أرشيف الوسم: فلسفة

هل انتهى عصر الأسطورة ؟

Willard Van Orman Quine

في مقدمة الترجمة العربية من كتاب (من وجهة نظر منطقية) للفيلسوف الأمريكي (ويلارد فان أورمان كوين)، والتي قدّمها للقراء العرب الأستاذ (حيدر حاج إسماعيل)، تساءل المترجم: “هل انتهى عصر الأسطورة؟ وتحديدًا، هل انقضى ذلك العصر بولادة العلم؟”. ثم أجاب في مقدمته قائلًا:

أحد الأجوبة نقع عليه عند (جورج لاكوف) وزميله (مارك جونسن)، فهذان الباحثان يريان أن النظرة الموضوعية إلى الحياة والكون، والعلم أبرز أمثلتها، ونقيضها، النظرة الذاتية، إن هما إلا أسطورتين. ويوضحان بأنهما لا يستخدمان مصطلح “أسطورة” بأي معنى استخفافي، “فالأساطير توفر طرقًا لفهم التجربة، وهي تسبغ نظامًا على حياتنا”. ثم يعددان بنود النظرة الموضوعية بما يلي :

١. في النظرة الموضوعية يبدو العالم مكونًا من أشياء، وهذه الأشياء لها صفات مستقلة عن كل من يختبرها من بشر وغير بشر.
٢. ومعرفتنا بالعالم تكون باختبارنا أشياءه وصفاته.
٣. وفهمنا أشياء العالم تتم بواسطة مقولات وتصورات، وهذه تطابق صفات الأشياء وعلاقاتها.
٤. هناك واقع موضوعي. ونحن نستطيع أن نقول كلامًا صادقًا أو كاذبًا وبصورة موضوعية عنه.
٥. والكلمات لها معانٍ ثابتة.
٦. ويستطيع البشر أن يكونوا موضوعيين ويتكلموا بموضوعية إذا استخدموا لغة واضحة ومحددة.
٧. يجب تجنب الاستعارة وأنواع اللغة الشعرية والخيالية والخطابية والمجازية عندما نتكلم بموضوعية.
٨. وحدها المعرفة الموضوعية تؤلف المعرفة.
٩. أن تكون موضوعيًا معناه أن تكون عقليًا. وعكس ذلك أن تكون ذاتيًا فتكون لا عقليًا وتخضع للعواطف.
١٠. النظرة الذاتية يمكن أن تكون خطرة، إذ إنها قد تقود إلى الانفصال عن الواقع. وهي نظرة غير منصفة لأنها شخصية وتبالغ في قيمة الفرد.

أما مكونات أسطورة النظرة الذاتية فهي:

١. الاعتماد على الحواس والحدس في معظم النشاطات العملية اليومية.
٢. اعتبار المشاعر، والحساسيات الجمالية، والممارسات الأخلاقية، والوعي الروحي، أهم الأشياء في حياتنا.
٣. كلا الفن والشعر يتجاوزان العقلانية والموضوعية ويضعاننا على تماسّ بواقع مشاعرنا وحدوسنا التي هي الأهم. ونحن نحصل على هذا الوعي بواسطة الخيال وليس العقل.
٤. إن لغة الخيال ولاسيما الاستعارة، ضرورية للتعبير عن أكثر نواحي خبرتنا أهمية من الوجهة الشخصية.
٥. الموضوعية يمكن أن تكون خطيرة، لأنها تفقد ما هو أهم وأكثر مغزى للأفراد. والموضوعية ليست منصفة لأنها تتجاهل أهم مناطق خبرتنا لمصلحة ما هو مجرد، وشامل، ولا شخصي . والموضوعية، وللأسباب نفسها، يمكن أن تكون غير إنسانية، والعلم لا فائدة منه عندما يتعلق الأمر بأهم الأمور في حياتنا.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

وتجب الإشارة إلى أن الكاتبين قالا ما قالاه وهما في سياق شرح وجهة نظرهما الاستعارية التي بحسبها يكون نظام تصوراتنا ذاته مؤلفًا من استعارات، وليست الاستعارات صفة اللغة فحسب. ويعتبران وجهة النظر هذه الخيار الثالث الذي يشكل مخرجًا أو حلاً.

نقطة أخيرة لابد من ذكرها وهي أن الباحثين يعتبران الأساطير مثل الاستعارات، ضرورية لإنشاء معنى لما يجري حولنا. وأن “البشر لايمكنهم العلم من دون الأساطير كما لا يمكنهم العمل بلا الاستعارة”.

مقالة مطوّلة تستعرض قصة الإنسان والغرابة

Westworld 1

في مجلة Philosophy Now الشهيرة، نشر ليو كوكمان Leo Cookman مقالة مطوّلة، يقوم فيها بمناورة غريبة من أجل استعراض قصة الإنسان الآلي الطويلة. نعرضها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


عالم الغرب Westworld:

“الغرابة” uncanny هي الكلمة التي نألفها جميعا، لكن لربما نسيء فهمها قليلا. كثيرا ما نقول حين يكون شيء/شخص ما مشابها لشيء/شخص آخر أن الشبه بينهما “غريب”، خاصة عندما يقوم شخص ما بتقليد شخص آخر. وهذا صحيح في كثير من النواحي، لكنه يستخدم عادة بشكل إيجابي في هذا المثال. قد نقول في دهشة: “إنه غريب!”. ومع ذلك عندما يكون شيء غريبا حقا فهناك بضعة أمور أكثر إثارة للقلق.
بُحث مفهوم “الغرابة” لقرون، ولكنه راج عن طريق (إرنست ينش) Ernst Jentsch في مقاله “في سايكولوجية الغرابة” 1906 و(سيجموند فرويد) Sigmund Freud في “الغرابة” Das Unheimliche 1919. إنها فكرة الشيء الذي يبدو مألوفا ولكنه ما يزال بعيدا عن كونه نفس الشيء. تعود جذور كلمة “الغرابة” uncanny إلى كلمة “خارج نطاق المعرفة” ken الأنجلوسكسونية – وما زالت تستخدم في اللهجة الأسكتلندية – والتي تعني الفهم أو المعرفة، وهكذا فإن “الغريب” يعد خارج حدود الفهم، وبشكل أساسي هو شيء لا نفهمه تماما.
نعرف جميعا ماهية الشعور بـ“الغرابة”؛ أي عندما يكون شيء/شخص ما ليس صحيحا تماما. وقد أخبر الناس عن الشعور بهذا في حضور المرضى النفسيين الذين يتصرفون تبعا للسلوك المقبول اجتماعيا ولكن الناس يعرفون بغريزتهم أنهم إنما يتظاهرون بذلك. التفكك مقلق. هذا بجانب الفكرة القائلة بأن غريزة “الغرابة” لدينا قد تطورت لمساعدتنا على تجنب الأخطار التي قد تنتج عن الشيء الذي ليس صحيحا تماما، بالإضافة إلى اختيار شركاء أفضل. كما يفترض أن هذا مرتبط أيضا بنفورنا من رؤية الجثث، التي تبدو بشرية ولكن بلا حياة في داخلها.
ومع ذلك – أو بسبب ذلك – تطورت هذه الغريزة، إنه الشعور الذي نعرفه جميعا: الشعور بالانبهار والاحتراس المزعج في الوقت نفسه. هذا النفور من كل ما هو “غريب” هو جزء من وعينا بالعالم وجزء من إدراكنا، هو الشيء الذي يجعلنا ما نحن عليه. وباستخدام لغة الفيلسوف (هيجل) Hegel، فإن الغرابة هي:

انهيار أو ضبابية في الحدود التي بيننا وبين الآخر، وهي أيضا ما نفهمه وما لا نفهمه.

على الرغم من إمكانية كونها ذات منفعة تطورية، ما زالت “الغرابة” حتى اليوم تطرح أسئلة صعبة. يعرض الموضوع جانبا مزعجا ومخجلا بشدة من السلوك الإنساني: كيف نتجنب في كثير من الأحيان هؤلاء الذين يقعون ضمن فئة  “الغرابة” بالنسبة لنا. هكذا يتعرض البشر ذووا الإعاقات الجسدية أو الذهنية إلى النبذ أو الشفقة أو التحديق فيهم بتعجب وقح، وخذ على سبيل المثال : كيف يجعل استخدام المصاب بالتوحد لأنماط من التفاعل في الوقت غير المناسب إلى إشعار الناس بالانزعاج وهو ما يُرى وكأنه ليس صحيحا تماما. أنا أرى هذا في ابن أخي المصاب باضطراب طيف التوحد والذي يفضل بشكل عجيب أن يحتضن كل شخص يقابله. قد يُعزى الشعور بالغرابة إلى بعض التفسيرات ذات الامتداد العنصري: نرى شخصا آخر لكن بإيقاع مختلف في حديثه أو بقدر غير مألوف من تعابير الوجه والملامح الأخرى، فنشعر حالا وبانزعاج بمسافة تبعدنا عنه والتي يحتمل كثيرا أن تتحول بسرعة إلى شعور بالارتياب والنفور.


ثقافة الغرابة:

يعد ما يعرف بـوادي الغرابة uncanny valley أشهر وصف للظاهرة في التاريخ الحديث. يأتي المصطلح من مخطط رسمه في الأصل أستاذ الروبوتات (ماساهيرو موري) Masahiro Mori في السبعينيات ليفسر الإحساس الغريب، المعروف تقنيا بـ“النبذ” abjection، والذي يشعر به الناس – في حدود معينة – وهو يعني أنه كلما أصبح الروبوت سهل التمييز أو نابضا بالحياة، أصبحنا مُبعَدين من قبله. ومعنى هذا، أننا سنتقبل روبوتا أو شخصية متحركة animated character ما دام يسهل تمييز أنهم ليسوا بشرا، أو إذا كان يستحيل تمييز أنهم ليسوا بشرا، أما إذا كانوا “مقاربين” للواقع، فإن تقبلنا، كما هو تقبل الآلة، يتدهور بشكل حاد. في المخطط تبدو هذه العلاقة البيانية بين الشبه البشري والتقبل كوادٍ في هذه المنطقة من “الغرابة”.
يُستخدم مفهوم “الغرابة” بكثرة في الأدب الخيالي والأفلام الخيالية، وبشكل أكبر وأكثر تأثيرا في أفلام الرعب، بخاصة تلك التي نصفها بـ“العجيبة” أو “المروعة”. فكّر بكل القتلة ذوي الأقنعة أو ذوي الوجوه المخفية بالشعر، الأطفال الذين يتصرفون بشكل غريب قليلا، النساء اللواتي ينحنين إلى الخلف أو يتحركن بطريقة تثير الذعر، التحديقات الطويلة وغير المريحة… إلخ. هذه كلها أمثلة قوية على الغرابة – شي ء يشبه الطبيعة البشرية أو حتى يتم تمثيله بواسطة بشري ولكن يبدو بوضوح أنه ليس طبيعيا تماما.
نُشاهد هذا بشكل خاص في أفلام الرعب اليابانية. إنه لمن المثير للاهتمام كيف أن “الغرابة” منتشرة جدا في الثقافة اليابانية وأن استعمالها يعتبر تقليدا هناك. يعتبر استخدامهم للأقنعة في رقصات شعائرية دينية معينة وفي المسارح، بلا ريب، شاذا بالنسبة للأعين الغربية، كما هو مكياج الغايشا geisha -راقصات يابانيات بمساحيق تجميل كثيرة على وجوههن-. ومما يثير الاهتمام أيضا أنه عندما يعاد صنع أفلام الرعب اليابانية من أجل الجماهير الغربية فهي غالبا تثير رعبا أقل بكثير، عادة لأن إعادة الصناعة تُفقد الإحساس بالغرابة الذي يحتويه الفيلم الأصلي. وبإحساس أكثر عمقا بالغرابة يتمكن صناع الأفلام اليابانيين من الوصول إلى درجة عميقة جدا من التواصل عن طريق فنهم: إن استخدامهم للانعزال والنبذ يجعل تعلقنا وقربنا من العالم الحقيقي كله أكثر وضوحا. إذا أردت أن ترى ردود فعل الناس عند رؤية شيء غريب، فقط ارتدِ قناعا يشبه الوجه البشري ومن ثم تعامل معهم في إطار التعامل اليومي. سوف تدهش بردود الفعل العميقة التي ستظهر للعيان، وبالأخص إذا كنت ترتدي قناع كاجورا الياباني Japanese Kagura mask، الذي يبدو غريبا كفاية بحد ذاته.


هل تعتقد؟

أحد الأمثلة المعاصرة الجيدة لظاهرة “الغرابة”، والذي ينحاز بشكل واعٍ غالبا إلى معناها السيكولوجي الدقيق، هو المسلسل المتقن الذي تنتجه شبكة HBO التلفزيونية المسمى بـ(عالم الغرب Westworld). 

 

(Westworld) كان في الأصل كتابا وفيلما كتبه ومن ثم أخرجه الراحل (مايكل كرايتون) Michael Crichton في العام 1973. يحكي عن حديقة للتسلية مليئة بالروبوتات androids التي تصبح ميّالة إلى القتل. أظهر الفيلم (يول برينر) Yul Brynner كإنسان آلي قاتل، والذي يسقط وجهه في النهاية كاشفا بشكل مقلق عمل الآلات خلاله. وبالتأكيد فإنه ليس من باب المصادفة أن بحث “وادي الغرابة” لـ(ياشا غايكارت) و(موري) Jasia Reichardt , Mori يعود إلى العقد نفسه. يختار المسلسل التلفزيوني الجديد سيناريو للروبوتات القاتلة كنقطة الانطلاق، لكنه يستخدمها لتبدو أكثر تعمقا في الأسئلة الكبرى: ما الذي يعنيه كونك إنسانا؟ إنه سؤال فلسفي تجريدي مقبول، ولكنه يبدو أكثر واقعية وأكثر قابلية للإجابة عند مقارنة البشر بالروبوتات التي تُدعى بـ “المضيفين” Hosts. تعتبر كيفية تفريقنا بين البشر والمضيفين عاملا مُحدِّدا للطبيعة البشرية. ومن خلال السؤال نقوم بالتأمل والبحث في الغرابة أيضا.
التمثيل في (Westworld) ممتاز، وبالأخص أداء الممثلين الذين يلعبون دور الروبوتات. إنها الدقة في تمثيل، الفارق الطفيف الذي يثير وعينا المرتبك باختلافهم عن البشر، ومع ذلك إنه لأمر صادم أن يُهدم وعينا، تاركا إيانا غير متأكدين من هو البشري ومن هو الروبوت. إن أكثر المَشاهد رعبا وإقلاقا لي كمُشاهد لم تكن تلك العنيفة والدموية، بل مشَاهد تعطيل “المضيف”، ارتعاشة المتروك، التحديق، تجمد كل المشاعر فجأة، أو الصراخ بلا أي تعبير وجهي.. هذه القائمة من الارتاعاشات لا نهاية لها على مدار المسلسل.
في حالة الرعب، فإن ما يقلقنا أكثر هي إمكانية أن يكون المعروض متواجدا في عالمنا الخاص. لا يبدو هذا وثيق الصلة بأي شيء آخر أكثر من صلته بالتقدم في مجال الذكاء الصناعي وصناعة الروبوتات. هذا هو سبب كون (Westworld) ماهرا في عرض انشقاقِنا إلى نصفين، نكون نحن النصفين كلاهما بشكل متزامن – أي نكون أنفسنا ونكون الآخرين في الوقت ذاته – مانحا إيانا وقفة للتفكر فيما الذي نتقبله كشيء حقيقي أو حتى كإنسان. يوبخ مالك الحديقة (أنتوني هوبكنز) Anthony Hopkins الطاقم القائم على بناء وإصلاح “المضيفين” في (Westworld) لتغطيتهم المضيفين بملاءات، ربما قاموا بذلك لتغطية عوراتهم، ولكن هل يعتبر هذا احتشاما للروبوتات أم احتشاما لنا، وهل يُستعمل الاحتشام كما نستعمله نحن في مشهد عري؟
يستخدم (Westworld) اقتباسا من (روميو وجولييت) Romeo & Juliet بشكل متكرر:

هذه المسرات العنيفة لها نهايات عنيفة.

من المثير للاهتمام أنه وفي الخطاب نفسه يمضي (فرايل لورنس) Friar Laurence قدما ليغلف بعناية هذه الفكرة بالغرابة قائلا:

وكذلك أحلى ألوان الشهد
نكرهه من فرط حلاوته
وتموت شهيتنا بمذاقه.


انعكاسات الغرابة:

تستخدم الغرابة خطوطا خارجية، تحدد وترسم واقعنا وإدراكنا للعالم، والذي لا يتناسب على نحو تام مع هذا القالب، يبدو غريبا ومزعجا بالنسبة لنا، فنستجيب بالـ“النبذ” Abjection. علمنا التاريخ الطبيعي أن نخاف من الذي لا نفهمه؛ ولكني أود أن أقول أنه لكي نحسّن فهمنا لأنفسنا، علينا أن نتقبل وندرس العالم الخارجي بشكل أفضل. خذ على سبيل المثال ما يقوله العلماء النفسيون، من أن أفضل طريقة لدراسة وفهم العقل البشري العادي هي دراسة علم النفس غير العادي. تنهمك الروبوتات في المسلسل التلفزيوني في رحلة باتجاه الوعي consciousness، ولكن حتى البشر لم  يفهموا بعد ما هو الوعي. إن جزءا من البحث عن فهم الوعي هو ما يسميه (دايفيد تشالميرز) David Chalmers بـ“المسألة الصعبة” the hard problem، أي كيف يمكن أن تكون هناك تجربة ذاتية. لكن الخطوة الأولى في فهم أنفسنا يجب أن تكون في مواجهة خوفنا الداخلي ورفضنا لما لا نفهمه – أي للغرابة. قد تكون هذه أصعب مسألة على الإطلاق.

حتى الآن، لا نعرف تماما من نكون، ولكننا نعرف بالتأكيد ما لا نكونه.


[المصدر]

تودوروف، وحديث مبسط عن فكر الأنوار

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف (1939-2017) فيلسوف فرنسي-بلغاري، وُلِد في مدينة صوفيا البلغارية. وعاش في فرنسا منذ 1963 وحتى وفاته، ويكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب قدّمه الأستاذ (محمد الجرطي)، حمل عنوان (تزفيتان تودوروف: نحو رؤية جديدة لحوار الحضارات)، حمل الكتاب عدة لقاءات صحفية مع (تودوروف)، بالإضافة إلى عدد من المقالات التي كتبها، والتي كُتبت عن فكره.

في مقالة كتبها (تودوروف)، حملت عنوان “لماذا نحن دومًا بحاجة إلى فكر الأنوار؟”، يقول (تودوروف) مستفتحًا:

إن فكر الأنوار المتعدد والمتناقض في كثير من الأحيان، ليس حركة فكرية متواطئة. بغض النظر عن البلد الأصلي لفكر الأنوار، فإنه ساهم في استقلال الفرد ضد السلطة والدين، ودافع عن فكرة الصالح العام والكونية. المبادئ التي ما زالت هشة ومهددة.

ثم يقول:

هل يٌعرّف فكر الأنوار بكلمات قليلة؟ تتضح التجربة من خلال المراهنة. في الواقع، دامت هذه الحركة أكثر من قرن، وهي تتطور في عدة دول بشكل خاص، وتواجه عدة آراء متناقضة.

ويتابع بعد ذلك حديثه عن فكر الأنوار:

يشكل هذا التعقيد الفكري الخاصية الأولى المميزة لسمة الأنوار، وعلى العكس مما يُفهم في أغلب الأحيان على أنه من الاختزال أن نتكلم عن فكر الأنوار وكأنه تيار فكري أحادي الجانب.

في الواقع، يحيل فكر الأنوار على عصر التأليف والتركيب الأصيل بشكل خالص، ويتشرب فكر الأنوار الإرث الفكري الذي ظهر في أوروبا منذ نهاية القرن العصر الوسيط، حيث ترسخت مقوماته خلال عصر النهضة والقرن السابع عشر. يستثمر فكر الأنوار العقلانية والنزعة التجريبية على حد سواء، عن طريق الفصل وليس الجمع. ويشيد بمعرفة القوانين الخالدة، كما هو الشأن لشعوب التاريخ. ويؤكد أيضًا على تعدد الثقافات، بدلًا من وحدانية الحضارة. في الوقت نفسه، يدافع فكر الأنوار عن العقل والأهواء، والجسد والروح، والفنون والعلوم، والاصطناعي والطبيعيو متشربًا كل مجالات الإبداع الفكري؛ من الفلسفة إلى العلوم مرورًا بالآداب والقانون والرسم.

[…]

والنتيجة، لا يمكن تعريف فكر الأنوار إلا على حساب العديد من الاختزالات التبسيطية؛ وأيًا كان التعريف الذي يتم إقراره، فسيكون في مقدورنا أن نعارضه على الدوام باستثناءات.

ما هو منشأ فكر الأنوار؟ يجيب (تودوروف) في جزء من مقالته:

يعتقد الفرنسيين في غالب الأحيان أن فكر الأنوار من صنيعتهم، ولكن الأمر ليس كذلك! في بادئ الأمر، تطورت الأفكار في ما وراء بحر المانش أو في إيطاليا، ثم تعمقت ونضجت في وقت لاحق في ألمانيا. بكل بساطة، كانت فرنسا صندوق الصدى الذي أتاح لهذه الأفكار الانتشار في ربوع العالم بفضل إشعاع العقل الفرنسي، وبفضل مفكرين من الطراز الأول على غرار (ڤولتير) أو جماعة الموسوعيين التي نتاجهلها أحيانًا في حين ظهرت كرد فعل على الموسوعة الإنجليزية التي نُشرت في وقت سابق. وبالتالي، فالوطن الحقيقي لفكر الأنوار هو أوروبا.

هل يمكن اختصار فكر الأنوار في كلمة واحدة؟

إذا أردنا أن نختزل إرث فكر الأنوار الثقافي إلى نواة صغيرة، فما الذي يجب تسليط الضوء عليه؟ فكرة الاستقلالية: إمكانية التحرر من الوصاية التي تفرض على كل فرد طريقة أحادية للتفكير والإحساس.

من مفهوم الـ “أنا” عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

أحاول أن أبدأ قصة عن نفسي، أبدأها من مكان ما وأحدد الزمن في محاولة للشروع في متتالية أقدم بها روابط سببية  أو بنية سردية في الأقل. أسرد، وأقيد نفسي في أثناء السرد، أصف نفسي، أقدم وصفي إلى آخر على شكل قصة يمكن لها أن تلخص كيف ولماذا أنا ما أنا عليه أيضًا.
لكن جهدي في تلخيص الذات يخفق، وهو يخفق بالضرورة، لأن ال”أنا” التي أقدمها منذ السطر الأول بوصفها صوتًا سرديًا تعجز عن تقديم وصف للكيفية التي أصبحت بها “ أنا “ يمكن أن تروي نفسها أو تروي هذه القصة على وجه خاص. وبينما أنا أصنع تتابعًا وأربط حدثًا بآخر، مقدمة حوافز تنير المسار، مستجلبة النماذج المتواترة، مؤشرة إلى بعض الأحداث أو لحظات الإدراك بوصفها ذات أهمية محورية ، بل ومحددة نماذج متكررة معينة أعدها أساسية، لا أعمل بذلك على توصيل شيء عن الماضي، بالرغم من أن ذلك جزء مما أفعل دون شك.أنا أعيد تمثيل الذات التي أحاول وصفها؛ هناك إعادة تكوّن لل “ أنا “ السردية في كل لحظة يستحضرها السرد نفسه. أي أنني، بكلمات أخرى، أستخدم تلك ال “أنا “ – أتوسع في تقديمها وأقيم علاقة بينها وبين جمهور واقعي أو متخيل – استخدامًا يختلف عن رواية قصة عنها، بالرغم من أن الرواية تبقى جزدًا مما أفعل. أيّ أجزاء “ الرواية” يقوم بمهمة التأثير على الآخر وإنتاج ال “ أنا من جديد؟.

ثم تكمل حديثها قائلة:

كما أن فعلاً تمثيليًا وخطابيًا تؤديه هذه الـ”أنا“، فإن هنالك حدًا لما تستطيع الـ”أنا” المباشرة بسرده. هذه الـ”أنا” مقولة وملفوظ بها، وبالرغم مما يبدو من أنها تمثل الأرضية الثابتة للسرد، فهي أشد اللحظات بعدًا عن الأرض الثابتة في السرد. أما القصة التي لا تستطيع الـ”أنا” روايتها فهي قصة نشوئها بوصفها أنا لا تتكلم حسب بل تتقدم بوصف لذاتها. بهذا المعنى يتواصل سرد القصة، لكن الـ”أنا” التي تروي القصة والتي يمكن أن تظهر فيها بوصفها الراوي بضمير المتكلم، تمثل نقطة عتمة تقطع التتابع، وتتسبب في انقطاع أو انفجار في وسط القصة لما يتعذر على السرد استيعابه. لذلك فقصة ذاتي التي أرويها، القصة التي تقدم الـ”أنا” التي هي أنا على الواجهة، وتدرجها في تتابع مناسب لشيء يسمى حياتي، تخفق في تقديم وصف لنفسي في لحظة تقديمي لها. في الواقع ماهو موجود يقدمني بوصفي شخصًا لا وجود أو إمكانية لتقديم وصف له. أنا أقدم وصفًا لذاتي، ولكني أحار في الوصف عندما يتعلق الأمر بتشكل الـ”أنا” المتكلمة القادرة على سرد نفسها. كلما زاد ما أرويه تعزز الدليل على تضاؤل قدرتي على الوصف. إن الـ”أنا” تدمر قصتها الخاصة، على الضد من كل نواياها.

لا تستطيع الـ”أنا” أن تقدم وصفًا نهائيًا وكافيًا لذاتها لأنها لا تستطيع أن تعود إلى مشهد المخاطبة الذي أطلقها، وهي لا تستطيع أن تروي كل الأبعاد البلاغية لبنية المخاطبة الذي يحدث الوصف نفسه في نطاقها. لا يمكن أن ترد هذه الأبعاد البلاغية لمشهد المخاطبة إلى سرد. وهو أمر يتضح في سياق التحويل، أو بالأحرى في نموذج التواصل الذي يوفره التحويل، فهنا يكون المرء متلقيًا للكلام بين حين وآخر، كما أنه يتكلم، وهو مايتم على شكل مخاطبة مباشرة أو غير مباشرة على الدوام.

فريدريك لونوار، في فلسفة عدم التعلق

 

فريدريك لونوار

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يتطرق إلى فلسفة عدم التعلق بالأشياء، كطريقة لنيل حياة مثالية وسعيدة. ففي مقالة حملت عنوان “التعلق وعدم التعلق” يشرح بأسلوب بسيط كيف يكون ذلك، فيقول:

إن عدم التعلق بالأشياء هو إحدى الوسائل الأساسية لعيش “حياة سعيد“. فنحن يهمنا أن يكون لكل منا بيت نملكه، وأن نأكل كل يوم عند شعورنا بالجوع. أما في ما يختص بالأمور الأخرى، فإن السعادة والشقاء يتوقفان أساساً على عوامل أخرى هي: الحب، الحرية، الصحة، ضبط الذات. لذا يتوجب علينا أن نستقبل الحياة كما تعرض علينا وبما تنطوي من يسر وعسر.

فنرضى بفتراتها السعيدة التي ننعم أثناءها أحياناً بمتع نحن بغنى عنها. وبفتراتها الأصعب كذلك التي نقدرها من أجل التنعم بمتع أشد عمقاً. يتراءى لي أن الفلسفة البوذية التي تعتبر كل شيء خاضعاً للتحول والتغير والحركة الدائمة هي عين الصواب . إنها تؤسس لفلسفة “عدم التعلق“: علينا ألا نتعلق بما هو غير ثابت.

إذ بإمكاننا أن نتمتع يوماً بصحة جيدة، وفي اليوم التالي بصحة سيئة، أن نكون أغنياء يوماً، وفقراء في الغد، ولا أحد يسعه أن يضمن ثبات مراتب الشرف والثروة. ثم إن فلسفة عدم التعلق البوذية نجدها في فلسفات العصور القديمة الرئيسة، كما رأينا ذلك في الفصول السابقة التي ذكرت فيها الأبيقوريين والرواقيين، ونجدها كذلك في تعاليم جميع الأديان الكبرى التي لا تشجب المادة أو الملذات الحسية، بل تشجب التعلق بالماديات والمال.

يتحدث بعد ذلك عن المسافة بين التعلق والازدراء، فيقول:

إن عدم التعلق فلسفة لا تحض على التقشف ولا تستوجب ازدراء الماديات، بل تكتفي ببساطة برفض التعلق بها. فمن الطبيعي أن يشعر المرء بالمتعة إن توافرت له حياة مادية رخية، وكان له بيت، وكمبيوتر وسيارة يعملان على أفضل وجه، وإن أتيح له السفر في أوقات لفراغ. المهم هو البقاء في حال من اليقظة وعدم الاستسلام لمغريات التعلق بكل هذه الأمور التي تحت تصرفنا، والتي ينبغي، إذا ما خسرناها، ألا توقعنا في الحزن والأسى، ولا تهز نفوسنا. فنحن لسنا عبيداً لها .. لكننا ملزمون مع ذلك باحترامها، إذ ليس من العدل في شيء، أن نترك منازلنا تتداعى، ونملك بستاناً ولا نعنى باستصلاح أرضه. فاحتقار الماديات، وهو عمل يرثى له، مرتبط في الغالب باحتقار الجسد. هذا ولا يعني عدم التعلق بالأمور الفانية كراهية الجسد أو ازدراءه وازدراء ما يمت بصله إلى المادة، كما هي الحال أحياناً في بعض التيارات الدينية التقشفية. وحب المرء لجسده، على ما قلت آنفاً، والعناية به بشكل صحيح يعتبر من صميم الحياة الروحية ويسهم في ازدهارها. كذلك حب البيئة التي نعيش فيها وتخصيص قليل من الوقت بغية تحسينها وتجميلها يشكل إجراء مماثلاً، لذلك، أكرر، أن نحافظ على المسافة الضرورية كي لا نصبح عبيد أجسادنا وأهوائنا ومساكننا.

لكن الكاتب لا يوافق فلسفة عدم التعلق بالماديات البوذية في امتدادها إلى الأشخاص، فيقول:

فـ(بوذا) يوصي في الواقع بعدم التعلق بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، بمن فيهم الذين هم أقرب إلينا؛ كوالدينا، وزوجاتنا وأبنائنا. هؤلاء أيضاً، يقول (بوذا)، خاضعون، على غرار الكون بأكمله، لقانون عدم الثبات: إنهم سيرحلون ذات يوم، وسينفصلون عنا، ونحن سنتألم من جراء ذاك.

ثم يعقّب (فريدريك لونوار) على رأي (بوذا)، فيقول:

(بوذا) على حق تماماً؛ إذا شئنا تجنب كل أنواع الألم يجدر بنا ألا نتعلق أبداً بأي إنسان كان. ولكن ماذا يحل آنذاك بتجربة الحب، والصداقة اللذين يعتبران شرطاً لاكتمالنا؟ إن انعدام الحب، عطاًء ونيلاً، يجفف النفس. والحال أني لا أعتقد بأن في إمكاننا أن نحب من دون تعلق. ليتنا نستطيع أن نحب ونظل لا مبالين إذا مات الشخص الذي نحب.

بينما تحاول الفلسفة البوذية عدم التعلق بالأشخاص تجنباً لألم فقدانهم يرى الكاتب أن الألم جز طبيعي من الحياة:

فالحياة تقتضي وجع فقدان أشخاص محبوبين. وينبغي قبول ذلك. إن التمزق الناجم عن القطيعة أو الحداد هو الثمن الواجب دفعه للحب. إنه ثمن باهظ، ولكن يبدو لي من الضروري قبوله بوعي تام لنعيش الحياة بصورة كاملة.