أرشيف الوسم: كافكا

ما بعد التحوّل، عند كافكا

كافكا

 

ما بعد المسخ عند كافكا // أو التحول و ما يليه عند كافكا // الاغتراب عند كافكا

س كافكا (3 يوليو 18833 يونيو 1924) (بالألمانية: Franz

فرانز كافكا (1883-1924) كاتب تشيكي يُعدّ واحداً من أفضل الأدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة، ويعتبر  رائد الكتابة الكابوسية. درس الكيمياء و الحقوق و الأدب في الجامعة الألمانية في براغ.

نُشرت له رواية (التحوّل) في عام 1915، وهي واحدة من أشهر أعمال القرن العشرين وأكثرها تأثيراً حيث تتم دراستها في العديد من الجامعات والكليات في العالم الغربي. تتناول الرواية وصف الحياة اليومية لعائلة (غريغور) الصغيرة بعدما وقع لـ(غريغور)، والحياة اليومية لـ(غريغور) نفسه وهو في هيئته الحشرية المكتسبة وقد بقي وعيه وعواطفه على ما كانت عليه قبل التحول، والتطرّق إلى عوالم الغربة والاغتراب الداخلي في النفس البشرية وعدم الإحساس بالأمان. وقالت المترجمة (سوزان بيرنوفسكي) لموقع لوكال الالماني: “إن المسخ قصة مثلى عملياً”  مشيرة الى ان البداية الغريبة تستحوذ على اهتمام القارئ فيما تتكفّل البقية بابقائه مشدوداً:

إذ استيقظ (غريغور سامسا) ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول و هو في سريره، إلى حشرة عملاقة. كان مستلقياً على ظهره، الصلب مثلما درع، ولما رفع رأسه قليلاً، رأى كرشه، منتفخة، داكنة، تجزِّئها خطوط مقوسة جاسية، والغطاء بالكاد ممدود على أعلاها، ويكاد أن ينزلق عنها كلية. وكانت قوائمه العديدة، والدقيقة بشكل فادح بالنظر إلى ضخامة بدنه، ما تنفكّ تهتز، في حركة يراها ولا يستطيع إزاءها شيئاً.

تعرض (التحوّل) فكرة فقدان التواصل كخطوة أولية في اغتراب الأفراد:

أدرك (غريغور) أن الانعدام التام للتحادث المباشر مع أي إنسان والحياة الرتيبة التي يعيشها في الوسط العائلي، قد تسببتا له بالتأكيد، على امتداد هذين الشهرين، في بلبلة الذهن، وإلا فكيف يمكنه أن يفسّر لنفسه بكل جدية توقه إلى رؤية غرفته و قد أُفرغت؟ أكان يرغب حقاً في أن يترك الغرفة الدافئة ذات الفراش المريح الذي ورثته عائلته تنقلب إلى كهف، ولكنه سينسى فيه أيضاً، وبشكل سريع، ماضيه الإنساني بأكمله؟ ذلك أنه في الواقع على وشك أن ينساه.

كما و يعطي لمحة عن صراع الفرد بين ما كان عليه قبل تغيّره وما يصير إليه بعده، و التنافس بين داخله كإنسان له عاطفة وذكريات وبين ما آل إليه جسده كحشرة عملاقة لها احتياجاتها من الفراغ والمساحة الخالية:

إلا أنه اضطر إلى الاعتراف بنفسه بأنه لن يقوى على احتمال ما يحدث لوقت طويل. فقد كانتا تخليان الغرفة من محتوياتها، كانتا تنتزعان منه أحب الأشياء إليه … فجأة اجتذبت ناظريه صورة المرأة التي كانت مدثرة كلية بالفراء، تلك الصورة التي كانت الوحيدة المتبقية في وسط جدار عار مما عداها ؛ فمضى متسلقاً صوبها بأسرع ما أمكنه، والتصق بقطعة الزجاج التي تغطيها.

و في الحديث عن الاستسلام للعزلة و الاهمال المتكرر و المتزايد للفرد من الآخرين و خصوصاً المقربين وما ينجم عن ذلك من تقلّص للذات و عدم الرغبة في الاستمرار:

و الآن؟ تساءل (غريغور)، وهو ينظر حواليه في الظلمة. ولم يتأخر في اكتشاف أنه الآن قد أضحى عاجزاً تماماً عن الحركة. لم يدهشه ذلك بل إنا ما بدا له غير طبيعي تماماً، هو أنه حتى هذا الوقت كان بمستطاعه أن يتنقل على قوائمه تلك، الصغيرة والناحلة جداً. وفيما عدا هذا فإنه شعر ببعض الارتياح. حقاً كان الألم مستشرياً في سائر جسده، لكن كان لديه انطباع بأن حدة آلامه كانت تخف تدريجياً وتتضاءل وأنها آيلة في نهاية الطاف إلى التلاشي كليّة. وكان قد فقد الإحساس إلى حد بعيد بالتفاحة المهترئة المنغرسة في زهره وبالمنطقة الملتهبة فيما حولها، والتي كان يغطيها غبار دقيق. واستذكر عائلته بحنان وحب. وكانت فكرة ضرورة اختفائه قد أضحت أكثر ترسخاً لديه ربما منها لدى أخته. واستمر في تأملاته الغامضة، في حال من السكينة إلى أن أعلنت ساعة البرج الثالثة صباحاً. وشهد الضوء وقد بدأ ينتشر في الخارج، أمام النافذة. ثم هوى رأسه أرضاً رغماً عنه ومن منخريه انطلق في وهن آخر أنفاسه.

يطرح (كافكا) فكرة أخرى بخصوص دور التجارب في تشكيل ردات الفعل تجاه التغيّرات والتحولات في الأشخاص والأحداث وأهميتها في بناء الشخصية القوية:

فتلك الأرملة المسنة، التي لا شكّ أن بنيتها القوية قد كفلت لها أن تجتاز أسوأ المحن خلال حياتها الطويلة، لم تكن تشعر باشمئزاز حقيقي من (غريغور) … كانت تبلغ حدّ مناداته و دعوته إلى القدوم نحوها بتعابير كانت تعتبرها، ولا شكّ، وديّة ، مثل: “اقترب قليلاً، يا خنفس الروث!”.

عن قوة الموسيقى عند كافكا وهدف الفن

كافكا

فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية.

“بدون الموسيقى كانت الحياة لتكون غلطة” كما صرح (نيتشه)، أحد المُفكرين القدماء المشهورين و الذي كان في تأملاته نصيب لقوة الموسيقى الفريدة. و بعد جيلين لاحقين التفت (فرانز كافكا) (1883-1924)، و هو كاتب آخر سوداوي عبقري و موهوب بالتنوير بتصريحات شديدة السوداوية، إلى هذا الموضوع خلال محادثاته الجوالة مع رفيق مراهقته و المُحاور الفكري (غوستاف جانوش) والمجموعة في كتابه المعنون بـ(حوارات مع كافكا)، الذي أعطانا نظرة عن رأي الكاتب المكتئب حول الطاوية، المظهر مقابل الواقعية، والحب وقوة الصبر.

خلال إحدى جولات صيف سنة 1922 تحولت دفة الحوار إلى الموسيقى، و هو التخصص الذي أراد (غوستاف) ذو السبع عشرة عامًا بشغف شديد أن يدرسه إلا أن والده حرم عليه هذا المسعى. أخبر (كافكا) رفيقه الشاب:

إن الموسيقى هي صوت الروح،صوت العالم الذاتي المباشر.

في محادثة في أعقاب هذه حين شارك (غوستاف) مرشده قصة قصيرة كتبها بعنوان موسيقى الصمت علق (كافكا) بإسهاب عن كيف تسكب الموسيقى سحرها و فتنتها على الروح:

كل ما هو حي هو في تبدل و تدفق،و يصدر صوتًا و لكننا لا نحتفظ إلا بجزء منها. فنحن لا نسمع تدفق الدم و دورانه، و لا تزايد التلف في أنسجة أجسامنا،و لا صوت عملياتنا الكيميائية، و لكن خلايا أعضائنا الرقيقة، ألياف أدمغتنا و أعصابنا و بشرتنا مُشربة في هذه الأصوات الخافتة، فهي تهتز استجابةً لبيئتها. هذا هو أساس قوة الموسيقى، حيث يمكننا أن نحرر هذه الاهتزازت الشعورية العميقة، و لتنفيذ ذلك نوظيف الآلات الموسيقية ليكون العامل الحاسم هو أصواتها المحتملة الداخلية. بعبارة أخرى: ما هو حاسم ليس قوة الصوت أو اللون الإيقاعي و لكن الميزة الخفية، الحدة التي بها تؤثر القوة الموسيقية على الأعصاب. يجب على الموسيقى أن ترتقي إلى اهتزازت وعي الانسان و إلا ستكون خافتة و  غير محسوسة. اجلب الصمت إلى الحياة، اكشف الغطاء عن الصوت المخفي للصمت.

في محادثة أخرى تناول (كافكا) التشابه والاختلاف بين الموسيقى والشعر، قال (كافكا) مخاطبًا (غوستاف):

تخلق الموسيقى متعةً جديدة غير ملحوظة و أكثر تعقيدًا بل و أكثر خطرًا، لكن الشعر  يهدف إلى تصنيف جموح المتع بمنحها صفة العقلانية و الثقافية،بتنقيتاه و بتحوليها إلى شيء انساني. إن الموسيقى تُضاعف شهوات الحياة بينما الشعر من ناحية أخرى يهذبها و يسمو بها.

بالرغم من ذلك فقد كان (كافكا) رشيقًا في محاولة حماية نفسه من سطوة الموسيقى:

إن الموسيقى بالنسبة لي تُشبه إلى حد ما البحر .. فأنا في حضورها مهزوم، يراودني شعور بالهيبة المفاجئة،مسحور و مفتون، و لني بالرغم من ذلك خائف، خائف بشدة من بلوغها النهاية. في الحقيقة أنا بحار سيء.

تبقى جسامة شعور (كافكا) بالإنغمار، ربما المقياس الوحيد المباشر لشدة حبه، فقد كتب مرة في أحد رسائله الجميلة و الموجعة للقلب: “لا أريد أن أعرف ما تلبسينه”، “يشتتني كثيرًا أنني لا أجيد التعاطي مع الحياة”.

عندما انتحب (غوستاف) على احتجاج والده واعتراضه على الموسيقى وتسائل إذا ما كان امتلاكه لعقله الخاص يمنحه الحق لعصيان رغبات والده و ملاحقة شغفه بدلًا عن ذلك، وسع (كافكا) تساؤله إلى تأمل أعمق عن السبب الذي يدفع الفنانين لصناعة فنهم:

إن استخدام الواحد لعقله هو عادةً الطريقة الأسهل لخسارته، طبعًا لا أعني بهذا دراستك للموسيقى أو أنني أعارضها. بالمقابل فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية. هناك شغف يدفع كل فن، ولذلك فأنت تجاد و تعاني لأجل الموسيقى و لكن الأمر يسير هكذا دومًا في الفنون، يجب على الشخص أن يُلقي بحياته ليكسبها.

في محادثة أخرى تطرق مرة أخرى للموضوع و شبه التضحيات التي تُقدم في الفنون بتلك التي تُقدم في العبادة الدينية.  في إحدى الأفكار الوجدانية التي تُذكر بتأكيد (سيمون فايل) الثابت: “الإنصات و الاهتمام هو أشد أشكال الكرم نقاوةً و ندرةً و التمتع بأعلى درجاته يشابه الصلاة”، وما الفن إن لم يكن أعلى درجات الكرم؟ يقول (كافكا) لـ(غوستاف):

الصلاة و الفن هي أعمال شغوفة تتعلق بالقدرة،فالواحد يرغب بتخطي هذه القدرة و تحسين احتمالاتها العادية. يُماثل الفن الصلاة فكلاهما كيد ممتدة في الظلام باحثةً عن لمسة من الرحمة لتتحول إلى يدٍ تمنح الهدايا. تعني الصلاة أن يذيب الواحد ذاته في قوس قزح الأعجوبي الممتد بين التكون و الموت، ليستهلكها فيه لجلب بريقه اللانهائي و ألقه إلى سرير الواحد في أرجوحة وجوده الذاتي الواهن.


[المصدر]

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.١)

بول أوستر
 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
“هذا العالم بكل تأكيد كبيرٌ ومدهشٌ بشكل كافٍ ليُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”، كما يقول (بول أوستر).

منح (بول أوستر) الكثير من المقابلات أكثر مما فعل معظم الكتّاب المعاصرين أمثاله. (أوستر) الذي ظهر لجمهوره بشخصية الفنان الفيلسوف المكتئب الذي كرّس نفسه لفنّه عن طيب خاطر وبعيداً عن هذا العالم.

هذه مقابلة له مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥ كما جمعها (جيمس هاتشسون) مع العديد من المقابلات لبول أوستر وقام بنشرها عام ٢٠١٣ في كتاب بعنوان: Conversations with Paul Auster. ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


(بول أوستر) هو شاعر قبل كل شيء، كاتب ومترجم لكن بعد ظهور رواية (مدينة من زجاج) [١٩٨٥] صار يعرف عموما بأنه الروائي الأكثر وضوحاً وأناقة. تناولت رواياته لوحاتٍ وأغانٍ، آلات فاكس وامرأة بدينة تومئ بطريقة أوبرالية! كما أن معظم أبطال رواياته بما فيها (موسيقى الحظ) و (كتَاب الأوهام) و (ليلة التنبؤ) هم على الأغلب كتّابٌ وفنانون. كان من السهل جداً على معجبي وقراء (أوستر) الشباب التمييز بين الصواب والخطأ بأنفسهم وبرفقة الكاتب نفسه حين يضعهم في مواجهة مباشرة مع الصفحات .

وفي العشرينات من عمري، كنت أشق طريقي ككاتب، حيث كنت من أشد المعجبين بـ(بول أوستر)، بعد سنوات وعندما كنت محظوظاً كفاية، ها أنذا تواتيني الفرصة للتعرف على (بول أوستر)، ولم يخب ظني أبداً.

ـ جوناثان ليثيم


موسيقى الجسد:

ماذا كنت تفعل سابقاً في هذا اليوم قبل أن تجدني أقف على باب منزلك؟

أستيقظت صباحاً، قرأت الصحف، وشربت إبريقاً من الشاي، ثم توجهت إلى شقتي المجاورة للعمل قرابة الست ساعات، كالعادة. وبعد ذلك توجب علي القيام ببعض الأعمال، وكما تعرف فوالدتي توفيت منذ سنتين، لزمني التوقيع على بعض أوراق وسندات التأمين، ثم توجهت الى كاتب العدل كي أقوم بختم الأوراق ثم قمت بإرسالها إلى المحامي. عدت إلى المنزل، قمت بقراءة رسالة وردتني من ابنتي ثم صعدت إلى الطابق العلوي لأقوم بسداد بعض الفواتير. يوم عادي كما أظن، العمل على كتابي وإنجاز بعض المهام الروتينية المملة.

بالنسبة لي، فخمسٌ إلى ست ساعات من الكتابة هي زمن وفير، فحين لا أكتب فإن هذا الوقت نعمة كافية ومرضية لأن أقوم بعمل أشياء ومهام أخرى.

أوه! هذا مريع.

نعم مريع جداً.

لقد تيقنت بأن كتابة الروايات هي نوعاً مّا كتجربة، تستغرق منك جهداً فيزيائياً وعقلياً، فأجدني أمام مواجهة أمر الكتابة يوميا لكي أحافظ على نفس الوتيرة، لأجل أن أحافظ على تركيزي الشديد فيما أكتب، وكذلك في أيام الإجازات إن كان ذلك ممكناً مالم أرتبط بمواعيد عائلية، فعلى الأقل أعمل في الصباح. عندما أسافر، فإنني أنفصل وينقطع حبل أفكاري تماما، فلو نفرض بأنني سافرت لأسبوعين فإن الأمر يستغرق مني أسبوعاً لمعاودة الاتزان على نفس الوتيرة التي كنت عليها.

لقد شد انتباهي وصف الجهد المبذول في الكتابة بأنه فيزيائي وعقلي. لدي نفس متلازمة الاستمرارية، بالرغم من أنني لا ألزم نفسي بعدد معين من الكلمات أو الصفحات أو حتى الساعات، فإن متلازمتي هذه تكمن في كوني يجب أن أكتب كل يوم، فعندما تصل الرواية الى مراحل ازدهارها، قد تلفت نظرك تلك القوة البدنية في المحافظة على التوجه في نفس الخط.

هناك شيء ما في إيقاعات اللغة التي تتوافق مع إيقاعات أجسامنا، فأرى أن  معظم الجهد المبذول في كتابة النصوص النثرية هو بناء جمل تُوائمُ إيقاع موسيقانا الداخلية. تلك الموسيقى هي قوىً فيزيائية، مُضنٍ جداً أن تكتب وتكتب وتكتب حتى تظهرها على نحو يتفق مع هواك. هكذا هي الكتابة بالنسبة لي؛ لطالما شعرت بأنها تخرج من جسدي كله وليس عقلي فقط، ففي كتابتي المعتادة، أستطيع سماع صوت الكلمات بينما يخدش قلمي سطح الورق.

في الحقيقة، أنت لا تكتب بطريقة فيزيائية فقط، بل تقرأ بذات الطريقة أيضاً، بحيث أن القارئ النبيه هو الذي ينقب عن المعاني الخفية في الكتاب، فيتلقاها عبر جسده وروحه، وهذا مايفتقر معظم الناس إليه لفهم الخيال الروائي، فهم أيضاً لا يستشعرون النثر عموماً على هذا النحو، فقد اعتادوا على قراءة الصحافة اليومية، والجمل المركبة بطريقة فنية لنقل المعلومات والحقائق الواقعية. من جهة أخرى توقن بأنه كان لزاماً على الشعر أن يكون موسيقياً.

أعتقد أن ذلك يتعلق بالانزعاج الشديد من الدعاية، الكثير من التركيز على وجوب فهم محتوى العمل، مما ينتج عنه  لا محالة عدم التناغم الموسيقي الذي أشرت إليه من جهة القارئ، كما لو أنه يشبه الارتحال بعيداً بالجسد، ثم رسم مخطط له ومحتوى معين ثم توجيهه.

أنا لا أعرف لمَ تغيرَ العالم إلى هذه الدرجة، انه يحاول نشر فكرة ظهور الكُتّاب للعامة في جولات الكتب من أجل التحدث عن أعمالهم، أمرٌ أجده بالغ الصعوبة. إلى حد مّا، قد يكون دافع الكُتّاب للقيام بهذه الجولات هو الشعور بالمسؤولية تجاه دور النشر والقراء.

حاولت أن أحدد موقفاً، فكنت من الفينة والأخرى أحاول الظهور والبدء بذلك وبدافع من الصدق والأمانة، بعدها أتمنى لو أظل بمفردي في أقرب فرصة مواتية. كمثال، عندما نشرت روايتي الأخيرة تلك (ليلة التنبؤ) رفضت ببساطة الخروج في جولات كتاب، إنني فقط لا أملك القدرة التحملية الكافية لفعل ذلك.

(كازو ايشجورو) يمتلك حساً دعابياً عندما يحين الحديث عن ذلك، يظن كما لو أنه خطأ توافقي عملاق أقدم عليه جميع الكتّاب واتفقوا عموماً عليه، بعد ذلك اقترَح أننا قد نحتاج لإيقاف ذلك يداً واحدة، إنه أمر يشبه إصداراً من لعبة (معضلة السجينين) إن قام أحد منّا بذلك فيتوجب على جميع الكتّاب أن يحذوا حذوه، والأمر ذاته لو رفض أحدهم فعل ذلك.

إنه يتحدث عن تجربة شخصية. لقد فعل مالم يفعله أحد من قبل. في أحد المرات كان في جولة لكتاب، قبل مايقارب السنتين، فقد جال كل بلد نُشر فيها كتابه، وفي نهاية المطاف اكتشف بأنه لأمر مجهد جداً وبلا فائدة.

هل سبق وقرأت The Unconseld؟

لقد وددت ذلك.

أرى أنها من أفضل الروايات بالنسبة للكُتّاب الحاليين، ملحمة كافكائية/ سريالية جمعت عدداً من عازفي البيانو كما لم يحدث قط. أشعر بأن الوصف الممكن هي أنها جاءت بأفضل وأكمل جولة كتاب قام بها كاتب من قبل.

على ذكر (كافاكا)، هناك مدخل جيد ومشابهٌ لجولات الكتاب هذه من يوميات (كافكا) التي كان يتحدث فيها عن كاتب خيالي يقدم قراءاته بصوت عالٍ للجماهير، عدا أن الناس أصبحوا يصابون بالملل والإحباط من ذلك، بينما كان يقنعهم: “قصة أخيرة”، “فقط قصة أخيرة” لكن الناس بدأت تهم بالرحيل، فتسمع خبط الأبواب ، ثم توجه للتوسل: “فقط مرة واحدة، واحدة أخيرة” إلى أن رحلوا جميعاً وبقي يصارع وحدته على المنصة، يقرأ لغرفة فارغة.


أفلام:

بدا عليك مؤخرا بأنك أعدت تشكيل علاقتك مع كتابة الرواية، أعني أستطيع الحكم على ذلك من خلال عمليك الأخيرين، وكذلك الرواية التي قلت بأنك تعمل عليها حالياً  -وهذا خبر سارٌ لجميع قرائك-

نعم وأعمل عليها بشكل عميق جداً .

أجدني في اتفاق تام معك، عندما تتحدث عن الحصرية التي تحتاجها الرواية، يدفعني ذلك للتساؤل عن السنين التي كنت فيها سعيداً بصناعة الأفلام، هل تعتقد بأنك ستتوجه بعمق نحو ذلك؟

لقد علقت شباكي وسط صناعة الأفلام، كنت دائماً شغوفاً بها، لدرجة أني في شبابي – تقريباً سن التاسعة عشر أو العشرين- ظننت بأنني سأصبح مخرج أفلام! السبب في كوني لم أفلح في ذلك الأمر أو بالأحرى ابتعدت عن التفكير في ذلك هو معرفتي بأنني لا أملك الكاريكتار المناسب  لذلك. في ذلك الوقت من حياتي، كنت خجلاً قليلاً، فلم أكن أستطعِ الحديث على منصة مثلاً أمام الجميع، لذا كنت أفكر، إن كنت سأضل ذات الشخص الصامت المتجهم المكفهر، فلن أستطيع التواصل بشكل مؤثر مع الممثلين وفريق التصوير وما إلى ذلك. لذا عزفت عن تلك الفكرة. ومن المفارقات العجيبة هي أنني وبعد أن قمت بنشر روايتي -التي تم تقديمها كفيلم فيما بعد- بدأ الناس يتحدثون معي حيال حقوق الفيلم المحتملة، وسيناريو الفيلم، ثم بعد ذلك وجدتني مُقحَماً في ذلك.

في رواياتك الأخيرة قد لمست تحولاً متقناً لتوجهك من الأفلام نحو الخيال الروائي، فيمكنني القول بأن الكتابين الأخيرين كانا يتمحوران حول قصة فنان مّا، ففي روايتك (كتَاب الأوهام)، الشخصية الرئيسية كانت لصانع أفلام، والقارئ آنذاك يستطيع أن يرسم في مخيلته صوراً لأفلام بهية ورائعة، أيضا في (ليلة التنبؤ) فالشخصية الرئيسية كذلك كانت تتمحور حول كاتب مّا أو روائي على وجه التحديد، كنا معه في خضم تطور روايته واكتمالها. لذا كنت أتساءل هل لذلك علاقة بتحول توجهاتك؟

دعني أفصّل في ذلك قليلاً. خلال سنوات عملي في صناعة الأفلام، لا أصدق أبداً أنني تخليت عن كتابة الروايات. فلميّ المخرج وايان وانق استغرقا عامين من حياتي، وقد كانت تجربة رهيبة. الخروج من غرفتي والعمل مع الناس كانت متعة خالصة بالنسبة لي آنذاك، تُوسّع مجاري تفكيري وتجددها.

وللحديث عن فيلم “Lulu on The Bridge” كتبتُ السيناريو للمخرج (ويم وندرز) قبل أن يحدث خلاف على ذلك، ولم يصبح قادراً على إخراج الفيلم. وفي وسط إلحاحٍ شديد قررت أن أعمل على ذلك بنفسي، وهكذا فجأةً! فقد استهلكَ من عمري سنتين إضافيتين، لكن مجدداً فإنني أود القول بأنها كانت تجربةً لا مثيل لها. ثم بعد ذلك بدأت الحملة الدعائية، التي كانت مجهدة أكثر من صنع الفيلم نفسه، أنت تظن أن تأليف الكتُب أمرٌ صعبٌ وشاقٌ جداً، لكن صناعة الأفلام أكثر من ذلك. أستطيع إلى الآن تذكّر الأربعين مقابلة التي أجريتها، واحدة تلو الأخرى، حتى تعبت، وكنت منهكاً جداً ثم نُقلت الى المشفى. عندها توصلت إلى قرارٍ حاسمٍ بالتوقف عن صناعة الأفلام إلى الأبد. فبقدر ما استمتعت في صناعة الأفلام وبقدر ماشعرت واعتقدت أنني أمسك زمام الأمر وأعتاد عليه إلا أنني أيقنت بأنها وظيفة بدوام كامل، وليست هواية أبداً، فقد أجبرت على التوقف عن الكتابة وقتها على الرغم من أن ذلك لم يكن وارداً ابداً. لم يكن لدي أدنى شك بأنه كان يجب علي أن أكتب الروايات والروايات فقط، لذلك وبكل رضا تام وبدون ندم فقد اعتزلت صناعة الأفلام.

ولكن للعودة للحديث عن رواية (كتاب الأوهام)، وإلى (هيكتور مان) وأفلامه، فإن شخصية (هيكتور) ولدت داخلي ونمت قبل أن أكون داخل دوامة الأفلام من الأساس، جاء الي يوماً من الأيام ربما في أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينات على أقرب تقدير، ببزته البيضاء وشاربه شديد السواد، ولم أعرف ماذا أفعل حينها، ظننت أنه يتوجب علي الجلوس والبدء في كتابة مجموعة قصصية تشرح أفلامه الصامتة. ظل (هيكتور مان) بجانبي طوال سنين قبل أن تلتئم مجموعة القصص لتصبح هذه الرواية الآن، فيقول الناس  بأن هذا نتاج غزو (أوستر) لصناعة الأفلام، لكنها حقاً سبقت كل ذلك بكثير.

آخر ما أود قوله عن هذه المغامرة الصغيرة في صناعة الأفلام، هو أنه من النادر جداً لأحدهم أن يجد الفرصة المناسبة والعمر المناسب ليقحم نفسه في تجربة مّا – أتحدث عني في منتصف الأربعينات- فإنها كانت الفرصة المناسبة لئلّا أمارس كتابة الروايات ولمدة خمس سنوات على التوالي، النص الوحيد الذي كتبته خلال هذه المدة كان مقالاً ذاتياً عن المال.

هذا ما أصارع لأجله الآن، فأنا في منتصف مرحلة كتابة رواية -ليست الأولى بالطبع لأنني بدأت بكتابة الروايات مذ كنت في الثامنة عشر-

وأنا كذلك.

لم تكن بتلك الجودة طبعاً ، لكنني لم أتوقف عن هذا النشاط منذ ذلك الحين، لكن في السنتين الماضيتين، قمت بكميات هائلة من الترويج، وعملت على تجميع مجموعتين كتاباً من القصص وكتاباً من المقالات.

لا تخجل من ذلك أبداً، أعني جودة ماكنت تكتبه في السابق.

شكراً لك. لكن ذلك معناه أن الجسد الذي اعتاد على عشرين عامٍ من الممارسة، كجسد الرياضي مثلاً الذي اعتاد على التواجد في النواد الرياضية يضعُ أربطته ويبدأ الجري، جسدي كتابياً هو…

ضامر قليلا؟

صحيح، ضمور، إنه لأمر مرعب نوعاً ما، لدي صديق، روائي بحس عالٍ من الطموح المبهج الذي لا يخجل منه بصراحة، الأمر كان أشبه بجولة ملاكمة بين (نورمان ميلر) و(تولستوي)، قال لي أمراً ذات مرة: “انظر للسجلات، وستجد بأن أفضل سن للروائي هو من سن الثالثة والخمسين الى الخمسين، انه مفترق الطرق بين الطاقة الشبابية والخبرة“ وها أنذا أودع هاتين السنتين من عمري في طريقي إلى الأربعينات.

فقط لأؤكد لك ، أنا من أشد المؤمنين بأنه لا قاعدة تحكم الفن، فكل مسارٍ يختلف عن الآخر، الناشر الفرنسي الذي أتعاون معه قال لي ذات مرة أن الروائي لا يملك إلا عشرين عاماً، هو ذا عمر الازدهار الروائي، لست بالضرورة أتفق معه على ذلك. المثير في الأمر هو أنه كم يبدو من السهل ألا تقوم بكل أمر الكتابة هذا، لكن، وبالتأكيد فالكتابة هي ضرورة قصوى ومتعة في أغلب الأحيان وفي نفس الوقت قد تكون عبئاً كبيراً وصراعاً رهيباً .

سعيد لأنك قلت ذلك!

في حالتي أنا، فإنني حين أتوجه إلى غرفتي وأجلس على مكتبي أهم بالكتابة، لا أفعل ذلك وكأنني ملاكم مقبلٌ على عشر جولات مع (جو لويس) مثلاً، لا بل على العكس، فإنني أمشي على رؤوس أصابعي، وأماطل وأتأخر، أهتم بكل تلك الأمور التي لا يجب علي الاهتمام بها حينها، أجيء من الجانبين وأنزلق من خلال الأبواب، لا أنفجر وبيدي ستة طلقات جاهزة وإن فعلت فإنني أطلق النار على قدمي أنا.

من هو الكاتب الحقيقي؟

0703_writing_cog            

منذ أن كتب مؤلف مجهول (ملحمة جلجامش) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد -وهي أقدم قصة كتبها الإنسان- وحتى شيوع الإنترنت قبل حوالي عشرين عاماً، كان كتّاب النثر الفني قلة نادرة من أصحاب المواهب، والمعرفة الموسوعية، والخيال الخصب، والحس الجمالي، والأفكار الجديرة بالقراءة والتأمل. وإلى عهد قريب كان مثل هؤلاء الكتاب في العالم العربي محل إعجاب واحترام المثقفين الذين يتابعون أعمالهم الجديدة بشغف. وقد قيل: “القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ”. رغم ما في هذه المقولة من إجحاف بحق بيروت الرائدة دائما في مجالات الفكر والأدب والفن. أما بغداد فلم تعد تقرأ كثيرًا هذه الأيام، رغم تكاثر الكُتّاب كالفطر بعد المطر، بحيث بات من الصعوبة بمكان فرز الكتّاب الحقيقيين عن الأدعياء، الذين لا أثر في كتاباتهم  لأي فكرأو ابداع. ولم يعد الجيل الجديد يهتم بالنتاجات الإبداعية الأصيلة فكراً وفناً، فهو يبحث في الإنترنت وفي المجلات الخفيفة المزوقة عن توافه المعارف، وغرائب الحوادث، وطرائف النوادر وهي كلها أشبه بوجبات “الفاست فود” لا تترك أثرًا في النفس ولا حاصلًا  في الذهن. ثمة سمات يتصف بها الكاتب الحقيقي من خصائص نفسية ومعايير فنية وجمالية وأخلاقية  يلتزم بها، على خلاف الكاتب الاستهلاكي السطحي الذي لا يهمه سوى تسويق نفسه و“كتاباته” كأي سلعة في السوق. والفروق بين الاثنين جذرية، لعل أهمها ما يلي:

أولًا: دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يكتب من أجل المال، أو المجد، أو الشهرة، أو بدافع آيديولوجي معين، بل لأنه مصاب بـ“مرض” الكتابة، ويشتعل حماسًا للتعبير عما يختلج في ذاته ويشعر بضرورة ملحة في البوح للناس بما لم يكتبه أحد من قبل، ولكونه قد التقى أناسًا وتملكته إحساسات ليس بوسعه أن لا يعبر عنها، هكذا تظهر للوجود النتاجات الإبداعية الممتعة.

سأل أحدهم (ليو تيلستوي) ذات مرة: “كيف يستطيع الإنسان أن يكتب بشكل جيد؟”. فقدّم له الكاتب نصيحتين ثمينتين:

أولًا: على الكاتب أن لا يكتب مطلقًا عن موضوع غير شائق بالنسبة إليه شخصيًا.

ثانيًا: إذا أراد الكاتب أن يكتب عملًا  إبداعيًا ما، ولكن كان بوسعه ألا يكتبه، فمن الممكن أن يتخلى عن فكرته.

 

ثانيًا: الموهبة

الموهبة الأدبية وحدها، أو الميل الى التعبير عن الأفكار والأحاسيس عن طريق الكتابة، غير كافية لخلق كاتب متمكن من أدواته، الموهبة قد تظهر في مجال الموسيقى والشعر في سن مبكرة؛ (موتسارت)، (رامبو)، (يسينين). أما في القصة والرواية، فأنها تحتاج الى الصقل والعمل الدؤوب لتنتج أثراً ذا قيمة.

لو كانت الموهبة الفطرية وحدها كافية لكتب (تولستوي) (الحرب والسلام)، و(فلوبير) (مدام بوفاري)، و(ستندال) (الأحمر والأسود) في مقتبل العمر، رغم ان هؤلاء الثلاثة يعدون من العباقرة الأفذاذ في فن الرواية. تاريخ الأدب العالمي لا يقدم لنا مثلاً واحداً على ظهور رواية عظيمة لكاتب يافع!

كان (ميخائيل شولوخوف) في الثالثة والعشرين من العمرفي عام 1928، حين نشر الجزء الأول من رواية (الدون الهاديء). وقد شكك النقاد على الفور في ان يكون (شولوخوف) مؤلف هذه الرواية حقا، لأن شابا يافعاً من أعماق الريف، لم يشترك في الحرب الأهلية، ولم يتلقى تعليما يعتد به، ولا يمتلك الا القليل من  التجربة الحياتية لا يمكن أن يؤلف رواية طويلة وعظيمة كـ(الدون الهاديء)، وقد صدق حدسهم فقد تبين لاحقًا، بعد البحث والتدقيق، أن مخطوطة  الرواية تعود لضابط روسي قتل خلال الحرب الأهلية، واستولى (شولوخوف) على المخطوطة واعاد كتابتها بخط يده. وقد سخر الكاتب الروسي (سولجنيتسن) الحائز على جائزة نوبل في الأداب لعام 1970 ، من شولوخوف قائلاً : “بالطبع فإن ميشا -تصغير اسم ميخائيل- ليس مؤلف  الدون الهاديء قطعًا”.

ثالثًا: العمل الشاق

أن العباقرة لا يولدون، بل يصبحون كذلك، عن طريق العمل اليومي الدؤوب المثابر على مدى فترة طويلة من الزمن  والأصرار على تحقيق الأهداف.

لا نجد بين كبار الكتاب من أصبح معروفا بين ليلة وضحاها. كل الكتاب العظام كانوا في البداية يجربون طاقاتهم وأدباء غير معروفين، وكانت نتاجاتهم رديئة ودون مستوى النشر وتطورت فطرتهم الإبداعية بالممارسة والتجريب ومحاولتهم التعلّم لاكتساب التقنيات والأدوات، وإدمان المزاولة وطول العلاج. الذي لا يكتب يوميا – وان كان كاتبا جيدا – تجف قريحته وينضب تدفق أفكاره وما يكتبه بين حين وآخر يكون غثاً.

ليست الكتابة، هواية يمارسها الكاتب بين حين وآخر حسب المزاج، ولا طريقة لتزجية الفراغ والتسلي، ولا مهنة عادية كسائر المهن، بل عمل شاق يلتهم حياة الكاتب وينهك قواه. فهو يعيش حياتين – حياة عادية كالآخرين، وحياة إبداعية مرهقة تستنزف طاقاته وتختلف كثيراً عن حياة الناس العاديين.

الأدب يملأ حياة الكاتب وليس خلال الساعات التي يكتب فيها فقط. الأدب يزيح كل الأعمال الأخرى. ليكرس نفسه ووقته وطاقته للأدب.

الكاتب الحقيقي يراجع ما كتبه أكثر من مرة. فالكتابة عموما، والفنون السردية خصوصًا تتطلب إرادة قوية، وأقوى الإرادات هي التي تنتج أفضل النصوص. قد يقول بعض الكتّاب انهم يكتبون بسهولة ويسر، ويقصدون بذلك الكتابة السطحية الرائجة التي يقبل عليها من يريد الأستمتاع بالقصص الميلودرامية أو روايات الحب الخفيفة، التي لن تصمد أمام الزمن.

سُئل الكاتب الأميركي (مارك توين): “كيف تُكْتَبُ الكتب الرائجة؟”. فأجاب:

أوه …! إنه أمر جد بسيط. خذ قلما وورقة واكتب الأفكار التي ترد إلى ذهنك. ولكن المهم في الأمر هو نوع الأفكار التي تكتبها.

الأفكار موجودة عند كل الناس، ولكن ليس عند الكل القدرة على التعبير عن أي فكرة بوضوح وسلاسة وكثافة في جملة واحدة موجزة، وكما قال (تشيخوف) فأن “الإيجاز صنو الموهبة”.

الكاتب الحقيقي  من يجيد التعبير – الواضح والجميل في آن واحد عن أفكاره وعواطفه، وعن زمانه، ورؤيته للحياة والعالم، ويمتلك حساسية مرهفة قادرة على تحويل الكلمات المألوفة إلى كلمات يبعث على التفكير، أو يلهب العاطفة والشعور.

رابعًا: تقنيات الكتابة

ليس للأدب –كأي فن آخر- قواعد محددة ولكن استيعاب تجارب الكتاب الكبار والتقنيات الفنية المستخدمة في نتاجاتهم ضرورية للكاتب – أي كاتب، فالروائي او القاص الذي لم يدرس التقنيات السردية من خلال تحليل الأعمال الأدبية الخالدة لكبار الكتاب، كأنه يبدأ من الصفر. وكل كاتب حقيقي هو قاريء نهم ومتميز بالضرورة، لا يكتفي بقراءة النتاج الأدبي لمرة واحدة كأي قاريء عادي، بل يعيد قراءته أكثر من مرة ليعرف “كيف تمت صناعته”. واذا لم يكن عنده وقت للقراءة فلا يمكن أن يكون كاتبًا.

يقال بأن التقنيات الفنية يمكن تعلمها –إلى حد ما- عن طريق التعليم أيضًا. وهذا يفسر انتشار الورش الإبداعية في أنحاء العالم التي يتحدث فيها كبار الروائيين عن تجاربهم ويقدمون النصح والأرشاد للمبتدئين في عالم الأدب. ولكني لا أعتقد بأن مثل هذه الورش يمكن أن تخلق كاتبًا مبدعًا، ما لم يتوافر على بذرة الموهبة وهوس الحكي. ثمة طريقة واحدة لتكون كاتبًا جيدًا أن تجلس وتكتب وتجرّب إلى أن تكتب نصاً ذا قيمة فنية.

ذات مرة كان الكاتب (سنكلير لويس) يحاضر عن المهارات الأدبية في احدى الورش الإبداعية ووجه سؤالاً المتدربين: “هل أنتم جادون في أن تصبحوا كُتابًا؟”

فأجابوا بصوت واحد : “أجل”

فرد عليهم (سنكلير) قائلاً: “إذًا لماذا أنتم هنا ولستم في بيوتكم لتكتبوا !”

الكاتب يتعلم من محاولاته وتجاربه الشخصية في المقام الأول وممارسته الدؤوبة للكتابة يومًا بعد يوم، لأن ترك الكتابة لفترة طويلة يؤدي إلى جفاف القريحة ونضوب الطاقة الإبداعية تدريجيًا .. إن القاعدة الذهبية للنجاح تكمن في أن يطور الكاتب نفسه ويتعلم من إنجازاته ومن أخطائه أيضًا، لأن من المهم له أن يعرف أيضًا، ما لا ينبغي كتابته، وأن يعيد كتابة نتاجه المرة تلو المرة. من يصدق أن عبقريًا مثل (تولستوي) كان يعيد كتابة نتاجاته وتعديلها وتنقيحها عشرات المرات أحيانًا.

يقول (إيليا اهرنبورغ) في محاضرة ألقاها في معهد الأدب العالمي في موسكو عام 1949:

عندما أنجز رواية ما، اعيد النظر فيها: أحذف وأعدل وأنقح، وبالنتيجة يتقلص حجم الرواية إلى أقل من نصف حجمها الأولي. ولا أنشرها إلا بعد أن أكون راضياً عنها.

خامسًا: العزلة  

الحكمة تولد في الصمت والأفكار تتدفق والمخيلة تنشط في العزلة الإيجابية المنتجة، ولهذا فإن سمة مهمة أخرى للكاتب الحقيقي؛ العزلة أو الاختلاء بالنفس. وبطبيعة الحال فإننا لا نقصد بذلك العزلة عن حياة المجتمع، بل الابتعاد عن المشاغل اليومية وعدم هدر الوقت الثمين وإيجاد الوقت الكافي للكتابة. وثمة قول لـ(فرانز كافكا) ورد في إحدى رسائله، يقول فيها: “إن كل أعمالي هي نتاج الوحدة”.

قد يقول البعض أن ثمة العائلة وزملاء العمل والأقارب، والأنشطة الاجتماعية. كل هذا يمكن ان يكون موجودًا. العزلة الحقيقية التامة؛ هي في الداخل. إنها إحساس لا يفارق الكاتب أبدًا وطوال حياته يتعلم كيف يستخدمها على نحو صائب وصحيح. يتعلم النظر إلى الأشياء من زاويته الخاصة حيث يرى فيها ما لا يراه الآخرون.

سادسًا: الأسلوب والصوت

لا يقتصر مفهوم الأسلوب على الطريقة التي يسلكها الكاتب للتعبير عن أفكاره وعواطفه، ففي العمل الفني، تؤدي الكلمة وظيفتان، أولهما حمل معلومة معينة، وثانيها التأثير الجمالي في القاريء من خلال الصور الفنية، وكلما كانت الصور أكثر إشراقًا، كان تأثيرها أعمق وأقوى.

الكاتب الجيد يمتلك أسلوبه الخاص وصوته المتميز، ولا يقلد كاتبًا آخرًا، لأن لكل شخص تجربته ورؤيته للعالم .. على الكاتب أن يعتمد على تجربته الخاصة. كتب (جون براين)، مؤلف رواية (غرفة على السطح):

إذا كان لصوتك أن يُسمع وسط آلاف الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئاً بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك قدمتَ تجربتك الخاصة صادقًا.

قال الشاعر الروسي (سيرجي يسينين):

لا تقلد صوت الكروان. بل غن بصوتك، ولو كان أشبه بصوت الضفدعة.

الكاتب الذي لا يتميز بأسلوبه وموضوعاته وأفكاره، لن يحظى بإعجاب القارئ واهتمامه، ويطويه النسيان، عاجلًا  أم آجلًا.

كافكا عن الحب والصبر

كافكا

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه كل شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل.

في إحدى صباحات مارس من سنة 1920، زار التشيكي (غوستاف جانوش) مؤسسة للتأمين حيث كان يعمل والده. وقد كان الهدف من زيارته تلك هو الالتقاء بزميل أبيه، الشاعر ذو السبعة عشر عاما، مؤلف رواية (المسخ): (فرانز كافكا)، والذي عمل في تلك الشركة مدة اثنتي عشرة سنة.

هكذا بدأت صداقة الرجلين التي توصف بأنها غير متوقعة وغريبة نوعا ما. قضى الصديقان السنوات الأربع الأخيرة من حياة كافكا في السير لمسافات طويلة عبر المدينة، جاعلان حديثهما عن الأدب والحياة. وبعد فترة طويلة من وفاة صديقه قام (جانوش) بنشر مجموع تلك المحادثات عام 1951 تحت عنوان (محادثات مع كافكا) . ما جعل هذه المحادثات مميزة هو أن معظم ما قيل فيها يتعارض مع الصورة المألوفة لـ(كافكا) كشخص ارتبط اسمه بالسوداوية والكآبة.  يعلل (جانوش) ذلك بقوله : “لعل ذلك يرجع إلى أن كلينا كان مستمتعا بحديثه مع الآخر”. لقد أيقظ القلب المتفائل للشاب (جانوش) أجزاء خامدة في روح (كافكا)، الأمر الذي أضفى كثيرا من الرونق والبهاء على نقاشاتهم.

الفن صلاة، هو يد ممدودة في الظلام، تبحثُ عن نفحة رحمة تحولها إلى يد تهب النعم، أما الشعر والحب فكما يقول (غوته): “هو كل يعنينا نحن البشر”.

وعن شقاءات الحب المشؤومة ، يقدم (كافكا) تعريفا رائعا للحب ومجازفاته، ويقول:

هو خافض ورافع في آن معاً. وهو بالرغم من كل شيء بسيط جدا، فالحب هو كل ما يقوي، ويُوسع، ويثري حياتنا. في أوجه وفي أعماقه، ليس للحب معضلات جمة، شأنه كالسيارة، المشاكل الوحيدة هي السائق، أو الركاب، أو الطريق. وكما نعلم، فلا شيء غير هذه الثلاثة يمكن أن يتسبب في حادث.

وبشهادة ما كتبه من رسائل حب جميلة مليئة بالعذابات فقد كان لـ(كافكا) علاقة حميمة مع الأسى والحسرة، ولعل سبب ذلك هو أن “الحسرة هي ما تجعلنا ناضجين” كما يقول. فالتجربة الفريدة لـ(كافكا) هي ما سمحت له أيضا بأن يكون الناصح الأمين لـ(غوستاف) بعد طلاق والديه الذي سبب له الضيق وأرداه بقلب ممزق يائس من إمكانية وجود سعادة في الحب. مرددا اعتقادا لـ(نيتشه) بأن الحياة الرغدة تتطلب قبول الصعوبات، حثّ (كافكا) الشاب (غوستاف) أن يبقي على عواطفه حاضرة قائلاً:

“كن هادئا وحليما، دع الشر والبغض يمر خلالك بهدوء، ولا تحاول تجنبهما. ولكن في المقابل، تأملهما بعناية وأعمل ذكائك بدل ردود الفعل الهوجاء، وسوف تتغلب على مشاكلك. ليس بإمكان الرجل أن يحقق العظمة إلا إن تغلب على ضعفه”

ووجهة نظر (كافكا) هذه تذكرنا بما قاله (جون ستينبك) عن الحب ناصحاً ابنه المراهق:”إذا كان حقيقيا، فسوف يكون” ويضيف: ” احذر أن تتعجل،  فالشيء الجيد لا يبتعد

يخبر (كافكا) الشاب (غوستاف) أيضا ويقول:

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل فلا شيء أفظع من الانكسار. إنها مسألة غَلَبة، وهي تبدأ من أن يتغلب واحدنا على نفسه. وهذا أمر لا يمكن تجنبه، لأن تجاوز هذا الطريق يتطلب قطعه. يجب على المرء أن يقبل كل شيء بصبر، وأن يترك الصبر يكبر داخله. فلا يمكن كسر حواجز الأنا إلا من خلال الحب. الإنسان وهو محاط بحفيف الأوراق الميتة، عليه أن يرى لون الربيع الأخضر الطري، أن يعوّد نفسه على الصبر، وينتظر. فالصبر هو الأساس الحقيقي الوحيد الذي يوصل الأحلام للحقيقة.

يضم (محادثات مع كافكا) مجموعة أحاديث قيمة، قاتمة في كثير من الأحيان، وساطعة في أخرى، وعميقة للغاية في كل أجزائها، فهي تنبع من أكثر العقول المعقدة والمقنعة التي أفرزتها البشرية.

[المصدر]