ٧٢/٧٣ عام ٢٠٠٢، ترجمت الأستاذة (سهير عصفور) مقالة للروائي البرتغالي، بعنوان “من أحجار داوود إلى دبابات جليات”، تحدث فيها عن القضية الفلسطينية، يقول فيها:

تؤكد بعض السلطات الدينية المعنية بالشؤون الإنجيلية أن سفر صموئيل الأول كتب في عهد سليمان أو بعده مباشرة، أي قبل السبي البابلي الشهير، بينما يؤكد فريق آخر من الباريسيين الذين ليسوا أقل كفاية أن سفر صموئيل الأول والثاني أيضاً كتبا بعد النفي إلى بابل، وإن البناء التاريخي والسياسي والديني للنصين يخضع لطريقة تقسيم الأحداث نفسها في سفر التثنية، من حيث التتابع والتسلسل: تحالف الله مع شعبه، خيانة هذا الشعب، عقاب الله، توسلاتهم ثم أخيراً عفو الله عنهم.

إذا كان النص المبجل ينتمي إلى عهد سليمان فيمكننا القول إنه مر عليه قرابة ثلاثة آلاف عام. وإذا كان من قاموا بتحرير هذا النص فرغوا منه بعد عودة اليهود من المنفى، فعلينا أن ننقص خمسمائة عام تقريباً من الثلاثة آلاف عام. إن هذا الاهتمام الشديد بتحري الدقة في تحديد التاريخ والزمن هدفه الأوحد هو لفت نظر القارئ إلي أن الحكاية الدينية الشهيرة التي تحكى عن المعركة بين الراعي داوود والعملاق الفلسطيني جليات-والتي انتهت قبل أن تبدأ- تروى للأطفال في شكل خاطئ من خمس وعشرين أو ثلاثين قرناً على الأقل. فعلى مر العصور أخذت الأجزاء المهمة في القصة، تتطور بما يتوافق مع الرؤية غير التحليلية لأكثر من مئة جيل من المؤمنين / المستعمرين من اليهود والمسيحين، وياللتزييف المضلل عن التباين القاسي بين حجم العملاق جليات الذي يصل طوله إلى أربعة أمتار والتركيبة الجسدية الهزيلة لداوود الأشقر الضعيف. لكن هذا التباين المفزع يتم تعويضه، بل الإفادة منه لمصلحة داوود الإسرائيلي، وذلك لأنه فتى ذكي، بينما جليات مجرد كتلة غبية من اللحم.

كان الفتى ذكياً فعلاً حين أخذ معه، قبل ذهابه لمواجهة الفلسطيني، خمس قطع من الحجارة الملساء، وجدها على ضفة نهر صغير قريب، فوضعها في الخرج الذي يحمله، أما الآخر فكان شديد الغباء إلى درجة أنه لم يدرك أن داوود أتى مسلحاً بمسدس. بالطبع سيستاء عشاق الحقائق العظيمة، ويجيبون مستنكرين بأنه لم يكن مسدساً، وإنما مقلاعاً بسيطاً متواضعاً كالمقاليع التي كان يستخدمها خدام ابراهام لرعي القطيع في الزمان المنصرم.

إذا كان الإسرائيلي تمكن من قتل الفلسطيني وصنع النصر لجيش “الله الحي” وجيش صموئيل فإن هذا لم يتم لأنه أكثر فطنة وذكاء وإنما لأنه كان يحمل معه سلاحاً بعيد المدى، وكان يعلم كيف يستخدمه.

إن الحقيقة التاريخية البسيطة البعيدة من الخيال تخبرنا أن جليات لم يكن لديه الفرصة حتى ليضع يديه على داوود، أما الحقيقة الأسطورية الشهيرة، صانعة الأوهام، فتخدعنا منذ ثلاثين قرناً بهذه الرواية المبهرة التي تحكي انتصار الراعي الصغير على وحشية المحارب العملاق الذي لم يحمه في النهاية البرونز الثقيل المصنوعة منه درعه وخوذته. وأياً كانت العبرة التي نستطيع أن نخلص إليها من هذه القصة المسلسلة، فإن داوود في معاركه الكثيرة التالية التي جعلت منه ملكاً على يهود أورشليم، بل جعلت قوته تمتد إلى الضفة اليمنى من الفرات، لم يعد أبداً لاستخدام الخرج أو الحجارة. ففي السنوات الخمسين الأخرى نمت قوات داوود إلى درجة أنه أصبح من الصعب التمييز بينه وبين العملاق الشامخ جليات، بل نستطيع أن نجزم، من دون أن نسيء للوضوح المدهش للأحداث أن داوود تحول إلى جليات جديد ولكن جليات لا يسير محملاً بأسلحة مصنوعة من البروتز الثقيل ولا نفع لها.

إن داوود الزمان القديم ذلك يحلق الآن في طائرات الهليكوبتر فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويطلق الصواريخ على الأبرياء العزل، وداوود العصر المنصرم ذاك يقود أحدث دبابات العالم وأقواها، ويسحق ويفجر كل ما يعترض طريقه. داوود الملحمي ذاك، أعيد تجسيده الآن، في صورة مجرم حرب يدعى آرييل شارون يطلق في وجوهنا بكل تبجح رسالة «شعرية» دقيقة، مفادها أنه يجب القضاء على الفلسطينين أولاً، ثم التفاوض مع من يبقى منهم ثانياً!

إن هذه الفكرة تلخص تماماً الاسترتيجية السياسية لإسرائيل من ١٩٤٨ مع بعض التغييرات التكتيكية فقط في بعض الأحيان.

لقد تسممت عقولهم بتلك الفكرة التبشيرية عن إسرائيل العظمى، فتحول حلم التوسع في نشر الصهيونية المتطرفة إلى حقيقة. وهم ملوثون بهذا «اليقين» المفزع المتأصل فيهم، والذي يجعلهم يرون أنه في هذا العالم المفجع العبثي يوجد شعب مختار من الله، ولذا بالتالي فإن كل أفعال هذا الشعب مبررة ومسموح بها أوتوماتيكياً باسم أهوال الماضي ومخاوف اليوم، تلك الأفعال يحكمها في المقام الأول هاجس العنصرية والتعصب. فقد تربّى هذا الشعب وتشكّل على فكرة أن أي معاناة سببها أبناؤه أو يسببونها للآخرين، وتحديدًا الفلسطينين فإنها ستكون دائماً أقل كثيراً مما عانوه هم أنفسهم في الهولوكوست.

واليهود لايكفون عن نبش جرحهم بأنفسهم كي لايتوقف عن النزيف، وكي يجعلوه غير قابل للشفاء أبدًا، ويظلون يطلعون العالم عليه كما لو كان علمًا لدولتهم.

نصب الإسرائيليون أنفسهم ملاكًا لكلمات الرب القاسية في سفر التثنية: “لي النتقام والعقاب”. إسرائيل تريد أن تشعر جميعًا بالذنب تجاه الأهوال التي رآها اليهود في الهولوكوست. إسرائيل تريدنا أن نرفض الاحتكام إلى أدنى مستوى من المنطق والعقل إزاء أفعالها. وأن نتحول كلنا لتابع مطيع، سلس القيادة يخضع تماماً إلى إرادتها. إسرائيل تريدنا أن نصدق بالقبول على كل جرائمها التي أصبحت بالنسبة لها أمرًا واقعًا واجب النفاذ. إنها تريد الحصانة المطلقة.

ولايمكن أبدًا من وجهة نظر اليهود أن تخضع أفعال إسرائيل للعقل، وذلك بسبب أن أبناءها عذبوا، ووضعوا في غرف الغاز، و حرقوا في معسكر اعتقال أوشفيتز.

وإنني أتساءل لو أن اليهود الذين فقدوا حياتهم في مراكز التعذيب النازية تلك، وهولاء الذين ظلوا مطارين على مر عصور التاريخ، والذين انغلقوا على أنفسهم في إحياء “الغيتو” الفقيرة، ترى لو هذه الجموع الهائلة من البائسين رأت الأفعال الدامية التي يأتي بها أحفادها الآن، ألن يشعروا بالخزي والعار؟ أوليست المعاناة الشديدة هي دائمًا أقوى دافع كي لا نتسبب في معاناة الآخرين؟

انتقلت حجارة داوود إلى أياد أخرى. فالفلسطينيون هم الذين يلقونها الآن. وأصبح جُليات في الجانب الآخر، كما أصبح مسلحًا مجهزًا أفضل من أفضل الجنود في تاريخ الحروب أجمع. هذا بالطبع إلى جانب مساندة الصديق الأمريكي الوفي. ثم يتحدثون عن جرائم القتل الرهيبة للمدنيين اليهود! الجرائم التي يقوم بها من يسمونهم «الإرهابين الانتحارين» وهي جرائم رهيبة من دون شك، ومدانة من دون شك، لكن من المؤكد أن إسرائيل مازال لديها الكثير لتتعلمه إذا كانت غير قادرة على فهم الأسباب التي تحمل كائنًا بشريًا على أن يحول نفسه إلى قنبلة.

الجدير بالذكر، أن هذه المقالة، وغيرها من المقالات، قد تم نشرها مؤخرًا تحت اسم (المفكرة).