أرشيف الوسم: فلسفة العلوم

مسألة الحياة في بداية القرن الواحد والعشرين .. مقالة مطولة

ميشال مورنج، هو كاتب وفيلسوف فرنسي، من مواليد عام 1950م. له عدد من الكتب والأبحاث، من أشهرها كتابه (تاريخ الأحياء الجزئية) وكتاب (تفسير الحياة).

نشر (مورنج) مقالة مطولة، ننقلها لكم من اللغة الفرنسية إلى العربية، بشكل حصري، تحدث فيها (مورنج) عن الحياة في القرن الواحد والعشرين. كما نحب أن نشكر الأستاذ السيد (ويليام العطوة) على مساهمته في تدقيق ومراجعة هذه المقالة.

يفتتح (مورنج) مقالته، فيقول:

بعد أن اختفى لعشرات من السنين من كتابات علماء الأحياء، طُرِح سؤال “ما هي الحياة؟” من جديد، في المجلات العلمية كما في المنشورات المبسّطة.

لقد قمنا بتحليل الصلة بين اختفائه المؤقت وبين تطور البيولوجيا الجزيئية في عدة منشورات. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء؛ لم يكن غياب هذا السؤال إلاّ موجزًا طوال تاريخ علوم الحياة. هل هذا يعني أنه لا توجد طريقة جديدة لطرح هذا السؤال في يومنا هذا؟ وهل أن وضعه – وهو الّذي يحوم فوق رؤوس جميع علماء الأحياء الّذين يجب عليهم الرد إن كانوا لا يرغبون برؤية دورهم يختفي لصالح التخصصات أخرى – لم يتغيّر كثيرًا؟

في هذه المقالة؛ نود تقديم فرضية أخرى: يعود السؤال بطريقة جديدة كلّيًا، حيث سيخوض معنى الحياة مجال العقلانية لأول مرة، وسيواجه عواقب فلسفية خطيرة.


ثلاث مشكلات مرتبطة

عند تسليط الضوء على تساؤل: “ماهي الحياة؟” سيكون مبهمًا، ولكن من الضروري تسليط الضوء في آن واحد على سؤالين آخرين مرتبطين به “كيف نشأت الحياة؟”، “وهل بالإمكان تغيير الكائنات الحية وخلقها من جديد؟”

ترتبط المشاكل الثلاث ارتباطًا وثيقًا : إن الردّ على سؤال “ماهي الحياة؟” معناه أيضًا افتراض سيناريو منطقي لظهور الحياة أو التحكم بها أو حتى لخلقها من العدم. فلقد ارتبط الفهم والفعل  ارتباطا وثيقًا خلال التطور التاريخي لكافة العلوم.

ولكن أتعلق الأمر بمسألة الأصل أو بسؤال الفعل، فالفترة الحالية تميزت بفرادتها.. فهي ليست كتلك السناريوهات عن نشأة الحياة، والتجارب التي تهدف لإعادة خلقها من جديد أو على الأقل محاولة محاكاتها في المختبر التي لم تُقترح منذ قرن تقريباً مع أول اختبارات البيولوجيا التخليقية في بداية القرن العشرين والنماذج التي اقترحها أوبارين وهالدان في عام ١٩٢٠ م. ولكن فحص جميع الأبحاث التي أجريت في وقتنا الحالي حول أصل الحياة يعطي صورة جديدة تمامًا، على الرغم من أن هذا الحقل لا يزال يتميز بتنوع كبير في الأساليب والافتراضات التجريبية مع وجود تناقضات حادة، ولا يزال يترك مجالًا لافتراضات “بعيدة المنال” لن تكون مقبولة بالنسبة لفروع العلوم الأخرى، ومع ذلك تم تنظيمها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لقد تحول إلى مجال تخصصّي جديرٍ بالاحترام. أصبحت مسألة نشأة الحياة مسألة علمية من الممكن حلها، إن لم تكن سهلة المنال،  في وجود استثمار علمي كافي.

وعلى نفس المنوال؛ قام الإنسان بدوره بتغيير الكائن الحيّ، فقد قام باتخاذ خطوة جلية في تطوير الهندسة الوراثية، ولم تكن محض تنبؤات يطمح بها بشكل مبالغ بعض أنصار التعديل الجيني. إن التعديلات الجينية محفوفة بالمصاعب؛ كبعض مشاريع إنتاج نباتات تستطيع التقاط النتروجين مباشرة من الغلاف الجوي فهي مجرد أحلام حتى الآن. النباتات الوحيدة المعدلة وراثيًا والمتاحة هي النباتات المقاومة للمبيدات الحشرية وتعتبر تعديلات بسيطة جذًا بالنظر إلى بقية التطلعات. بالمقابل؛ أكثر الكائنات المعدلة وراثيًا هي البكتيريا لإنتاج مركبات مفيدة للصناعات الكيماوية والأدوية.

وبالرغم من ذلك؛ أصبح اليوم من الممكن تغيير الحياة أو على الأقل التحكم بها من خلال إجراء محدد؛ ويجب عدم الاستهانة بأي خطوة يتم إجراءها. إن عودة مصطلح البيولوجيا التركيبية بعد اضمحلاله منذ بداية القرن العشرين يعكس مدى الوعي بهذه الإمكانيات الحديثة كالعمل على الحياة إلى الوصول إلى خلق أشكال جديدة لها.

وبالتالي فإنه في نفس مقدار التفاؤل يجري البحث عن نشأة الحياة، كما العمل على البيولوجيا التركيبية. قد تكون هذه الثقة بالمستقبل محض أوهام وفقاعة قد تنفجر في السنوات القادمة. ولكننا لا نعتقد ذلك لأن ثورة الأبحاث حول نشأة الحياة والنهوض بتقنيات الهندسة تُظهر لنا تطورًا في العلوم – وفي فلسفة العلوم- وعناصر إيجابية تحدث تغييرًا لا رجعة فيه في مسألة الحياة في المجال العلمي؛ فالعقبات قد اختفت، و يسمح النهج العلمي، الأقل تكبّرًا، لغنى تعددية الإختصاصات بأن تعمل بشكل كامل، وهذا ما هو ضروري بالنسبة لسؤال كسؤال الحياة.


عقباتٌ ابيستيمولوجية وفلسفية تمّ تجاوزها

نحن لسنا بحاجة إلى مراجعة علوم الحياة منذ ظهورها في العصور القديمة لفهم التغيرات الحديثة فيها، يمكننا أن نكتفي بالعلوم التي ظهرت بعد ظهور العلم الحديث على يدي غاليليو وديكارت في القرون الأخيرة. تراوحت علوم الحياة في منتصف القرن السابع عشر، بجانب دورها في جدولة الأشكال الحية، بين اتجاهين متعارضين ومتصادمين كذلك، أحدهما الإنكار؛ كما فعل الطب الفيزيائي في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر الذي أنكر كل خصوصية للظواهر الحية و إختزال تعقّداتها بشكل فجّ إلى بعض الآليات الكيميائية الفيزيائية البسيطة، مع بعض النجاحات المحدودة،  والآخر الذي أثبت عدم قابليتها على الاختزال هذا من أجل أن يكون قادرًا على حصر دراسة الظواهر البيولوجية من خلال الأساليب الكيميائية الفيزيائية متى ما أثبتت انها مفيدة ، وتركت مسألة الحياة لميدان المعرفة العلمية إلى الأبد.

كان هذا موقف بعض الحيواتيين vitalistes  الفرنسيين مثل بوردينو . إنّ مبدأ الحياة المفترض وجوده وقتها لم يكن مختلفًا عن مبدأ الجاذبية الكونية كما عند نيوتن: “ما” يجب القبول به من أجل تفسير الظواهر الطبيعية.

قام علماء الأحياء الجزيئية في الستينيات باستكمال هذا الجهد دون حل أو تجاوز. وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن هناك أسرار للحياة ـ أو لم يعد هناك أسرار-  لأن جميع الظواهر التي لوحظت في العالم كانت نتيجة للنشاط الفيزيائي الكيميائي؛ وفي الوقت ذاته، تميزت الكائنات الحية عن غير الحية بالمعلومات الوراثية والشفرات الجينية التي تستخدمها. سمح لنا الاستخدام غير المبرر لمصطلح المعلومات الوراثية بالحفاظ على غموض معين حول “طبيعة” خصوصية الأحياء.

لا يبدو لنا ذلك تحوّلاً داخليًا في علم الأحياء بقدر كونه تطورًا فلسفيًا و ابيستيمولوجيًا وعلميًا أوسع نطاقًا مكّن من التغلب على العقبة السابقة وتجنب هذا الخيار المحبِط. اقتحمت فكرتان شيئًا فشيئًا العقول وحررت المبادئ العلمية؛ الأولى هي قبول ضرورة تعدد التفسيرات في العلوم والثانية هي فكرة أن شيئًا جديدًا يمكن أن يظهر في النظام الطبيعي يمكن وصفه بشكلٍ جيّد. إن كل منهما ستحتاجان وقتًا طويلًا لدراستها، وسنطرح هنا بعض المعايير الأساسية فقط لهذه الدراسات و نعود الى بعض الأبحاث المتخصصة.

وجدت التفسيرات المتعددة فرصة في مساحة من الحرية في فشل المشروع الفيزيائي المادي لحلقة فيينا. وأثبتت أن إعادة بناء العلم على أسس سليمة، أي مبادئ الفيزياء، أنه مشروع مستحيل. لكن هذا الانفتاح لمجال الحرية الفلسفية لم يكن بالتأكيد كافياً بل ظهور علوم جديدة ومستقلة جزئياً عن تلك التي سبقتها، والتي أثبتت مع ذلك أنها فعالة بشكل ملحوظ في “معالجة” موضوعاتها، هو ما كان من شأنه أن يمتلك تأثيرًا كبيرًا.

إن التخصصات مثل فيزياء الجوامد أو المعلوماتية نجت من الخنق المنهجي للتخصصات الموجودة من قبل. من خلال أدواتها وأساليبها الخاصة، استطاعت أن تضع بصمتها على المشهد العام للتخصصات العلمية دون القلق المفرط حول علاقتها وتوافقها مع غيرها من التخصصات المُقاربة. هذا التغيير في الساحة العلمية لم يكن سهلاً، فقد واجهت المعلوماتية، على سبيل المثال، صعوبة للاعتراف بها كعلم مستقل وليس مجرد فرع من الرياضيات التطبيقية.

من جانب علوم الحياة؛ أظهرت مقاومة النظرية التركيبية للتطور الحاجة للتفسيرات المتعددة بشكل أقل من علم البيئة بسبب التأثير المنتشر للبيولوجيا الجزيئية. إن مقاومة هذا التوحيد القسري لم يستمر بدون صعوبات، فلم يرَ علماء البيولوجيا الجزيئية وجودًا لهذه التخصصات الأخرى، ولم يمتلكوا أي فكرة – مختلفة – عن طبيعة التفسيرات التي اقترحتها. ومع ذلك كانت النتيجة: جنبًا الى جنب المقاربة الجزيئية الإختزالية ، نمت ، وتطوّرت بطريقة بارعة، تخصصاتٌ امتلكت مبادىءَ تفسيرية مختلفة تمامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي، اندلع الجدال بين الفلاسفة حول إمكانية توحيد العلوم أو عدمها، إذا كان أصل هذا النقاش بالتأكيد موجودًا في تطور داخلي لفلسفة العلم؛ فهو بالتأكيد ليس غريبًا على التطور الموازي للمشهد العلمي للتخصصات العلمية. إن الزعزعة التدريجية، من خلال عمل محللي العلوم، من  كارل بوبر حتى علماء الاجتماع، لأسس المعرفة العلمية، جعل بلا شك هذا القبول للتفسيرات المتعددة أسهل.

بالنسبة لغالبية العلماء – وعلى ما يبدو أيضًا الفلاسفة – ليس من الواضح ما إذا كان المشهد المجزأ الحالي للتخصصات العلمية هو مجرد حالة مؤقتة قبل توحيد قادم، أو حقيقة لا مفر منها ستستمر في إثبات نفسها، حتى انّها سوف تتفاقم. ومع ذلك، فإن طبيعة الإجابة على هذا السؤال لا تغير الموقف الحالي تجاه هذا التنوع التفسيري، يجب أن تهدف الجهود إلى الحد منه من خلال تمفصل هذه المخططات التوضيحية المختلفة، وليس السعي – على الأقل الآن – إلى نظرية توحيد وهمية. لقد حلّلنا كذلك الأسباب المعرفية والاجتماعية على حد سواء التي تفترض هذا الاعتقاد المشترك على نطاق واسع اليوم من قبل الباحثين في علوم الحياة. سواء كان هذا الربطُ – أم لا – هو الخطوة الأولى في عملية التوحيد لا يغير شيئًا ممّا هو الهدف اليوم في علوم الحياة، ولكن أيضًا في العديد من التخصصات الأخرى. أصبح من الواضح أن التفسير العالمي للظواهر الحية يتطلب التعبير عن ثلاثة مخططات تفسيرية مختلفة على الأقل: كيميائية فيزيائية (جزيئية) وتطورية وفيزيائية. ويعد هذا صحيحًا عندما يحاول المرء أن يصف المراحل التي كانت يجب أن تسمح بتكوين الحياة وهي: تفسير الكيمياء الفيزيائية للتكوين التلقائي للجزيئات الأولى والجزيئات الكبيرة تتبعها تفسيرات تستدعي التنظيم الذاتي لهذه المكوّنات، تليها عملية (داروينية) لاختيار الجزيئات الأولى و / أو المجموعات الجزيئية الأولى. يُستخدم التمفصل، المؤقت هذه المرة، بين نفس المبادئ التفسيرية الثلاثة من أجل شرحِ أصل الحياة .

الحاجز الابيستيمولوجي الثاني الذي “قفز” مؤخرًا هو استحالة تفسير نشأة الجِدّة nouveauté  في انموذج توضيحي. إن التاريخ الفلسفي لمفهوم الإنبثاق l’émergence  قديم ومعقد، ولكن، كما أسلفنا؛ نعتقد أن الحدث الرئيسي الذي منحه مكانة معترف بها في فلسفة الحديثة للعلوم هو المكان الموجود بشكل شبه طبيعي في بعض العلوم من الكيمياء الفيزيائية حتى فيزياء الجوامد. هذا التطبيع naturalisation  للإنبثاق جعل من الممكن تصور أن الأنظمة المعقدة يمكن أن تكتسب خصائص جديدة – مثل الحياة– من خلال تجاوز الحد في عدد وطبيعة العلاقات بين المكونات الأولية المختلفة. يبقى استخدام مفهوم الإنبثاق خارج التخصصات التي وجد فيها مكانًا علميًا معترفًا به مجازيًا. ولا يهم إن كانت الاستعارة قوية بما فيه الكفاية أو لا، و الإحالة إلى استخدامه العلمي واضحةً كفاية، بحيث يتم قبول احتمال القفزات النوعية في أداء النظام.

مع هذين التحوّلين الابيستيمولوجيين؛ يمكن لدراسة الأحياء أن تتطور ، بشكل تام، كظاهرة علمية. لم يحن الوقت للتنبؤ بما تمنحه عودة السؤال “ما هي الحياة؟ والتوسع السريع في البحث عن اصولها. ومع ذلك؛ سنكون على استعداد للمراهنة على أنّ ابتذال مقولة الإنبثاق في المجال العلمي، وقبول تعدد التفسيرات اللازمة للظواهر الحية؛ سوف يؤدّي إلى إدخال دراسة “سؤال” الحياة في فترة من التقدم المستمر، وهو ما يمنعه حتى اللحظة البحث عن تفسيرٍ “أوحد” للحياة.


كيف سيصبح التساؤل الفلسفي عن الحياة و  عن الوعي؟

دعونا نعترف بأننا على صواب، وأن مسألة الحياة أصبحت بالتأكيد مسألة علمية. تكون كذلك من خلال قطع الصلة بين الحياة والفكر الواعي والخيط الوحيد الذي ما زال يربطهما مرة أخرى هو ببساطة مقولة الإنبثاق. إن ظهور الوعي المفكِّر سيكون أيضًا ظاهرة منبثقة، ولكن من طبيعة متمايزة تمامًا. وستكون هذه القطيعة حدثًا جديدًا تمامًا. حتى بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية، التي اتهمت بأنها تسببت في “موت الحياة“، حافظت، بفضل مقولة المعلومة، على مقامٍ مشترك بين الحياة والفكر، وهو ما أظهر الفيلسوف جورج كانغيلهم ترسّخه في التقاليد الفلسفية. لا شيء من هذا القبيل في يومنا هذا، حيث فقدت مقولة المعلومة قوتها التوضيحية لصالح الآليات الكيميائية الفيزيائية. ماذا ستكون عواقب هذا القطيعة؟ وماهي المكانة التي سوف يتبوّأها فكرٌ فلسفيّ عن الحياة؟ سيكون ممكنًا تبني موقفين فلسفيين: التخلي النهائي عن سؤال الحياة لصالح العلماء، أو الحفاظ على فلسفة الحياة، وستكون المخاطر المتصّلة، على التواليّ، نضوب الفلسفة، أو انفصالها التام عن العلم.

هل هذه بداية لعملية مماثلة من “علمنة” scientificisation  الوعي؟ يمكن للعديد من الأعمال الراهنة، المتصّلة بأشكالٍ مختلفةٍ من التصوير الطبيّ، أن توحي بذلك. أو ربّما سوف يجعل قطع الصلة بين الحياة و الوعي من هذا الأخير، وبشكلٍ اوضح،  ليس شاهدًا على تعلّقٍ ماضويّ بالمقولات الميتافيزيقية، ولكن دليلاً فلسفيًا يستحيل اختزاله أبدًا الى معرفةٍ علمية؛ و ليس خطوةً قادمة من عملية تطبيع، و لكن، وفي روح الفينومينولوجيا، إستجوابًا لم تتوقف الفلسفة عن توجيهه للعلوم، و التي لم تتكمن يومًا من الردّ عليه.


[المصدر]

 

تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي

نيتشه
هل كل ما خرج به الفلاسفة والعلماء من حقائق، هي حقيقة بحد ذاتها؟
يقول (نيتشه) [1844-1900]، الفيلسوف الألماني الشهير، في كتابه (ما وراء الخير والشر):
نظرًا لأنني تأملت الفلاسفة على مهلٍ، قرأت بين سطورهم وراقبت طريقة تعبيرهم عن أفكارهم، قلت لنفسي يجب أن يعدّ التفكير الواعي من ضمن الأنشطة الفكرية، والتفكير الفلسفي أيضًا؛ إن التفكير الواعي لفيلسوف ما، يوجّه في معظمه بشكل خفي من قبل ميولاته الفطرية ويصب بالضرورة في مذاهب محددة. وراء كل المنطق والسيادة الظاهرة في خطوات تفكيره، نعثر على تقييمات ما، أو بشكل أوضح، على مطالب فيسيولوجية تفرضها ضرورة الحفاظ على نمط حياة معيّن.
ويظن (نيتشه) أن الإنسان مفطور على الميل إلى الأحكام الخاطئة والأوهام بقوله:
وأن الإنسان لا يمكن أن يحيا دون أن يقرّ بالأوهام المنطقية، دون أن يقيس الواقع بالعالم اللامشروط والمماثل، الخيالي تمامًا، دون أن يزيف العالم باستمرار، إلى درجة الاستغناء عن الأحكام الخاطئة سيعني استغناء عن الحياة، نفيًا للحياة.
ويرى من هذا المنطلق أن الفلسفة التي تؤكد هذا الميل وتشجعه؛ “تضع نفسها مسبقًا وانطلاقا من هذا، فيما وراء الخير والشر“.
وباعتبار أن أية فلسفة يسعى ورائها هدف خفي يقول (نيتشه):
لقد اكتشفت شيئًا فشيئًا أن كل فلسفة عظيمة حتى الآن، كانت اعترافا ذاتيًا لصاحبها ونوعًا من مذكراته، من حيث لا يدري أو ينتبه. مثلما تحققت من أن النوايا الأخلاقية أو اللاأخلاقية شكّلت في كل فلسفة البذرة الحقيقية التي تولد منها النبتة كلها. من هنا، اذا اردنا أن نفسر كيف ولدت في الواقع كل التأكيدات الميتافيزيقية الأكثر تعاليًا لدى هذا الفيلسوف أو ذاك، فمن الحكمة أن نتساءل أولاً: أية أخلاق يريد هو؟
ولكن مالذي يحاول نيتشة أن يشجعه؟ حين يكفّ الإنسان عن اللهث وراء الحقائق ومحاولة إسقاط تصنيفات محددة على تصرفات البشر أو إيجاد تفسيرات واضحة لكل ما يدور في الحياة؟ حسنًا، يبدو أن الحل الوحيد هو الاستقلالية، على الرغم من المخاطرات وما ستدفعه ثمنًا لها، نقتبس:
الاستقلالية أمر متعلق بأصغر فئة من الناس، إنها امتياز الأقوياء، ومن يحاول ذلك حتى وان كان على حق دون أن يجبر عليه، سيبرهن ليس فقط على انه قوي، بل يمتلك مع كل احتمال جرأة فائضة. يدخل إلى متاهة ما، يضاعف آلاف المرات الأخطار الملازمة مسبقًا لحياته، وأدناها أن لا احد يرى بأم عينه لا أين ولا كيف يتيه وينعزل ويهب نفسه للتمزق إربا إربا. عندما يهلك إنسان مماثل – يقصد المستقل – فإن ذلك سيتم بعيدا عن فهم الناس بحيث لا يشعرون به ولا يتأثرون لحاله. فهو لا يستطيع أبدا أن يعود إلى الوراء كما لا يستطيع أبدا أن يعود إلى رحمة الناس.
أخيرًا ، ما هو دافعنا الحقيقي للبحث عن الحقيقة، اذا كان دافعنا خيرًا فيراهننا (نيتشه) أن لا حقيقة وراء هذا الدافع بقوله:
أيتها الإنسانية ، أيتها الحماقة! إن الحقيقة والبحث عن الحقيقة، ليسا شيئين جد متلائمين، وعندما ينكبّ الإنسان عليهما بإنسانية مفرطة، عندما لا يبحث عن الحقيقة إلا من اجل فعل الخير، أراهن على انه لن يعثر على شيء. 

عبدالكريم سروش، عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (سروش) عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم، مبتدئًا حديثه يتبيين الفكرة السائدة عن كلٍ من العالمين:

غالبًا ما ينظر الناس من الحداثة إلى ثمارها، وقلما يتبصرون في جذورها وأرضيتها. والسبب واضح: الناس عقولهم في عيونهم، كما يقول المثل. عامة الناس لا يجنحون إلى تحري الأصول إلا بصعوبة، وفي أطوار متأخرة أي إنسان تسألونه: ما هو العالم الحديث؟ سيقول لكم هو الطائرات، والكمبيوترات، والكهرباء، والسكك الحديدية، والأدوية الحديثة، والمستشفيات عالية التجهيز، والقنابل الكيمياوية، والبرلمانات، والأحزاب، والصحف، والجامعات، والبنوك، ودور السينما، ..إلخ. أي أنهم ينسبون إلى الحداثة، ما يشاهدونه اليوم مما لم يكن في السابق، هم لا يعدون الأشجار والسماء والأرض من العالم الحديث، بل هي من وجهة نظرهم تنتمي للعالم القديم. مرض السل أيضًا ينتمي للعالم القديم من منظارهم، رغم أن طريقة معالجته قد يعتبرونها من خصائص العالم الحديث. وكذا الحال بالنسبة لأساليب حل المسائل الرياضية.

 بنظرة أدق، يضع د. (سروش) على الإجابة الأصح برأيه حول السمة الأساسية للعصر:
فبنظرة أعمق نستطيع القول أن ما يميز العالم الحديث عن العالم القديم ويرسم بينهما حدودًا دقيقة هو وجود وعدم وجود العلم الحديث. العلم ولا سيما العلوم الطبيعية، حصيلة عصرية لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون. مثل هذا المخلوق وبهذه السمات لم يكن قد ظهر إلى مسرح الحياة في العالم القديم. إذا عدنا عن التقنية وهي ثمرة العلم، إلى الوراء قليلًا، سنصل إلى العلم ذاته، وبوسعنا اعتباره مؤقتًا السمة الأبرز للعالم الحديث.
 ثم يتحدث عن كون أغلب الاكتشافات والنظريات العلمية كانت وليدة الصدفة:
أن تعزو هذه الفوارق إلى الصدفة جواب ناقص، يترك في الواقع العديد من الأمور بلا جواب. إذا اعتبرنا هذا العلم بكل عظمته وليد عدد من الحوادث المتفرقة التي لا تحكمها أي حسابات أو ضوابط، نكون قد ضاعفنا عدد الأسئلة على أنفسنا قبل أن نجيب عن أي سؤال. لذا سيكون سؤالنا اللاحق: إذا كان العلم الحديث أبرز نتائج وعلامات العصر الحديث، فما هو مرد ظهور هذا المخلوق، وهذه النتيجة؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال عصية عليكم فلا تلوموا أنفسكم، لأنها ما انفكت عصية على جميع العلماء والفلاسفة. إنه سؤال جد رهيب ومشكل.
 يعود مرة أخرى للحديث عن العلم الحديث، فيبيّن أقسامه:
إن ما يوجد اليوم ولم يكن بالأمس، وقد حاز في الوقت الحاضر أهمية محورية ومركزية، بحيث تعزى إليه الكثير من وقائع العالم الحديث، إنما هو عنصر مهم يدعى العلم التجريبي. بوسعنا الاعتراف بهذا العنصر كسمة وخصيصة مميزة إلى جانب التقنية والصناعة الحديثة.
يمكننا إدراج منجزات العلوم التجريبية، سواء كانت اجتماعية أو طبيعية تحت عناوين أربعة، هي باختصار: الوسائل، الغايات، المفاهيم (التصورات)، القبليات (التصديقات أو المسلمات).
 أما القسم الآخر للعلم الحديث والذي لا يقل أهمية عن الأول فهو:
كنت أشدد إلى الآن على العلم الطبيعي، وهو علم واضح التعريف والخصائص. لكنني لم أتطرق إلى العلوم الاجتماعية. وأضيف هنا، أن العلوم التجريبية الطبيعية لم تكن وحدها التي غابت عن لائحة عناصر العالم القديم ومكوناته، بل والعلوم الاجتماعية أيضًا كانت غائبة هي الأخرى. لم يكن في الماضي علم اجتماع أو علم نفس، أو علم اقتصاد، أو علم إنسان، بالمعنى الحديث للكلمة، ولم يكن ثمة معارف قريبة من هذه العلوم العصرية بشكل أو بآخر.

  ثم يتساءل: هل يجعل العلم الحديث، من هذا العصر أفضل وأذكى من العصور السابقة؟

يستشف أن العالم الحديث وجد لنفسه عيونًا ونظارات لم تكن لدى السلف. ومع ذلك ينبغي علينا ألا نفاخرهم، فقد كانت لديهم عيونًا ونظارات، أهّلتهم لبعض الاكتشافات، فأبصروا أشياء لم يمر بها المعاصرون ولا يرونها. لذلك نلاحظ أن القادمين من قلب العالم القديم، حاملين معهم منه بضائع طازجة (أو هذا ما يدعونه على الأقل) تلاقي طروحاتهم إقبالًا وترحيبًا وتبجيلًا، لاسيما في أوساط العالم الدنيوي الغربي الغارق في المادة.

لماذا عجزت عقول الأقدمين عن اكتشاف بعض الأمور البديهية، كالجاذبية مثلًا، ألا يُعد الموضوع في منتهى البساطة؟

العديد من الأسئلة التي تتفاعل اليوم في الأذهان مردها إلى أن الإنسان يرى أسلوب حياته بديهيًا، لذلك يسأل: لماذا لم يفكر الماضون بهذه الطريقة؟ نحن عمومًا ميالون إلى اعتبار واقعنا الحياتي بديهيًا. وتشتد هذه الميول فينا إلى درجة تترك الأحوال والظروف الأخرى عجيبة جدًا في أنظارنا. لذا نستفهم دائمًا: لماذا كان الماضون سيئي الفهم إلى هذه الدرجة، فلم يتوصلوا إلى أمور بديهية، يدركها عقلنا المعاصر بكل يسر؟ والمقصود من الماضين هنا ليس عامة الناس فقط، بل حتى العلماء والنوابغ العظام، الذين لم يكتشفوا من بديهياتنا شيئًا.
 يجيب عن ذلك، فيقول:
إن لكل عصر بديهياته التي لا يطالها الشك، في ذلك العصر، ولا تخضع للنقاش والمساءلة، ولهذا تسمى بديهيات. بكلام آخر، لكل عصر عقلانيته المقبولة المسلّم لها، والتي لا يجادل أحد فيها خلال ذلك العصر. الإنسان في كل عصر يتفرج على عقلانية العصور الأخرى وبديهياتها من زاوية عقلانية وبديهيات عصره، فتستغرقه الحيرة إلى هامته. خذ للمثال قضية حقوق المرأة، ففي عصرنا ثمة بديهيات على صعيد حقوق الإنسان، رجلًا  كان أو امرأة، يذهل المعاصرون حقًا لعدم تنبه السلف إليها. على أن هذا ليس بالمنهج السليم في تحليل التاريخ. إذا أردنا دراسة التاريخ برمته من منظار زماننا سوف ننأى عن الصواب كثيرًا، ولن نوفّق لاستيعاب ذهنية الأسلاف إطلاقًا. بغية أن نفهم الأحداث الماضية بنحو أصح، علينا استخدام نظارات السلف، وفي ما عدا ذلك سنكيل التهم والوصمات لهم بأنهم كانوا يعيشون فترة طفولة خلافًا لإنسان العصر الحاضر الذي بلغ رشده ونضجه، وغدت كل آرائه صادقة سليمة بالبداهة.
 ثم يتحدث عن أحد سلبيات العلم التجريبي أو العالم الحديث، بأنه ينظر إلى كل شيء وكأنه مادة للاستهلاك، بعد أن كانت عقليات الأقدمين ترى بأنها مشاركة على هذه الأرض، وليست مسيطرة كما ترى العقلية المعاصرة:
على صعيد آخر، نلاحظ أن من خصائص النظرة العصرية للعالم، أنها تعتبر كل شيء خزانًا للطاقة وظهرًا يمكن أن يُركب، بل يجب أن يركب ويستفاد منه. العلم والثقافة الحديثة لا ينظران للعالم كنهر يجري، ويجب أن نجلس على جرفه، ونكتفي بالتفرج عليه، واستلهام العبر منه. لقد كوّن الإنسان المعاصر تصورات جديدة عن العالم تملي عليه لعب دور فيه. يؤكد الإنسان الحديث أنه يريد النزول إلى ساحة العمل، والتدخل في صياغة الحياة وتشكيلها. لا بأس أن نتذكر هنا عبارة (ماركس) الشهيرة: “أن الفلاسفة قاموا لحد الآن بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغيير العالم”.

فرانسيس بيكون ومقالته حول الأوهام

36798فرانسيس بيكون (1561 – 1626) فيلسوف ورجل دولة وكاتب إنجليزي شهير، معروف بقيادته للثورة العلمية عن طريق فلسفته الجديدة القائمة على الملاحظة والتجريب. من الرواد الذين انتبهوا إلى غياب جدوى المنطق الأرسطي الذي يعتمد على القياس. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويلم كلي رايت)، قام الأخير بتلخيص أفكار (بيكون) حول الأوهام، يقول بداية وعن الفلسفة التجريبية:

لقد اعتقد (بيكون) – بوصفه فيلسوفًا تجريبيًا – أن المعرفة البشرية تبدأ بالتجربة الحسية، ويمكن أن تتسع عن طريق ملاحظات وتجارب دقيقة. ومن هنا لابد أن تبدأ الاستدلالات ببطء وبعناية ؛ فلا ينبغي أن نقفز فجأة من وقائع قليلة إلى تعميم سريع. ولا ينبغي أن نترك شيئًا دون أن نضعه في الاعتبار.

يستكمل حديثه بعد ذلك قائلًا  عن علاقة (بيكون) بالتراث الفلسفي:

لقد رأى (بيكون) أن الفلسفة لابد أن تُبنى على أسس صلبة، مثل الأسس التي يمكن للعلم الطبيعي وحده أن يقدمها، ورأى أن المنطق يحدد الطريق الذي يستطيع العلماء أن يصلوا بواسطته إلى اكتشافات، ويمدوا الفلسفة بمادة التأويل والتفسير.

ولما كان (بيكون) قد ظهر في في هذا العصر، فقد اهتم ببيان أخطاء الماضي، وأصرَّ على أنه يجب البدء من جديد بطريقة جديدة تمامًا. وكما سيحدث باستمرار في حالة الرجال الذين يفعلون ذلك، كان أحيانًا حادًا للغاية في الحكم على السابقين، أي في الحكم على الفلاسفة القدماء وفلاسفة العصور الوسطى. مع أنه في حالات أخرى أبقى بصورة لاشعورية على كثير جدًا من وجهات نظر مضت كان قد رفضها ونبذها.

وقد قام (بيكون) بتقسيم الأوهام التي تسيطر على عقول البشر، وتمنع تقدمهم إلى أربعة أنواع، قام (ويليم رايت) بتلخيصها كالتالي:

أول هذه الأوهام هي أوهام القبيلة، التي يشترك فيها الجنس البشري كله، وتلازم طبيعة البشر الخالصة. ومن هذه الأوهام الميل إلى افتراض وجود نظام واطراد في العالم أكثر مما هو موجود بالفعل، ولذلك اعتقد العلماء أن الأجرام السماوية تتحرك في دوائر كاملة، وأن نسبة كثافة ما يسمى بالعناصر تساوي عشرة إلى واحد. ومن هذه الأوهام أيضًا إذا تبنينا رأيًا ما، فإننا قد لا ننتبه إلا إلى الدليل المؤيد له، ونهمل الدليل المناقض له. وذلك يفسر اعتقاد الإنسان في الطالع، والأحلام، والتنجيم، وخرافات أخرى. […] إن “الذهن البشري ليس موضوعيًا غير متحيز” بل “تخيم عليه” سحب الانفعالات والرغبات، حتى إن الناس لديهم استعداد لأن يعتقدوا فيما يرغبونه، ولذلك يستعجلون ولا يتأنون في البحث، ويندمون بالتالي على وقائع حقيقية توجد وراء آمالهم، ويأسفون عندما يناقض نور التجربة كبرياءهم وغرورهم. ويعوق الذهن البشري، علاوة على ذلك “بلادة الحواس، وعجزها، وخداعها“، حتى أن ما يمكن رؤيته مباشرة يفوق المبادئ غير المرئية التي تستنبط من استدلال قائم على التجارب.

أما عن النوع الثاني من الأوهام، فيقول:

وثاني هذه الأوهام، أوهام الكهف، وهي خاصة بكل إنسان فرد. وهي لأن كلًا منا يعيش في كهف صغير، أو يعيش في مغارته الخاصة، وله طريقته الخاصة في التفكير، ترجع إلى الوراثة، والتربية، والعادات، والظروف. ولذلك يغالي بعض الناس عادة في التشابهات بين الأشياء، بينما يغالي بعضهم في الاختلافات بينها، ويحب بعضهم القديم بإفراط ويحترمون السابقين، في حين أن بعضهم أسرى لما هو جديد من كل نوع.

ويستكمل حديثه حول النوع الثالث من الأوهام:

وثالث هذه الأوهام، وهي أكثر الأوهام إثارة للمشكلات، وهي أوهام السوق، حيث يتقابل الناس معًا، ويتفاهمون عن طريق اللغة. ولأن الكلمات يكون أصلها في عقل الإنسان العادي، فكثير ما لا تكون مناسبة لبحث علمي دقيق، فتكون النتيجة أن الناس يتجادلون حول كلمات يعجزون عن تعريفها بطريقة مناسبة. فبعض الكلمات الموروثة من آراء غامضة من الماضي، ويمكن تجنبها عن طريق رفض النظريات التي أدت إليها، مثل الحظ، والمحرك الأول، وعنصر النار.

أما النوع الأخير من الأوهام، فيقول عنه:

وآخر هذه الأوهام، أوهام المسرح، تلك “التي تتسرب إلى عقول الناس من معتقدات الفلسفات المختلفة، ومن قوانينها البرهان الخاطئ أيضًا“. فجميع المذاهب التي وصلت إلى عصر (بيكون) لم تكن في رأيه سوى “مسرح كبير جدًا يمثل عوالم من خلق (أناس) على غرار نموذج غير واقعي وخيالي“. وتحت هذا النوع من الأوهام يدين (أرسطو)، من حيث أنه ممثل للفلاسفة العقليين؛ لأنه حاول أن يضع العالم في مقولات من اختراعه الخاص دون أن يرجع أولًا إلى الطبيعة ويلاحظ الوقائع الفعلية، بل حدد من البداية بنتائجه، ثم عاد بعد ذلك إلى التجارب ليؤكد ما قرر مسبقًا. وهناك ما هو أشد سوءًا فيما يقول (بيكون) وهو أنه حتى الفلاسفة التجريبيين السابقين عليه كان ينقصهم منهجه، إذ كانوا يقومون بعملية التعميم من تجارب ضئيلة جدًا، تاركين خيالهم يجمح.

يقول (ويليم كيلي رايت) معقبًا على هذا التقسيم للأوهام:

وعندما نراجع الأنماط الأربعة من الأوهام عند (بيكون)، ندرك أنه بيّن بحق مصادر أربعة مختلفة للخطأ لابد من تجنبها في تفكيرنا. مع ذلك نجزع في البداية عندما نفكر في أن تلك الأوهام هي أيضًا المصادر الرئيسية لمعرفتنا. فنحن لا نستطيع أن نلاحظ إلا عندما نستخدم المصادر الذهنية المشتركة للبشرية، أو باستفادتنا من أي مواهب استثنائية قد نكون محظوظين بدرجة كافية بامتلاكها كأفراد. إننا لا نستطيع أن نستدل، إلا في المجالات المجردة الخالصة للرياضيات والمنطق الرمزي، بدون استعمال الكلمات، وإذا أراد الفيلسوف أن يفهمه الناس، يجب عليه استخدام الكلمات في صورتها الشائعة، ولا يخترع رطانة أعجمية خاصة به. ولا يستطيع إنسان حديث أن يرفض تمامًا كل ما أنجزته الفلسفة في الماضي وأن يحاول أن يبدأ بداية جديدة تمامًا، كما فعل (طاليس) في العصور القديمة في الفلسفة الطبيعية، وكما فعل (سقراط) في الفلسفة الاجتماعية. إننا مضطرون إلى أن نلفت النظر إلى المصادر الأربعة كلها – التي عندما يُساء استخدامها – تسبب الأوهام.

الأسس الأخلاقية في العصر الحديث عند تشومسكي

تشومسكي

 

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في حوار أجراه (جون بريكمان) مع (تشوميسكي) حول رهان باسكال، تم نشره بالعربية ككتاب بعنوان (العقل ضد السلطة)، انتقينا منه السؤال التالي:

على أي أساس تقوم أخلاقياتك ؟ فأنت كثيرًا ما تقول أن الناس مسؤولون عن العواقب المتوقعة لأفعالهم. لكن كيف تقيّم هذه العواقب ؟ وما الذي يجعلها حسنة أو سيئة ؟ وكيف تقيّم ذلك بصورة موضوعية ؟ هل تستند إلى المبادئ النفعية (أكبر سعادة لأكبر عدد) ؟ وتتحدث أحيانًا عن جوانب أساسية في الطبيعة البشرية، لكنك تشدد كذلك على أننا لا نعرف شيئًا ذا بال في هذا الموضوع. فكيف يكون في الإمكان توظيف الطبيعة البشرية في إصدار أحكام أخلاقية ؟

والذي أجاب عنه (تشومسكي) بعد ذلك:

لا ينبغي أن يساورنا شك كثير في وجود طبيعة بشرية صميمة، وأن هذه الطبيعة تشتمل على (كفاءة أخلاقية) للأسباب التي عبّر عنها (هيوم) بكثير من الوضوح. وهي أسباب أصبحنا اليوم نفهمها بشكل أفضل مما كُنا من قبل. لكن حتى وإن كنت تفهم كل شيء في هذا الموضوع، فإن ذلك لن يقدم إليك الأساس للأحكام الأخلاقية، والذي يتطلبه السؤال. والواقع إن الأمر يتعلق بشرط بالغ القوة، حتى على العلم. وقد كان المؤرخ المرموق للعلم (ريتشارد بوبكين) على صواب حين قال إنه “منذ أن وقعت الأزمة التشكيكية في القرن السابع عشر والناس يدركون أنه لا يمكننا أن نقيّم معارفنا على أسس يقينيّة مطلقة“، وإن قصارى ما يمكننا أن نأمل في استعمال وتجويد “معاييرنا لتقييم حقيقة ما اكتشفنا بشأن العالم ومدى قابليته للتطبيق” أي “أن نقبل بالمعرفة نفسها، ونزيد في التوسيع منها“، مع الإقرار بأن “أسرار الطبيعة وأسرار الأشياء في حد ذاتها، قد احتجبت عنا إلى الأبد“. والتحولات التي وقعت في ما بعد لم تزد على أن زينت هذا التفسير. وإن من الخَرَق أن تطلب أحكامًا أخلاقية في شيء من اليقين لا يمكن أن ننتظره من العلم.

إننا ننحو في أحكامنا الأخلاقية على الطريقة نفسها التي تجري في العلوم: فنحن نسعى بأفضل ما نستطيع لنُعمل معاييرنا في التقييم ونشذبها من خلال التجربة، واستكشاف طبيعتنا الأخلاقية. وقد عرفت معاييرنا تحسنًا كبيرًا على مر الزمن – من وجهة نظرنا. واتسع نطاق الأحكام الأخلاقية لتشمل النساء، والمجتمعات الأخرى، والأطفال والحيوانات. والمواد المكونة للإعلام العالمي لحقوق الإنسان – الذي ليس هو بـ(البناء الغربي) بخلاف الخرافة الشائعة – ليست منزّهة بأي حال عن أي نقد، لكنها كانت انعكاسًا في فترة معينة من التاريخ، للقدرة على بناء معايير أخلاقية مقنعة على أساس من الحدس والتجربة.

ونحن نعرف جميعًا أن في العلوم مهما بلغت  كثرة البراهين التي بين أيدينا، فسيكون هنالك على الدوام ما لا عد له من النظريات المتمايزة يمكنها أن تُحيطنا بالواقع. إن المناهج التي نتوسلها إلى انتقاء النظريات – ما كان يدعوه (شارلز ساندرس بيرس) بـ”السيرورة الافتراضية” – لا تجد الكثير ممن يفهمونها. والوصف الذي جاء به (بوبكين) لكيفية العمل في المجال العلمي يبدو شيئًا صحيحًا. فالأحكام الأخلاقية تنبني على أقرب من هذا المنوال. فهذه الأحكام لا تُختزل في القدح والطعن في الذات. ويمكن أن يؤتى ببحث عقلاني في الأسس المشتركة ودراسة ممحصة لمختلف الوضعيات. وهو أمر لن يؤدي بالضرورة إلى اتفاق، لكن يمكن أن يتحقق به تقدم، وبذلك يصير في الإمكان أن يتحقق تلاقٍ في المستقبل. ذلك هو الشرط الإنساني. فنحن مخلوقات عضوية، ولسنا ملائكة. ولا يمكننا أن نخرج عن أجسادنا، أو نخرق سقف قدراتنا المعنوية والمعرفي، التي لها أهميتها، ولها حدودها الذاتية – ثم إن الاثنتين على اقتران وثيق.