أرشيف الوسم: فوكو

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية

بين الأديان والفلسفات، لوك فيري يتحدث

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. في كتابه (أجمل قصة في تاريخ الفلسفة)، كتب عن التشابهات والفروقات بين الأديان والمذاهب الفلسفية. فهو يعتقد بأن كلا من الأديان والفلسفات تهدف إلى رسم “حياة طيّبة” كما اختار أن يعبّر. يقول مبتدئًا حديثه:

حين نبحث عما “ينقذ” الحياة البشرية من الموت، أو على الأقل يعطيها قيمة، لا شيء، حتى الموت، يستطيع أن يقوّضها، فنحن نفكر بكل تأكيد في الأجوبة التي بوسع الأديان تقديمها. لذا أعتقد بأن أنه جاء الوقت لنفسر في ماذا تختلف عنها الفلسفة.

فالأجوبة عن مسألة الحياة الطيّبة، تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

ثمة صنفان من الأجوبة عن مسألة الحياة الطيّبة تلك، بالنسبة إلى البشر، الفانين: الأجوبة التي تمر بالإله وتقوم على الإيمان – وذلك شأن الأديان الكبرى – والأجوبة التي تسعى على العكس إلى أن تهتدي في صلب وجودنا على مجرد حِدة الفكر، وحتى على العقل، إلى منبع للقيم ليس بمقدور الموت ذاته أن يمحوه. وتلك هي الفلسفات الكبرى.

فالأديان تعتمد على فكرة “الخير الأسمى” المتمثل في التعاليم الإلهية، وتعتمد بشكل أساسي على التسليم للأوامر الإلهية وإن لم يسع العقل استيعابها:

أما الأديان الكبرى، فتمثل محاولات عظمى لتقديم حل لمسألة “الخير الأسمى” إلى البشر، الفانين، إذ يتعلق الأمر بإيجاد سبيل إلى بلوغ ما يسمية (القديس أغسطيونس) بـ”الحياة السعيدة“، في مقابل خضوع مضاعف مُنصب على العقل، وعلى الحرية الفردية تجاه القوة الخارجية الراجعة إلى التعالي الإلهي من جهة، وتجاه قوة الاعتقاد والإيمان الباطنية من جهة أخرى. فلابد للعقل أن ينحني في النهاية أمام حقائق الوحي.

ومن جهة أخرى، فالفلسفة تتشابه مع الأديان في هدفها الأسمى بالوصول للحياة الطيّبة، إلا أنها تختلف معها في اعتمادها بشكل كبير على العقل واستقلاليته، وعلى الوسائل المتاحة التي يمكن استنباطها بالعقل والوعي:

وأما الفلسفة، فهي تشاطر الدين في الغاية الرامية إلى تحديد شروط حياة طيّبة بالنسبة إلى البشر، الفانين، ولكنها على العكس من ذلك تريد بلوغ تلك الغاية من خلال استقلالية العقل وحِدّة لوعي، بالوسائل المتاحة وحدها – إن صح القول – وبفضل القدرات وحدها التي يمتلكها الكائن البشري بنفسه. وبالطبع، لا يمنع ذلك بعض الفلاسفة من إدراج فكرة الإله في مذهبهم، وحتى أحيانًا من إيلائها دورًا مركزيًا. ورغم كل شيء، يبقى مسعاهم، وإن في هذه الحالة، مختلفًا عن المقاربة الدينية بمعنى إسهامهم الفلسفي في حد ذاته لا يقوم على الإيمان ولا على سلطة النصوص المقدسة، وإنما على ممارسة الاستدلال الحرة.

وحتى الاعتماد على العقل وحده، لم يمنع بعض الفلاسفة من إثبات وجود الله، واعتباره محورًا مركزيًا لفلسفاتهم وأفكارهم.

ثم يتحدث بعد ذلك عن مجالات الفلسفة، فيقول:

تنقسم الفلسفة، بكل بداهة، إلى مجالات متعددة: المعرفة (ما الحقيقة؟)، الأخلاق والسياسة (ما العدل؟)، مسألة معايير الجمال، وأخيرًا مسألة الخلاص (ما الحياة الطيّبة؟). ولا أنسى أن الفلسفة تهتم أيضًا، وحتى في البداية، بما يجعل المعرفة الموضوعية ممكنة، وبالتفكير النقدي في تعريف ما هو عادل، وبالنظرية السياسية أو منابع الإحساس الجمالي. ولا أنسى كذلك أن بعض الفلاسفة، الذين تركوا بلا شك بصماتهم في تاريخ الأفكار، لم ينكبوا إلا على البعض من هذه الموضوعات، بل إن بعضهم لم يعالجوا إلا موضوعًا واحدًا.

اعترافات ميشل فوكو في الكتابة

ميشال فوكو (1926 – 1984) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، تأثر بالبنيويين ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه (تاريخ الجنون)، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون في كتابه (المراقبة و المعافبة). ابتكر مصطلح “أركيولوجية المعرفة”. أرّخ للجنس أيضاً من “حب الغلمان عند اليونان” وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في (تاريخ الجنسانية).

في كتاب (حوارات و نصوص) قدّم ميشال فوكو  اعترافات ثمينة عن تكوينه الفكري وأهدافه ومسيرته، وذلك عبر الحوار الذي أجراه معه روجيه بول دروا الباحث المعروف في أنماط تفكير البوذية والبرابرة.

و اقتبست من الحوار الأوّل ما يختص باعترافاته حول الكتابة :

لماذا تقول أنك لست كاتباً ؟ 
الأمر بسيط. أعتقد بضرورة امتلاك وعي حِرفيّ في هذا الميدان. و بقدر ما يجب صنع القبقاب يجب كذلك صنع الكتاب.
و ينطبق هذا الأمر كذلك على أي كتلة من الجمل المطبوعة سواءً في جريدة أو مجلة و لاتعدو الكتابة أن تكون كذلك.
يجب أن تصلح الكتابة للكتاب. و ليس الكتاب هو الي يكون في خدمة هذا الكيان المهم و المقدّس جداً الآن و الذي ستصنعه الكتابة.

قلت لي إني غالباً مّا أستعمل الالتواءات الأسلوبية التي يبدو أنها تبرهن على أني أحبّذ الأسلوب الجميل. ألا فقد صدقت، هناك دائماً نوع من أنواع المتعة التي قد تكون شبقية بشكل متدنَّ، في العثور على جملة جميلة، عندما يضجر المرء ذات صباح من كتابة أشياء عادية. و يتهيّج المرء بعض الشيء عندما يستغرق بالأحلام و فجأة يجد الجملة التي ينتظرها. فيحس بالسعادة و يعطي ذلك دفعاً للذهاب إلى ماهو أبعد. يوجد شيء من هذا كله بطبيعة الحال.

لكن هناك أمر آخر – إذا أردنا أن يصبح الكتاب أداة يمكن أن يفيد منها الآخرون – وهو ضرورة أن يوفر المتعة للقراء الذين يطالعونه. يبدو لي أن هذا الأمر يمثّل واجباً أولياً بالنسبة لمن يقدم هذه البضاعة أو هذا الشيء الحرفيّ: يجب أن يوفّر هذا الشيء المتعة!
هناك متعتان إذاً : متعة الكاتب و متعة القارئ ..
 بكل تأكيد. كم من اكتشافات و مهارات أسلوبية توفر المتعة لمن يكتب و لمن يقرأ! إنني أحبذ جداً هذا الأمر. لا أجد أي مبرّر لإقصاء هذه المتعة كما أنني لا أجد مبرّراً لفرض الضجر على أناس أتمنى أن يُقدموا على قراءة كتابي. يتعلق الأمر بالتوصل إلى شيء يكون في منتهى الشفاقية على مستوى مايُقال مع وجود نوع من السطح البرّاق في الوقت نفسه. يجعلنا نجد متعة في مداعبة النص واستخدامه و تأمّله و إعادة تناوله. هذا هو مغزى الكتاب بالنسبة لي.
و لكن مرة أخرى لبس ذلك بالكتابة. أنا لا أحب الكتابة. أن يكون المرء كاتباً أمر يثير السخرية حقاً في نظري.
لو كان لي أن أعرّف نفسي و أن أقدمها بصورة مدّعية، و لو كان لي أن أصف تلك الصورة التي تصاحب كل شخص منا و التي تضحك باستهزاء ثم تقودك في نفس الوقت، فإنني سأقول بأنني حرفيّ و سأكرر القول بأنني صانع أسهم نارية. و أعتبر كتبي بمثابة ألغام و كتل من المتفجرات .. ذلك ما أتمنى لها أن تكون.
على هذه الكتب في اعتقادي أن تخلّف أثراً مّا، و لذلك لا بد من أن يبذل المرء مافي وسعه. لكن على الكِتاب أن يختفي عن طريق تأثيره نفسه و داخل تأثيره، لاتعدو  الكتابة أن تكون وسيلة و ليست الهدف. كما أن ” الأثر المكتوب ” ليس الهدف في حد ذاته! بحيث أن تعديل أي كتاب من كتبي قصد إدماجه في وحدة الأثر حتى يشبهني أو يشبه الكتب التي ستأتي فيما بعد، لا يحمل أي دلالة بالنسبة لي.
– أليست الكتابة بالنسبة إليك ضرورة رغم كل شيء؟
كلا، ليست ضرورة على الإطلاق. و لم أعتبر أبداً أن الكتابة شرف أو عمل خارق. أقول عادةً: متى سيأتي اليوم الذي أنقطع فيه عن الكتابة! لا لأنني أحلم بالذهاب إلى الصحراء أو إلى مجرد الشاطئ بل لأنني أحلم بالقيام بشيء آخر باستثناء الكتابة.
كما أنني أقول ذلك بمعنى أكثر دقة ألا وهو : متى أشرع في الكتابة دون أن يحيل فعل الكتابة إلى ” الكتابة ” ؟ دون الجوء إلى هذا النوع من الاحتفالية التي تتطلب جهداً كبيراً .
الأشياء التي أنشرها، هي أشياء مكتوبة بالمعنى السلبي للكلمة: لها رائحة الكتابة. و عندما أشرع في العمل يكون الأمر متعلقاً بالكتابة ليفرض ضمنياً طقوسا كاملة و صعوبة معينة. أدخل في نفق، لا أريد رؤية أحد بينما أرغب على العكس في أن تكون كتابتي سهلة من أول مرة، و لكنني لا أصل أبداً إلى هذا المبتغى. و من الضروري التصريح بالأمر، لأننا لا نحتاج إلى إقامة خطابات طويلة ضد ” الكتابة ” إذا لم نعرف أنني أواجه أشد العذاب بسبب عدم ” الكتابة ” عندما أشرع في الكتابة. أريد أن أتخلص من هذا النشاط المنغلق الاحتفالي، المنطوي على نفسه و المتمثل بالنسبة إلي في وضع كلمات الورق.
لكنك تجد في هذا العمل عمل الورق و الحبر متعة حقيقية ” ؟
 المتعة التي أجدها تعارض في الحقيقة المفهوم الذي أريده عن الكتابة. فأنا أريدها أمراً عابراً يخرج هكذا تلقائياً يُكتب في زاوية طاولة، يقدم للآخرين يُتداول، قد يكون منشوراً أو مُلصقاً أو مقتطفاً من فيلم أو خطاباً عاماً أو أي شيء آخر ..
و أقول مرةً أخرى إنني لا أتوصل إلى الكتابة على هذا النحو، أجد في هذا الأمر بالطبع مايوفر لي المتعة. و أكتشف بعض الأشياء الصغرى لكن هذه المتعة لا تسعدني.
إنني أحس إزاء الكتابة بحالة من القلق، لأنني أحلم بنوع آخر من المتعة يختلف اختلافاً كلياً عن نوع المتعة المألوفة التي يحس بها كل الناس الذين يكتبون. ننزوي أمام ورق أبيض، الذهن خالٍ من الأفكار ثم تصبح جملة من الأشياء حاضرة شيئاً فشيئاً، بعد ساعتين أو يومين أو أسبوعين، داخل عملية الكتابة نفسها.
النص موجود و نعرف عنه أكثر بكثير من ذي قبل. كان الذهن خالياً ثم أصبح ملآنا، ذلك أن الكتابة ليست إفراغاً بل هي ملء. و بفراغها الخاص بها نصنع الوفرة ( الزخم ). الكل يعلم ذلك. هذا الأمر لا يسليني!
فبماذا تحلم إذن؟ بأي نوع من الكتابة ؟
– بكتابة غير متصلة، لا تتبيّن أنها كتابة، تسخدم الورق الأبيض أو الآلة أو مقبض القلم أو ملامس الآلة، وهكذا وسط جملة من الأشياء الأخرى قد تكون الفرشاة أو الكاميرا. ويبث كل ذلك – وهو ينتقل من هذا إلى ذاك – نوعاً من العصبية و التشوش.
و هل لديك رغبة في التجربة.؟
نعم، لكن ينقضي ذلك النوع ممّا لا أعرف كيف أسميه من العصبية إلى الموهبة.
وفي النهاية أعود دائماً إلى الكتابة، فأحلم بنصوص موجزة. لكن ذلك دائماً يفضي إلى كتب ضخمة!
و رغم كل شيء فإني أحلم دائماً أن أكتب كتاباً خاصاً بحيث لا يكون لسؤال مثل: ” من أين تنبع هذه الأشياء ” ؟ من معنى.
أحلم بفكر أداتي حقاً. لا يهم أن نعرف منبعه، فهو يأتي هكذا . الأساس هو أن نجد بين أيدينا أداة سيُتاح لنا بواسطتها تناول طب الأمراض النفسية أو مسألة السجون.