أرشيف الوسم: فيرناندو بيسوا

بيسوا في كتابته عن الفن والحياة المعاصرة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا تحت عنوان “معيار الفن”، يقول فيه مستفتحًا:

منذ منتصف القرن الثامن عشر، أصاب الحضارة الإنسانية تدريجيًا مرض رهيب. سبعة عشر عامًا من طموح مسيحي مخدوع بصفة ثابتة. خمسة قرون من طموح وثني مؤجل بصفة دائمة؛ الكاثوليكية كانت قد تصدعت كمسيحية، النهضة كانت قد تصدعت هي الأخرى كوثنية، الإصلاح كان قد توقف كظاهرة كونية. لقد حلّت الكارثة بكل الأحلام والخزي بكل ما تم تحقيقه من إنجازات، بؤس العيش بدون حياة لائقة بالجميع، …

هذا كله مسّ الأرواح فسممها. الرعب من الفعل، الذي يجبرك أن تكون سافلًا في مجتمع خسيس، أغرق الأرواح كلها. اعتل النشاط الأعلى للروح؛ وحده النشاط الديني حافظ على حيويته؛ …

في هذه الأجواء وُلد الأدب والفن من مقومات ثانوية للفكر .. الرومانطيقية؛ وولدت حياة اجتماعية مصنوعة من مقومات ثانوية للفاعلية الإنسانية، الديموقراطية الحديثة.

الأرواح المخلوقة للقيادة لم تجد بُدًا من الإحجام. الأرواح المخلوقة للإبداع، في مجتمع توقفت فيه القوى الإبداعية، امتَلَكت في العالم التشكيلي الوحيد المريح عالم مجتمع أحلامها، امتلكت العقم الاستنباطي لذواتها هي.

يكمل بعد ذلك (بيسوا) حديثه قائلًا:

نحن نطلق صفة “رومانطيقيون” على الكبار الذين فشلوا وعلى الصغار الذين اشتهروا، على حد سواء. بينما التشابه لا يوجد سوى في العاطفة الظاهرة؛ لدى البعض تُظهر العاطفية غياب الذكاء نفسه. (شاتوبريان) و(هوغو)، و(فيني) و(ميشيليه) هم ثمار للحقبة نفسها، لكن (شاتوبريان) روحٌ كبيرة تصاغرت؛ (هوغو) هو روحٌ صغيرة تمددت مع رياح الوقت؛ (فيني) عبقري) كان عليه أن يلوذ بالفرار؛ (ميشيليه) امرأةٌ أُجبرت على أن تكون رجلًا ذا عبقرية. النزعتان معًا موجودتان متّحدتين معًا (جان جاك روسو) أب الجميع. ذكاؤه كان ذكاء رجل خلّاق، أما الحساسية، فحساسية عبد. وهو يؤكدهما معًا بالدرجة نفسها من التساوي، لكن الحساسية الاجتماعية لديه سمّمت نظرياته، فيما لم يفده الذكاء سوى في خلق بؤس تعايش بحساسية مماثلة.

(ج. ج. روسو) هو الإنسان الحديث، لكنه أكثر كمالًا من أي إنسان آخر. من نقاط الضعف التي تسببت في فشله، آه منه ومنه نحن، استخراج نقاط القوة التي صنعت نجاحاته. ما رحل منه حقق الظفر، لكن في رايات ظفره، عندما دخل المدينة شوهدت مكتوبة […] كلمة “هزيمة”. لقد تبقت منه في الوراء، وقد عجز عن الجهد الضروري لإحراز النصر، التيجان والصولجانات، وعظمة الحكم ومجد الظفر بقدرٍ باطني.

ينتقل بعد ذلك (بيسوا) من حديثه عن الحركة الرومانطيقية ككل، إلى حديثه عن الحياة المعاصرة:

العالم الذي وُلدنا فيه، يعاني من تنازل المتفوقين وعنف الأدنياء.

لا يمكن لأي نوعيةٍ رفيعة أن تثبت نفسها حداثيًا، إن على مستوى الفعل أو على مستوى التفكير، في النطاق السياسي كما في نطاق التأمل النظري.

زوال التأثير الارستقراطي خلق جوًا من الفظاظة واللامبالاة تجاه الفنون، حيث لم يعد بإمكان عيار / الشكل / العثور على ملاذ. اتصال الروح بالحياة أضحى أكثر فأكثر إيلامًا. الجهد الضروري لمواصلة الحياة يتفاقم إيلامه، لأن الشروط الخارجية للمجهود أصبحت مبغضة أكثر من ذي قبل.

انهيار المُثل الكلاسيكية جعل من جميع الفنانين مستحيلين، أي، فنانين رديئين. عندما كان معيار الفن هو البناء المتين، والمحافظة الدقيقة على القواعد، لم يكن بمستطاع القلة القليلة محاولة الانتماء إلى عالم الفن، غير أن الغالبية الكبيرة من هذه القلة كانوا فنانين جيدين بالفعل، لكن عندما أصبح الفن تعبيرًا عن الأحاسيس، بات في مستطاع أي كان أن يصبح فنانًا لأن الأحاسيس يمتلكها الجميع.

في مقالة أخرى بعنوان “الفن”، يقول (بيسوا):

الفن تهرّب من الفعل، أو من العيش. الفن هو التعبير الذهني عن الانفعال، المختلف عن الحياة التي هي التعبير الإرادي عن الانفعال. ما لا نملكه أو ما لا نجرؤ عليه، أو ما لا نحققه، بإمكاننا امتلاكه في الأحلام، التي بها نصنع الفن. أحيانًا يكون الانفعال قويًا إلى حدود معينة بحيث لا ترضيه عملية تحويله إلى فعل؛ من الانفعال، من العاطفة الفائضة عن الحاجة، والتي لم تجد لها تعبيرًا في الحياة؛ بتشكل العمل الفني. بهذا ثمة نمطين من الفنانين: فنان يعبِّر عمّا لا يملك ، وفنان يعبّر عمّا فضل له ممّا امتلك.

وأخيرًا يقول (بيسوا) في مقالة أخرى بعنوان “لغة الروح المثالية”:

الفن يجعل الآخرين يحسون بما نحسّ، يعمل على تحريريهم من ذواتهم نفسها، عارضًا عليهم شخصيتهم كمحرر خاص. ما أحسه، في الجوهر الحقيقي الذي به أحس، غير قابل للتواصل أو التوصيل بصفة مطلقة؛ وكلما ازداد عمق ما أحسه، ازدادت لاتواصليته. لكي أنقل، إذن، ما أحسه إلى الآخر، عليّ أن أترجم أحاسيسي إلى لغته، أي أن أقول أشياء معينة كما لو كانت هي ما أحسه، بحيث عندما يقرؤها هو، يحسّ بالضبط بما أحسسته. ولأن هذا الآخر، وفق فرضية الفن، ليس هذا الشخص أو ذاك، وإنما العالم كله، أي أنه مشترك مع كل الأشخاص، فإن ما ينبغي أن أفعله في النهاية هو أن أحوّل أحاسيسي إلى إحساس إنساني نموذجي بالرغم من أنني بذلك أفسد الطبيعة الحقيقية لما أحسسته.

بيسوا في كتابته عن العزلة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “العزلة” تحت عنوان “عزلتي”، يقول فيه مستفتحًا:

لأنني أعرف كيف تمتلك الأشياء الأشد صغرًا فن تعذيبي بسهولة، لذلك أتفادى ملامسة أصغر الأشياء. من يتألم مثلي لمرور غيمة أمام الشمس، كيف لا يكون عليه أن يتألم لعتمة النهار المغطى على الدوام بغيمة حياته هو؟

عزلتي ليست بحثًا عن سعادةٍ لا أمتلك روحًا لتحقيقها؛ ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبدًا، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير.

يستكمل (بيسوا) حديثه بعد ذلك قائلًا:

الجدران الأربعة لغرفتي هي بالنسبة إليّ، في آن واحد، زنزانة ومسافة، سرير وتابوت. ساعاتي الأكثر سعادة هي تلك التي لا أفكر فيها في شيء، ولا أرغب في شيء، ولا أحلم بالرغبة في شيء، ضائعًا في سبات / ملتبس / من طحلب محض ينمو في سطح الحياة. أستمتع بلا مرارة، بالوعي الباطل بكوني لا شيء، بالطعم المسبق للموت والاختناق.

في مديح الرتابة، يكتب بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “الرتابة” تحت عنوان “ملوك الواقع، ملوك الحلم”، يقول فيه مستفتحًا:

ما يدهشني أكثر من غيره ليس هو البلادة التي يحيا بها أغلب الناس حياتهم ؛ وإنما الذكاء الموجود في تلك البلادة.

إن رتابة الحيوات العامية تبدو مرعبة، في الظاهر.

يشرح فكرته بعد ذلك، قائلًا: 

الحكيم هو من يضفي الرتابة على الوجود، بحيث يكتسب، حينئذ، كل حادثٍ مهما صغُر شأنه ميزة الأعجوبة. بعد الأسد الثالث تفقد مغامرة صيد الأسود كل إثارتها.

[…] بإمكان كل شخص، إذا كان ممتلكًا للحكمة الحقيقية أن يستمتع بالمشهد الكامل للعالم، من خلال كرسي، بدون معرفة بالقراءة، بدون حاجة إلى الحديث مع أي كان، فقط بواسطة الاستخدام السليم للحواس وبروح لا تعرف كيف تكون حزينة.

يسهب (بيسوا) في موضع آخر، فيقول:

إضافة الرتابة على الوجود، لكي لا يكون رتيبًا. تَتْفيه اليومي، كيما يغدو أقل الأشياء أهمية مجلبة لأكبر التسليات.

وسط عملي اليومي، الشاحب، الرتيب واللامجدي. تباغتني رؤى هروبية. آثار حلمية لجزرٍ قصية، احتفالات في حدائق حقب أخرى، مشاهد طبيعيو أخرى، أحاسيس أخرى، أنا آخر. غير أني اكتشفت، بين مقعدين، أن لو كان ذلك كله لي، لن يكون أي شيء منه من نصيبي.

يختتم بعد ذلك (بيسوا) حديثه:

الرتابة، تماثل الأيام الخالية من أي بريق، انعدام الفارق بين اليوم والأمس، هو ما بقي لي على الدوام، مع الروح المتيقظة لأجل الاستمتاع بالذبابة التي تسليني، عندما تمزق مصادفة أمام عيني، بالقهقهة القادمة متقلبة من شارع غير محدد. بإحساس التحرر الفسيح لكون الساعة ساعة إقفال المكتب، بالاستراحة اللانهائية ليوم عيد.

بإمكاني أن أتخيل الكل، كل شيء، لأنني لا شيء، لو كنت شيئًا لما كان بإمكاني أن أتخيل. مساعد محاسب بإمكانه أن يحلم بنفسه إمبراطورًا رومانيًا؛ ملك إنجليترا محرم عليه أن يكون، في الأحلام، ملكًا آخر مختلفًا عن الملك الذي هو إياه. الواقع لا يترك له مجالًا للإحساس.

الشعر والحاسة الشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو بيسوا ( 1888- 1935) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، يوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية. وأكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها.

كتب في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟ في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟

هل بوسع الإيمان بأن يجعل رجل الموهبة، أعني الشاعر. في أن يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا؟ لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. ويوقولون “لقد مررنا”.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتون أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول أن الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواسي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه ذاهلًا من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.

معضلة الكتابة للمجتمعات كما يصفها بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يصف فيه معضلة الكتابة للمجتمعات، يقول فيه:

لا أملك، لأمارس التأثير في المجتمع، سوى تلك المزايا السلبية الحيادية. إنني في المقام الأول رجلٌ استدلاليٌ عقلاني، والأسوأ من ذلك استدلاليٌ مدقّق وتحليلي. غير أن الجمهور ليس قادرًا على اتباع أمثالي، ولا هو قادر على الاهتمام بالتحليل.

ثم إنني في المقام الثاني، تحليليٌ يبحث، في حدود الممكن، عن اكتشاف الحقيقة، لكن الجمهور لا يريد الحقيقة بل تعجبه الأكذوبة. الحقيقة في كل الأوجه ولا سيما في المسائل الاجتماعية معقدة دائما. والجمهور لا يفهم الأفكار المعقدة. يجب أن نمنحه فقط الأفكار البسيطة، العموميات الملتبسة، أي الأكاذيب وإن كانت على صلة بالحقائق؛ ذلك أن تقديم ما هو معقد بصفته بسيطا وعرض ما يحتاج إلى تمييز بدونما تمييز، واللجوء إلى التعميم حيث ينبغي التخصيص للوصول إلى التحديد وتفادي الدقة في مسائل تستوجب الدقة؛ كل ذلك والكذب سواء.

وأنا في المقام الثالث، ولهذا أبحث عن الحقيقة، ميّال إلى التجرد ما استطعت؛ لكن الجمهور الذي تحركه الأهواء وليس الأفكار متحيّز عضويا وهذا لا ينفّره فحسب ويجعله لا مباليا خارج طبيعته وبعيدا عن نبرة التجرد ذاتها، بل إن هذا كله، علاوة، يتفاقم بسبب الالتزامات والتمييزات والتحديدات الواجب التقيّد بها لنكون غير متحيزين. عندنا نحن في أوروبا مثلًا وفي أغلب شعوب جنوب أوروبا، إما أن تكون كاثوليكيا أو ضد الكاثوليكية أو غير معنيّ بالكاثوليكية كما بكل ما عداها.

يكمل بعد ذلك قائلًا:

المجتمعات يسيرها مهيجو المشاعر والأهواء، لا الأفكار. ما من فيلسوف فُتح له طريقا بدون أن يضع نفسه جزئيا أو كليا في خدمة دين أو سياسة أو أي نمط اجتماعي آخر من التفكير.

إذا كان البحث في الموضوع الاجتماعي إذن عديم الفائدة اجتماعيا باستثناء الجانب الفني، إن كان يتوافر على مقومات فنيّة، حينئذ سيكون من الأجدى لنا استخدام جهدنا في صناعة الفن، وليس نصف فن.

يشرح فكرته أكثر قائلًا:

بمعرفتنا أن جميع المعتقدات يمكن تبريرها أو الدفاع عنها وأن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في قيمة من يدافع عنها، علينا أن نقصر أنفسنا على أدب الدفاع أكثر مما على قضية الأدب ذاتها. لنصنع حكايات ذهنية نتّبع فيها دافعا فوريا ومتهورا، دراسات علمية أيضًا. حقيقة الفكرة نفسها عليها أن تكون زائدة، ليست بأكثر من دليل جميل مشتق من حيل البصيرة النفاذة.

سوف نتفرغ، متخذين حركة متطابقة في اتجاه معاكس، لإظهار لا معنى الأفكارر السائدة، خسّة الأفكار الأكثر نبالة، الوهم الملازم لجميع ما تقبله الإنسانية أو يمكن أن تقبل به وجميع ما يؤمن به الشعب أو يمكن أن يؤمن به. هكذا سنُخلّص المبدأ الارستقراطي الذي أُسس فوق النظام الاجتماعي، تاركًا وراءه عبودية كونية ورتيبة.

بيسوا يكتب عن حساسيته من الحياة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا في الحساسية من الحياة، يقول فيه:

كلما ازداد تعمقنا مع الحياة، في حساسيتنا الخاصة ازدادت، يا للمفارقة الساخرة! درجة معرفتنا. في سن العشرين كنت مؤمنا بقدري المشؤوم واليوم أنا على معرفة بقدري المبتذل؛ في سن العشرين كنت معجبًا وطامحا إلى مبادئ الشرق؛ واليوم ترضيني بلا تفاصيل ولا أسئلة نهاية هادئة لحياتي، بصفتي صاحب دكان تبغ.

الأسوأ في الحساسية هو تفكيرنا فيها، وليس بها. لمّا كنت على جهل بسخافتي استطعت الاستمتاع بأحلام رائعة. الآن بمعرفتي من أكون أنا تبقى لديّ الأحلام التي أقرر امتلاكها.

السخف هو الصدمة التي تعيد الذكاء إلينا. ثمة جزء مهم من الذكاء لا أعرف منه إلا الذكاء.

 

فرناندو بيسوا وحديثه عن النثر

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب كما كتب في سطور  كتابه  الاشهر (كتاب اللاطمأنينة) فقال:

أنني أفضل النثر على الشعر حيث أن الشعر شيء وسطياً، خطوة  من الموسيقى باتجاه النثر الشعر، مثل الموسيقى محكوم بقوانين إيقاعية محددة، وحتى لو لم تكن من نمط القوانين الصارمة للشعر المنظوم فهي قائمة، ومع ذلك، كدفعات، كإكراهات كأجهزة أوتوماتيكية للضغط والعقاب إما في النثر فنحن نتحدث أحرار بإمكاننا أن نضمن إيقاعات شعرية، وأن نوجد خارجها، مع ذلك إن تسرب إيقاع  شعري معين بصفة عرضية إلى النثر لا يعوق النثر ؛ لكن تسرب إيقاع نثري عرضا إلى الشعر يفسد الشعر.

وعن علاقة الفن بالنثر يقول (بيسوا):

الفن كله متضمن في النثر من جهة لآنه في الكلمة، الكلمة الحرة يتركز العالم بكامله. ومن جهة ثانية لأنه في الكلمة الحرة توجد الامكانية الكاملة لكي نعبر عن العالم ونفكر فيه في ان واحد في النثر نمنحه كل شيء، بواسطة التحويل نمنحه اللون والشكل اللذين ليس بمقدور الرسم منحه إياهما الا على نحو مباشر وبدون أي بعد حميم ؛ ونمحنه الايقاع الذي لا تمنحه الموسيقى إلا مباشرة أيضاً، وبدون شكل مُجسدن، ومجرداً من ذلك الجسد الثاني الذي هو الفكرة ؛ ونمنحه البنية التي إذا كان على المعماري أن يشكلها من مواد صلبة، معطاة وخارجية فإننا نصنعها من إيقاعات و ترديدات من متتاليات وانسيابات ؛ ثم نمنحه الواقعية التي على المثال أن يخالفها في العالم بلا ليونة ولا استحالة ؛ وأخيرا نمنحه الشعر ؛ الشعر الذي دور الشاعر في شبيه بدور المبتدئ في محفل سري هو عبد، وإنه طوعاً، لمقامات وطقوس معينه.

ويكمل قائلاً:

إنني على يقين من أنه، في عالم متحضر تماماً لن يوجد فن اخر غير النثر حتى الفنون الدنيا، أو تلك التي يمكن تسميتها كذلك، تظهر وشوشتها في النثر فثمة نثر يرقص، نثر يغني، نثر ينشد بذاته لذاته ثمة ايقاعات شفهية هي بحد ذاتها رقصات تتعرى فيها الفكرة ملتوية بشهية وحسويه نصف شفافة ومتقنة، ثمة في النثر أيضاً خبايا مرتعشة يبث فيها ممثل كبير هو الفعل، بجوهره المُجسدْن، عبر الايقاع، سر الكون المتعذر على الإدراك المحسوس.

الخيال والطفولة عند بيسوا

بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (1888– 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية. اشتهر (بيسوا) بكتاباته التي لا تحمل اسمه، وإنما بأسماء مستعارة أخرى.

وفي كتاب (لست ذا شأن)، والذي يتكون من مقولات قصيرة لـ(بيسوا). يقول فيه:

لدينا جميعًا نوعان من الحياة:

حياة حقيقية، وهي تلك التي نحلم بها في طفولتنا، تلك التي نستمر بالحلم بها، كبارًا، وخلفنا أرضية من الضباب.

أما الحياة الخاطئة، فهي تلك التي نتقاسمها مع ااخرين، إنها الحياة العملية، إنها الحياة المفيدة، إنها الحياة التي ننهيها في الكفن.

ثم يحكي في جزء آخر عن طفولته، فيقول:

وأنا طفل، كنت أميل إلى اختراع عالم متخيل من حولي، إلى أن أكون محاطًا بأصدقاء ومعارف لم ينوجدوا مطلقًا – لا أعرف بالطبع إن لم يوجدوا أم أنني أنا غير الموجود. فيما يتعلق بذلك، كما فيما يتعلق بكل الأمور الأخرى، علينا أن لا نكون دوغمائيين.

ويتابع:

أتمنى ذات يوم، بعد موتي، أن تتاح لي حقًا، فرصة أن ألتقي ببعض الأطفال الذين اخترعتهم هنا لكي أجدهم رائعين في هالة خلودهم.

ويقول أيضًا:

لم أندم على طفولتي أبدًا، في الحقيقة، لم أندم على أي شيء.

فيرناندو بيسوا .. شاعر كان الأدب كله

يعتبر الأديب والشاعر البرتغالي (فرناندو بيسوا) 1888-1935 قائد حركة الحداثة في البرتغال، ملهم الشعراء، و واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين.

 كان يُعتبر إنسانوياً يحاول فهم كل شيء في عصر الفوضى الذي عاش به، ومن هنا كانت فلسفته أو معضلته الفلسفية، حيث كان مستاءً من ميل الأجيال التي سبقته إلى نقد أسس الإيمان الذي “حوّل الأناجيل والعهد القديم لليهود إلى ركام مشكوك فيه من الأساطير والخرافات ومن الأدب المحض“، كما كان يرى بأن حرية الجدل هي التي أخرجت إلى النقاش العلني سائر المعضلات الميتافيزيقية، والتي سحبت معها كل القضايا والمشكلات الدينية المنتمية إلى الميتافيزيقيا“.

كان أيضا فيلسوفاً يسعى لفهم كل شيء في عصر قُلبت فيه كل قواعد الحياة، ليزول اليقين الذي كانت تمنحه المعتقدات ويسود الشك الذي قوّض النظم المجتمعية وأسسها الثقافية عوضاً عنه.

ويقول في مستهل (كتاب اللاطمأنينة):

عندما جاء الجيل الذي أنتمي إليه إلى الوجود لم يجد أي سند عقلي أو روحي ذلك أن العمل الهدام الذي قامت به الأجيال السابقة لنا جعل العالم الذي ولدنا فيه مفتقراً إلى الأمان الديني، وإلى الدعم الأخلاقي، وإلى الاستقرار السياسي، لقد ولدنا إذاً في أوج القلق الميتافيزيقي، في أوج القلق الروحي، وفي أوج اللاطمأنينة السياسية.

بعد وفاته عُثر على حقيبة تحوي على أكثر من 25000 مخطوطة عن موضوعات مختلفة منها الشعر، الفلسفة، النقد وبعض الترجمات والمسرحيات، كما أنها تحتوي على خرائط لأبداله، وهي اليوم محفوظة في مكتبة لشبونة الوطنية ضمن ما يعرف بـ”أرشيف بيسوا“.

أبدال (بيسوا) هم شخصيات قام باختراعها ومنحها أسماء مختلفة، ولم تكن تلك الأبدال مجرد أسماء مستعارة ليكتب بعض أشعاره تحت اسمها. بل كانت شخصيات مستقلة عمل على تمييزها بسيرة شخصية خاصة بها، بالإضافة إلى منحها العديد من الميزات الشخصية والآراء السياسية والفلسفية والدينية والتي تميزها عن بعضها كما تميزها عن شخصيته الأساسية. ولعل أبرز هؤلاء الأبدال هم (ألبرتو كاييرو)، (ريكاردو رييس)، (ألفارو دي كامبوس)، حيث كتب كل منهم بالبرتغالية وغدوا من أشهر شعراء البرتغال في القرن العشرين. وهناك كل من (ألكسندر سيرش) و(تشارلز روبرت أنون) اللذين كُتبا بالإنجليزية، بالإضافة إلى (جان سول) الوحيد الذي كُتب بالفرنسية. وهناك أيضاً العديد من الذوات أو الأبدال الآخرين الذين يصل عددهم إلى 80 شخص تقريباً والذين قاموا إما بالترجمة أو بالنقد أو غير ذلك.

والجدير بالذكر أن هناك ذات أنثى وحيدة تدعى (ماريا جوزيه) وهي حدباء ومصابة بداء السل، كما أنها وقعت بشكل بائس في حب السمكري الذي اعتاد على المرور من تحت نافذتها التي تجلس قربها عادة غارقة في أحلامها.

إن شهرة تلك الأبدال أو الأنداد لا تقل عن شهرة (بيسوا) نفسه، حيث لم تصدر الأعمال المخبأة في تلك الحقيبة السحرية بعد وفاته باسمه فقط، بل باسم شخصياته ومن أبرز الشخصيات التي يعرفها قراءه:

– المعلم (ألبرتو كاييرو)، ويعتبره بيسوا معلمه ومعلم الشخصيتين الأساسيتين (رييس) و(كامبوس). وقد ولد عام 1887 وتوفي عام 1915، لم يكن لديه أي فلسفة حيث كان يرى الأشياء على أنها أشياء مجردة دون أي أفكار إضافية تعبر عن ماهيتها، حيث يقول في إحدى قصائده:

لا أملك فلسفة أنا أملك حواساً
وإذا كنت أتحدث عن الطبيعة فليس لأنني أعرف ما هي
وإنما لأنني أحبها، أحبها لذلك بالذات
لأن من يحب لا يعرف أبداً ما يحب
ولا يعرف لماذا يحب، ولا ما هو الحب…
الحب هو البراءة الخالدة
والبراءة الوحيدة هي عدم التفكير.

– المهندس (ألفارو دو كامبوس)، المولود عام 1890 والذي توفي في نفس العام ونفس اليوم الذي توفي فيه (بيسوا)، وينتمي إلى التيار الحسوي، حيث كان مندفعاً وأرعناً، تأثر بـ(والت ويتمان) ليكون بذلك وجودياً مستقبلياً برتغالياً، يميل إلى استيعاب العالم كله عن طريق الإحساس به، ليعيش في الوقت ذاته صراعاً وجودياً بين ذلك الإحساس والتفكير به متجهاً بذلك إلى العدمية. حيث يقول في قصيدته “التهام الكون:

من أجل إحساس فيزيقي جديد
امتلكت أنا الكون بكامله،
حاسة لمس جديدة جعلتني
أنتمي إلى كينونتي المتسلطة فيزيقياً،
إلى الكون بكل شموسه ونجومه
والحيوات المتعددة لأرواحه.

– الطبيب (ريكاردو رييس)، ولد عام 1887، هرب بعد تأسيس الجمهورية البرتغالية إلى منفاه في البرازيل، حيث كان متعاطفاً مع الملكيين، كان حسياً أيضاً بالإضافة إلى كونه نيوكلاسيكياً ومادياً متأثراً بالكلاسيكية التجريدية. وقد كانت تتمحور قصائده عن الحياة وغرورنا فيها وضرورة تقبلنا لأقدارنا. ويمكننا أن نرى فلسفته متمثلة في قصيدة “بانعكاسات قليلة:

لا تسمح الآلهة بغير الحياة
لنرفض إذاً كل ما يرفعنا
إلى قمم لا يمكن استنشاقها،
قمم خالدة لكن بدون أزهار.
لنمتلك وحسب علم القناعة
طالما الدم في أصداغنا ينبض،
والحب نفسه غير قادر على تغضيننا
لنبق مثل الزجاج إزاء الأضواء
الشفافة، تاركاً المطر الكئيب، ينزلق،
فاتراً فحسب تجاه الشمس الدافئة
بانعكاسات قليلة.

وهناك أيضاً أبدال أخرى، حيث يقال إن (برناردو سواريس) هو كاتب (كتاب اللاطمأنينة) وهو أحد البدائل التي لا يعرف عنها الكثير. لكن يقال انه قد تعرف عليه في مطعم صغير وحينها أسرّ له عن يومياته هذه.

إن (بيسوا) مع أبداله هؤلاء لم يكن شخصاً واحداً فقط، وإنما كان مجموعة من الشعراء في شخص واحد، ليشكل بذلك الأدب البرتغالي في تلك الفترة، كما كان له تأثير بالغ على معظم شعراء البرتغال من بعده، فالبعض منهم تأثر بشكل مباشر عن طريق تبني أسلوبه الشعري أو الفلسفي، والبعض الآخر تأثر بشكل غير مباشر أثناء محاولته عدم التأثر به، لكنه وجد نفسه متأثراً دون أن يدري بأحد هؤلاء الشعراء الذين كانوا جميعهم (فيرناندو بيسوا).

بيسوا يكتب عن الخوف والجنون

بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (1888– 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية. اشتهر (بيسوا) بكتاباته التي لا تحمل اسمه، وإنما بأسماء مستعارة أخرى. ففي عام 1906، نشر قصة قصيرة باللغة الإنجليزية تحمل عنوان (الباب)، تحت اسم (ألكسندر سيرش). وقد جمعت هذه القصة، وأخريات في كتاب واحد مؤخرًا، حمل اسم: (الباب وقصص أخرى). يفتتح هذه القصة بمقالة قصيرة، يقول فيها:

ثمة معنى عميق للأشياء، تشابه فظيع بين أرواحها يُشعرُ منطِقنا بالرعشة تجاهه، لكن الشيء الذي لا يزال مهيمنًا على القدرات العليا للإنسان هو الغريزة. وبعض الناس ممن يسمّون مجانين، أو ربما مهووسين وحالمين، ينظرون إلى الأشياء في كنه جوهرها، ولذلك يتألمون ويعانون من الحقد والكراهية.

يقول بعد ذلك في موضع آخر:

إن مقبض الباب، أو أي كلمة مكتوبة أو شفهية، أو أي رائحة ليست، كما نراها، شيئًا يولّد الخوف. إذا ما وَجَد شخص في هذا الأمر ما يخيفه، فبديهي أنه يرى الأشياء بطريقة تختلف عن طريقتنا. ستقولون أن الفارق يكمن في الشخص، وأن الشيء كما يراه هو يُوجَد في نفسه، سأرد عليكم بالقول إن الشيء كما نراه نحن هو في أنفسنا. هذا ما يدل عليه العلم ويثبته المنطق. اللون، الضوء، الصوت، كل هذا نسبي. الشكل، الزمن، الفضاء، هي أشياء نسبية أيضًا. لا وجود للأشياء، بل توجد أشياء نشعر بوجودها. ستقولون إنه واحد ونحن كثرة؟ لكن قد يكون هو أكثر تطورًا منا، ربما يسبقنا في مسار تطوره.

ويتابع:

إن الأفكار العادية للبشر تختلف عن أفكار المجانين سواء في طبيعتها أو في درجتها فقط. إذا كانت تختلف في طبيعتها، فكيف لنا أن نقول إنها غير طبيعية؟ واستنادًا إلى أي تجربة يمكننا أن نحكم عليها؟ وفوق ذلك، كيف نكون واثقين من أنها تمثل أول مظهر لشكل جديد من الحياة الفكرية؟ ثم، هل يمكن الدفاع عن هذه الفرضية؟ هل يختلف إنسان عن إنسان آخر في طبيعة قدراته الفردية؟

لا. لو كان الفرق فقط في الدرجة، كيف بإمكاننا نحن، ما دام تصورنا وإدراكنا للأشياء يختلفان من إنسان إلى آخر، أن نقول أين يوجد إنسان مجنون؟ لو كان كل إنسان حَكَمًا لكان بقية الناس كلهم مجانين. ولو قال أحدهم إن الفرق بين الناس الأسوياء قليل، لكنه كبير بين الإنسان العادي والمجنون، فإن كل ما أستطيع قوله هو إنه حيث لا وجود سوى لدرجات فقط لا يمكن أن يوجد فرق. هذا الإنسان سوي، وهذا الآخر سوي أيضًا، إذ لا يختلف عنه إلا قليلًا ؛ وذاك الثالث أيضًا، لأنه يختلف قليلًا عن الإنسان الثاني، ذاك السوي، وهكذا دواليك بدرجات طفيفة، بحيث إن كل البشر أسوياء إلى أن نقوم بمقارنة آخر إنسان فنجده سويًا مع الأول، الذي كان هو منطلقنا، فنُدرك أن الفرق بينهما هو الفارق بين “المجانين” و”الأسوياء”. فماذا يمكن القول إذن عن المجانين؟ هل يمكننا أن نقول، دون الوقوع في الخطأ، إنهم مخطئون؟ هل يمكننا أن نؤكد بكل قناعة إن هؤلاء التعساء، بسبب “هذيانهم ومخاوفهم”، هم الأقرب إلى الدوافع والأسباب الموجودة في كنه روح الأشياء؟

يقول بعد ذلك:

أولئك الذين تجاوزوا بالحدس درجة تطورهم، أولئك الذين تمرّدوا على العادي، أدركوا من قرب، من حيث لا يعلمون، سر الكون، لأنهم لا يمكن أن يعلموا أكثر من هذا -إنهم يشعرون بالسعادة وهم في الواقع سعداء لهذا السبب بالضبط. لو أن كلبًا فكّر مثلما نفكّر نحن [فرضية مستحيلة]، ألن يعتبره بقية الكلاب رفيقًا مجنونًا، ألن يبعدوه عنهم، أو ربما يقتلونه؟ سيقومون بذلك، لكن الضحية الأقرب هو إلى الحقيقة. هذا ما حدث لنا أيضًا. وكما أن الحيوان الذي أتخيله قد يخوض ذهنيًا في شتى التعقيدات والفظائع بسبب وجود عنصر جديد في ذاته، عنصر يتجاوز طبيعته، فإن البشر الذين يعرفون أكثر من أشباههم الآدميين يعانون بسبب مخاوفهم غير العادية، وتطاردهم الأشباح والكوابيس.

يدافع بعد ذلك عن الخائفين والمجانين، فيقول:

إن إنسانًا يشعر بالخوف يخشى شيئًا له علاقة بالغريزة الإنسانية، وحين يفكر لا يدرك بأنه يفكر، قد يشعر فقط أنه يفكر، كذلك هو حال المجانين، إذ يعرفون شيئًا لا يعرفه الآخرون، يشعرون أنهم يعرفون من طريق فظائع لا يمكن الحديث عنها، وبسبب مخاوف لا يمكن التعبير عنها.

إن إنسانًا يشعر بالخوف يخشى شيئًا ما ؛ إن إنسانًا له رغبة يرغب في شيء ما، مهما كان غامضًا فهمه لهذا الخوف أو تلك الرغبة التي يشعر بها. عندما يكون ذلك الأمر الذي يخشاه الإنسان، يكرهه، يرغب فيه، شيئًا يستطيع فهمه كغاية، أو كسبب لهذه الأحاسيس، شيئًا يمكن أن نخشاه، أن نكرهه، أن نرغب فيه، لا يمكننا أن نقول عن هذا الإنسان سوى أنه يخشى، ويكره، ويرغب، لكن، عندما يكون ذلك الأمر الذي يخشاه الإنسان، ويكرهه، ويرغب فيه، شيئًا لا يمكننا أن نفهمه كمُثير للانفعال، شيئًا لسنا بقادرين على أن نخشاه، ونكرهه، ونرغب فيه، نعلن أن هذا الإنسان مجنون. كم هو خدّاع وكاذب هذا الأمر.

يحاول أن يضرب مثلًا كيف أن أمورًا صحيحة قد تكون ضربًا من الجنون، فيقول:

حاولوا أن تقنعوا إنسانًا سويًا يجهل علم الكيمياء بأن الماء يتكون من غازين مختلفين. حاولوا أن تقنعوا زنجيًا ذكيًا بأن الشمس لا تتحرك في كبد السماء. لن تفلحوا. ما يراه الإنسان يؤمن به ماديًا وذهنيًا. وما لا يراه لا يؤمن به. الإنسان يؤمن في حدود ما يراه ولا شيء غير ذلك.

يختتم مقالته قائلًا:

إذن لا تقولوا إنه مجنون من يرتعش أمام مسمار، من يرتجف أمام حذاء، من يخشى الفضاءات الفارغة. لا تقولوا إن المتصوف يهذي، وأن “لا شيء” يطارد الإنسان الذي يقول بأنه مُطارد. لا تقولوا شيئًا، لأنكم أولًا لا تعلمون -لأن لا أحد يعلم- ما معنى أن يكون المرء مجنونًا، وثانيًا، لأن الأوضاع الفكرية لهؤلاء الأشخاص تفوق أوضاعكم الفكرية، فأنتم لا ترونهم، وليس لديكم أي إحساس بهم. ولا تقولوا إنها كذب تلك الأوهام الأكثر خَرَفًا، والأحلام الأكثر غرابة. لا، لأنها حقيقة، حقيقة مثل الشمس والنجوم، حقيقة مثل العالم الذي نعرفه ونعيش تحت سيطرته.