أرشيف الوسم: فن

الفن يشكّل الواقع، برأي ليوناردو دافينشي

davinci

ليوناردو  دا فينشي ‏(1452 – 1519) كان موسوعياً ينتمي إلى عصر النهضة حيث كان رساماً، مهندساً، عالم نبات، عالم خرائط، جيولوجياً، موسيقياً، نحاتاً، معمارياً وعالماً إيطالياً مشهوراً. ولأنه كان رجلاً عبقريًا ذا موهبة عالمية في عصر النهضة فقد جسد روح عصره كاملاً مما أدى ذلك إلى اكتشاف كبار نماذج التعبير في مختلف مجالات الفن والمعرفة. ويعتبر أحد أعظم عباقرة البشرية ربما عبقريته التي ميزته أكثر من أي شخصية أخرى، كانت بمثابة التجسد الإنساني المثالي لعصر النهضة. وكثيراً ما وُصف ليوناردو باعتباره رمزٌ لرجل عصر النهضة، ورجل ذو “فضول جامح” وصاحب “خيال إبداعي محموم“.

في كتابه (تأملات في الفن والحياة)، جُعل فصلٌ تحت مسمّى “الفن يشكّل الواقع”، نترجمه لكم حصريًا لدى ساقية. يقول (دا فينشي):

قدر أهمية الخيال لإحداث التأثير، هي كقدر أهمية الظل للجسم المعتم الذي كون هذا الظل، والنسبة متماثلة بين الشعر والرسم. لأن الشعر يكون نتائجه في مخيلة القارئ، و اللوحة تكون نتائجها كحقيقة مجسدة أمام العين، بحيث أن العين تستقبل صورها كما لو أنها من صنع الطبيعة. اما الشعر – على عكس اللوحة – فتتكون نتائجه بدون الإستعانة بصور، ولا تمر نتائجه للعقل من خلال المسار البصري. 
ثم يقول بعد ذلك:
تجسد اللوحة الفنية للعقل خصائص الأعمال الطبيعة بدرجة اكثر مصدقية ودقة من الخطاب الشفهي أو الكتابة. لكن الرسائل – على عكس اللوحة –  تعبر عن الكلمات بدرجة اكثر مصدقية. لكننا نقول أن العلوم التي تجسد أعمال الطبيعة لهي اكثر روعة من العلوم التي تجسد الأعمال الصناعية، بعبارة أخرى الأعمال التي خلقها الإنسان والتي تتكون من كلمات – مثل الشعر – والتي يكون مصدرها لسان الإنسان. 

د. عادل مصطفى شارحًا تاريخ الفن الحديث

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسي، مصري معاصر، حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة، وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005. له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. تحدث د. (عادل) عن تاريخ الفن الحديث في كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن)، والذي يقوم فيه بكتابة نظرته الفلسفية للفن، أو دفاعه عن الفن فلسفيًا كما يعبّر عن ذلك في المقدمة. متكئًا بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل) (1881-1964).

يقول مفتتحًا سرده:

كان الفن في أواسط القرن التاسع عشر في سُبات أقرب إلى الاحتضار. وكان الشطر الأكبر من اللوحات الفنية يهدف إلى المحاكاة الأمينة والترديد الحَرفي للمرئيات الطبيعية الجميلة، لشخصيات مليحة وشواطئ ساحرة ومناظر ريفية خلابة.

في قلب هذا الركود بزغت حركة قلِقة مُقلِقة تنم على حيوية جديدة، هي حركة “الانطباعيين” الفرنسيين. أما لفظة “انطباعية” فقد أطلقها النقاد على مجموعة من المصورين كان (مونيه) فارسها الأشهر. وهي مأخوذة من عنوان لوحة رسمها (مونيه) عام 1872 وسمّاها “انطباع” كناية عن مشهد لشروق الشمس.

 ويكمل بعد ذلك قائلًا:

لقد أعاد الانطباعيون تعليم الناس كيف ينظرون إلى الأشياء من جديد، كما عملوا على صرفهم عن تعاليم فنية كثيرة. تخلّى الانطباعيون عن مهمة إعادة بناء الماضي، وعن التآليف المجازية، وعن التخيلات الرمزية. وأصبح يُقال “الانطباعية إنما تثير الإحساس عوضًا عن إثارة المخيلة”.

 ثم يقول عن الترميز، مختتمًا جملته بمقولة (ألكسندر إليوت) في كتابه (آفاق الفن):

إن الرموز، على حد قول (كلايف بل)، ليست أشكالًا  دالة في عامة الأحوال بل ناقلات خبر شكلية. والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي. وهي جائسة مغلقة لأنها غير مغمورة في إيقاع “التصميم”. وليست الأساطير الشارحة التي اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم بأدخل على الفن البصري من الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. “إن الفن الرمزي المحض -الفن الذي يحتاج إلى مفتاح- ما هو دائمًا إلا بابٌ لخزانة، في حين أن الفن العظيم مصراعٌ مشرعٌ على التجربة العظيمة”.

ويبدو أن الحركة الانطباعية قد فقدت إشعاعها الأول. فيقول:

غير أن تركيز الانطباعيين على السطوح الخارجية للأشياء دفعهم إلى الإقلال من تكتل الموضوعات التي يصورونها وصلابتها، مما جعل فنهم يبدو في كثير من الأحيان خافتًا مائعًا رخوًا مفتقرًا إلى الشكل والصلابة. وفي قلب هذه البوادر الهدمية للحقيقة الواقعية في ظاهرها وُلدت الحاجة إلى إعادة بناء الواقع. وقد تم ذلك على يد (سيزان) أبي الفن الحديث.

ويقتبس عن كتاب (الوجودية) لـ(جون ماكوري):

“يُنظر إلى (بول سيزان) (1839-1906) في العادة على أنه أعظم شخصية مؤثرة في الفن الحديث، وربما تشير أعماله إلى ضرب من التوازي مع الحركة الوجودية، إذ نرى عنده نهاية للأشكال التقليدية في الفن وخلقًا لأشكالٍ جديدة. وهو يمكِّننا من أن نرى الأشياء بطريقة جديدة، وفي علاقات جديدة … إلخ”.

ثم يشرح آثار (سيزان) على الفن، فيقول:

أسس (سيزان)حركة بنائية أعادت للتصوير صلابته ومتانة بنيانه. واستخدم اللون من أجل التعبير عن “ثقل” الأشياء أو تكتلها. ولا يقل عن هذا أهمية ذلك العمق الكبير الذي اتسمت به لوحاته. وهكذا نراه يستطيع أن يخلق تجاوبًا إيقاعيًا بين العلاقات المكانية التي تمتد من وراء مسطح الصورة، فتنقل عين المشاهد فوق المسطحات المتداخلة للوحة ويشعر نتيجة لذلك بالحركة والتوتر. هذه العلاقات “التشكيلية” بين الكتل المصورة تؤلف جزءًا من معنى “الشكل” عند (سيزان).

ثم حصلت نقلة أخرى في تاريخ الفن. يقول د. (عادل):

وبعد حلول القرن العشرين اتجه الفنانون إلى استبعاد جميع آثار “التمثيل”. فالقيم التشكيلية واللونية للتصوير يُمكن أن تُستغل على أكمل نحو عندما لا يكون العمل مضطرًا إلى الاهتمام بمشابهة الواقع. وفي عام 1907 أتم (بيكاسو) رسمته الشهيرة (صبايا أفنينون) التي اعتبرت ثورة في فن التصوير واستبصارًا جديدًا بالواقع، وانبثقت عنها الحركة “التكعيبية”. كانت الدراسات التمهيدية التي قام بها (بيكاسو) قبل إنجاز اللوحة نهائيًا تلخص تطور هذه الثورة. ففي البداية كان المقصود من العمل أن يكون تمثيليًا، بل كان له شيء من الدلالة الأخلاقية. ،في الدراسات التالية أخذ البناء الشكلي للعمل يزداد أهمية، حتى انتهى الأمر إلى حذف العنصر الأخلاقي لصالح تكوينٍ يتألف من هيئة شكلية خالصة، تزداد بالتدريج، أثناء تطورها، تجريدًا وانتزاعًا للقوام الإنساني. وفي العمل النهائي انقسمت الوجوه والأجسام إلى تصميمات من الزوايا والمسطحات.

وبالمثل فإن الألوان في أجزاء الجسم كانت في كثير من الأحيان بعيدة كل البعد عن أية مشابهة مع الحياة. كانت هذه اللوحة إرهاصًا بالحركة التكعيبية التي أوغلت في التجريد وجعلت تحلل الموضوعات الطبيعية إلى تصميمات للسطوح، بطريقة تبلغ في كثير من الأحيان من الابتعاد عن الواقع حدًا لا نستطيع معه أن نعرف ما هو الأنموذج إلا عن طريق عنوان اللوحة.

الفن كخطر على المعاناة الإنسانية عند كازاتاكيس

نيكوس كازانتاكيس
نيكوس كازانتاكيس (1883-1961) كاتب يوناني، مؤلف رواية (زوربا اليوناني) التي تعدّ أكثر أعماله شهرة، والتي أَنتج عنها المخرج (مايكل كاكويانيس) فيلمًا، ولد (نيكوس) في جزيرة كريت اليونانية، وترشح لجائزة نوبل للآداب 1957 لكنها خسرها ليفوز بها (ألبير كامو) بفارق صوت واحد، وفي كتابه (تقرير إلى غريكو) الذي كان صرخته الأخيرة قبل وفاته والذي نشرته زوجته بعد وفاته، يحكي (نيكوس) عن قدرة الفن على الخداع وإغواء الإنسان لجعله ينسى مصابه، ويقول:

ذات مساء كنت متعبًا من مشاعر النهار المرهقة، انكببت على مكتبي وبدأت أقلب كتابًا عن فن عصر النهضة محاولًا  أن أنسى كل ما رأيته وسمعته وعانيته وأنا أتجول منذ الصباح الباكر. أكثر من الخمرة والحب، أكثر خداعًا من الأفكار، هي قدرة الفن على إغراء الإنسان وجعله ينسى. يحل الفن محل الواجب، بكفاحه لتحويل الزائل إلى أزلي ولتحويل معاناة الإنسان إلى جمال.

ويتساءل :

ماذا يهم إن كانت طروادة قد انتهت إلى رماد، وإذا كان بريام وأبناؤه قد قتلوا؟ بأي طريقة كان العالم سيستفيد، وكم كانت روح الإنسان ستزداد فقرًا، لو أن طروادة استمرت في الحياة السعيدة، ولو أن هوميروس لم يأت لتحويل المذبحة إلى أبيات خالدة؟
تمثال، بيت شعر، مأساة، لوحة .. تلك هي النصب التذكارية السامية التي أقامها الإنسان على الأرض
سامية ولكنها أيضًا الأكثر خطرًا على المعاناة الإنسانية اليومية، الفن يعلمنا أن نحتقر الإهتمام اليومي الصغير بالطعام وحتى العدل، إننا ننسى أن هذا هو الجذر الذي غذى الزهرة الخالدة، لقد كان المسيحيون الأوائل على حق في أن يريدوا من فنانيهم أن لا يجعلوا العذراء جميلة في لوحاتهم الدينية، جمالها يغوينا فننسى أنها أم الله.

غاندي: الخط الجميل جزء ضروري من الثقافة

غاندي

موهانداس كرمشاند غاندي (1869-1948) سياسي بارز وزعيم روحي للهند خلال حركة استقلال الهند، المعروف بلقب (المهاتما غاندي)، صاحب مبدأ اللاعنف. في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة)، من ترجمة (منير البعلبكي)، يقول بأنه لا يزال يدفع ثمن إهمال، الاهتمام بجمال الخط.

لست أدري من أين تسرب إلى ذهني أن الخط الجميل ليس جزءًا أساسيًا من الثقافة، ولكني بقيت محتفظًا بهذه الفكرة حتى ذهبت إلى إنكلترة. وحين رأيت في ما بعد، وخاصة في جنوبي إفريقية، جمال خط المحامين والشبان الذين ولدوا وتلقوا علومهم في جنوبي إفريقية، خجلت من نفسي وندمت على إهمالي. لقد رأيت أن سوء الخط يجب أن يعتبر علامة من علامات الثقافة الناقصة. وحاولت منذ ذلك الحين أن أحسن خطي، ولكن بعد فوات الأوان. فلم يكن في ميسوري قط أن أصلح الإهمال الذي فرط في عهد الشباب. فليتعظ كل شاب و كل شابة بما أصابني، وليفهم أن الخط الجميل جزء ضروري من الثقافة. وأنا اليوم من الذين يعتقدون بأن الأطفال يجب أن يعلموا فن الرسم قبل أن يتعلموا كيف يكتبون. دع الطفل يتعلم أحرفه بالملاحظة، كما يتعلم أشياء مختلفة، كالأزهار، والأطيار، إلخ. على أن لا يتعلم الخط  إلا بعد أن يتعلم كيف يرسم الأشياء. إن خطه خليق بأن يصبح، عندئذ، بارعاً جميلاً.

الفن كواقع ثالث برأي رينيه هويغ

CC9sjEJY

رينيه هويغ (1906-1997) كاتب فرنسي في التاريخ وعلم النفس والفلسفة الفنية، له حوار منشور في كتاب مع الفيلسوف الشاعر الياباني (دايساكو إيكيدا) حول الأزمة المعاصرة بعنوان (شرق وغرب حوار في الأزمة المعاصرة).

يرى (هويغ) أن الفن واقع ثالث أنشأه الإنسان بين واقعين أساسين يعيش بينهما، وحول الواقعين يقول:

فهناك من جهة، الواقع المحسوس المنظم في المكان والمكون من المادة والذي تلاحظه أعضاؤنا الحسية، أعضاء جسدنا. ولكن هناك واقعًا آخر هو الواقع الداخلي الذي هو أقل تعلقًا بالمكان منه بالزمان لأنه لا يقع في أي مكان ونقول بحق أنه موجود -داخل رؤوسنا-

وبالنسبة لكل مشاكل الحياة البشرية فإن منشأها عند (هويغ) هو:

أن كل مشكلة الحياة البشرية هي هذا التقاطع وهذا التداخل بين بعد هو المكان الذي يستقر فيه جسدنا وبعد آخر هو الزمان الذي يحمل وينقل حياتنا الواعية واللاشعورية. ذلك أننا زمن، فنحن نهرم في كل ثانية من الزمن فلا نظل نحن بالذات، فالزمن هو جوهر وجودنا الانساني.

وكيف أن الفن يكون واقعاً ثالثًا يتوسط هذين الواقعين يضيف:

أن الفن يستعير من عالم المادة والمكان العناصر جامدة كالحجر والرخام والخشب ..إلخ، فيثبت في هذا العالم وينقش آثار ومرتسم العالم الداخلي، العالم الذاتي.

وهكذا ومع الفن لم تعد فقط للإنسان مساكنة مألوفة بين عالمه الذاتي الذي يحرك حياته الداخلية والعالم الموضوعي الذي يقع فيه جسديًا ويعرض فيه نشاطه.

فهناك اندماج العالمين، اندماجًا مفاجئًا تحقق وتجسد في أثر فني.

يرى هويغ أن الأثر الفني يتألف من قسمين هما:

الأثر الفني له تكوين مادي، هو مادة البناء، وله فضلاً عن ذلك محتوى هو نوع من الحالة الداخلية التي تنبثق منه مثلما يمكن لحياتنا النفسية أن تعبر عنها النظرة.

ونختم بالغاية الأساسية للفن عند (هويغ): “وتبقى غاية الفن الأساسية الانتقال من الزمان إلى المكان”.