أرشيف الوسم: فيرناندو بيسوا

الخيال والطفولة عند بيسوا

بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (1888– 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية. اشتهر (بيسوا) بكتاباته التي لا تحمل اسمه، وإنما بأسماء مستعارة أخرى.

وفي كتاب (لست ذا شأن)، والذي يتكون من مقولات قصيرة لـ(بيسوا). يقول فيه:

لدينا جميعًا نوعان من الحياة:

حياة حقيقية، وهي تلك التي نحلم بها في طفولتنا، تلك التي نستمر بالحلم بها، كبارًا، وخلفنا أرضية من الضباب.

أما الحياة الخاطئة، فهي تلك التي نتقاسمها مع ااخرين، إنها الحياة العملية، إنها الحياة المفيدة، إنها الحياة التي ننهيها في الكفن.

ثم يحكي في جزء آخر عن طفولته، فيقول:

وأنا طفل، كنت أميل إلى اختراع عالم متخيل من حولي، إلى أن أكون محاطًا بأصدقاء ومعارف لم ينوجدوا مطلقًا – لا أعرف بالطبع إن لم يوجدوا أم أنني أنا غير الموجود. فيما يتعلق بذلك، كما فيما يتعلق بكل الأمور الأخرى، علينا أن لا نكون دوغمائيين.

ويتابع:

أتمنى ذات يوم، بعد موتي، أن تتاح لي حقًا، فرصة أن ألتقي ببعض الأطفال الذين اخترعتهم هنا لكي أجدهم رائعين في هالة خلودهم.

ويقول أيضًا:

لم أندم على طفولتي أبدًا، في الحقيقة، لم أندم على أي شيء.

فيرناندو بيسوا .. شاعر كان الأدب كله

 

بيسوا

ولد (بيسوا) في لشبونة عام 1888 وتوفي فيها عام 1935، حيث يعتبر (بيسوا) قائد حركة الحداثة في البرتغال وملهم الشعراء في القرن العشرين. وقد كان (بيسوا) إنسانوياً يحاول فهم كل شيء في عصر الفوضى الذي عاش به، ومن هنا كانت فلسفته أو معضلته الفلسفية، لقد كان مستاءً من ميل الأجيال التي سبقته إلى نقد أسس الإيمان الذي “حول الأناجيل والعهد القديم لليهود إلى ركام مشكوك فيه من الأساطير والخرافات ومن الأدب المحض“، كما كان يرى بأن حرية الجدل هي التي أخرجت إلى النقاش العلني سائر المعضلات الميتافيزيقية، والتي سحبت معها أيضاً كل القضايا والمشكلات الدينية المنتمية إلى الميتافيزيقيا”.

إذاً كان (بيسوا) فيلسوفاً يسعى لفهم كل شيء في عصر قلبت فيه كل قواعد الحياة، ليزول اليقين الذي كانت تمنحه المعتقدات ويسود الشك الذي قوّض النظم المجتمعية وأسسها الثقافية عوضاً عنه، ويقول في مستهل (كتاب اللاطمأنينة):

عندما جاء الجيل الذي أنتمي إليه إلى الوجود لم يجد أي سند عقلي أو روحي ذلك أن العمل الهدام الذي قامت به الأجيال السابقة لنا جعل العالم الذي ولدنا فيه مفتقراً إلى الأمان الديني، وإلى الدعم الأخلاقي، وإلى الاستقرار السياسي، لقد ولدنا إذاً في أوج القلق الميتافيزيقي، في أوج القلق الروحي، وفي أوج اللاطمأنينة السياسية.

بعد وفاة (بيسوا) عثر على حقيبة تحوي على أكثر من 25000 مخطوطة عن موضوعات مختلفة منها الشعر، الفلسفة، النقد وبعض الترجمات والمسرحيات، كما أنها تحتوي على خرائط لأبداله، وهي اليوم محفوظة في مكتبة لشبونة الوطنية ضمن ما يعرف بـ“أرشيف (بيسوا)”.

أبدال (بيسوا) هم شخصيات قام باختراعها ومنحها أسماء مختلفة، ولم تكن تلك الأبدال مجرد أسماء مستعارة ليكتب بيسوا بعض أشعاره تحت اسمها بل كانت شخصيات مستقلة عمل (بيسوا) على تمييزها بسيرة شخصية خاصة بها، بالإضافة إلى منحها العديد من الميزات الشخصية والآراء السياسية والفلسفية والدينية والتي تميزها عن بعضها كما تميزها عن شخصيته الأساسية. ولعل أبرز هؤلاء الأبدال هم (ألبرتو كاييرو)، (ريكاردو رييس)، (ألفارو دي كامبوس)، حيث كتب كل منهم بالبرتغالية وغدوا من أشهر شعراء البرتغال في القرن العشرين. وهناك كل من (ألكسندر سيرش) و(تشارلز روبرت أنون) اللذين كتبا بالإنجليزية، بالإضافة إلى (جان سول) الوحيد الذي كتب بالفرنسية. وهناك أيضاً العديد من الذوات أو الأبدال الآخرين الذين يصل عددهم إلى 80 شخص تقريباً والذين قاموا إما بالترجمة أو بالنقد أو غير ذلك.

والجدير بالذكر أن هناك ذات أنثى وحيدة تدعى (ماريا جوزيه) وهي حدباء ومصابة بداء السل، كما أنها وقعت بشكل بائس في حب السمكري الذي اعتاد على المرور من تحت نافذتها التي تجلس قربها عادة غارقة في أحلامها.

إن شهرة تلك الأبدال أو الأنداد لا تقل عن شهرة (بيسوا) نفسه، حيث لم تصدر الأعمال المخبأة في تلك الحقيبة السحرية بعد وفاته باسم (فرناندو بيسوا) فقط، بل باسم شخصياته ومن أبرز الشخصيات التي يعرفها قراء (بيسوا):

المعلم (ألبرتو كاييرو)، ويعتبره بيسوا معلمه ومعلم الشخصيتين الأساسيتين (رييس) و(كامبوس). وقد ولد (كاييرو) عام 1887 وتوفي عام 1915، لم يكن لديه أي فلسفة حيث كان يرى الأشياء على أنها أشياء مجردة دون أي أفكار إضافية تعبر عن ماهيتها، حيث يقول في إحدى قصائده:

لا أملك فلسفة أنا أملك حواساً
وإذا كنت أتحدث عن الطبيعة فليس لأنني أعرف ما هي
وإنما لأنني أحبها، أحبها لذلك بالذات
لأن من يحب لا يعرف أبداً ما يحب
ولا يعرف لماذا يحب، ولا ما هو الحب..
الحب هو البراءة الخالدة
والبراءة الوحيدة هي عدم التفكير

المهندس (ألفارو دو كامبوس)، ولد عام 1890 وتوفي في نفس العام ونفس اليوم الذي توفي فيه بيسوا 1935، وينتمي إلى التيار الحسوي، حيث كان مندفعاً وأرعناً، تأثر بوالت ويتمان ليكون بذلك وجودياً مستقبلياً برتغالياً، يميل إلى استيعاب العالم كله عن طريق الإحساس به، ليعيش في الوقت ذاته صراعاً وجودياً بين ذلك الإحساس والتفكير به متجهاً بذلك إلى العدمية. حيث يقول في قصيدته “التهام الكون:

من أجل إحساس فيزيقي جديد
امتلكت أنا الكون بكامله،
حاسة لمس جديدة جعلتني
أنتمي إلى كينونتي المتسلطة فيزيقياً،
إلى الكون بكل شموسه ونجومه
والحيوات المتعددة لأرواحه

الطبيب (ريكاردو رييس)، ولد عام 1887، هرب بعد تأسيس الجمهورية البرتغالية إلى منفاه في البرازيل، حيث كان متعاطفاً مع الملكيين، كان (رييس) حسياً أيضاً بالإضافة إلى كونه نيوكلاسيكياً ومادياً متأثراً بالكلاسيكية التجريدية. وقد كانت تتمحور قصائده عن الحياة وغرورنا فيها وضرورة تقبلنا لأقدارنا. ويمكننا أن نرى فلسفته متمثلة في قصيدة “بانعكاسات قليلة:

لا تسمح الآلهة بغير الحياة
لنرفض إذاً كل ما يرفعنا
إلى قمم لا يمكن استنشاقها،
قمم خالدة لكن بدون أزهار.
لنمتلك وحسب علم القناعة
طالما الدم في أصداغنا ينبض،
والحب نفسه غير قادر على تغضيننا
لنبق مثل الزجاج إزاء الأضواء
الشفافة، تاركاً المطر الكئيب، ينزلق،
فاتراً فحسب تجاه الشمس الدافئة
بانعكاسات قليلة.

وهناك أيضاً أبدال أخرى، حيث يقال إن (برناردو سواريس) هو كاتب (كتاب اللاطمأنينة) وهي يوميات غنائية ميتافيزيقية، و(سواريس) هذا هو أحد البدائل التي لا يعرف عنها الكثير لكن يقال إن (بيسوا) قد تعرف عليه في مطعم صغير وحينها أسرّ (سواريس) لـ(بيسوا) عن يومياته هذه.

إن (بيسوا) مع أبداله هؤلاء لم يكن شخصاً واحداً فقط، وإنما كان مجموعة من الشعراء في شخص واحد، ليشكل بذلك الأدب البرتغالي في تلك الفترة، كما كان له تأثير بالغ على معظم شعراء البرتغال من بعده، فالبعض منهم تأثر بشكل مباشر عن طريق تبني أسلوبه الشعري أو الفلسفي، والبعض الآخر تأثر بشكل غير مباشر أثناء محاولته عدم التأثر به، لكنه وجد نفسه متأثراً دون أن يدري بأحد هؤلاء الشعراء الذين كانوا جميعهم (فيرناندو بيسوا).

بيسوا يكتب عن الخوف والجنون

بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (1888– 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية. اشتهر (بيسوا) بكتاباته التي لا تحمل اسمه، وإنما بأسماء مستعارة أخرى. ففي عام 1906، نشر قصة قصيرة باللغة الإنجليزية تحمل عنوان (الباب)، تحت اسم (ألكسندر سيرش). وقد جمعت هذه القصة، وأخريات في كتاب واحد مؤخرًا، حمل اسم: (الباب وقصص أخرى). يفتتح هذه القصة بمقالة قصيرة، يقول فيها:

ثمة معنى عميق للأشياء، تشابه فظيع بين أرواحها يُشعرُ منطِقنا بالرعشة تجاهه، لكن الشيء الذي لا يزال مهيمنًا على القدرات العليا للإنسان هو الغريزة. وبعض الناس ممن يسمّون مجانين، أو ربما مهووسين وحالمين، ينظرون إلى الأشياء في كنه جوهرها، ولذلك يتألمون ويعانون من الحقد والكراهية.

يقول بعد ذلك في موضع آخر:

إن مقبض الباب، أو أي كلمة مكتوبة أو شفهية، أو أي رائحة ليست، كما نراها، شيئًا يولّد الخوف. إذا ما وَجَد شخص في هذا الأمر ما يخيفه، فبديهي أنه يرى الأشياء بطريقة تختلف عن طريقتنا. ستقولون أن الفارق يكمن في الشخص، وأن الشيء كما يراه هو يُوجَد في نفسه، سأرد عليكم بالقول إن الشيء كما نراه نحن هو في أنفسنا. هذا ما يدل عليه العلم ويثبته المنطق. اللون، الضوء، الصوت، كل هذا نسبي. الشكل، الزمن، الفضاء، هي أشياء نسبية أيضًا. لا وجود للأشياء، بل توجد أشياء نشعر بوجودها. ستقولون إنه واحد ونحن كثرة؟ لكن قد يكون هو أكثر تطورًا منا، ربما يسبقنا في مسار تطوره.

ويتابع:

إن الأفكار العادية للبشر تختلف عن أفكار المجانين سواء في طبيعتها أو في درجتها فقط. إذا كانت تختلف في طبيعتها، فكيف لنا أن نقول إنها غير طبيعية؟ واستنادًا إلى أي تجربة يمكننا أن نحكم عليها؟ وفوق ذلك، كيف نكون واثقين من أنها تمثل أول مظهر لشكل جديد من الحياة الفكرية؟ ثم، هل يمكن الدفاع عن هذه الفرضية؟ هل يختلف إنسان عن إنسان آخر في طبيعة قدراته الفردية؟

لا. لو كان الفرق فقط في الدرجة، كيف بإمكاننا نحن، ما دام تصورنا وإدراكنا للأشياء يختلفان من إنسان إلى آخر، أن نقول أين يوجد إنسان مجنون؟ لو كان كل إنسان حَكَمًا لكان بقية الناس كلهم مجانين. ولو قال أحدهم إن الفرق بين الناس الأسوياء قليل، لكنه كبير بين الإنسان العادي والمجنون، فإن كل ما أستطيع قوله هو إنه حيث لا وجود سوى لدرجات فقط لا يمكن أن يوجد فرق. هذا الإنسان سوي، وهذا الآخر سوي أيضًا، إذ لا يختلف عنه إلا قليلًا ؛ وذاك الثالث أيضًا، لأنه يختلف قليلًا عن الإنسان الثاني، ذاك السوي، وهكذا دواليك بدرجات طفيفة، بحيث إن كل البشر أسوياء إلى أن نقوم بمقارنة آخر إنسان فنجده سويًا مع الأول، الذي كان هو منطلقنا، فنُدرك أن الفرق بينهما هو الفارق بين “المجانين” و”الأسوياء”. فماذا يمكن القول إذن عن المجانين؟ هل يمكننا أن نقول، دون الوقوع في الخطأ، إنهم مخطئون؟ هل يمكننا أن نؤكد بكل قناعة إن هؤلاء التعساء، بسبب “هذيانهم ومخاوفهم”، هم الأقرب إلى الدوافع والأسباب الموجودة في كنه روح الأشياء؟

يقول بعد ذلك:

أولئك الذين تجاوزوا بالحدس درجة تطورهم، أولئك الذين تمرّدوا على العادي، أدركوا من قرب، من حيث لا يعلمون، سر الكون، لأنهم لا يمكن أن يعلموا أكثر من هذا -إنهم يشعرون بالسعادة وهم في الواقع سعداء لهذا السبب بالضبط. لو أن كلبًا فكّر مثلما نفكّر نحن [فرضية مستحيلة]، ألن يعتبره بقية الكلاب رفيقًا مجنونًا، ألن يبعدوه عنهم، أو ربما يقتلونه؟ سيقومون بذلك، لكن الضحية الأقرب هو إلى الحقيقة. هذا ما حدث لنا أيضًا. وكما أن الحيوان الذي أتخيله قد يخوض ذهنيًا في شتى التعقيدات والفظائع بسبب وجود عنصر جديد في ذاته، عنصر يتجاوز طبيعته، فإن البشر الذين يعرفون أكثر من أشباههم الآدميين يعانون بسبب مخاوفهم غير العادية، وتطاردهم الأشباح والكوابيس.

يدافع بعد ذلك عن الخائفين والمجانين، فيقول:

إن إنسانًا يشعر بالخوف يخشى شيئًا له علاقة بالغريزة الإنسانية، وحين يفكر لا يدرك بأنه يفكر، قد يشعر فقط أنه يفكر، كذلك هو حال المجانين، إذ يعرفون شيئًا لا يعرفه الآخرون، يشعرون أنهم يعرفون من طريق فظائع لا يمكن الحديث عنها، وبسبب مخاوف لا يمكن التعبير عنها.

إن إنسانًا يشعر بالخوف يخشى شيئًا ما ؛ إن إنسانًا له رغبة يرغب في شيء ما، مهما كان غامضًا فهمه لهذا الخوف أو تلك الرغبة التي يشعر بها. عندما يكون ذلك الأمر الذي يخشاه الإنسان، يكرهه، يرغب فيه، شيئًا يستطيع فهمه كغاية، أو كسبب لهذه الأحاسيس، شيئًا يمكن أن نخشاه، أن نكرهه، أن نرغب فيه، لا يمكننا أن نقول عن هذا الإنسان سوى أنه يخشى، ويكره، ويرغب، لكن، عندما يكون ذلك الأمر الذي يخشاه الإنسان، ويكرهه، ويرغب فيه، شيئًا لا يمكننا أن نفهمه كمُثير للانفعال، شيئًا لسنا بقادرين على أن نخشاه، ونكرهه، ونرغب فيه، نعلن أن هذا الإنسان مجنون. كم هو خدّاع وكاذب هذا الأمر.

يحاول أن يضرب مثلًا كيف أن أمورًا صحيحة قد تكون ضربًا من الجنون، فيقول:

حاولوا أن تقنعوا إنسانًا سويًا يجهل علم الكيمياء بأن الماء يتكون من غازين مختلفين. حاولوا أن تقنعوا زنجيًا ذكيًا بأن الشمس لا تتحرك في كبد السماء. لن تفلحوا. ما يراه الإنسان يؤمن به ماديًا وذهنيًا. وما لا يراه لا يؤمن به. الإنسان يؤمن في حدود ما يراه ولا شيء غير ذلك.

يختتم مقالته قائلًا:

إذن لا تقولوا إنه مجنون من يرتعش أمام مسمار، من يرتجف أمام حذاء، من يخشى الفضاءات الفارغة. لا تقولوا إن المتصوف يهذي، وأن “لا شيء” يطارد الإنسان الذي يقول بأنه مُطارد. لا تقولوا شيئًا، لأنكم أولًا لا تعلمون -لأن لا أحد يعلم- ما معنى أن يكون المرء مجنونًا، وثانيًا، لأن الأوضاع الفكرية لهؤلاء الأشخاص تفوق أوضاعكم الفكرية، فأنتم لا ترونهم، وليس لديكم أي إحساس بهم. ولا تقولوا إنها كذب تلك الأوهام الأكثر خَرَفًا، والأحلام الأكثر غرابة. لا، لأنها حقيقة، حقيقة مثل الشمس والنجوم، حقيقة مثل العالم الذي نعرفه ونعيش تحت سيطرته.

 

فيرناندو بيسوا يكتب عن فن الترجمة

بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا  (1888–1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية.

في كتاب (الأعمال النثرية المختارة) والذي ترجمه للإنجليزية (ريتشارد زينيث)، ومن ثم للعربية بواسطة (أمير زكي) في مدونته، كتب (بيسوا) عن الترجمة، فقال:

أنا لا أعرف إن كان أحد قد كتب تاريخا للترجمة؛ سيكون كتابا طويلا ولكنه مثير جدا للاهتمام. مثله مثل تاريخ الانتحالات – كتاب مهم ممكن آخر ينتظر كاتبه الحقيقي – سيكون محاطا بالدروس الأدبية. هناك سبب لأن يستحضر شيء ما شيئا آخر: الترجمة ليست سوى انتحالا باسم الكاتب. تاريخ المحاكاة الساخرة سيكمل السلسلة، لأن الترجمة هي محاكاة جادة للغة أخرى. العمليات العقلية المتضمنة في المحاكاة الساخرة هي نفسها المتضمنة في الترجمة بشكل تام. في الحالتين هناك إعادة استخدام لروح الكاتب لغرض غير موجود عنده. في الحالة الأولى يكون الغرض هو السخرية، في حين يكون الكاتب جادا؛ في الحالة الأخرى يكون الغرض لغة محددة، في حين كتب المؤلف بأخرى. هل سيحاكي أحد في يوم ما قصيدة ساخرة بقصيدة جادة؟ هذا غير مؤكد. ولكن بلا شك يمكن للكثير من القصائد – حتى القصائد العظيمة – أن يضاف لها بأن تُتَرجَم للغة نفسها التي كتبت بها.

هذا يستحضر إشكالية إن كان الفن أم الفنان هو الأكثر أهمية، الفرد أم المُنتَج، إن كان المُنتَج هو الأهم، وهو الذي يجلب البهجة، إذن سيكون من المُبَرَر أن تأخذ قصيدة لشاعر مشهور – لا تكون من القصائد المتسمة بالكمال – وفي ضوء نقد عصر آخر، تجعلها تتصف بالكمال بالحذف والاستبدال والإضافة. قصيدة وردزوورث “نشيد الخلود” قصيدة عظيمة ولكنها بعيدة جدا عن أن تتسم بالكمال. يمكن إعادة تركيبها لتكون أفضل.

المثير في الترجمة يتحقق عندما تكون صعبة، أي أن تكون من لغة ما إلى لغة أخرى مختلفة تماما، أو تكون لقصيدة معقدة جدا حتى لو كانت الترجمة إلى لغة مشابهة جدا. لا توجد متعة في الترجمة – قل – بين الإسبانية والبرتغالية؛ أي شخص يستطيع قراءة إحدى اللغتين يمكنه بشكل آلي أن يقرأ الأخرى، بالتالي يبدو حينها أنه لا جدوى من الترجمة، ولكن ترجمة (شكسبير) إلى واحدة من اللغات اللاتينية سيكون عملا مبهجا؛ أنا أشك إن كانت ترجمته تصلح إلى الفرنسية، سيكون من الصعب الترجمة إلى الإيطالية أو الإسبانية؛ أما البرتغالية، كونها أكثر مرونة وتعقيدا، فمن الممكن أن تقبل الترجمة.

آلان باديو يتحدث عن علاقة المسرح والفن بالحب

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة. وككاتب مسرحي، شارك في شبابه بالتمثيل في عدد من المسرحيات، يقول عن الفن، مستفتحًا حديثه الشيق:

يتمتّع الفن بنقطة قوية جدًا وهي تحقيق العدالة للحدث. هذا يمكن أن يصبح حتى تعريفًا من ضمن التعريفات المحتملة للفن: الفن هو ما يقوم بتحقيق العدالة تحقيقًا كاملًا للحدث، على المستوى الفكري. في السياسة، يقوم التاريخ بترتيب الأحداث بعد وقوعها. لكن الفن متفردًا في استعادة أو محاولة استعادة، كامل قوتها الكثيفة. وحده الفن يستعيد بُعد المعاني للقاء، للثورة، للتمرد. إن الفن في كل أشكاله هو تأمل عظيم للحدث كما هو.
 ثم يتحدث عن سبب حبه للمسرح، وعن تشابه التمثيل على المسرح مع دخول الإنسان في علاقة حب يقول:
حبي للمسرح معقد جدًا ويعود إلى زمن طويل. لعله أكثر قوة من حبي للفلسفة. بأتي حبي للفلسفة لاحقًا، ببطء وبصعوبة أعظم. أعتقد أن ما بَهَرني في المسرح، حين كنت شابًا ومثّلت، ذلك الشعور الذي انتابني فورًا بأن جزءًا ما من اللغة والشعر مرتبطان بالجسد على نحو لا يمكن التعبير عنه تقريبًا. وربما كان المسرح في الأساس بالنسبة لي، استعارة لما قد يكون الحب في ما بعد، لأنه كان اللحظة التي تلاشت فيها الحدود بين الفكر والجسد على نحو ما. فهما مكشوفان لبعضهما بطريقة لا يمكن أن تقول معها: “هذا جسد” أو “هذه فكرة”. الاثنان ممتزجان، تحاصر اللغة الجسد، بالضبط مثلما تقول لشخص ما: “أحبك”، إنك تقول ذلك لشخص ما على قيد الحياة، يقف أمامك، لكنك تخاطب كذلك شيئًا ما لا يمكن اختصاره إلى هذا الحضور المادي البسيط، شيئًا ما يتجاوزه ويتضمّنه كلية، في الوقت ذاته. هذا هو المسرح، في أصوله؛ إنه الفكرة في الجسد، إنه الفكرة في الجسد. يمكن أن أكرر كلمة فكرة مرة أخرى بمعنى آخر. لأن المسرح، كما نعرف، يعني التكرار. يقول المخرج: “فلنكرر المشهد مرة أخرى”. لا تندمج الفكرة بسهولة في الجسد. إنها مسألة معقدة: علاقة الفكرة بالمكان مع الإيماءات التمثيلية. لابد أن تكون عفوية ومدروسة في الوقت ذاته. هذا ما يحدث في الحب أيضًا. الرغبة قوة آنية، لكن الحب يتطلب فوق ذلك الاستئناف والرعاية. يعرف الحب نظام التكرار. “قل مرة ثانية إنك تحبني”، وفي أحيان كثيرة: “قلها بشكل أفضل من هذا”. وتبدأ دائمًا الرغبة مرة أخرى. يمكن أن نسمع، أثناء الملاطفات، كما لو أن الحب يسكنها “أكثر .. أكثر”؛ نقطة حيث يعزز الحاجة إلى الحركة إصرار الكلمة، والإعلان الجديد دائمًا. نحن نعرف تمامًا أن قضية أداء الحب في المسرح حاسمة، وتدور كلها تحديدًا حول مسألة الإعلان. ولأنه يوجد، كذلك، مسرح الحب هذا وأداء الحب والصدفة، القويان جدًا، على الأقل بالنسبة لي، أحمل هذا الحب للمسرح.
هل يؤيد (باديو) مقولة (فيتز): “هذا ما أردت أن أقدمه مسرحيًا دائمًا: أن أعرض القوة العنيفة للأفكار، كيف تلوي الأجساد وتعذبها”. يقول (باديو):
بالتأكيد. أنت تعرف، (بيسوا)، الشاعر البرتغالي، يقول في مكان ما: “الحب فكرة”.هذه جملة تنطوي على المفارقة، ظاهريًا، لأن الجميع يقول دائمًا إن الحب هو الجسد، هو الرغبة، هو المشاعر، إنه أي شيء آخر سوى أن يكون الحب العقل والفكرة. وهو يقول “الحب فكرة”. أعتقد بأنه محق. أعتقد بأن الحب فكرة وأن العلاقة بين تلك الفكرة والجسد علاقة فريدة تمامًا ويعلّمها دائمًا كما يقول (أنطوان فيتز) العنف الجامح. نختبر هذا العنف في الحياة. وحقيقي جدًا أن الحب يمكن أن يلوي أجسادنا ويثير أقسى أنواع العذابات. إن الحب كما يمكن أن نلاحظ، ليس نهرًا طويلًا هادئًا. لا نستطيع أن ننسى تمامًا العدد المرعب من قصص الحب التي أدت إلى الانتحار أو القتل. إن الحب في المسرح ليس فقط، ولا حتى أساسًا، فارسًا جنسيًا أو قصة رومانسية بريئة. إنه تراجيديا، ورفض وغضب كذلك. إن العلاقة بين المسرح والحب هي كذلك علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد ووصف لهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين.
 يتحدث بعد ذلك عن علاقة المسرح والحب، فيتساءل بداية:
لابد أن نسأل كذلك، وهذا يتصل بسؤالك السابق، ما الذي كان سيقدمه المسرح لو أن الحب غير موجود؟
يجيب قائلًا:
كان يمكن أن يتحدث، وقد فعل، مطوّلًا عن السياسة. إذًا، نستطيع أن نقول أن المسرح هو السياسة والحب وتقاطعاتهما عمومًا. إن تقاطع السياسة والحب تعريف محتمل للتراجيديا. لكن حب المسرح هو، بالضرورة، حب الحب كذلك، لأنه من دون قصص الحب، ومن دون الصراع من أجل تحرير الحب من قيود العائلة، لن يضيف للمسرح الكثير من الحب. إن الكوميديا الكلاسيكية مثل مسرحيات (موليير) تقول لنا أساسًا كيف أن الشباب الذين تلاقوا صدفة يجب أن يقللوا من قيمة الزواج الذي رتّبه لهم آباؤهم. أما الصراع الأكثر شيوعًا، والأكثر توظيفًا على خشبة المسرح هو صراع حب الصدفة في مواجهة القانون العنيد. أما الأكثر براعة فهو صراع الشباب الذي يدعمه البروليتيا (العبيد والخدم)، في مواجهة القديم/العجوز الذي تدعمه الكنيسة والدولة.