أرشيف الوسم: فيكتور هوغو

نصيحة أب لابنه إذا ما أصبح كاتبًا

سمير عطا الله كاتب وصحفي  لبناني مواليد 1941، اشتهر بكتابة المقالات كما أنه نشر أكثر من كتاب بين الأدب والرواية .في كتابه (مسافات في أوطان الآخرين) الذي كتبه في هجرته بين لندن و باريس وكندا، يخاطب ابنه (نصري) بعد أن يصف الكون وفقاً لـ(نصري) أو قد يكون الكون وفقاً لصغار، ما بين اللعبة القطنية “رينبو” و (حكاية توماس)، وعالم الروضة فهو يقول بعد وصفه لعالم (نصري):

الأمور مختلفة في عالم نصري، وكلما أيقظني من صحيفتي إنما يعلن الفارق بين عالمين .

ثم يخاطب (عطا الله) ابنه تحت عنوان “اسمع يا نصري“:

 إنه يومك الأول في المدرسة. خطوتك الأولى على عتبة عالم يكاد يكون أكبر بعداً من هذا العالم، أسمه العلم .قد تفرجنا عليك من بعيد، تربط حقيبتك الصغيرة إلى كتفك وتفرجنا على دهشتك، وأنت تفترس في أترابك، وتتلمس بأجفانك اليوم الأول من الفصل الأول من العام الأول في زمن لا نهاية له، و لا قعر، ولا سقف، ولا قرار اسمه العلم.

يصف العلم في عصر نصري:

فالعلم في عصرك هو القوت الآخر. إنه الرغيف الوحيد الذي ليس من عجن الأرض .وأنت يا بني، من جيل نهاية القرن، ولدت والناس تتمشى في الفضاء، والعلم يلعق المرايا فوق قشرة الأرض، لكي يضيء ليل القطب، وألعابك سفن فضائية.

ثم يوصيه:

أنت لك العالم. وأمامك العلم. عليك بهما.

وفي المقالة التالية المعنونة أيضا “اسمع يا نصري” يقول فيها:

لقد سألني أحب الناس بماذا سوف أنصحك هذا العام ؟ فقلت: إنني سوف أنصحك أيضاً، وأيضاً بقلم ودفاتر. ومع أنني أتطلع هذه الليلة بالورقة البيضاء، فأحار كيف أملأها ؟ فأتطلع في أوراقي الماضية فأراها مجرد أوراق على الطريق، وورقاً على ورق. ومع أنني مهزوم وأعزل. فإنني لا أريد لك في هذه الحياة سوى أن تكتب. وإذ أحلم لك، فأنا أحلم بأن تتخطاني بزمان، وبأن أكون نقطة انطلاقك لأمثالك.

وإذ أريد شيئاً، فإنما أريد لك أن تأخذ القلم جدياً أكثر مما أخذته أنا، وأن تعرف أهمية الورقة أكثر مما عرفتها أنا، وأن تتيقن باكراً بأن أجمل شيء في الدنيا، كتاب.

تمنى عطا الله لأبنه و قدم النصيحة ثم حذره مما قد يشاع عن الكتابة فيقول:

لا تصغ إلى الذين يحذرونك من صناعة الكلمة، اللهم إذا ما وهبك إياها الله. لا تأبه للذين يقولون لك إنها صناعة الفقر و إنها حقل اليأس، فالحقيقة أنها قوافي الرجاء. ولا تستمع إلى أولئك الذين يعظونك بأن الأرض مطحنة الضعفاء، وأنه عالم لم يخلق للكتاب، فالحقيقة أن الله يخلق لكل كاتب رجاء.

فيتم حديثة عن الكاتب و الكتابة بإعطائه ملكية معنوية رفيعة لا يحسن قدرها إلا القليل:

إنك تملك أن تبشر بالعدل، وأن تدعو إلى العفو، وأن تقاتل من أجل الحق، وأن تدافع عن صعاليك الأرض، ومساكينها. إنك تملك أن تعبر، تملك أن ترى إذا ما رأيت، وتملك أن تشارك الناس بكل لحن تسمع، وبكل قافية تمطر عليك.

هل الكتابة عندما تكون حرفة يرتزق منها الكاتب تكون أقل جودة وإبداع بينما تكون خالدة وعبقرية إذا ما كانت هواية أزلية تخلقها الرغبة في الكتابة لا طلب الرزق ؟

عطا الله يدعو أن لا تكون الكتابة حرفة لأبنه:

وإني أدعو لك إذا كتبت ألا تجعل الكتابة مثل حرفة تعيش بها ومنها. بل تظل هواية أزلية تمنحها كل عبقرية ممكنة، وتمنحك كل مكانة في غد الأدب وتاريخه.

فكتابة والكتاب ليسو واحد في نظره:

فالذين يكتبون في الحياة كثيرون، لكن هناك ملتون واحد عبر العصور. و(هيغو) واحد. و(المتنبي) واحد. وبعض الكتابة تجارة مثل السمسم و الكمون، وأما بعضها الآخر، فلا تفسير لتلك الرعشة التي يتركها فيك ولا نعت، ولا صفة .

وفي آخر سطر يكتبه لأبنه يتمنى له ثلاث هي أجمل ما في الحياة:

إن أجمل ما في الحياة صديق و كتاب و وطن، وإني آمل أن يمن الله بها عليك ثلاثاً.

فلسفة البؤس عند هوغو

Victor_Hugo_by_Étienne_Carjat_1876

فيكتور هوغو (1802-1885) صاحب الروائع من الروايات العالمية التي لا تموت، وكاتب (البؤساء) و(أحدب نوتردام)، و هو كاتب رواية (عمال البحر) عن الإنسان في مواجهته للطبيعة في سكونها وضجيجها، في روعتها ورعبها.

أما عن (عمال البحر) فتقع أحداث القصة في جزيرة جيرنزي التي نفي إليها الكاتب لمدة 15 عاما. اقتباسين من موضعين متقاربين في الرواية تفصّل عمق الحزن الذي تشعر به الشخصية و قد تفنّن (هوغو) في تفسيرها وهي:

 “….

  و لايعني ذلك أن وضعه لم يكن في حالة تغيّر. فالحزن كالغيم و هو يُغيّر شكله.

إن الأرواح القويّة، تعزل في بعض الأوقات تحت بعض ضربات البؤس. و صفات الرجولة، – كصفات لاتياري – تتفاعل في وقت معيّن. و لليأس درجاته الصاعدة. فمن الإنهاك يصعد المرء إلى الانهيار، و من الانهيار إلى الحزن العميق، و من الحزن العميق إلى السّهوم. السهوم هو الغسَق. يذوب فيه الألم في فرحة قاتمة

إنّ السّهوم هو سعادة الحزن“.

وقوله:

هذه الظروف الرثائيّة المخفّفة، لم تكن مصنوعة للسيّ لاتياري.

إنّ طبيعة مزاجه و فصيلة بؤسه، لاتتحمّلان هذه المعاني و المواقف.

[…] شيء واحد فقط، هو أنّ اليقظة الحالمة ليأسه الأول كانت تميل في الوقت الذي رجعنا فيه إليه، و منذ أسبوع تقريباً إلى التلاشي. دون أن يكون أقلّ حزناً، فهو أقلّ جموداً، و لكنه مستمرّ في القتامة، غير ضائع في حزنه. لقد كان يعود إليه، نوع من الإدراك للواقع و للأحداث. و بدأ يُحسّ بشيء من تلك الظاهرة التي يُمكن أن نسمّيها ” رجوعاً إلى الحقيقة الواقعة “ و هكذا لم يكن، في غرفته المنخفضة، أثناء النهار يُصغي إلى أقوال الناس و لكنه كان يسمعها….

هذا القبول النصفي للواقع، هو في نفسه، علامة طبّية. إنه آية على النّقاهة. البؤس الكبير في حالة دوار. و من هنا يخرج المرء منه. لكن أثر هذا التحسّن في البداية كان مزيداً من الخطورة. إن حالة الحلم السابقة كانت تخنق الألم. فالرؤية مضطربة, و الشعور قليل، و من ثم ينرف من كل مكان. الجرح تزيد حدّته. و الألم يعنف أمام كل التفصيلات التي يراها صاحبه. إنه يعود إلى رؤية كل شيء في الذكرى. ووجدانه كل شيء، هو حزن على كل شيء.

و في تلك العودة إلى الواقع كل أنواع المشاعر المُرّة السّابقة

في هذا الأمر تحسّـن، و لكن فيه المزيد من السّوء!

– هذا ما كان يحسّ به لاتياري –

خطاب فيكتور هوغو عن البؤس

Victor_Hugo_by_Étienne_Carjat_1876

فيكتور هوجو ( 1802 – 1885) هو أديب وشاعر فرنسي، من أبرز أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية، ترجمت أعماله إلى أغلب اللغات المنطوقة. أثّر فيكتور هوجو في العصر الفرنسي الذي عاش فيه وقال “أنا الذي ألبست الأدب الفرنسي القبعة الحمراء” أي قبعة الجمال، وتعد رواية (البؤساء) من أشهر أعماله، والتي انعكست بدورها كأعمال مسرحية وسينمائية.

هذا الخطاب حول البؤس ألقاه فيكتور هوغو في الجمعية التشريعية الفرنسية، وهي المؤسسة الشرعية التي حلّت محل البرلمان الفرنسي بعد حله، في 9 يوليو 1849 (المصدر). وقد ترجمه للعربية الأستاذ (مصطفى القلعي)، وتم نشره بعد ذلك في العدد 53 من مجلة الدوحة الثقافية الشهرية، الصادرة عن وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية.  يقول في خطابه:

أنا ، أيها السادة، لست ممن يعتقدون أّنه بالإمكان إزالة الألم من هذا العالم، فالوجع قانون إلهّي. ولكّنني من بين الذين يعتقدون ويؤّكدون أّنه يمكننا القضاء على البؤس. لاحظوا جيدًا، أيها ّّ الّسادة، أّني لا أقول التخفيف منه ولا التقليل ولا حصره ولا الحد منه. (وإّنما) ّ أقول القضاء عليه. إّن البؤس هو مرض (أصاب) الجسد الاجتماعّي تمامًا مثل الجذام، المرض الذي كان يصيب الجسد الإنسانّي. فالبؤس يمكن أن يختفي مثلما اختفى الجذام. القضاء على البؤس! نعم، هذا ممكن! وعلى المشرّعين والحكّام أن يفكروا فيه دون هوادة. ففي قضية مهذه، بقدر ما لا يكون الفعل هو الممكن فإن الواجب يظل منقوصًا.

البؤس، أيها السادة، وسأنفذ هنا إلى صميم الموضوع، هل ترغبون في معرفة أين يقيم (البؤس)؟ هل تريدون معرفة إلى أين يمكن أن يؤول؟ إلى أين يقود، لا أقول في إيرلندا، لا أقول في العصر الوسيط (بل) أقول في فرنسا، أقول في باريس وفي العصر الذي نعيش فيه؟ هل تريدون وقائع؟

يا إلهي.. لن أترّدد في ذكر هذه الوقائع. إّنها وقائع حزينة، ولكّنها ضرورية للكشف. وإليكم، لو وجب القول، ما أفكر فيه كله، لا بد أن يخرج من هذا المجلس، وحول الحاجة التي أقدم مقترحها الشكلي، تحقيق رسمي كبير حول الحالة الحقيقية للطبقات الكادحة المعذّبة في فرنسا. أريد أن تنفجر كل الوقائع في اليوم الكبير. فكيف نريد أن برأ من الشر إذا لم نجسّ الجروح (التي خلّفها فينا)؟

إليكم، إذن، هذه الوقائع:

توجد في باريس، في ضواحي باريس التي هبّت عليها ريح الفتنة بيسر منذ عهد قريب، توجد أنهج وبيوت ومزابل حيث تختلط عائلات، عائلات بأكملها، (اختلاط) الحابل بالنّابل، رجال ونساء وفتيات شابّات وأطفال ليس لهم من الفراش والغطاء وكدت أقول من الملابس إلا أكوام نتنة من الخرق المتخمّرة الملتقطة من الوحل على زوايا الأرصفة. إنها مدن مزابل فيها تُقبر مخلوقات بشرية حية للإفلات من البرد شتاءً. هذه واقعة.

وإليكم وقائع أخرى: هذه الأيام الأخيرة، (ثمة) أديب، يا إلهي، أديب شقيّ، فالبؤس يصيب المهن الليبرالية بقدر ما يصيب المهن اليدوية، (ثمة) أديب شقيّ مات جوعًا، مات بسبب الجوع فعلًا. وقد علمنا، بعد موته، أنه لم يأكل منذ ستة أيام. هل تريدون شيئًا آخرًا أشد إيلامًا؟ الشهر الماضي، وخلال تفاقم الكوليرا، وجدنا أمّاً وأطفالها الأربعة يبحثون عن طعام لهم في بقايا جثث آدمية منتنة متراكمة في مونت فوكون (Montfaucon)!

نعم، أيها السادة .. أقول إنّ هنا أشياء وجب ألا تكون. أقول إن علينا كمجتمع أن يصرف كل قواه وكل عنايته وكل ذكاؤه وكل إرادته من أجل آلا تحدث أشياء كهذه. أقول إن مثل هذه الأحداث في بلد متحضر تلزم وعي المجتمع بأكمله، المجتمع الذي أشعر، أنا المتكلم، بأني شريك فيه ومتضامن معه. (أقول) إن وقائع كهذه ليست فقط أخطاء في حق الإنسان، بل جرائم في حق الله!

لهذا أنا شديد الاقتناع (بما عرضته) .. لهذا أريد أن يمتلئ كل من يسمعونني بالأهمية القصوى للمقترح المعروض عليهم. وهذه ليست خطوة أولى، وإنما حاسمة. أريد من هذه الجمعية، أغلبية وأقلية، لا يهم، أنا أعرف أغلبية وأقلية في مثل هذه المسائل، أريد من هذه الجمعية ألا تكون إلا روح واحدة للسير نحو هذا الهدف، نحو هذا الهدف الرائع، نحو هذا الهدف النبيل، إلغاء البؤس!

نعم، أيها السادة، أنا لا أخاطب فقط كرمكم، أنا أخاطب ما هو أكثر جدية من المشرّعين! وفي هذا الموضوع كلمة أخيرة (سأقولها) وأنهي:

أيها السادة، مثلما قلت لكم منذ حين، أنتم جئتم بمساعدة من الحرس الوطني والجيش وكل القوى الحيّة في البلد .. جئتم لتثبيت (أركان) الدولة المزعزعة مرة أخرى. فلم تتراجعوا أمام أي خطر. ولم تترددوا أمام أي واجب. لقد أنقذتم المجتمع المستقيم والحكومة الشرعية والمؤسسات والسلم العمومية والحضارة نفسها. لقد أنجزتم شيئًا مرموقًا .. نعم! هو: أنكم لم تفعلوا شيئًا.

أنتم لم تفعلوا شيئًا، أنا ألّح على هذه النقطة، مادام النظام المادّي الذي ثبتموه ليست قاعدته النظام الأخلاقي الوطيد! أنتم لم تفعلوا شيئًا ما دام خلفكم جزء من الشعب فاقد الأمل! أنتم لم تفعلوا شيئًا ما دام من هم في فورة الشباب، وهم القوة العاملة، يمكن ألا يجدوا خبزًا، وما دام الشيوخ الذين كانوا قد عملوا، يمكن ألا يجدوا مأوى، وما دام الربا ينهش شركاتنا، وما دمنا نموت جوعًا في مدننا، وما لم تكن بيننا قوانين أخوية .. قوانين إنجيلية تجمع على تقديم المساعدة للعائلات الفقيرة الفاضلة وللريفيين وللعمال والناس الطيبين.

إنكم لم تفعلوا شيئًا ما دامت روح الثورة تتخذ لها المعاناة الشعبية مساعدًا. أنتم لم تفعلوا شيئًا .. لا شيء، ما دام الرجل الشرير في هذا الفعل التتدميري، فعل الدياجير، الذي ما يزال مستمرًا تحت الأرض، يتخذ له معاونًا حتميًا الرجل الشقي.

علاقة الإنسان بوطنه عند فيكتور هوغو

729

في كتابه “تأملات حول المنفى” ينقل إدوارد سعيد نصاً بديعاً لفيكتور هوغو يصف علاقة الإنسان بالمكان.

إنه لمصدر عظيم من مصادر الفضيلة لدى العقل المتمرس أن يتعلم في البداية شيئا فشيئا تغيير نظرته إلى الأشياء الظاهرية والعابرة ، كما يتمكن بعدئذ من تركها وراءه إلى الأبد.. فمن يجد وطنه عزيزاً وأثيراً لا يزال غراً طرياً، أما الذي يجد موطنه في كل أرض فقد بلغ القوة، غير أن المرء لايبلغ الكمال قبل أن يعتبر العالم أجمع أرضا غريبة. فالنفس الغضة تركز حبها على بقعة واحدة من العالم ، والرجل القوي يشمل بحبه كل الأماكن، أما الرجل الكامل فهو الذي يطفئ جذوة الحب لديه.