أرشيف الوسم: فولتير

سخرية فولتير تهزم أعداء التنوير

فولتير

النقد الساخر سمة تغلب على طابع النقد في العصر الحديث، سواءً كان هذا النقد بنَّاءً أو هدَّاماً، وهذا الأسلوب في النقد ليس خاصَّاً بعصرنا هذا، وإنما هو قديم قِدم الفلسفة ذاتها، حيث كان (سقراط) يستخدم أسلوب السخرية أو التهكم في حواره مع تلاميذه وذلك من خلال إثارة الشكوك حول الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي يؤمن بها غالبية الأفراد أو المجتمع بهدف ايصالهم للحقيقة، إلا أن أشهر من ارتبط اسمه بالنقد الساخر هو الفيلسوف الفرنسي (فولتير)، والذي يُعد أشهر شخصية في عصر التنوير.

حيث يقول (نيتشه) عن (فولتير):

لا بد للأسود الساخرة من أن تجيء، وجاء (فولتير) فأذل الطغاة بسخريته.

ولم يكن (فولتير) يدع السخرية إلا عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان وكرامته وحريته، وخصوصاً عندما يكون ذلك كله باسم الدين! وما كانت رسالته (اسحقوا العار) إلا نتيجة الظلم ممَّن يدَّعون أنهم يقودون الناس للحق والنجاة وأنهم موكَّلون من الله بحفظ الدين!

ويُشاع عند الكثيرين بأن (فولتير) كان ملحداً! وهو في حقيقة الأمر لم يكن كذلك، فنجده يقول:

لو لم يكن الله موجوداً لوجب اختراعه، إلا أن الطبيعة بكاملها تدعونا قائلةً إنه موجود.

ويبدو لي أن (فولتير) لم يكن ضد الدين كجانب روحي مهم في حياة الإنسان، ومعظم ما صدر منه من أقوال قد يعتقد البعض أنها ضد الدين، لم تكن ضد الدين بقدر ما هي ضد أفكار من يعتقدون أنهم هم من يمثِّل الدين ويتحدَّثون باسم الله!

فنجده يقول معلِّقاً على أفعال رجال الدين المسيحي، الكهنة والرهبان:

إنهم الكهنة الذين يعيشون على كدكم وتعبكم في راحة وكسل، ويثرون على حساب كدحكم وبؤسكم، ويتنافسون على شراء الذمم واقتناء العبيد، ويوحون لكم بالتعصب المذموم، ليتمكَّنوا من سيادتكم والسيطرة عليكم، وينشرون بينكم الخرافات والأساطير ليس من أجل أن تخافوا من الله بل لكي تخافوهم.

ويُعذر (فولتير) في مهاجمته لرجال الدين المسيحي في تلك الحقبة الزمنية، حيث قد وجد ممثليها لصوص في هيئة قديسين! إلا أنه استطاع بقلمه تعريتهم وبيان جهلهم وتوضيح حقيقتهم القائمة على خداع الناس واستغلالهم من خلال الدين.

ومن المؤكد أن فولتير قد اطَّلع على أعمال (أوغسطينوس) الذي حاول توظيف الفلسفة لخدمة الإيمان المسيحي ومحاولة الاستدلال على صحتها من خلال المنهج الفلسفي، لكن لا يمكن لفيلسوف يتميَّز بالذكاء الحاد والعمق الفلسفي كـ(فولتير) أن يقبلها! وتلك القضية، قضية الدين والحياة، هي التي يواجهها عالمنا العربي، وهي التي نتج عنها تيارين متطرفين، تيار متشدِّد يدعو للإرهاب وإقصاء كل مخالف باسم الدين، وتيار يرفض فكرة الدين من الأساس، لذا فإنه عندما نؤمن ويؤمن المجتمع بأن الدين علاقة بين الفرد وخالقه فقط، حينها سيُحفظ للدين مكانته وقداسته، وسيكون الدين بذلك محمياً من اللصوص الذين يستخدمونه لأغراض دنيوية وتحقيق مصالح شخصية أو حزبية، إقحام الدين في كل شيء ينتج عنه الفشل في كل شيء، فقد فشل (أوغسطينوس) وكذلك (توما الأكويني) في بناء فلسفة برؤية مسيحية! وذلك بطبيعة الحال لا يستقيم، فالفلسفة منهج عقلي تأملي بالدرجة الاولى، والأديان بطبيعتها تحوي الكثير من الأمور التي تتطلب التسليم دون السؤال عن الماهية أو الكيفية حتَّى يكون إيمان الشخص مستقيماً، وفيما يخص السياسة فقد شاهدنا فشل تجربة حزب الإخوان في حكم مصر، ولا زلنا نرى مصائب وجرائم نظام ولاية الفقيه في إيران، لذا فإن الدواء الشافي لِما يعاني منه العالم العربي والإسلامي يكمن في شعار (الدين لله والوطن للجميع)، شعار منسجم مع الإنسانية والحياة بأبعادها المختلفة، شعار يكفل الكرامة والحرية للجميع، شعار يتبنَّاه كل من لم يتلطَّخ عقله بأفكار الكراهية والتطرف بشتَّى صوره، شعار يؤمن به كل من يحترم إنسانيته، شعار آمن به فولتير لأنه يدرك قيمة الإنسان.

(فولتير) بسيط في إنسانيته، عميق في فكره، أبت فطرته السليمة الانقياد والانصياع لأوامر اللصوص والدجالين كما انقاد الكثير من القطيع في زمانه، قادته تلك الفطرة إلى التسليم والإيمان بوجود إله واحد لا شريك له، استمد إيمانه ومعرفته بالخالق من خلال فطرته السليمة وعقله المستنير، لم يستمد إيمانه من رجال الدين كما فعل الكثير في زمانه ويفعل الكثير في زماننا هذا!

وفي كل حقبة زمنية سيكون هناك (فولتير) وسيكون هناك أعداء للتنوير، ورغم كل تلك الصعوبات والظروف التي تعرَّض لها (فولتير)، إلا أنه انتصر في النهاية، وخلَّد التاريخ اسمه، إلى درجة أن عصر التنوير ارتبط باسمه!

بقوة الإرادة تتحقَّق المعجزات، وإلا فهل يُعقل أن رجل واحد بسخريته وقلمه استطاع أن يغيِّر أوروبا بأكملها!

نجح (فولتير) في تحقيق رسالته لأنه صاحب مبادئ وليس صاحب انفعالات تتشكَّل وتتغيَّر بتغير الظروف، نجح (فولتير) في تبديد الخرافة والجهل لأنه خاطب الجماهير بلغة العقل والمنطق لا بلغة العواطف والمشاعر، فيلسوف أحبه البسطاء والعامة قبل النخبة والصفوة، أحبه الفقراء والاغنياء على السواء، أحبوه لأنهم عرفوا حقيقته المتمثِّلة في تجرده عن ذاته وإرادته الحقيقية في الإصلاح وايمانه بالمبادئ التي انطلق منها ومات وهو مؤمن بها ولم يتنازل عن واحدة منها.

وكل الذين وقفوا ضده لم نسمع عنهم ولا نعرف اسمائهم حتَّى! فقط بقي (فولتير) رمزاً تنويرياً شامخاً، تلك هي سُنَّة الحياة، ما ينفع البشرية سيبقى ويُذكر, وما يضر البشرية سيندثر ويُنسى، “فأمَّا الزبد فيذهب جفاء، وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

أيهما يسبق الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ تودوروف يجيب

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي، بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام حتى وفاته، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

ضمن كتابه (نحن والآخرون)، تساءل (تودوروف)؛ أيهما يُقدّم على الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ فيتحدث مستفتحًا عن “محبة الوطن”، أهي في علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبية؟

هل تعتبر محبة الوطن، ضمن علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبوية؟ يفضل المحب لوطنه، دون شك، بعض القيم على بعضها الآخر، لكن ذلك لا يحدث باسم نظم مطلق. قد يتوجب على محب الوطن المنطقي قبول أن لكل واحد الحق في تفضيل القيم التي اختارها بلده. فمحبة الوطن هي نسبوية، ولكنها نسبوية معتدلة. يتخلّى النسبوي الأصلي تمامًا عن إصدار أحكام تقويمية، ويتفق المحب لوطنه معه في رفض كل إرجاع إلى معايير مطلقة وشمولية، لكنه يعتمد أساسًا آخرًا للأحكام.

ربما نستطيع أن نقول، مقلدين ومفسرين ما قاله (باسكال)، إن ولادة المرء في هذه الجهة من جبال البيرينيه، توجب عليه أن يقدّم الولاء المطلق للقيم الفرنسية، وولادته في الجهة الأخرى توجب عليه الولاء المطلق للقيم الاسبانية.


ثم يسترسل بعد ذلك في تساؤله؛ ما هو المفضل بين عاطفتي الوطنية والإنسانية؟ فيقول مستعرضًا فكر (هيلفسيوس) أولًا:

ينفي (هيلفسيوس) وجود الحق الطبيعي، بما أن العدالة ليست سوى ما يناسب على الوجه الأفضل جماعة ما، أو دولة. “في كل العصور وفي كل البلدان المختلفة، لا يمكن للنزاهة أن تكون إلا عادة الأفعال المفيدة للأمة”. تظهر النزاهة الشمولية إذًا كتناقض في الإصلاحات؛ لا يسعنا تصوّر أن فعلًا ما قد يكون مفيدًا، بصورة متماثلة لكل الأمم، فالفضيلة الإنسانوية، مثلها في ذلك مثل كل الكليات، ليست حتى الآن إلا وهمًا أفلاطونيًا.

لا تتطابق محبة الوطن مع الحب الشمولي إذًا: “من البديهي أن الشغف بمحبة الوطن، وهو شغف مرغوب به جدًا، فاضل جدًا، ومحترم جدًا عند مواطن ما، يستبعد حتمًا، الحب الشمولي. ربما ينبغي […] أن تخضع مصلحة الأمم لمصلحة أكثر عمومية، وأن يشعل حب الوطن في القلوب أخيرًا، وهو يطفئ نار حب شمولي؛ وهذه فرضية لن تتحقق قبل وقت طويل”.

فـ(هيلفسيوس) بهذا، يقدِّم المشاعر الوطنية، على مشاعر الحب الشمولية، أو المشاعر الإنسانية بكلمات أخرى. وهو يعتقد بأنه من المستحيل التوفيق بين هذين الشعورين، إذ أنهما متضادان.


ينتقل (تودوروف) بعد ذلك إلى (ڤولتير) ليشرح آراؤه في هذا الخصوص، فيقول:

أما (ڤولتير) فهو يتخذ موقفًا معاكسًا في هذا الخصوص. هو أيضًا يعتقد بأن حب الوطن وحب الإنسانية متعارضان، وهذا يحزنه: “من المحزن أنه لكي يكون المرء وطنيًا صالحًا، لا بد له من أن يكون عدوًا لباقي البشر. […] ذلك هو الشرط الإنساني، الذي يجعل تمني المرء العظمة لبلده، تمنيًا للشر لجيرانه. ذلك الذي يريد ألا يكون وطنه أكبر ولا أصغر، ولا أغنى ولا أفقر، على الإطلاق، قد يكون مواطن الكون”. ولكن، ومن بين هذين الاصطلاحين، يقدِّر (ڤولتير) الشمولي أكثر، رغم معرفته بأنه، لا سيما عند تقدمه بالعمر، يرق قلب الإنسان على وطنه ويفضل الخبز في بلده على الحلوى في الغربة.

(ڤولتير) هنا يتفق مع (هيلفسيوس) في كون المشاعر الوطنية والإنسانية متضادتين، إلا أنه يقدّم المشاعر الإنسانية، على عكس (هيلفسيوس) كما يقول (تودوروف).


وأخيرًا، ينتقل (تودوروف) في استعراضه للأجوبة، إلى (جان جاك روسو)، فيقول:

أما (روسو)، الذي قرأنص (هيلفسيوس) وتأمل فيه، فيستحق أن نتوقف عنده لوقت أطول. يتمفضل التعارض في كتاباته حول اصطلاحي “مواطن” و”إنسان”. ويدل هذا الاصطلاح الأخير، بطريقة مبهمة أحيانًا، على الكائن الإنساني كساكن للكون، تمامًا كما يدل على الفرد بعينه. لا تتطابق سُبُل المواطن والإنسان، وذلك لأسباب بديهية: “فهدف جهودهما ليس واحدًا، إنه سعادة المجموعة هناك، وسعادة الشخص هنا”.

فبرأي (روسو) أن الإنسانية والوطنية، هما شعورين مختلفين. يستكمل (تودوروف) شروحاته:

لا يكتفي (روسو) بالإشارة إلى الاختلاف بين هذين السبيلين؛ بل ويؤكد على تعارضها الجذري؛ هذا على الأقل ما اعتقده في عهد كتابه (إميل): “لأننا مجبورون على مصارعة الطبيعة أو الاأنظمة الاجتماعية، يجب الاختيار بين صنع الإنسان أو صنع المواطن، إذ أنه من غير الممكن صنع الاثنين في الآن نفسه”. ويتناسب نجاح الوطنية عكسًا مع نجاح الإنسانوية. “الأنظمة الاجتماعية الجيدة هي تلك التي تعرف على نحو أمثل كيف تفقد الإنسان طبيعته البشرية”.

 

ويستطرد قائلًا:

ما يزيد الأمور سوءًا هو أن (روسو) مقتنع بأنه في هذا التناقض، تمامً ككل تناقض آخر على كل حال، مصدرًا للتعاسة لا يمكن استدراكه، يقدّم عنده الحنين الذي يثيره فقدان الوحدة كمسلّمة دون إقامة براهين؛ بل إن هذا التناقض هو المصدر الرئيسي لتعاسة البشر. “ما يصنع البؤس الإنساني هو التناقض […] بين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية، بين الإنسان والمواطن”.

الفكر التنويري في قضية النوع

دوريندا أوترام

يرى (كانط) التنوير أنه خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام عقله دون أن يشوهه التعصب ودون أن يوجهه الآخرون. فالتنوير حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية. تقوم على إعمال العقل ونبذ الجهل والخرافة، نشأت في إنجلترا في القرن الثامن العشر بينما كان تطورها الحقيقي في فرنسا، كما أن الثورة الفرنسية استلهمت أفكار التنوير الذي لم يكن مقصوراً على أوروبا وحدها  بل امتدا إلى أمريكا.

(دوريندا أوترام)، تدرس التاريخ في جامعة كورك، وكانت أستاذة زائرة في جامعة هارفارد وقامت بتدريس مادة تاريخ العلوم، صدر لها كتاب (الجسم والثورة الفرنسية). وفي كتابها (التنوير)، من ترجمة د. (ماجد موريس إبراهيم)، تناولت الكاتبة في الفصل السادس “الفكر التنويري في قضية النوع” تستفتح حديثها بقتباس لـ(ماري وولستون كرافت): 

من ذا الذي جعل من الرجل الحكم الأوحد إذا كانت المرأة تشاركه في نعمة العقل؟

عند كل من الرجل والمرأة لا بد وأن تكون “الحقيقة” واحدة، هذا لو أنني أعرف الحكمة بمعناها الصحيح، إلا أنه في الشخصية الخيالية للمرأة والتي رسم صورتها الشعراء والروائيون بطلاوة بالغة كان من المتطلب تنحية الحقيقة والصدق وهكذا أصبحت الفضيلة فكرة نسبية لا تقوم إلا على ما تجلبه من فائدة، وبناء على هذا المنطلق يتظاهر الرجال بارتجالية أنهم يطلقون أحكامهم وأنهم يشكلونها كي تتفق مع ما يؤدي إلى راحتهم. الرجل يكون رجلاً في بعض اللحظات فقط أما المرأة فهي المرأة على مدى سني عمرها .. كل شيء وبصفة مستمرة يستدعي أنوثتها إليها .. المرأة الكاملة والرجل الكامل لم يعد عليهما أن يشابه أحدهما الآخر من ناحية العقل بأي قدر أكثر مما يفرضه التشابه الشكلي بينهما.

كرس التنوير جهداً عظيماً من أجل تعريف “النوع” – الذكر والأنثى. وكان هذا الجهد عظيماً فعلاً حتى إن بعض المؤرخين ما لبثوا أن رأوا أن هذه الفترة كانت مصباً لمحاولات الثقافة الأوروبية لتعرف على الاختلاف بين الجنسين.

بذل جهد كبير في التنوير من أجل تعريف الأنوثة. الصور الشائعة للمرأة في سالف الزمان والتي صورتها سليطة اللسان، بغي، أو مسترجلة .. أخذت تتوارى وقد حلت محل هذه الصور محاولات متعددة طبية وعلمية لتعريف الفروق الاجتماعية والثقافية بين الرجل والمرأة باعتبارها فروقاً طبيعية ومن ثم تصبح هذه الفروق صحيحة وحتمية. دار جدل كثير حول التكوين الجسماني للأنثى وحول أهمية دور المرأة كأم. وفي هذه المناقشات شارك كل من العلم والطب بنصيب بالغ الأهمية .

بدا  باضطراد وكأن الكتابات الطبية تعني أن الأنثى كانت حقيقة نوعاً منفصلاً من الجنس البشري مخصصاً للوظائف التناسلية وللممارسة الجنسية التي كانت في الغالب مكبوته أو موضع إنكار. وعلى النقيض من هذا كانت النساء تضطلعن بمهمة الحرص على الأخلاق والدين في الحياة الأسرية. كانت هذه الصورة للمرأة تتضمن عناصر كثيرة لا تتفق مع بعضها لبعض. إنها الصورة التي تنكر على المرأة حقها الكامل كفرد، وفي الوقت نفسه الذي كان الرجال يتمادون فيه في تعريف أنفسهم كأفراد مستقلين يلعبون دورهم على الصعيد القانوني والاقتصادي. 

ومن الكتب التي كان لها دور في نقاش قضية النوع في فكر التنوير . كان كتاب (وولستون كرافت) مهماً ليس فقط بسبب وضعيته الكلاسيكية التي اكتسبها في فكر المرأة المعاصر ولكن أيضاً بسبب أنه كان واحداً من الكتب الأولى التي واجهت مباشرة تلك التناقضات المتضمنة في فكر التنوير عن  النوع وأبرزت مشاكلها “المرأة” فيما يختص ببناء فكر التنوير. أوضحت (وولستون كرافت) أن الأفكار عن الأنوثة، مدعمة من قبل كتاب من أمثال (روسو) والتي صورت المرأة بحال أدنى من الرجال ومختلف عنه، ولم تفعل أكثر مما سبق وأن أشار إليه (فولتير) من حيث إنها كررت في الحياة العائلية النظام السياسي نفسه، الذي تأسس على الأفضلية والقوة الافتراضية التي تمتعت بها السلالات الحاكمة والطبقة الارستقراطية مقارنة بالأفراد العاديين، أو ما تمتع به ملاك الرقيق من سلطان على عبيدهم، وهوما كان الكتاب أنفسهم على أتم استعداد لمهاجمته في مواقف أخرى. وضعت (وولستون كرافت) يدها أيضاً على تناقضات أكثر خطورة في فكر التنوير حال تناوله لموضوع “النوع“. أوضحت أن التنوير قام على مثاليات مثل العقل والفضيلة والتي كان من المفترض أنها فطرية أو يمكن التماسها بواسطة كل البشر. إلا أن العقل كان هو بالتحديد ما أنكر على المرأة من قبل كتاب (روسو) ومن قبل كتاب الطبيعيين حيث تم التعريف “الفضيلة” عند المرأة من منطلق جنسي بحت. ومع هذا وكما توضح (وولستون كرافت) فإن هذه الأساليب تؤدي فقط إلى إلى نسبية أخلاقية خطيرة من شأنها أيضاً أن تعوق تقدم التنوير بسبب أنها أضفت على الأخلاق صفة جنسية. وإذا عرفنا الفضيلة تعريفاً خاصاً بالرجل وآخر يختص بالمرأة فإن أي محاولة لربط التنوير بالدين يمكن أيضاً أن تتداعى حتى إنها تقول .. لو أن النساء كن بالطبيعة أدنى من الرجل فإن الفضائل يجب أن تكون متماثلة في الكيفية لو لم تكن متماثلة من حيث الكم .. أم هل يمكن اعتبار الفضيلة فكرة نسبية، لا بد وأن يكون للفضيلة مقياس أبدي واحد .. إنه لمن المضحك أن نشيد بفضيلة أي امرئ لا تنتج فضيلته من أعمال عقله هو.

أن نقول إن الفضيلة عند بعض الكائنات البشرية “المرأة” غير مؤسسة على العقل وإنها معرفة تعريفاً يختلف عما تمارسه كائنات بشرية أخرى “الرجل” يعني أنك تضفي على الفضيلة خصائص تعني أنها لا يمكن أن تنبع من عند الله. حيث إن الله واحد أبدي عاقل.

تقول (وولستون كرافت) إنه لو كانت المرأة في الحقيقة غير عاقلة لكان من المفضل كثيراً أن نبتعد عن التظاهر وأن نستبعدها كلية من الحياة الاجتماعية بالطريقة نفسها التي نستبعد بها الحيوانات، ولو أن النساء كن عاقلا فعلاً فلا بد حينئذ ان يشاركن في الحياة نفسها الأخلاقية والمعرفية التي يعيشها الرجال:

إن خطابي ليس إلا من أجل هذا المبدأ البسيط “النضال من أجل المرأة” لو أن المرأة كانت غير مؤهلة تعليمياً كي تكون شريكاً للرجل فسوف يتوقف النمو العقلي في المعرفة والفضيلة لأن الحقيقة يجب أن تكون واحدة عند الجميع, وإلا فستصبح المرأة عديمة الفاعلية في تأثيرها على الحياة العامة.

اهتمام الفكر التنويري بالتعريفات الطبية والعلمية النوع:

في الآونة الأخيرة قال المؤرخون من أمثال (توماس لاكويير) إنه فيما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأ تعريف كل من الرجل والمرأة يعاد صياغته بطريقة شديدة التأثر بالتعريف الطبي لطبيعة التكوين الجسمي. وقد هيأت المكانة الثقافية المميزة للعلم والطب أن تحل حقائق “علم الحياة” كي تحل محل التعريفات السابقة التي اعتمدت على التسلسلات الهرمية المقننة إلهياً أو على العادات الطاعنة في القدم كقواعد لخلق أو لتوزيع القوى في العلاقات بين الرجال والنساء.

بحلول العقد الأخير من القرن الثامن عشر كان الكتاب من أمثال (هوكننر) يكررون فقط أفكار شديدة الشبه استعملها الكتاب المؤثرون من أمثال (جان جاك روسو) في وقت مبكر من القرن. واصفاُ (صوفيا) بالمرأة المثالية التي أبدعها في عمله التعليمي إميل [1762]. يتحدث (روسو) عن الطريقة التي يختلف بها بناء الجسماني لصوفيا وبطريقة حاسمة عن جسم إميل رفيقها المنتظر، ويمضي مؤكداً أولاً خضوعها له وثانياً تكريسها باتجاه الأمومة والبيتية.

وعن التفكير في قضية النوع في القرن العشرين ترى (أوترام) أنه:

أصبح معظم الناس يعتقدون أن الاختلافات بين الذكر والأنثى ترجع بدرجة كبرى إلى الاختلاف في التدريب والتعليم وتوقعات المجتمع أكثر من كونها ذات جذور في الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، على العكس من هذا نجد أنه في التنوير كانت الاختلافات البيولوجية و الأدوار التي تمليها البيئة على كل نوع على حدة تعتبر شيئاً واحداً. عند معظم مفكري القرن الثامن عشر أدت الاختلافات البيولوجية مباشرة إلى تحديد الدور الاجتماعي المطلوب من كل جنس على حدة، مثال ذلك التشديد على القدرة المميزة للمرأة كي تلعب دور الزوجة والأم. اختلاف أساسي آخر مع أسلوبنا في التفكير هو التعميم المعلن لدور النوع بينما في وقتنا هذا فإنه من المقرر غالباً أن كل شخص يتفرد في خليط ما به من الخصائص “الذكرية” و”الأنثوية“.

 

فولتير: هل التسامح حق طبيعي أم إنساني؟

فولتير

فولتير (1694-1778)، واسمه الحقيقي (فرانسوا ماري آروويه). كاتب وفيلسوف فرنسي عـاش في عصر التنوير. عُرف بنقده الساخر، وذاع صيته بسبب سخريته الفلسفية الظريفة ودفاعه عن الحريات المدنية خاصة حرية العقيدة، والمساواة وكرامة الإنسان.

في كتابه الذي نشره في القرن الثامن عشر، والمُعنون بـ(قول في التسامح)، تحدث منتقدًا التعصب الديني، ومحاولة إرغام الآخرين على اقتناق قناعاتنا وأدياننا، مستشهدًا بالكثير من المجازر والوقائع البشعة التي طالت العالم، بسبب المتعصبين من مختلف الأديان، حتى الدين المسيحي الذي يعتنقه هو.

يتساءل (فولتير) عما إذا كان التسامح حق طبيعي أم حق إنساني، فيقول:

إن القانون الطبيعي هو القانون الذي تشير به الطبيعة إلى كل الكائنات الإنسانية. لقد ربّيتم ابنكم، فلكم حق الاحترام، كما هو الحق في الاعتراف بالأب والمحسن. لكم الحق في ما تنتجه الأرض التي زرعتموها بأيديكم. لقد منحتم وعدًا أو تلقيتموه، فعليكم الوفاء به.

لا يمكن للقانون الإنساني أن يتأسس، في أي حال من الأحوال، سوى استنادًا إلى الحق الطبيعي؛ والمبدأ الأسمى، المبدأ الكوني، في هذا وذاك، وهو ذاته في الأرض كلها: “لا تقم بما لا تود أن يقوم به الآخرون ضدك”. والحال أننا لا نعرف كيف يمكن لرجل، حسب هذا المبدأ، أن يقول لرجل آخر: “آمن بما أؤمن به، أو سأعرضك للهلاك”. هذا ما يُقال في البرتغال واسبانيا لـغُوا. إننا نكتفي الآن، في بلدان أخرى، بالقول: “آمن أو سأحقد عليك، آمن أو سأسيء إليك بما استطعت إليه سبيلًا، أيها الوحش، أنت لا تؤمن بديني، إذن لا دين لك: ستسيء إلى جيرانك ومدينتك وإقليمك”.

فإذا كان من الحق الإنساني أن يتصرف المرء بهذه الطريقة، فعلى الياباني إذن أن يكره الصيني، ويحكم بالإعدام على السيامي. فهذا الآخر يسير وراء الغانغاريديين الذين تسلطوا على سكان الهندوس، فكان المغولي ينتزع قلب أول ملاباري يصادفه، والمالاباري يمكن أن يذبح الفارسي، ويمكن للفارسي بدوره أن ينكّل بالتركي: وجميعهم يمكن أن ينقضّوا على المسيحي، هؤلاء الذين اقتتلوا طويلًا  في ما بينهم.

إن الحق في التعصب هو حق عبثي وهمجي: إنه قانون النمور، وهو رهيب حقًا، ذلك أن النمور لا تمزق فريستها إلا من أجل الأكل، ونحن نمزق بعضنا بعضًا من أجل فقرات من نصوص دينية.

فالتشدد أو التعصب لا يقود إلا إلى العنف والقتل، والتاريخ شاهد على ذلك:

فإن ما يقود إليه التشدد في الدين، كيفما كانت درجة قدسيته، هو ارتكاب الجريمة. وسيكون من مصلحة الإنسان أن يتأمل دينه ليعرف هل يجب أن يكون مصدر رحمة أم مصدرًا للهمجية.

ومن ثُم، فإن المضطهدين قد يقومون بالكثير لأجل اخفاء دينهم الحقيقي، خوفًا من البطش والتنكيل:

فبما أن الديانة المسيحية إلهية، فإن أمرها ليس بين يدي الإنسان؛ فإذا كانت من عند الله، فإن الله وحده سيحميها بدون عونكم. هل تعرفون أن التعصب لا يمكن أن ينتج سوى المنافقين أو المتمردين؟ يا له من بديل تافه. وأخيرًا هل تريدون أن تساندوا دين الله بجلادين يقوم جلادون آخرون بتدميرهم، هذا الدين الذي لم يدعُ إلا إلى اللين والصبر؟

ثم يفرد فصلًا  يقتبس عن غيره، بضع اقتباسات عن التسامح، اخترنا لكم منها:

“الإيمان يحصل بالاقتناع الذاتي، ولا يمكن أن يُفرض من الخارج”. [Flechier, eveque de Nimes, Letter 19]

“ما يصدق على الدين، يصدق على الحب: إن إرغام الناس على شيء لا يمكن أن يؤدي إلى أي شيء، أحرى أن يقوم بذلك الإكراه، فليس هناك أشد حرية من أن نحب وأن نؤمن”. [Amelot de La Houssaie, sur les Letters du cardinal d’Ossat]

“إن فرض دين ما بالقوم هو دليل واضح على أن العقل الذي يهدي إليه مناهض للحقيقة”. [Dirois, docteur de Sorbonne, liv. VI, chap. IV]

ويقول أيضًا:

لقد جاء الدين من أجل إسعادنا في هذه الحياة وفي الآخرة. فما شرط السعادة في الحياة الآتية؟ هو أن يكون المرء عادلًا.

فماذا على المرء القيام به لكي يكون عادلًا، وفق ما تسمح به طبيعته المحدودة؟ هو أن يكون متسامحًا.

ويقول عن المتشددين:

بل إنهم نذروا أنفسهم لكي يكرهوا إخوانهم، كما لو أننا نتوفر على ما يكفي من الدين لكي نكره ونضطهد، ولكننا لا نملك منه إلا القليل من أجل الحب وتقديم العون للآخرين.

ويختتم قائلًا:

وفي الأخير، يمكن القول إن التسامح لم يكن أبدًا مصدر حروبٍ أهلية. وقد غمر التعصب العالم بالتطاحن. ولنحكم اليوم بين هذين الخصمين: بين الأم التي تود أن تذبح ابنها، وتلك التي تتخلى عنه، لأنها فقط تريده أن يعيش.

لا أتحدث هنا إلا عن مصلحة الأمم، وأنا أحترم، كما يجب، اللاهوت، لا أود في هذا المقال إلا الخير المادي والأخلاقي للمجتمع. وأتوسل إليك أيها القارئ غير المتحيز أن تقيس الحقائق، وأن تعدّل منها وتنشرها. إن القراء الحذاق يمكن أن يذهبوا دائمًا أبعد مما يوده المؤلف.

 

 

اللغة العربية بين المعنى والتكلف اللفظي، في رأي توفيق الحكيم

توفيق الحكيم ٢

توفيق الحكيم (1898-1978) كاتب وأديب مصري، من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث. في كتابه (زهرة العمر) والذي يقول عنه:

هذه رسائل حقيقية كُتبت بالفرنسية في ذلك العهد الذي يسمونه “زهرة العمر”، وهي موجهة إلى مسيو (أندريه) الذي جاء وصفه في كتابي (عصفور من الشرق). وقد بدأنا نتراسل بعد مغادرته (باريس) للعمل في مصانع (ليل) بشمال فرنسا. ولبثنا على ذلك ما بعد عودتي إلى مصر، والتحاقي بالسلك القضائي.

وهذه أحد رسائله إلى صديقه (أندريه)، الذي حمل اسم (إيڤان) في روايته (عصفور من الشرق). في رسالته هذه تحدث عن الأدب العربي، وبعض أفكاره في تراثها، يقول:

عزيزي (أندريه)،

إني الآن غارق في الأدب العربي .. أريد أن أدرس قضيته من أساسها .. أريد أن أعيد النظر في أمر اللغة العربية -لغتي- وأكشف أسرارها وأضع أصبعي على مواطن ضعفها وقوتها .. هذا الوقت هو خير وقت أستطيع في أن أرى وأميز وأحسن الحكم فلي عينان قد طافتا -منذ أمد ليس بالبعيد- بمختلف الآداب العالمية. ولقد نجحت فكرتي حقًا! .. إني أقرأ نصوص هذا الأدب في عصوره المتعاقبة بعين جديدة، عين عامرة بالصور، حافلة بالمقارنات، وبنفس رحيمة عادلة صابرة، تلتمس العلل والأسباب، وتطيل التريث والبحث، قبل أن تصدر الأحكام.

قبل كل شيء أحب أن أقول لك إن أولئك الذين علمونا اللغة العربية، في المدارس الابتدائية والثانوية، كانوا يجهلون لا معنى اللغة العربية وحدها. بل معنى اللغة على الإطلاق .. إنك لن تجد مستنيرًا في مصر لا يقول لك إن اللغة العربية -للأسف- قاصرة على التعبير في شتى ضروب العلوم والفلسفة والتفكير العالي، بل منهم من يقول أنها ليست لغة تفكير، إنما هي لغة بهرج وتنميق. لماذا؟ السبب بسيط: هو أن النماذج التي وضعت بين أيدينا -ونحن صغار- للبلاغة في اللغة العربية كانت كتبًا غثة المعنى متكلفة المبنى، لو كتب بها شخص اليوم لأثار سخرية الناس! .. نعم .. إنهم يعلموننا في المدرسة لغة إذا ما استعملناها في الحياة ضحك منا الناس! .. من ذا يستطيع بعد انتهاء دراسته أن يكتب رسالة على نمط (عبدالحميد الكاتب)، أو مقالًا أو بحثًا أو تقريرًا على طريقة (الحريري) دون أن يتعرض لسخرية الساخرين؟

ليس من اليسير أن أطلعك أو أترجم لك مثل هذا الأسلوب “النموذجي” .. ولكني أقول لك إنه أسلوب يستخدم اللغة استخدام الجواري للعود في مجالس الأنس والسكر.

أسلوب غايته قبل كل شيء أن يبهر السمع النائم ويطرب الأذن المسترخية! .. لست أدري! .. أيجوز أن تجعل لغة من اللغات وسيلة لهو وأداة براعة؛ كفنون المغنيين، وألعاب الحواة، أم أن اللغة أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة؟ .. إني أفهم أن يضرب مثل هذا الأسلوب مثلا للضعف والسقم، لا للسلامة والبلاغة، فإن التكلف أبرز عيوب الفن، كان (جويو) يقول: “إن الرشاقة في فن الرقص هي أداة الحركة الجثمانية العسيرة، دون تكلف يشعرك بما بذل فيها من مجهود” .. تلك أولى خصائص الأسلوب السليم في كل فن .. حتى الحاوي الماهر هو ذاك الذي يخفي عن الأعين مهارته، ويحدث الأعاجيب في جو البساطة والبراءة .. لعل الكاتب الوحيد الذي ضربوه للطلاب مثلًا  فصدقوا هو (ابن المقفع) هي ترجمته (كليلة ودمنة). هذا الكاتب تصنع في أسلوبه هو الآخر ولكن بخفة ومهارة، وطلاه وجمّله ولكن بذوق وكياسة، فلم يبد عليه سماجة التكلف ولا ثقل الصناعة!

إنه ذلك الحاوي البارع! .. أو تلك الحسناء الذكية التي تطلي وجهها بالأصباغ، ثم تمسح أثرها الصارخ، فتظهر وكأن نضارتها نضارة الأصل والفطرة.

ثم يقول بعد ذلك:

على أنك إذا أردت أن تعرف حقًا جلال اللغة العربية ؛ في بساطتها وسيرها قدمًا نحو الغرض: فاقرأ عند الفلاسفة والمؤرخين العرب! .. أولئك عندهم حقيقة ما يقولون ؛ فهم لا يضيعون أوقاتهم وأوقاتنا في العبث اللفظي والطلاء السطحي ؛ إنما هم يحدثوننا في شؤون فكرية واجتماعية وأخلاقية دينية في لغة سهلة مستقيمة، لا لعب فيها ولا لهو ولا ادعاء.

وإني لأدهش كيف أن مؤلفين مثل (ابن خلدون) و(الطبري) و(ابن رشد) و(الغزالي) لم يعرضوا علينا قط في دراستنا للأدب العربي بالمدارس؟! […] لو أنه عرضت علينا صفحة واحدة مع شرحها، لكل فيلسوف بارز أو مؤرخ مشهور من فلاسفة العرب ومؤرخيهم ؛ لتغير رأي أكثر المستنيرين عندنا في اللغة العربية، وقدرتها على التعبير عن أدق الأفكار وأعلاها وأعمقها وأنبلها. أو ليس بهذه اللغة نقل (ابن رشد) و(ابن سينا) أعمق آراء فلاسفة الإغريق إلى أوروبا المتعطشة للمعرفة؟! .. أنتم معشر الفرنسيين فعلتم ذلك في تدريس الأدب الفرنسي!

ما من كتاب مدرسي -صغر أو كبر- لا يذكر فيه نماذج من أسلوب (مونتابي) الفلسفي، وأسلوب (روسو) الاجتماعي و(بوسويه) الديني و(فولتير) التاريخي ؛ بل حتى أسلوب (موليير) الفكاهي أحيانًا إلى حد التهريج!

ذلك أن المدارس الفرنسية أدركت أن تدريس اللغة يجب أن يشمل كل نواحي التعبير بها .. أما قصر تعليمها على نماذج البلاغة اللفظية الجوفاء ؛ فهو امتهان لكرامة اللغة، وانتقاص من قدرتها على الأداء!