أرشيف الوسم: فن

الفن يشكّل الواقع، برأي ليوناردو دافينشي

davinci

ليوناردو  دا فينشي ‏(1452 – 1519) كان موسوعياً ينتمي إلى عصر النهضة حيث كان رساماً، مهندساً، عالم نبات، عالم خرائط، جيولوجياً، موسيقياً، نحاتاً، معمارياً وعالماً إيطالياً مشهوراً. ولأنه كان رجلاً عبقريًا ذا موهبة عالمية في عصر النهضة فقد جسد روح عصره كاملاً مما أدى ذلك إلى اكتشاف كبار نماذج التعبير في مختلف مجالات الفن والمعرفة. ويعتبر أحد أعظم عباقرة البشرية ربما عبقريته التي ميزته أكثر من أي شخصية أخرى، كانت بمثابة التجسد الإنساني المثالي لعصر النهضة. وكثيراً ما وُصف ليوناردو باعتباره رمزٌ لرجل عصر النهضة، ورجل ذو “فضول جامح” وصاحب “خيال إبداعي محموم“.

في كتابه (تأملات في الفن والحياة)، جُعل فصلٌ تحت مسمّى “الفن يشكّل الواقع”، نترجمه لكم حصريًا لدى ساقية. يقول (دا فينشي):

قدر أهمية الخيال لإحداث التأثير، هي كقدر أهمية الظل للجسم المعتم الذي كون هذا الظل، والنسبة متماثلة بين الشعر والرسم. لأن الشعر يكون نتائجه في مخيلة القارئ، و اللوحة تكون نتائجها كحقيقة مجسدة أمام العين، بحيث أن العين تستقبل صورها كما لو أنها من صنع الطبيعة. اما الشعر – على عكس اللوحة – فتتكون نتائجه بدون الإستعانة بصور، ولا تمر نتائجه للعقل من خلال المسار البصري. 
ثم يقول بعد ذلك:
تجسد اللوحة الفنية للعقل خصائص الأعمال الطبيعة بدرجة اكثر مصدقية ودقة من الخطاب الشفهي أو الكتابة. لكن الرسائل – على عكس اللوحة –  تعبر عن الكلمات بدرجة اكثر مصدقية. لكننا نقول أن العلوم التي تجسد أعمال الطبيعة لهي اكثر روعة من العلوم التي تجسد الأعمال الصناعية، بعبارة أخرى الأعمال التي خلقها الإنسان والتي تتكون من كلمات – مثل الشعر – والتي يكون مصدرها لسان الإنسان. 

د. عادل مصطفى شارحًا تاريخ الفن الحديث

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسي، مصري معاصر، حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة، وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005. له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. تحدث د. (عادل) عن تاريخ الفن الحديث في كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن)، والذي يقوم فيه بكتابة نظرته الفلسفية للفن، أو دفاعه عن الفن فلسفيًا كما يعبّر عن ذلك في المقدمة. متكئًا بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل) (1881-1964).

يقول مفتتحًا سرده:

كان الفن في أواسط القرن التاسع عشر في سُبات أقرب إلى الاحتضار. وكان الشطر الأكبر من اللوحات الفنية يهدف إلى المحاكاة الأمينة والترديد الحَرفي للمرئيات الطبيعية الجميلة، لشخصيات مليحة وشواطئ ساحرة ومناظر ريفية خلابة.

في قلب هذا الركود بزغت حركة قلِقة مُقلِقة تنم على حيوية جديدة، هي حركة “الانطباعيين” الفرنسيين. أما لفظة “انطباعية” فقد أطلقها النقاد على مجموعة من المصورين كان (مونيه) فارسها الأشهر. وهي مأخوذة من عنوان لوحة رسمها (مونيه) عام 1872 وسمّاها “انطباع” كناية عن مشهد لشروق الشمس.

 ويكمل بعد ذلك قائلًا:

لقد أعاد الانطباعيون تعليم الناس كيف ينظرون إلى الأشياء من جديد، كما عملوا على صرفهم عن تعاليم فنية كثيرة. تخلّى الانطباعيون عن مهمة إعادة بناء الماضي، وعن التآليف المجازية، وعن التخيلات الرمزية. وأصبح يُقال “الانطباعية إنما تثير الإحساس عوضًا عن إثارة المخيلة”.

 ثم يقول عن الترميز، مختتمًا جملته بمقولة (ألكسندر إليوت) في كتابه (آفاق الفن):

إن الرموز، على حد قول (كلايف بل)، ليست أشكالًا  دالة في عامة الأحوال بل ناقلات خبر شكلية. والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي. وهي جائسة مغلقة لأنها غير مغمورة في إيقاع “التصميم”. وليست الأساطير الشارحة التي اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم بأدخل على الفن البصري من الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. “إن الفن الرمزي المحض -الفن الذي يحتاج إلى مفتاح- ما هو دائمًا إلا بابٌ لخزانة، في حين أن الفن العظيم مصراعٌ مشرعٌ على التجربة العظيمة”.

ويبدو أن الحركة الانطباعية قد فقدت إشعاعها الأول. فيقول:

غير أن تركيز الانطباعيين على السطوح الخارجية للأشياء دفعهم إلى الإقلال من تكتل الموضوعات التي يصورونها وصلابتها، مما جعل فنهم يبدو في كثير من الأحيان خافتًا مائعًا رخوًا مفتقرًا إلى الشكل والصلابة. وفي قلب هذه البوادر الهدمية للحقيقة الواقعية في ظاهرها وُلدت الحاجة إلى إعادة بناء الواقع. وقد تم ذلك على يد (سيزان) أبي الفن الحديث.

ويقتبس عن كتاب (الوجودية) لـ(جون ماكوري):

“يُنظر إلى (بول سيزان) (1839-1906) في العادة على أنه أعظم شخصية مؤثرة في الفن الحديث، وربما تشير أعماله إلى ضرب من التوازي مع الحركة الوجودية، إذ نرى عنده نهاية للأشكال التقليدية في الفن وخلقًا لأشكالٍ جديدة. وهو يمكِّننا من أن نرى الأشياء بطريقة جديدة، وفي علاقات جديدة … إلخ”.

ثم يشرح آثار (سيزان) على الفن، فيقول:

أسس (سيزان)حركة بنائية أعادت للتصوير صلابته ومتانة بنيانه. واستخدم اللون من أجل التعبير عن “ثقل” الأشياء أو تكتلها. ولا يقل عن هذا أهمية ذلك العمق الكبير الذي اتسمت به لوحاته. وهكذا نراه يستطيع أن يخلق تجاوبًا إيقاعيًا بين العلاقات المكانية التي تمتد من وراء مسطح الصورة، فتنقل عين المشاهد فوق المسطحات المتداخلة للوحة ويشعر نتيجة لذلك بالحركة والتوتر. هذه العلاقات “التشكيلية” بين الكتل المصورة تؤلف جزءًا من معنى “الشكل” عند (سيزان).

ثم حصلت نقلة أخرى في تاريخ الفن. يقول د. (عادل):

وبعد حلول القرن العشرين اتجه الفنانون إلى استبعاد جميع آثار “التمثيل”. فالقيم التشكيلية واللونية للتصوير يُمكن أن تُستغل على أكمل نحو عندما لا يكون العمل مضطرًا إلى الاهتمام بمشابهة الواقع. وفي عام 1907 أتم (بيكاسو) رسمته الشهيرة (صبايا أفنينون) التي اعتبرت ثورة في فن التصوير واستبصارًا جديدًا بالواقع، وانبثقت عنها الحركة “التكعيبية”. كانت الدراسات التمهيدية التي قام بها (بيكاسو) قبل إنجاز اللوحة نهائيًا تلخص تطور هذه الثورة. ففي البداية كان المقصود من العمل أن يكون تمثيليًا، بل كان له شيء من الدلالة الأخلاقية. ،في الدراسات التالية أخذ البناء الشكلي للعمل يزداد أهمية، حتى انتهى الأمر إلى حذف العنصر الأخلاقي لصالح تكوينٍ يتألف من هيئة شكلية خالصة، تزداد بالتدريج، أثناء تطورها، تجريدًا وانتزاعًا للقوام الإنساني. وفي العمل النهائي انقسمت الوجوه والأجسام إلى تصميمات من الزوايا والمسطحات.

وبالمثل فإن الألوان في أجزاء الجسم كانت في كثير من الأحيان بعيدة كل البعد عن أية مشابهة مع الحياة. كانت هذه اللوحة إرهاصًا بالحركة التكعيبية التي أوغلت في التجريد وجعلت تحلل الموضوعات الطبيعية إلى تصميمات للسطوح، بطريقة تبلغ في كثير من الأحيان من الابتعاد عن الواقع حدًا لا نستطيع معه أن نعرف ما هو الأنموذج إلا عن طريق عنوان اللوحة.

الفن كخطر على المعاناة الإنسانية عند كازاتاكيس

نيكوس كازانتاكيس
نيكوس كازانتاكيس (1883-1961) كاتب يوناني، مؤلف رواية (زوربا اليوناني) التي تعدّ أكثر أعماله شهرة، والتي أَنتج عنها المخرج (مايكل كاكويانيس) فيلمًا، ولد (نيكوس) في جزيرة كريت اليونانية، وترشح لجائزة نوبل للآداب 1957 لكنها خسرها ليفوز بها (ألبير كامو) بفارق صوت واحد، وفي كتابه (تقرير إلى غريكو) الذي كان صرخته الأخيرة قبل وفاته والذي نشرته زوجته بعد وفاته، يحكي (نيكوس) عن قدرة الفن على الخداع وإغواء الإنسان لجعله ينسى مصابه، ويقول:

ذات مساء كنت متعبًا من مشاعر النهار المرهقة، انكببت على مكتبي وبدأت أقلب كتابًا عن فن عصر النهضة محاولًا  أن أنسى كل ما رأيته وسمعته وعانيته وأنا أتجول منذ الصباح الباكر. أكثر من الخمرة والحب، أكثر خداعًا من الأفكار، هي قدرة الفن على إغراء الإنسان وجعله ينسى. يحل الفن محل الواجب، بكفاحه لتحويل الزائل إلى أزلي ولتحويل معاناة الإنسان إلى جمال.

ويتساءل :

ماذا يهم إن كانت طروادة قد انتهت إلى رماد، وإذا كان بريام وأبناؤه قد قتلوا؟ بأي طريقة كان العالم سيستفيد، وكم كانت روح الإنسان ستزداد فقرًا، لو أن طروادة استمرت في الحياة السعيدة، ولو أن هوميروس لم يأت لتحويل المذبحة إلى أبيات خالدة؟
تمثال، بيت شعر، مأساة، لوحة .. تلك هي النصب التذكارية السامية التي أقامها الإنسان على الأرض
سامية ولكنها أيضًا الأكثر خطرًا على المعاناة الإنسانية اليومية، الفن يعلمنا أن نحتقر الإهتمام اليومي الصغير بالطعام وحتى العدل، إننا ننسى أن هذا هو الجذر الذي غذى الزهرة الخالدة، لقد كان المسيحيون الأوائل على حق في أن يريدوا من فنانيهم أن لا يجعلوا العذراء جميلة في لوحاتهم الدينية، جمالها يغوينا فننسى أنها أم الله.

غاندي .. الخط الجميل ضرورة ثقافية

موهانداس كرمشاند غاندي (1869-1948) سياسي بارز وزعيم روحي للهند خلال حركة استقلال الهند، المعروف بلقب (المهاتما غاندي)، صاحب مبدأ اللاعنف. في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة)، من ترجمة (منير البعلبكي)، يقول بأنه لا يزال يدفع ثمن إهمال، الاهتمام بجمال الخط.

لست أدري من أين تسرب إلى ذهني أن الخط الجميل ليس جزءًا أساسيًا من الثقافة، ولكني بقيت محتفظًا بهذه الفكرة حتى ذهبت إلى إنكلترة.

وحين رأيت في ما بعد، وخاصة في جنوبي إفريقية، جمال خط المحامين والشبان الذين ولدوا وتلقوا علومهم في جنوبي إفريقية، خجلت من نفسي وندمت على إهمالي. لقد رأيت أن سوء الخط يجب أن يعتبر علامة من علامات الثقافة الناقصة. وحاولت منذ ذلك الحين أن أحسن خطي، ولكن بعد فوات الأوان.

فلم يكن في ميسوري قط أن أصلح الإهمال الذي فرط في عهد الشباب. فليتعظ كل شاب و كل شابة بما أصابني، وليفهم أن الخط الجميل جزء ضروري من الثقافة. وأنا اليوم من الذين يعتقدون بأن الأطفال يجب أن يعلموا فن الرسم قبل أن يتعلموا كيف يكتبون.

دع الطفل يتعلم أحرفه بالملاحظة، كما يتعلم أشياء مختلفة، كالأزهار، والأطيار، إلخ. على أن لا يتعلم الخط  إلا بعد أن يتعلم كيف يرسم الأشياء. إن خطه خليق بأن يصبح، عندئذ، بارعاً جميلاً.

الفن كواقع ثالث برأي رينيه هويغ

CC9sjEJY

رينيه هويغ (1906-1997) كاتب فرنسي في التاريخ وعلم النفس والفلسفة الفنية، له حوار منشور في كتاب مع الفيلسوف الشاعر الياباني (دايساكو إيكيدا) حول الأزمة المعاصرة بعنوان (شرق وغرب حوار في الأزمة المعاصرة).

يرى (هويغ) أن الفن واقع ثالث أنشأه الإنسان بين واقعين أساسين يعيش بينهما، وحول الواقعين يقول:

فهناك من جهة، الواقع المحسوس المنظم في المكان والمكون من المادة والذي تلاحظه أعضاؤنا الحسية، أعضاء جسدنا. ولكن هناك واقعًا آخر هو الواقع الداخلي الذي هو أقل تعلقًا بالمكان منه بالزمان لأنه لا يقع في أي مكان ونقول بحق أنه موجود -داخل رؤوسنا-

وبالنسبة لكل مشاكل الحياة البشرية فإن منشأها عند (هويغ) هو:

أن كل مشكلة الحياة البشرية هي هذا التقاطع وهذا التداخل بين بعد هو المكان الذي يستقر فيه جسدنا وبعد آخر هو الزمان الذي يحمل وينقل حياتنا الواعية واللاشعورية. ذلك أننا زمن، فنحن نهرم في كل ثانية من الزمن فلا نظل نحن بالذات، فالزمن هو جوهر وجودنا الانساني.

وكيف أن الفن يكون واقعاً ثالثًا يتوسط هذين الواقعين يضيف:

أن الفن يستعير من عالم المادة والمكان العناصر جامدة كالحجر والرخام والخشب ..إلخ، فيثبت في هذا العالم وينقش آثار ومرتسم العالم الداخلي، العالم الذاتي.

وهكذا ومع الفن لم تعد فقط للإنسان مساكنة مألوفة بين عالمه الذاتي الذي يحرك حياته الداخلية والعالم الموضوعي الذي يقع فيه جسديًا ويعرض فيه نشاطه.

فهناك اندماج العالمين، اندماجًا مفاجئًا تحقق وتجسد في أثر فني.

يرى هويغ أن الأثر الفني يتألف من قسمين هما:

الأثر الفني له تكوين مادي، هو مادة البناء، وله فضلاً عن ذلك محتوى هو نوع من الحالة الداخلية التي تنبثق منه مثلما يمكن لحياتنا النفسية أن تعبر عنها النظرة.

ونختم بالغاية الأساسية للفن عند (هويغ): “وتبقى غاية الفن الأساسية الانتقال من الزمان إلى المكان”.

 

عن الفن والأدب، من مذكرات سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1964-1980، والتي نُشرت باسم (كما يسخر الوعي للجسد)، تحدثت عن الفن والأدب. فتقول في تعريفها للفن، ولأهميته:

الفن هو نتاج أحداث عقلية في / كشكل حسي متماسك. [١٩٧٩]

الفن هو الشرط النهائي لكل شيء. [١٩٦٨]

الفن هو شكل من أشكال التربية، للوعي وللروح. [١٩٦٤]

ثم تقول عن الكتابة:

الكتابة هي باب ضيق. بعض الخيالات، مثل قطع كبيرة من الأثاث، لن تنفذ منه. [١٩٦٤]

ثم تتطرق إلى صفات الفن العظيم، فتقول بأنه مبنيٌّ على حالة خالصة من التأمل:

كل الفن العظيم يضم في المركز منه تأمل، تأمل ديناميكي. [١٩٦٤]

وتتابع عن وظيفة الكتابة، قائلة:

وظيفة الكتابة هي نَسف موضوع المرء، وتحويله إلى شيء آخر. الكتابة هي سلاسل من تحوّلات.

الكتابة تعني تحويل عوائق وتحديات المرء إلى فوائد. على سبيل المثال، أنا لا أحب ما أكتب. لا بأس، إذن تلك هي أيضًا طريقة للكتابة، طريقة يمكن بها الوصول إلى نتائج مشوقة. [١٩٧٦]

وتتابع عن أهمية الكلمات:

للكلمات رسوخها الخاص. الكلمة على الصفحة قد لا تكتشف (ربما تخفي) ضعف العقل. كل الأفكار تجد نفسها في مستوى أعلى – تصبح أكثر وضوحًا، تحديدًا، نفوذًا، حالما تطبع على الورقة- هذا يعني، أنها تنفصل عن الشخص الذي فكّر فيها.

خداع محتمل -على الأقل محتمل- في كل الكتابات. [١٩٦٤]

كما تقول في موضع آخر:

اللغة العادية هي تراكم من أكاذيب. لغة الأدب، لذلك، يجب أن تكون لغة خَرْق، قطيعة مع أنظمة فردية، تحطم قهر نفسي. الوظيفة الوحيدة للأدب تكمن في تعرية الذات في التاريخ. [١٩٨٠]

وتقول أيضًا بأن الكتابة تساعد في طرد الأفكار السلبية:

التعبير عن شعور، انطباع ،يعني تصغيره، طرده.

لكن المشاعر أحيانًا قوية جدًا: هيام، وسواس. مثل حب رومانسي. أو أسى. عندئذ يحتاج المرء إلى الكلام، وإلا سيتفرقع. [١٩٦٤]

 وتتابع:

افترض أن لدي مشاعر كئيبة أريد مقاومتها. مشاعر تسبب في شيء أنا أفعله أو أقوله بتكرار وأتمنى لو لم أفعل.

لو أنّي أقمع السلوك فحسب، إن كان ذلك ممكنًا، لأعدت شحن المشاعر التي تقف وراءه.

وصفة لقتل المشاعر: “عبّر عنها بشكل مبالغ فيه”.

الكدر الذي يشعر به المرء عندئذ، يكون جديرًا بالتذكر، وعلاجيًا أيضًا. [١٩٦٤]

ثم تنتقل بعد ذلك إلى نصائح في الكتابة:

من يريد الكتابة عليه أن يرتدي غمامتين. أنا أضعت غمامتي.

لا تخش أن تكون موجزًا. [١٩٧٩]

وتقول:

أن تكون فنانًا يعني أن تفشل، كما لم يجرؤ أحد آخر على الفشل من قبل .. الفشل هو عالمه. [١٩٦٦]

وتقتبس عن (فيكتور هوغو) مقولته:

حكمة (فيكتور هوغو): “موجزية في الأسلوب، دقة في الفكر، عزم في الحياة”. [١٩٦٨]

وتكمل نصائحها للكتابة الأدبية العظيمة، فتقول:

كي تكون كاتبًا عظيمًا:

اعرف كل شيء حول الصفات والتنقيط.

تملّك ذكاء أخلاقيًا – الذي يخلق سلطة حقيقية في الكاتب. [١٩٧٤]

ثمة موضوعان لرواية نبيلة: القداسة، ومشكلة الحضارة. [١٩٧٥]

وأخيرًا، تكمل نصيحة أخيرة، تبدو متناسقة مع رؤيتها للكتابة بأنها وسيلة علاجية:

القصة الوحيدة التي تبدو جديرة بالكتابة هي بكاء، صياح، صراخ. يجب أن تستحق القصة قلب القارئ. يجب على القصة أن تضرب الوتر الحساس فيّ. قلبي ينبغي أن يبدأ بالخفقان عندما أسمع أول سطر في رأسي. من الإثارة أبدأ بالارتعاش. [١٩٧٣]

أما عن الشهرة فتقول:

كي تكون شهيرًا من أجل أن تصل إلى الناس، لا تكن وحيدًا. [١٩٦٦]

وتقتبس عن (برودسكي) مقولة يقول فيها:

(جوزيف برودسكي): “إن كُنت ترغب في أن يُستشهد بك، لا تستشهد بأحد”. [١٩٧٧]

ننتقل بعد ذلك إلى تساؤلها عما إذا كان من الممكن أن يكون الجميع فنانين:

مقولة أنه في وضع مثالي سيكون “كل” شخص فنانًا، كليشيه يوتوبية خرقاء، هي ليست أكثر من أن الجميع يمكن أن يكونوا علماء.

ماذا سيفعل العالم مع كل تلك الأشياء؟

جعل الفن عامًا سيكون كارثة أيكولوجية. فكرة إنتاجية لا متناهية.

لا أفضل من فكرة اختراعية لا متناهية، تكنولوجية، أو اكتساب معرفة لا متناهية. مفهوم الحدود.

الخوف من الاشتراك بأنشطة “نخبوية” هو ما يجعل الناس يقولون: إن من المثالي أن يكون كل شخص فنانًا. لكن بعض الأنشطة هي ممكنة إذا ما قام بها بعض الأشخاص.

الحالة الوحيدة التي يمكن أن يصبح فيها الجميع فنانين إذا كان الفن مفهومًا بشكل حصري بوصفه “أداء”، أو فن النفاية. هو إذن فن ينتجه الناس، وإذا أفضى إلى شيء لن يكون عليك، أو تكون قادرًا على، الاحتفاظ به، وضعه في متحف. لذلك يمكن كَيْج الحق في القول أنه فيما خصه يجب أن يصبح الجميع فنانين. فكرته عن الفن توفر نتاجات ملموسة قليلة. لا شيء للاحتفاظ به، لجعله مَعْلمًا. إنه يدمر ذاته. [١٩٧٢]

ثم تنتقل للحديث عن الرقابة، ودورها في الفن والأدب:

حين لا يكون ثمة رقابة، لا يكون للكاتب أهمية.

لهذا ليس من السهل أن تكون ضد الرقابة. [١٩٧٧]

أنا ضد الرقابة. بكل أشكالها. لا فقط من أجل أن تكون الأعمال الكبيرة -الفن الراقي- فاضحة. [١٩٦٥]

أما عن النقد الأدبي أو الفني فتقول:

قراءة النقد تعوق القنوات التي يحصل المرء عبرها على أفكار جديدة: كوليسترول ثقافي.

جهلنا هو كنز، يجب أن لا يُستهلك“. (فاليري) [١٩٦٤]

وأخيرًا، اعتادت (سونتاغ) على الكتابة بشكل سري، في مذكراتها الشخصية، وبشكل مستمر، وذلك بهدف استنطاق كلمات صادقات أكثر، لا تولي الكثير لرأي الآخرين. تقول عن ذلك:

ينبغي أن تكون الكتابة شيئًا سريًا، رذيلة الكلمات أن تصبح فضالة أو مكثفة أكثر. [١٩٦٦]

ربما لهذا السبب أنا أكتب في يوميات. ذلك يبدو مناسبًا. أعرف أنني وحيدة. أنا القارئ الوحيد لما أكتب هنا -لكن المعرفة لا تؤلك بالعكس أشعر بأنني أقوى بها، أقوى كل مرة أكتب فيها شيئًا. لا أستطيع التحدث إلى نفسي، لكنني أستطيع الكتابة. [١٩٦٨]

ثم تقول:

فقدت الشجاعة فيما يتعلق بالكتابة. وما يتعلق بحياتي لكن لا بأس. يجب أن أكتب من دونها.

إن كنت أعجز عن الكتابة لأنني خائفة من أن أكون كاتبة سيئة، إذن ينبغي أن أكون كاتبة سيئة. على الأقل أنا أكتب.

عندئذ شيء آخر سيحدث. هو دائمًا يحدث.

يجب أن أكتب كل يوم. أي شيء. كل شيء. أحمل دفتر ملاحظات معي طوال الوقت، إلخ.

أقرأ كتاباتي النقدية السيئة. أريد التوغل في عمقه، فقد الشجاعة هذا. [١٩٧٩]

آلان باديو يتحدث عن علاقة المسرح والفن بالحب

(آلان باديو) من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث). وككاتب مسرحي، شارك في شبابه بالتمثيل في عدد من المسرحيات.

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة.

يقول عن الفن، مستفتحًا حديثه الشيق:

يتمتّع الفن بنقطة قوية جدًا وهي تحقيق العدالة للحدث. هذا يمكن أن يصبح حتى تعريفًا من ضمن التعريفات المحتملة للفن: الفن هو ما يقوم بتحقيق العدالة تحقيقًا كاملًا للحدث. على المستوى الفكري. في السياسة، يقوم التاريخ بترتيب الأحداث بعد وقوعها.
لكن الفن متفردًا في استعادة أو محاولة استعادة، كامل قوتها الكثيفة. وحده الفن يستعيد بُعد المعاني للقاء، للثورة، للتمرد. إن الفن في كل أشكاله هو تأمل عظيم للحدث كما هو.
 
 
ثم يتحدث عن سبب حبه للمسرح، وعن تشابه التمثيل على المسرح مع دخول الإنسان في علاقة حب يقول:
 
حبي للمسرح معقد جدًا ويعود إلى زمن طويل. لعله أكثر قوة من حبي للفلسفة. يأتي حبي للفلسفة لاحقًا، ببطء وبصعوبة أعظم.
أعتقد أن ما بَهَرني في المسرح، حين كنت شابًا ومثّلت، ذلك الشعور الذي انتابني فورًا بأن جزءًا ما من اللغة والشعر مرتبطان بالجسد على نحو لا يمكن التعبير عنه تقريبًا.
وربما كان المسرح في الأساس بالنسبة لي، استعارة لما قد يكون الحب في ما بعد، لأنه كان اللحظة التي تلاشت فيها الحدود بين الفكر والجسد على نحو ما. فهما مكشوفان لبعضهما بطريقة لا يمكن أن تقول معها: “هذا جسد” أو “هذه فكرة”. الاثنان ممتزجان، تحاصر اللغة الجسد.
بالضبط مثلما تقول لشخص ما: “أحبك”، إنك تقول ذلك لشخص ما على قيد الحياة، يقف أمامك، لكنك تخاطب كذلك شيئًا ما لا يمكن اختصاره إلى هذا الحضور المادي البسيط، شيئًا ما يتجاوزه ويتضمّنه كلية، في الوقت ذاته. هذا هو المسرح، في أصوله؛ إنه الفكرة في الجسد. إنه الفكرة في الجسد.
 يمكن أن أكرر كلمة فكرة مرة أخرى بمعنى آخر.
لأن المسرح، كما نعرف، يعني التكرار. يقول المخرج: “فلنكرر المشهد مرة أخرى”. لا تندمج الفكرة بسهولة في الجسد. إنها مسألة معقدة: علاقة الفكرة بالمكان مع الإيماءات التمثيلية. لابد أن تكون عفوية ومدروسة في الوقت ذاته. هذا ما يحدث في الحب أيضًا. الرغبة قوة آنية، لكن الحب يتطلب فوق ذلك الاستئناف والرعاية. يعرف الحب نظام التكرار. “قل مرة ثانية إنك تحبني”، وفي أحيان كثيرة: “قلها بشكل أفضل من هذا”.
وتبدأ دائمًا الرغبة مرة أخرى. يمكن أن نسمع، أثناء الملاطفات، كما لو أن الحب يسكنها “أكثر .. أكثر”؛ نقطة حيث يعزز الحاجة إلى الحركة إصرار الكلمة، والإعلان الجديد دائمًا. نحن نعرف تمامًا أن قضية أداء الحب في المسرح حاسمة، وتدور كلها تحديدًا حول مسألة الإعلان. ولأنه يوجد، كذلك، مسرح الحب هذا وأداء الحب والصدفة، القويان جدًا، على الأقل بالنسبة لي، أحمل هذا الحب للمسرح.
 
هل يؤيد (باديو) مقولة (فيتز): “هذا ما أردت أن أقدمه مسرحيًا دائمًا: أن أعرض القوة العنيفة للأفكار، كيف تلوي الأجساد وتعذبها”. يقول (باديو):
 
بالتأكيد. أنت تعرف، (بيسوا)، الشاعر البرتغالي، يقول في مكان ما: “الحب فكرة”.هذه جملة تنطوي على المفارقة. ظاهريًا، لأن الجميع يقول دائمًا إن الحب هو الجسد، هو الرغبة، هو المشاعر، إنه أي شيء آخر سوى أن يكون الحب العقل والفكرة.
وهو يقول “الحب فكرة”. أعتقد بأنه محق.
أعتقد بأن الحب فكرة وأن العلاقة بين تلك الفكرة والجسد علاقة فريدة تمامًا، ويعلّمها دائمًا كما يقول (فيتز) العنف الجامح.
نختبر هذا العنف في الحياة، وحقيقي جدًا أن الحب يمكن أن يلوي أجسادنا ويثير أقسى أنواع العذابات. وإن الحب كما يمكن أن نلاحظ، ليس نهرًا طويلًا هادئًا، لا نستطيع أن ننسى تمامًا العدد المرعب من قصص الحب التي أدت إلى الانتحار أو القتل. إن الحب في المسرح ليس فقط، ولا حتى أساسًا، فارسًا جنسيًا أو قصة رومانسية بريئة. إنه تراجيديا، ورفض وغضب كذلك. إن العلاقة بين المسرح والحب هي كذلك علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد ووصف لهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين.
 
 ويتحدث بعد ذلك عن علاقة المسرح والحب، فيتساءل بداية:
لابد أن نسأل كذلك، وهذا يتصل بسؤالك السابق، ما الذي كان سيقدمه المسرح لو أن الحب غير موجود؟
 
 
يجيب:
كان يمكن أن يتحدث، وقد فعل، مطوّلًا عن السياسة. إذًا، نستطيع أن نقول أن المسرح هو السياسة والحب وتقاطعاتهما عمومًا.
إن تقاطع السياسة والحب تعريف محتمل للتراجيديا. لكن حب المسرح هو بالضرورة، حب الحب كذلك. لأنه من دون قصص الحب، ومن دون الصراع من أجل تحرير الحب من قيود العائلة، لن يضيف للمسرح الكثير من الحب.
إن الكوميديا الكلاسيكية مثل مسرحيات (موليير) تقول لنا أساسًا كيف أن الشباب الذين تلاقوا صدفة يجب أن يقللوا من قيمة الزواج الذي رتّبه لهم آباؤهم. أما الصراع الأكثر شيوعًا، والأكثر توظيفًا على خشبة المسرح هو صراع حب الصدفة في مواجهة القانون العنيد.
أما الأكثر براعة فهو صراع الشباب الذي يدعمه البروليتيا (العبيد والخدم)، في مواجهة القديم/العجوز الذي تدعمه الكنيسة والدولة.

فلسفة الجمال برأي فيليب هيبل

صدر مؤخراً عن مجموعة النيل، الطبعة العربية لكتاب “مدخل إلى علم الفلسفة الحديثة: اتبع خطوات الأرنب” لـ(فيليب هيبل) و من ترجمة (رانيا خليف).
 ومما أفرد فيه فصلاَ ماتعاً عَنْونه بالمتعة: فن الجمال، حيث طرح من خلاله تساؤلات حول ماهيّة الجمال.
 وبادئ ذي بدء تطرّق إلى علم الجمال الفلسفي، ووضّح بقصده بأنه علم الجمال والفن، ولكنه فضّل فصْل الجمال والشهوة والمتعة من ناحية، والفن والإبداع من ناحية أخرى.
و هذا الخليط تناوله (سقراط) في شخصية (إيروس): إله الحب و الرغبة، وحول تأثيره في حياة الناس، أو بتعبير أدق حياة الرجل. وفقاً لما رآه (سقراط) فإن بداخل كل رجل (إيروس)، أو شغف بالجمال.
يبدأ هذا الشغف بحب الأطفال الجميلين، ثم يتحول إلى حس جمالي تجاه الأشياء والأفعال، وعدد قليل من الناس يتطوّر إلى شغف بالمعرفة أو بالفلسفة، وبالتالي فإن التأمل باعتباره علامة من علامات النضج الفكري شيء يتميز به الجميع، ولكنه يقتصر على أولئك الأشخاص أصحاب الذوق الرفيع.
يرى (هيبل) بالفصْل بين الجمال و الفن، ويؤكد ذلك بقوله:
هناك فنون غير جميلة، وهناك جمال ليس فناً، مثل جمال الطبيعة.
وهذا يطرح تساؤلات حول علم الجمال الفلسفي منها:
ماهو الجمال؟ و ماهو الفن؟ 
ظلّ هناك ارتباط وثيق بين الاثنين لفترة طويلة، فقد ظل الفنانون يصنعون أعمالاً تخاطب الحواس بصورة إيجابية حتى عصرنا الحديث: مثل تماثيل الرخام الرشيقة، و السيمفونيات التي تدغدغ الآذان، و القصور الفخمة، وحركات الرقص السلسة، أما اليوم؛ فالجمال منفصل عن الفن، فالتصوير الفوتوغرافي للموضة والتصميم وموسيقى البوب مازالوا يخاطبون حاسة الجمال لدينا بصورة مباشرة، لكن الكثير من أعمال الفن لم تعد كذلك.
سؤال آخر وهو: هل هناك شيء جميل على المستوى العالمي، بمعنى: هل هناك شيء مّا يراه الناس جميلاً؟
قد تبدو أسئلة (سقراط) صالحة بالنسبة لرجال أثينا الأحرار القدماء، لكن السؤال هنا: هل يمكن تطبيقها على الرجال و النساء في كل العصور و كل الثقافات؟
يقول (هيبل):
إن من المثير للدهشة أن سقراط لم يتطرق في حواراته إلى السؤال عمّا يجعل الإنسان جميلاً!
هل يُمكننا الثقة في الأحكام التي نطلقها؟ 
تشير التجارب إلى أن ألفة الشعار، والاسم، والعلامة التجارية، قد تتفوق على تجربة المذاق الأصلي، فكلما كنا نرى الشعار كثيراً بدا لنا طعم ذلك المشروب الأسود أفضل. أو ربما نتخيل ذلك، إذن لن يستطيع مشروب أفري كولا أن يُجاري بيبسي أو كوكا كولا.
هناك خبر مفرح لصناع الإعلانات، وهو أن الحملة الدعائية الجيدة تستطيع التأثير على الأحكام المعروفة حول إحدى التجارب الأساسية، ألا وهي تجربة التذوق، وهذا يعني من منظور علم الجمال أننا كثيراً مّانخدع أنفسنا و بالتالي لا يمكننا أن نثق في أحكام الذوق التي نصدرها، إننا نادراً مانقول عن الكولا أن مذاقها جيد، لكن من حيث المبدأ يبدو أن تفضيلنا للمشروبات المنعشة لايختلف عن تفضيلنا للروائح، الألوان وحتى الأصوات.
يُطلق على هذا التناقض بين الشعور و الأحكام مصطلح: التنافر الإدراكي، فقد نخطئ في تقييم تجاربنا الجميلة و الممتعة لكثير من الأسباب:
لأننا نخدع أنفسنا، أو لأن ثمة إجابة معينة هي المتوقعة، أو لأننا تعودنا على التحدث بهذه الطريقة، وكي يصبح المرء أكثر وعياً فيجب عليه أن يثق في تجربته الشخصيّة.
نحن نقيّم تجاربنا بكل حكم نصدره، شئنا ذلك أم أبينا، وفي بعض الأحيان يستخدم الناس نفس معيار التقييم، فمن منا لم يجد خطاب أوباما في برلين قوياً و رائعاً؟
لكن المعيار غالباً ما يكون فردياً للغاية، فنحن نعبر في كل حالة عن علاقة بين الإنسان والجماد، على سبيل المثال: سلمى ترى الورود جميلة، وليست قبيحة أو عادية.
أما في المتعة الخالصة: 
فيعتبر (كانط) من رواد نظرية الجمال السببية الحديثة، والتي تقول: أن الشيء الجميل هو الذي يسبب المتعة. وحتى يومنا هذا وأفكار (كانط) الأساسية تهيمن على علم الجمال، لكن في نقده لقوة الحكم لم يتحدث عن “المتعة” و لكنه تحدث عن  “الإعجاب غير المغرض”، لأن الشيء يكون جميلاً عندما يعجبنا بصرف النظر عن مصالحنا و ميولنا، وإليك المثال التالي:
الآباء يجدون رسومات أبنائهم جميلة، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يعتقدون أن لوحة مّا جميلة و هم لا يعرفون صاحبها فذلك هو الإعجاب غير المغرض.
حتى اليوم يتساءل الفلاسفة: مالذي يميز متعة الجمال عن المتعة العادية، لكن هل هذا الاختلاف موجود فعلا؟
إن رؤية الشيء جميلاً تعتمد على أمرين. أولاً: خصائصه، ففي بلاد العجائب كانت (أليس) تعتبر ملكة القلوب بنوافيرها وأحواض زهورها الجميلة. و لم يحدث ذلك مع الحدائق القاحلة المقفرة.
ثانياً: صفات الإنسان، فلو أن (أليس) كانت مكتئبة أو محبطة لما وجدت حديقة الزهور جميلة، والكثير من الفلاسفة ينظرون فقط إلى الأشياء الجميلة و ينسون الرائي.
كل تجربة تسجل لدى الرائي قيمة معينة على مقياس المتعة، سواءً كانت إيجابية أو سلبية، و في بعض الأحيان من الصعب تحديد التجربة، لكن معظم الحالات تكون واضحة، وعندما يخلق فينا شيء ما السرور و المتعة، فإننا ننقل الجمال من التجربة إلى المصدر، فنحن نصف بعض الأشياء مثل سوناتات البيانو أو المناظر الطبيعية بأنها جميلة، لأنها تحدث دائماً نفس المعايشة، ويمكن أن تصف أكثر من شخص بأنه جميل، ويخمن أن ذلك الثبات يجعلنا نعتاد التركيز على الحواس البعيدة و هي النظر و السمع، ونتجاهل الحواس القريبة مثل اللمس أو اشم أو التذوق لأن مصادر التحفيز هنا تتلاشى بصورة أسرع.
يعقب ذلك بقوله: 
تعتمد المتعة على العوامل الذاتية: على شكل اليوم وخصائصنا الفردية وألفتنا للأشياء وتوقعاتنا.
يعتقد بعض الفلاسفة أن المتعة لابد أن تظهر مع التجربة في نفس الوقت، ولكن هذا ليس صحيحاً، فقد يظل الإنسان مأخوذاً لساعات بعد خروجه من حفلة موسيقية حتى و إن كانت الموسيقى قد تلاشت من وعيه منذ فترة طويلة، فليس من الضروري أن تتطابق مرحلة السمع مع مرحلة المتعة.
كان (إدموند بيرك) المعاصر لـ(كانط) أقل حساسية، ووفقاً لرأيه تكون الأشياء جميلة لأنها مشرقة أو صغيرة أو شفافة أو ملساء، و من الأمثلة التي ساقها على ذلك: الأحجار الكريمة و الحمام و النساء صاحبات الشعر الأملس والجلد الخالي من العيوب.
ومن الواضح أن هذه القائمة تكشف عن اهتمامات (بيرك) الشخصية و التفضيلات التي كانت سائدة في عصره.
و ينتقد رأي (بيرك) بقوله:
الخطأ الذي ارتكبه (بيرك) و غيره أنهم اعتبروا الجمال شيئاً مجسماً، ولذلك لم تعد النظريات الحديثة تركز على الأشياء المفردة، و لكنها تتحدث عن الانسجام والتعقيد والتماثل، عن العلاقات والبساطة. أي أنها تتناول بُنية الأشياء الجميلة، فقد تتغير الموضة أو أنواع الموسيقى لكن مبادئ التصميم الأساسية تظل كما هي، فليس هناك من يُعجب بالتنافر، هذا مايقوله أنصار النظريات، كما أن كل شخص يرغب في أن تبدو ملابسه مقنعة.
لكن حتى النظريات المجردة بها ثغرات، ذلك لأن مبادئها غالباً ماتكون عامة للغاية، فأحياناً تكون البساطة جميلة، وأحياناً أخرى يكون التعقيد جميلاً، وأحياناً يكون الشيء الجديد جميلاً، فكل شيء سواءً كان بسيطاً أو معقداً، معروفاً أو جديداً يمكن أن يكون جميلاً، فنحن نعرف ذلك بطريقة أو بأخرى.
و لهذا لم تعد هذه النظرية مُجدية، لو لم ننظر إلى الأشياء ونظرنا إلى المتفرج لوجدنا أن البساطة أو التماثل أو الألفة تكشف لنا عن أفضليات هذا المتفرج.
ماهو الحال مع الألفة؟ 
بعض الباحثين اعتبروا الألفة نوعًا من أنواع الجمال من الدرجة الثانية، لكن هذا الزعم قصير النظر. فغالباً ما تكون الأشياء الجديدة وغير المعروفة أكثر جمالاً من الأشياء المألوفة، والأرجح أن الألفة تعمل كمحفز للذوق، لكن هذا لا يحدث إلا مع الأشياء التي اعتبرناها قبل ذلك جميلة أو على الأقل محايدة، فألفة الأشياء القبيحة والجيران السيئين لا تجعلهم يبدون أكثر جمالاً.
الألفة والبساطة و التماثل ربما يكون ذلك الارتباط الجمالي بسيطاً للغاية، فمثلما يدفعنا الخوف أو الألم إلى تجنب مصادر الخطر فإن المتعة تجعلنا دائماً نبحث عن الأشياء الجميلة و الممتعة.
 وماهي المقوّمات التي يجب أن يمتلكها الفنان كي يصبح مبدعاً؟ 
 يقول الفيلسوف (يوهان جوتفريد هردر): “إن الفن يأتي من المقدرة و المعرفة“. لكن لا يبدو واضحاً ماكان (هيردر) يقصد بذلك الشيء، و قد عبر الممثل الكوميدي (كارل فالنتين) عن تلك العلاقة بصورة أوضح من (هيردر) و ذلك عندما قال: “الفن يأتي من المقدرة، لكن إذا جاء من الرغبة فهو إذن رغبة فنية“
واليوم، أصبح التمييز بين الفنان الحقيقي والغير حقيقي أمراً صعباً، فقد كانت المهارات اليدوية قديماً هي العنصر الحاسم، أما اليوم فالعنصر الحاسم هو موهبتك في الدخول لسوق الفن.
وقد يقول واحد من غير المثقفين على المستوى الفني: “حتى طفلي الصغير يستطيع أن يفعل ذلك!”، لكن الشخص المتذاكي سيقول: “عليك أن تبدأ أولاً“، والاثنان غير محقين، لأنه لا توجد معايير موضوعية لجودة الفن الحديث، فإن الفنان ليس مضطراً لأن يكون أصلياً للغاية، فالفن اليوم يعتمد على فهم سيكولوجية سوق الفن، أي لعبة السلطة التي يمارسها أصحاب المعارض الفنية و منظموها. والسؤال من يحتفي بمن؟ و من الذي يوصي؟ و بمن يوصي؟ و ماهي العداوات المشتعلة داخل مجلس منظمي المعارض؟ و من الذي يكتب النقد المهم؟
يُجيب قائلاً:
سوف تعثر دائماً على سبب واحد على الأقل يجعل العمل جيداً على المستوى الفني: مثلاً أن يكون استفزازياً لأنه خام، أو عميقاً لأنه رقيق، أو مميزاً لأنه يملأ المساحات أو يتركها خالية. فلا توجد معايير، وبالتالي فإن الخطاب الفني يبدو غريباً للغاية.
أما عن الفن المعاصر فيقول:
الكثير من الفنانين المعاصرين يزعمون أنهم لا يريدون صناعة فن جميل، و لكنهم يفضلون التشكيك في عادات الرؤية أو هدم شيء معين مثل الهياكل القديمة. وقد كان لـ(كافكا) نفس الرأي فيما يخص الأدب: “يجب أن يصبح الكتاب هو الفأس الذي يحفر البحر المتجمد بداخلنا”.
وسواءً كان هذا الفأس هو العتلة أو الزخرفة فإن كل تلك التعبيرات المجازية تتناول تأثير الأعمال علينا سواءً كان تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، و لهذا يمكن تصنيف الفنون وفقاً لتأثيراتها، فهناك الموسيقى، وعلى النهاية الأخرى يوجد الأدب الذي يخاطب أولاً أفكارنا ومخيلتنا وبعدها يثير فينا المشاعر، أما الفنون الجميلة فهي تخدم كل مايقع بين النهايتين المتطرفتين للموسيقى والأدب: فبعض الأعمال تطير العقول وتصيبنا بالاضطراب و تفاجئنا بغتة و بطريقة مباشرة دون أن نعرف لماذا.
أما بعضها الآخر فنلجأ إلى تفسيره و تصنيفه، فلا نفهم السخرية و الرموز إلا بعد تفكير متأنِ، و بعض الأعمال تفتقر إلى متعة الجمال وبعض الأعمال الأخرى تكون متعة الجمال مجرد تأثير واحد. من بين تأثيرات أخرى عديدة، فهل يمكن تفسير التأثيرات الأخرى؟ 
لفترة طويلة ظل النقاد ينظرون إلى الفنون الجميلة من منظور علم الأدب، فكان تفسير الرموز والاستعارات يحتل الصدارة، حيث كان الناقد يتساءل: كيف يمكن تصنيف ذلك العمل الفني في التاريخ؟ و كان الأمر هنا يتعلق بالتناصّ، ويقصد بالتناص إحالة العمل إلى أعمال أخرى، وكان النقد يتناول التلميحات والاقتباسات الواردة في العمل، وعلاقة العمل بالموضوعات الثقافية الكبرى مثل الجنس، الموت، السلطة و الواقع. ولم تكن مشاعر الفنان وحسّيته تلعب دوراً مهماً، أولا لأنها تعتبر ذاتية و بالتالي لا يمكن بحثها بحثاً علمياً، وثانياً لأنه في لحظة التأمل البارد و لحظة التفسير تكون المشاعر الدافئة قد تلاشت.
لقد تبنى الفيلسوف الأمريكي (جيرولد ليفينسون) هذا المنظور الفكري، وهو يرى أننا لا نجد متعة في الفن إلا عندما نفهمه و نمعن التفكير فيه، أما زميله (كيندال والتون) فكان يرى أننا نبحث في الفن عن الأشياء القيّمة، تلك الأشياء التي تثير فينا الإعجاب، لكن الاثنين يبدوان وكأنهما أعضاء في مجلس طلابي يقولان لأحد الطلاب في أثناء إحدى الرحلات إلى المتحف، إن الفن يجب أن يبعث على التفكير، والحقيقة أن الفن قد يبعث على التفكير في بعض الأحيان، لكنه غالباً ما يسبب المتعة. و قد لاتكون له أي تأثيرات مقصودة.
في مواجهة ذلك المنظور التقليدي تبنى الباحثون في العصر الحديث المنظور العاطفي، فهم يسألون عما يمكن أن يثيره الفن بداخلنا: حيث يسألون عن المشاعر والتأثيرات المختبرة، وغالباً مايفعلون ذلك اعتماداً على نتائج بحوث العواطف والوعي و كيف تولد فينا الصور و التماثيل الاشمئزاز أو الإعجاب، المتعة أو الحيرة، الرغبة أو الدهشة، ولماذا تبعث بعض الأعمال الفنية على الراحة بينما تبدو الأخرى مستفزة.
يعتقد الفيلسوف الأمريكي (جيسي برينز) أن تقديرنا الجمالي ينبع من شعور أساسي لدينا، ولا يمكن أن يكون هذا الشعور هو الإعجاب، لأسباب كثيرة منها: أننا على الأرجح نعجب بالأشخاص و ليس بالأعمال الفنية، و لا يمكن أن يكون هذا الشعور هو متعة الجمال، لأن الكثير من الأعمال الفنية لا تكون جميلة على الإطلاق، ولا يمكن أيضًا آن يكون الاهتمام، لأنه وفقاً لما يراه (برينز) فإن تقديرنا للأعمال الفنية يرجع إلى ذلك المزيج، أو الشعور الإيجابي المجهول الذي يثير فينا الاهتمام و العشق.
يعلق على المنظورين بقوله: 
لكن كلا المنهجين -الفكري و العاطفي- يغفلان شيئًا مّا، فالمنهج الأول يصور تأثير الفنون الجميلة بأنه تأثير فكري بحت، حيث يستثني العديد من المشاعر، أما الاتجاه المضاد فيملأ هذه الفجوة، لكنه يفشل في التعرف على العمل الفكري عند النظر إلى أي عمل فني، على الرغم من أن الشيء الذي يميز الإنسان هو قدرته على التفكير و المراجعة.
إن الفن يخاطب كل مافينا، أفكارنا و مشاعرنا، وفي كثير من الأحيان يفاجئنا لكننا في بعض الأحيان قد نعجب بعمل دون أن نصاب بالدهشة. إن الإلمام الجمالي المزدوج بالتفكير و الشعور يلعب دوراً مهماً في فهم أحد الفروع البحثية الحديثة و هو علم الجمال العصبي.
منذ بعض الوقت و العلم يكشف الكثير من الأشياء عن حياتنا الفنية، و في هذا يطرح (هيبل) سؤالاً بقوله:
مالذي كشفته أبحاث الدماغ عن الفن؟
و في ذلك كتب عالم الأعصاب الهندي (فيلاينور راماشاندران) في طيّ أطروحته مقالاً يعتبر أحد أهم المراجع الرئيسية في علم الجمال العصبي وهي: “علم الفن” تناول فيها القوانين العالمية الفعلية للفن ويخلص بنا بأن (راماشانداران) قصد بالفن الفنون الجميلة و لم يتناول الفنون الأخرى مثل الأدب والموسيقى والرقص وتركيب العطور، حيث أنه توجه لبحث الأعمال التصويرية التي يقصد بها تلك الأعمال التي يستطيع المرء أن يميز فيها الأشخاص والأشياء مثل شخصيات المعابد الهندية، ولوحات المناظر الطبيعية، والرسوم الكاريكاتيرية، وصور العراة، وهذا يشرح إحدى مشكلات فن الجمال العصبي: “لقد اقتصر على جزء صغير من الفن، لكن كعادته يمارس التعميم”.
كان (راماشاندران) متأكداً بأن 90% من الفنون الجميلة تتوقف على الأحداث الثقافية العشوائية، وقال أنه يهتم فقط بالـ 10% الباقية التي يستند إليها كل عمل فني، وكانت قوانينه العشرة العالمية هي:
المبالغة (إننا نحب الأشياء التي تتناسب معاً)
المجموعة (إننا نحب الأشياء التي نتناسب معها)
التباين (نحن نحب الأشياء التي تتميز عن الخلفية)
العزل (نحن نحب ما يلفت انتباهنا)
تأثير الفطنة المفاجئة (نحن نحب اكتشاف الأشياء)
التماثل (نحن نحب محاور المرآة)
المنظور (نحن نحب وجهة النظر الطبيعية)
التكرار (نحن نحب الكثير من نفس الشيء)
التوازن (نحن نحب التوازن)
وأخيرا المجاز (نحن نحب نقل جانب إلى جانب آخر).
ثم يسأل (رامشاندران) عن الميزة التي ساهمت بها قدرتنا على إنتاج الفن في التطور، وينتقد بعض الاقتراحات، فيقول: “إن الفن لا يخدم التنسيق بين العين و اليدين، كما أنه لا يوضح الثراء، حتى و إن كان الثراء هو هدف الكثير من الفنانين الآن، إن الفن البديل هو قصور مخيلتنا، فمن خلال الصور الحقيقية كان أجدادنا يستحضرون شيئاً مّآ أصبح باهتاً في خيالنا”.
يعقب بذلك:
ربما كان الأمر هكذا في يوم من الأيام لكن مبادئ (راماشاندران) للفن عامة جداً حتى أنها تشمل العملية الإبداعية بأسرها، فكل عمل إنساني يفعل أحد الأشياء التالية: فهو إما يعزل أو يبالغ أو يكرر أو يتباين أو يصنع مجازاً أو يلفت الانتباه. فدائماً ما يصدق أحد القوانين على أي عمل إنساني، و يبدو وكأن (رامشاندران) يستطيع أن يفسر شيئاً واحداً.
يختم الفصل الذي خصصه لفن الجمال بقوله:
إن الفن يخاطب حواسنا و مشاعرنا، سواءً كان أدباً أو موسيقى أو رسماً، ولكنه أيضًا يخاطب معارفنا الثقافية و أفكارنا، إن الفن يتحدى كل قدراتنا الفكرية، وهو مايجعله مميزاً، ولا بد أن هناك تفسيراً عصبياً لكل تحد من هذه التحديات: تفسير لمتعة الجمال والدهشة أو حتى الحيرة.
والأفكار هي أصعب ما يمكن اكتشافه و بحثه، لأنها متقلبة جداً وتثير أفكاراً أخرى كثيرة، وقد نعجب بمفاجآت الطبيعة، والفنون القادمة كم هي جميلة!

عن خواطر توفيق الحكيم في المتاحف وأمام الفنون

(توفيق الحكيم) (1898-1978) كاتب وأديب مصري، من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث.

في كتابه (زهرة العمر) والذي ذكر فيه مراسلته مع صديقه (أندريه)، والذي حمل اسم (إيڤان) في روايته (عصفور من الشرق).

نورد فيها بعض من مراسلاته، وتحدثه عن زياراته إلى (متحف اللوڤر) الشهير، وبعض خواطره عن الفنون:

هذه رسائل حقيقية كُتبت بالفرنسية في ذلك العهد الذي يسمونه “زهرة العمر”، وهي موجهة إلى مسيو (أندريه) الذي جاء وصفه في كتابي (عصفور من الشرق).

وقد بدأنا نتراسل بعد مغادرته باريس للعمل في مصانع ليل بشمال فرنسا. ولبثنا على ذلك ما بعد عودتي إلى مصر، والتحاقي بالسلك القضائي.

عزيزي (أندريه)،

لقد ذهبت أمس الأحد إلى (اللوڤر) كعادتي، وإنك تعلم لماذا أواظب على الذهاب إليه كل أحد؛ فهذا هو اليوم المخصص للدخول بالمجان، وإني لأنفق طول يومي هناك، دون أن أحس مر الوقت.                       بل إني أدركت -منذ أسابيع- خطأ التوزع بين قاعات المتحف في يوم واحد! ذلك شأن المشاهد السريع.

أتدري ماذا أصنع الآن يا (أندريه

إنني أخصص يومًا كاملًا للقاعة الواحدة، فأنا لست سائحًا مستعجلًا. إني أبحث أمام كل لوحة عن سر اختيار هذه الألوان دون تلك، وعن مواطن برودتها وحرارتها، وعن رسم أشخاصها وبروز أخلاقهم، واتساق جموعهم، وحركتهم وسكونهم، كل لوحة في الحقيقة ليست إلا قصة تمثيلية داخل إطار، لا داخل مسرح، تقوم فيها الألوان مقام الحوار. وإني لأكاد أصغي إلى أحاديث الأبطال وهم على الموائد في (أفراح قانا) لوحة (فرونزه)، وأكاد أسمع ضجيج الحاضرين، وصياح الشاربين، ورنين الكؤوس، وخرير النبيذ، يفرغونه من دن إلى دن!

إن طريقة إبراز كل هذه الحياة بالريشة لقريب من طريقة إبرازها بالقلم، إن أساس العمل واحد فيهما: الملاحظة والإحساس، ثم التعبير بالرسم والتلوين، بل إن الروح أحيانًا لتتشابه. ولطالما وقفت عيناي طويلًا على صفحات ناثر أو شاعر، وأنا كالمأخوذ أفحص السطور بيدي، لأتبين إن كانت من مداد أو من أثير.

إن روح الكاتب أو الشاعر لتشف أحيانًا وتخف وتتحرك في الأجواء بلطف كأنها نسيم راقص!

هذا الشعور ملأ نفسي وبصري أمام لوحة، مثل (الربيع) لـ(بوتيتشيلي) التي يصور فيها رقص الحِسان الثلاث في غابة البرتقال. ولوحة (فينوس) تتبع بيدها وقع الخطى والنسيم من حولهن يعانق الأزهار.

أو مثل لوحة (موريو) عن (صعود العذراء)، وهي في جمالها الطاهر؛ تخترق السماء وفي ذيلها القمر، ومن حولها الملائكة!

إن الشعور والرقص والموسيقى ليتناثر أريجها مجتمعة، في جو مثل هذا الفن العظيم!

عن مأزق الكلمات، عند بول أوستر

بول أوستر

بول أوستر، هو كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد عام 1947، في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، بالإضافة إلى ترجماته للشعر و الكتب من اللغة الفرنسية. في (ثلاثية نيويورك)، والمكونة من ثلاث قصص، وهي أحد أشهر أعماله أيضًا، تحدث على لسان أحد الشخصيات مختصرًا الكثير عن مأزق الكلمات في العالم المعاصر فقال:

إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم.

يشرح فكرته أكثر بعد ذلك، فيقول:

فعندما كانت الأشياء كلًا  واحدًا، كنا نشعر بالثقة في أن كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئًا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت إلى فوضى، ومع ذلك ظلت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد. ومن هنا فإننا في كل مرة نحاول الحديث فيها عمّا نراه نتحدث بشكل زائف، ونشوّه الشيء الذي نحاول أن نطرحه، وقد حوّل ذلك كل شيء إلى ركام مضطرب. ولكن الكلمات كما تفهمها أنت نفسك قادرة على التغيير.

يضرب مثالًا بعد ذلك ليشرح فكرته، فيقول:

تأمل كلمة تشير إلى شيء، “المظلة” على سبيل المثال، وعندما أظقول كلمة “مظلة” فإنك ترى الشيء في ذهنك، ترى نوعًا من العصيّ، وقوائم معدنية من النوع الذي يُطوى في أعلاها تشكّل هيكلًا يحمل قماشًا لا ينفذ منه الماء ولا يلتصق به، وعندما يفتح فإنه يحميك من المطر. وهذه الجزئية الأخيرة مهمّة، فالشمسية ليست مجرد شيء، وإنما هي شيء يؤدي وظيفة، وبتعبير آخر يعبّر عن إرادة الإنسان. وعندما تتمهل لتتأمل الأمر فإنك تجد أن كل شيء مماثل للمظلة، من حيث أنه يؤدي وظيفة، فالقلم للكتابة، والحذاء للانتعال، والسيارة للانتقال. والآن، السؤال الذي أطرحه هو ما يلي: ماذا يحدث عندما يكف شيء عن أداء وظيفته؟ أهو ما يزال الشيء أم أنه غدا شيئًا آخرًا؟ عندما تنزع القماش عن المظلة هل ما تزال المظلة مظلة؟ إنك تفتح القوائم المعدنية، وترفعها فوق رأسك، وتمضي في المطر، وتبتل حتى النخاع. هل من الممكن الاستمرار في تسمية هذا الشيء بالمظلة؟ إن الناس يقومون بهذا بصفة عامة. وعلى الحد الأقصى سيقولون إن المظلة قد كُسرت. وبالنسبة إليّ فإن هذا خطأ خطير، ومصدر كل المشكلات، فالشمسية لأنها لم تعد تستطيع أداء وظيفتها كفّت عن أن تكون مظلة، ربما كانت كذلك في وقت من الأوقات، ولكنها الآن تغيّرت إلى شيء آخر. غير أن الكلمة بقيت على حالها، ومن ثم فإنها لم تعد تستطيع التعبير عن الشيء، إنها غير دقيقة، إنها زائفة، وهي تخفي الشيء الذي يفترض أن تكشف عنه. وإذا لم يكن بمقدورنا تسمية أشياء عادية تنتمي إلى الحياة اليومية، أشياءً نمسكها بأيدينا، فكيف يمكن أن نتوقع الحديث عن أشياء تهمنا بصورة حقيقية؟ وما لم يكن بمقدورنا البدء في تجسيد مفهوم التغيير في الكلمات التي نستخدمها فإننا سنواصل الضياع.