أرشيف الوسم: فيرجينيا وولف

الفنّ الإنساني: فيرجينا وولف تكتب عن مقتل فن الرسائل ولمَ يجدر بنا إحياؤه

فيرجينيا وولف

في عام 1876 كُتبت هذه الوصيّة في (دليل إيتيكيت الرسائل) : يجدر بنا أن ننظر إلى الرسالة كعمل فنّي، لا كمجرد وسيلة تواصل وتبادل معلومات. بعد ذلك بنصف قرن، وقبل ظهور الرسائل الإلكترونية كما نعرفها اليوم بنصف قرن أيضاً، إلتفتت إحدى أعظم كاتبات الرسائل بعين قلقة نحو أفول هذا الشكل المتفرد من الفن.

في أبريل من عام 1940، كُلّفت (فرجينيا وولف) بمراجعة السيرة الذاتية للمؤرخ الفنزويلي من القرن الثامن عشر (هوراس والباول)، وهو كاتب غزير الإنتاج نشرت من رسائلة ستة عشر مجلدا. كتبت (وولف) في المراجعة مقالة بعنوانالفن الإنسانيتتطرق فيها قليلاً لـ(والباول) وسيرته، و تسلط الضوء بشكل أكبر على فنّ كتابة الرسائل ذاته: وظيفته، تطوّره الثقافي، ومستقبله الغائم إزاء وسائل الإعلام الجديدة.

في إنتقاد لسارد السيرة السيرة الذاتية الذي يصرّ على أن رسائل (والبول) كانتمستوحاة من حبّ الأجيال القادمة، لا من حب الأصدقاءأي أنها أداة للتأريخ عوضاً عن كونها تمثلاً لعالمه الداخليتتأمل وولف عبقرية كاتب الرسائل:

إذا ما أعتبرنا أن هوراس والباول مؤرخ متنكر، فنحن بذلك ننكر عبقريته المتفردة ككاتب رسائل. فكاتب الرسائل ليس مؤرخا متخفيّا، وإنما هو امرؤ ذو حساسية قصيرة المدى، لأنه يوجّه خطابه للفرد على انفراد، لا للجمهور عامة. وكل كتّاب الرسائل الجيدين يحدسون تفاعل القاريء على الجانب الآخر، وهم يأخذون بقدر مايعطون.

تقترح (وولف) أن صعود الكاتب مدفوع الأجرأي مثلهاهو ماأدى إلى تراجع كتّاب الرسائل رفيعة المستوى. كما أنها برؤية مستبصرة تشير إلى وسائل الإعلام الجديدة على أنها الخنجر في قلب الرسالة الشخصية:

الأخبار والقيل والقالهي أعواد القشّ التي يكوّن منها كاتب الرساله عشه، و قد تم انتزاعها منه حين جاء الهاتف و اللاسلكي. فلم يصبح الآن لدى كاتب الرسائل ما يبني به رسالته ماعدا أموره الشخصية وتلك تصبح رتيبة بعد صفحة أو اثنتان.

عوضاً عن الرسائل، سوف يكون لدى لأجيال القادمة اعترافات، مذكرات، و كتب هجينة يتحدث فيها الكاتب عن نفسه إلى نفسه في الظلام، لجيل لم يولد بعد.

كما أنها تعتبر أن الفن التقليدي للمراسلات الكتابية الحقيقة له دور حيوي في حياتنا كمرساة للهوية الذاتيهفبينما نحن نكافح لنفهم مالذي يربط ذاتنا الماضية و تلك المستقبلية معا في نفس الشخص، تشير (وولف) إلى قوة الرسالة كونها جسر بينهما، فتطمئننا عن ذاتنا المستقرة حيناً و المتجددة في آخر:

فوق كل شيء، كان والباول مباركاً ومحاطا بالدفء في دائرته الخاصه وذلك مكّنه من أن يعيش حياة التغيّر المتواصلة؛ و التي هي  مثل الهواء لوجود كاتب الرسائل.

بالإضافة إلى الأوصاف الرائعه للحفلات التنكرية و احتفالات منتصف الليل و الفطنة و الظرف، استمدّ منه أصدقائه شيء آخر عميق تماما، متغيّر إلا أنه كلّي، لنطلق عليه هذا المسمى…ذاته، تلك التي يحييها الأصدقاء المقربون و يقتلها الجمهور العظيم. ومن ذلك نشأ خلوده. لأن الذات التي تستمرّ بالتغيّر، هي تلك التي تستطيع أن تظلّ ممتلئةً بالحياة.

أما المفارقة في كون (وولف) نفسها قد أنهت حياتها برسالةاستهلكت بقسوة من قبل وسائل الإعلام الطفيلية في عصرهافلاتزال مسألة مفتوحه.


[المصدر]

كيف تقرأ كتابًا؟ نصائح من فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

اديلين فيرجينيا وولف (1882 – 1941) أديبة إنجليزية، اشتهرت برواياتها التي تمتاز بإيقاظ الضمير الإنساني، ومنها؛ (السيدة دالواي)، و(الأمواج). وتعد واحدة من أهم الرموز الأدبية المحدثة في القرن العشرين.

كتبت (فيرجينيا وولف)، عام 1925 مقالًا  بعنوان “كيف يمكن للمرء أن يقرأ كتابًا؟”، نترجمه لكم بترجمة حصرية. استهلت (وولف) مقالتها بالحديث عن الذاتية قائلة:

النصيحة الوحيدة التي يمكن لشخص ما أن يُسديها لغيره عن القراءة هي الا تأخذ بنصيحة أحد، وأن تتبع حدسك ومنطقك الشخصي لتصل إلى إستنتاجاتك الذاتية. إذا كنا متفقين على هذا المبدأ، فأنا أشعر بالحرية لعرض بعض الأفكار والإقتراحات لأنك لن تسمح لها أن تُقيّد إستقلالك الشخصي، والذي يُعتبر أهم صفة يمكن للقارئ أن يتحلى بها. في النهاية، ما هي القوانين التي يمكن فرضها على الكتب؟ لقد وقعت بالتأكيد معركة واترلو في يوم محدد; لكن هل مسرحية هاملت أفضل من مسرحية الملك لير؟ لا يمكن لأي شخص أن يجيب إجابة حتمية على هذا السؤال، بل يجب أن يقرر كل شخص إجابته بنفسه. لكن أن نستقبل هيئات ذات نفوذ في مكتباتنا ونسمح لهم أن يملوا علينا كيف نقرأ وماذا نقرأ وقدر القيمة التي نضعها في ما نقرأ، فذلك معناه أن ندمر روح الحرية والتي هي أساس هذه المنابر. ففي أي مكان آخر نحن مقيدون بالقوانين والعادات – لكن هناك، لا يوجد أي من ذلك.

وحذرت (وولف) من جلب أرآء مسبقة إلى قراءتك فأضافت:

القليل من الناس يطلبون من الكتب ما تستطيع الكتب أن تمنحنا إياه. في أغلب الأحيان، نحن نأتي إلى الكتب ببال مشوش ومشتت، نطلب من القصة أن تكون حقيقة، ومن الشعر أن يكون كذبة، ومن السيرة الذاتية أن تكون مُتملِقة، ومن التاريخ أن يعزز من تحيزنا الشخصي. لكن إذا استطعنا أن نتخلص من كل هذه التصورات المُسبقة أثناء القراءة، فهذه ستكون بداية بديعة.
لا تُلقّن كاتبك; حاول أن تضع نقسك مكانه .. فلتصبح شريكه ورفيقه  في العمل. فإنك إذا بدأت القراءة بالتأخر والتوقف والنقد،فأنت بذلك تمنع نفسك من الحصول على الإستفادة الكاملة الممكنة مما تقرأ. لكن إذا جعلت عقلك مُتفتحًا بأكبر قدر ممكن، فستنقلك الرموز والتلميحات الدقيقة الغير ظاهرة بين إنعطافات وتقلبات الجمل الأولى، إلى صُحبة كائن بشري ليس له مثيل. فلتتعمق وتعود نفسك على ذلك وعاجلًا .ستجد أن كاتبك يعطيك، أو يحاول إعطائك، شيئًا أكثر تحديدًا.

وتذكرنا (وولف) بالمهارات التنافذية للقراءة والكتابة:

لعل أسرع طريقة لفهم مبادئ ما يفعله الروائي هي ليست عن طريق القراءة، بل الكتابة; وأن تخوض تجربتك الشخصية مع المخاطر والصعوبات الكامنة في الكلمات.

وناقشت (وولف) كيف أن إعمال الخيال هو بحد ذاته مهارة إستثنائية:

قراءة الرواية هو فن صعب ومعقد. إذا كنت تريد الاستفادة من كل ما يتيحه لك الكاتب – الفنان العظيم – فيجب عليك الا تمتلك بصيرة دقيقة وعظيمة فحسب، بل أن تمتلك مخيلة كبيرة وجريئة ايضًا.

وبما أنني محبة يائسة للمذكرات والرسائل القديمة، فقد أعجبت بوجه خاص برأي وولف عن جاذبية التلصص الأدبي  – خاصة أنه معلوم أن (وولف) نفسها كانت كاتبة مذكرات بارزة:

يجب علينا أن نسأل أنفسنا، إلى أي مدى تأثر الكتاب بحياة كاتبه – وإلى أي مدى يكون آمنًا أن ندع البطل يترجم الكاتب؟ وإلى أي مدى يجب علينا أن نقاوم أو نفصح عن مشاعر التعاطف أوالكراهية التي أثارها البطل نفسه بداخلنا – وإلى أي مدى الكلمات رقيقة، ومتقبِلة لشخصية الكاتب؟ هذه هي الأسئلة التي تفرض نفسها علينا عندما نقرأ رسائل وحيوات غيرنا. ويجب علينا أن نُجيب عليها بأنفسنا، حيث أنه لا يوجد ما هو أشد هلاكًا من أن نكون مُنقادين بمناهج غيرنا في قضية ذاتية للغاية.

لكننا ايضًا يمكننا قراءة هذه الكتب لغرض آخر، فلا نقرأ لإلقاء الضوء على الأدب أو التعرف على حياة المشاهير، بل لننعش وندرب قدراتنا الذاتية الإبداعية. 

انتقلت (وولف) للحديث عن تعقيدات الشعر، معلّقة عن ماهية الشعر والعوامل التي تحدد جودته:

إن أثر الشعر لهو قوي ومباشر، فللحظة لا تشعر بأي مشاعر سوى تلك التي أثارتها القصيدة بداخلك. أي عمق شديد نصل إليه في هذه اللحظة – وإلى أي مدى يكون إنغماسنا كاملًا ومفاجئًا! لا يوجد هنا ما يمكن الإمساك به; لا يوجد ما يمكنه أن يخرجنا من إستغراقنا… فلهذه اللحظة كما يحدث عند أي صدمة عنيفة لشعور ذاتي، يصبح وجودنا متمركزًا ومحدد. بعدها يبدأ الشعور بالفعل بالتوسع من خلال عقولنا في حلقات أكثر إتساعًا، ليصل بنا إلى أحاسيس أكثر تباعدًا; فتبدأ الأصوات والتعليقات بالتكون بداخلنا وننتبه إلى صدى وإنعكاسات القصيدة، فإن  قوة تأثير الشعر تشمل مقدار كبير من المشاعر.

لكن بالرغم من هذا الإفتتان الباطني لتجربة قراءة الشعر نفسها، إلا أن (وولف) تذكرنا أن الهبة الحقيقية للقراءة تكمن في فترة الحضانة حيث تصبح الإنطباعات المؤقتة مُتحدة ومتمثلة في أفكار عميقة:

الخطوة الأولى لإدراك الإنطباعات بأقصى قدر من الفهم، هو فقط الجزء الاول من عملية القراءة والتي يجب أن تكتمل إذا أردنا الحصول على المتعة الكاملة من الكتاب. يجب أن نصدر أحكامًا على هذه الإنطباعات الكثيرة; ويجب أن نصنع  من هذه المجسدات العابرة مجسدات راسخة وثابتة ولكن ليس بشكل فوري، فلتنتظر إلى أن يستقر غبار القراءة، وإلى أن تهدأ تساؤلات وتضارب الأفكار. فلتتحدث مع غيرك أو تذهب للمشي أو للنوم أو لقطف البتلات الذابلة من الأزهار. بعدها فجأة وبدون إرادة منا – حيث أن هذه التحولات تتكفل بها الطبيعة  –  سيعود لنا الكتاب ولكن بشكل مختلف، فسيطفوا بكامله على سطح أذهاننا.

وكإثبات للنظرية التي تنص على أن كل الإبداعات  تُبنى على ما أُكتُسب قبلها، علقت وولف قائلة:

نحن متأكدون من أن حداثة الشعر والأدب القصصي الجديد هي أكثر صفة سطحية بها، وأننا يجب علينا أن نُعدّل قليلًا – لا أن نعيد صياغة – المعاييرالتي استخدمناها للحكم على الأعمال القديمة.


[المصدر

فيرجينيا وولف عن السير الذاتية

فيرجينيا وولف

اديلين فيرجينيا وولف (1882 – 1941) أديبة إنجليزية، اشتهرت برواياتها التي تمتاز بإيقاظ الضمير الإنساني، ومنها؛ (السيدة دالواي)، و(الأمواج). وتعد واحدة من أهم الرموز الأدبية المحدثة في القرن العشرين.

تستطرد (فيرجينيا وولف) في مقالتها “كيف يمكن للمرء أن يقرأ كتابا” المنشورة في سلسة Common Reader، الموجهة لعموم القراء على جزأين، أفكارها حول دوافعنا لقراءة السير الذاتية، وأسهبت واصفة دور السير في تقديم حياة الأشخاص –على وجه الخصوص أولئك الذين جابت أسماؤهم وأعمالهم بقاع الأرض– لنقترب منهم أكثر، نتنقل معهم بين صفحات الماضي، نستعرض تفاصيل حياتهم وأفكارهم وأعمالهم.

فتقول بادئة في جزء السير الذاتية:

السير الذاتية تلك التي تحكي على سبيل المثال عن حياة الرجال العظماء والمشاهير، أولئك الرجال الذين قضوا نحبهم منذ زمن بعيد وأصبحوا في عالم النسيان. تلك السير التي تقف متلاصقة جنبا إلى جنب مع الروايات والقصائد الشعرية، هل علينا أن نرفض قراءتها باعتبارها ليست نوع من أنواع “الفن”؟ أم من الواجب أن نقرأها، لكن بطريقة مختلفة ولهدف مختلف في الوقت عينه؟

وتستعرض (وولف) الفضول البشري باعتباره دافعًا لقراءة السير الذاتية:

هل يجب علينا قراءتها في المقام الأول بهدف إرضاء ذلك الفضول الذي يتملكنا في بعض الأحيان عندما نقف مساءً أمام منزل مضيء لم تحجب الستائر نوافذه بعد.؟!
إن كل طابق من طوابقه ٌيعرض لنا مشهد من حياة البشر. فيستحوذ علينا الفضول خلال عرض تلك المشاهد علينا حول حياة هؤلاء الناس. فنرى خدم يمارسون الثرثرة هنا، وموائد سادة القوم معروضة في جانب أخر. وبالوقت نفسه نلمح فتاة تستعد لأجل حفلة ربما، وسيدة تحيك الصوف بجوار أحد النوافذ الأخرى. ونستمر بالغوص في تساؤلاتنا، من هم هؤلاء، وماعساهم يكونون، وماهي أسماءهم، وفي أي المهن يعملون، وماذا عن أفكارهم ومغامراتهم؟

دور السير الذاتية في إشباع فضولنا:

وهنا تأتي المذكرات والسير الذاتية لتجيبنا على هذه الأسئلة، حيث تضيء لنا عدد لا حصر له من هذه المنازل. تخبرنا كيف يمارس الناس شؤونهم اليومية، وعن كدحهم، وفشلهم، وكيف يتناولون الطعام، وعن الكراهية والمحبة، وعن أخر سطر في حياتهم.

ثم تعقب على ذلك مفسرة:

وتعتبر هذه الطريقة واحدة من الطرق التي نقرأ بها السير والمذكرات. بأن نضيء العديد من نوافذ الماضي؛ حيث يمكننا أن نشاهد الراحلون ذائعي الصيت في عاداتهم الروتينية والغريبة أحيانًا، بحيث نشعر أننا قريبون جدا لاقتحام أسرارهم. وربما أحيانا نلتقط مسرحية أو قصيدة كتبت من قبلهم ورؤية ما إذا كانت تُقرأ بشكل مختلف بوجود مؤلفيها.

وتختم السيدة (وولف) هذا الجزء بعدة أسئلة:

ولكن هذا يوقظ من جديد العديد من الأسئلة. إلى أي مدى يجب علينا أن نسأل أنفسنا، هل يتأثر الكتاب بحياة كاتبه؟ إلى أي مدى يفترض بأن يسمح للإنسان فينا أن يفسر الكاتب؟ إلى أي مدى يجب أن نقاوم أو نفسح في المجال ذاته شعور العاطفة أو الكراهية التي يتم إيقاظها بداخلنا. إلى أي مدى حساسة جدا هي الكلمات وأكثر إنفتاحا لشخصية الكاتب؟ هذه الأسئلة التي تمثل ضغطا علينا عندما نقرأ السير والمذكرات، من الضروري الإجابة عليها من أجلنا، لأن لا شيء يمكن أن يكون أكثر خطورة من أن تكون منقادًا بواسطة خيارات الآخرين في مسألة فردية.

الكتابة ضد غسيل الصحون، فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

تقول (فرجينيا وولف) في كتابها (غُرفَةٌ للمرءٍ وحده) أنّه لم يكن في وسع امرأة، أية امرأة على الإطلاق، أن تكتب مسرحيّات شكسبير في زمنه. ولتوضح حجتها ابتكسرت امرأة خيالية وقدمتها كأختٍ لـ(شكسبير)، اسمها (جودث). لنفترض للحظة أن جودث هذه كانت شغوفةً بالمسرح كما كان (شكسبير)، وتتمتّع بالموهبة نفسِها. فماذا سيكون مصيرها؟ هل كان لها أن تُسّخّر حياتها في تنمية موهبتها كما فعل (شكسبير)؟ تقول (فرجينيا):

الجواب هو لا، لأن هناك أنظمةً وقوانينَ مختلفة لكل من الرجال والنساء. تستطيع (جودث) أن تكون موهوبةً كيفما تشاء، مولعةٌ بالفنون والآداب كيفما تُحب، بيد أن طريقها ككاتبة سيكون مرصوفٌا بالعقبات، صغيرها وكبيرها. ستمر بوقتٍ عصيب لتجد فسحة متذبذبة بين الزوجة الاجتماعية والزوجة الرفيقة والأم المخلصة التي عليها أن تكونهن جميعًا. والأهم من ذلك أنها لن تجد، وهي متمزقة بين واجبات الأم والزوجة، أي وقتٍ للكتابة. سينقضي يومها مستغرقةً في أعمال المنزل الروتينية ؛ الطبخ والكّي والاهتمام بالأطفال والتبضّع للمنزل والاعتناء بكل مسؤولياتها العائلية، وقبل أن تنتبه، ستجد نفسها امرأةً منخولة ؛ يتسرّب وقت العالم كلّه من ثقوب حياتها. وحتّى تلك اللحظات النادرة التي تجد نفسها فيها وحيدة، فسوف تكرّسها للاسترخاء والتخلّص من التوتّر. كيف لها أن تكتب؟ متى ستقوم بذلك؟
منذ البدء، كان الفُرَص الُمتاحة لشكسبير محظورة على (جودث). في عالم تُثبًط فيه عزائم النساء عن تنمية فرديتهن، ويُلًقن بأن دورهنّ الأساسي في الحياة هو الوقوف كأم وزوجة صالحة فحسب، عالم فيه النساء مجرّد أصواتٍ في حيّز الثقافة الشفهيّة، ولكن لا أحد ينظّر إليهنّ داخل الثقافة الكتابية، لذلك فإنّ الكاتبات يبدأن اللعب منذ الخسارة: صفرًا مقابل سًبعة.

لنقم الآن بطرح سؤال (فرجينيا وولف) على الشرق الأوسط.

فمن يدري كم امرأة عاشَت في تاريخ الشرق الأوسط؟ نساء كان بإمكانهن أن يُصبحن شاعرات أو كاتبات، إلا أنه لم يُسمح لهنّ بذلك. نساءُ خبأنَ قصائدهن في قنّ الدجاج أو صناديق المهور، حيث فسدت إلى الأبد. وبعد سنوات طويلة، وهُن يحكين القصص لحفيداتهن، قد تقول إحداهن :
– كُنتَ مرةٌ أكتُبُ الشّعر! هل تعرفنّ ذلك؟
– وما ذاك يا جدتي؟
– الشّعر؟ إنه مكانٌ ساحرً، خلفَ جبل قاف!
– هل بإمكاني الذهاب إلى هناك أنا أيضًا؟ هل أستطيع ذلك؟
– بلى تستطعين ذلك يا عزيزتي. لكن لايمكنك المكوث هناك. زيارة قصيرة وحسب. هذا فقط ما يُسمحُ به لك.
وستقول ذلك هامسةً، وكأن ما قالته، إلى هذا الحدّ، إحدى حكايات العفاريت.

[المصدر]

التأليف عند فرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

يُعدّ كتاب (فرجينيا وولف) “غرفة تخص المرء وحده” بمثابة مانيفستو الحركة النقدية النسويّة في القرن العشرين.

فالكتاب على صغر حجمه و بساطة الرسالة التي يحملها، والتي كثيراً مّا اختزلت في جملة واحدة تقول: ” إذا أرادت امرأة الكتابة فيجب أن تكون لها غرفة و دخل منتظم مهما كان ضئيلاً” . إلا أن تلك النتيجة البسيطة و التي تنطبق على كل مبدع أياً كان جنسه، تؤصّلها (فرجينيا وولف) في حالة النساء تأصيلاً مرهفاً إلى أبعد حد، و بنفاذ بصيرة فائق عبر مايزيد عن المائة الصفحة، متملية متفحصة، و في الأساس متسائلة، عن المعوقات و التوقعات و الظروف الاجتماعية التاريخية التي أقعدت و أحبطت جهود النساء في إثبات ذواتهن و الإفصاح عن رؤيتهن للعالم.

 

تقول فرجينيا وولف في التأليف:

… التأليف بمعنى العمل الإبداعي ليس حصاة تلقى على الأرض، مثل العلم ربما؛ إنما العمل الإبداعي مثله مثل خيوط العنكبوت؛ قد يكون اتصاله بالحياة بخفّة متناهية و لكنه متصل بها من كل ركن من أركانه الأربعة. و قد يكون اتصاله بالكاد محسوساً؛ فمسرحيات (شكسبير) على سبيل المثال تبدو وكأنها كاملة متكاملة في نفسها و لكنا إذا جذبنا الخيوط عن جنب و رفعناها إلى أعلى و مزّقناها في المنتصف لتبيّن لنا أن تلك الخيوط العنكبوتية لم تغزلها مخلوقات بلا أجسام و تركتها معلقة في الهواء، و إنما هي من عمل بشر: تألّموا و كانوا يرتبطون بأشياء مادية ملموسة مثل الصحة و المال و البيوت التي نحيا فيها.