أرشيف الوسم: كافكا

كافكا عن الحب والصبر

كافكا

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه كل شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل.

في إحدى صباحات مارس من سنة 1920، زار التشيكي (غوستاف جانوش) مؤسسة للتأمين حيث كان يعمل والده. وقد كان الهدف من زيارته تلك هو الالتقاء بزميل أبيه، الشاعر ذو السبعة عشر عاما، مؤلف رواية (المسخ): (فرانز كافكا)، والذي عمل في تلك الشركة مدة اثنتي عشرة سنة.

هكذا بدأت صداقة الرجلين التي توصف بأنها غير متوقعة وغريبة نوعا ما. قضى الصديقان السنوات الأربع الأخيرة من حياة كافكا في السير لمسافات طويلة عبر المدينة، جاعلان حديثهما عن الأدب والحياة. وبعد فترة طويلة من وفاة صديقه قام (جانوش) بنشر مجموع تلك المحادثات عام 1951 تحت عنوان (محادثات مع كافكا) . ما جعل هذه المحادثات مميزة هو أن معظم ما قيل فيها يتعارض مع الصورة المألوفة لـ(كافكا) كشخص ارتبط اسمه بالسوداوية والكآبة.  يعلل (جانوش) ذلك بقوله : “لعل ذلك يرجع إلى أن كلينا كان مستمتعا بحديثه مع الآخر”. لقد أيقظ القلب المتفائل للشاب (جانوش) أجزاء خامدة في روح (كافكا)، الأمر الذي أضفى كثيرا من الرونق والبهاء على نقاشاتهم.

الفن صلاة، هو يد ممدودة في الظلام، تبحثُ عن نفحة رحمة تحولها إلى يد تهب النعم، أما الشعر والحب فكما يقول (غوته): “هو كل يعنينا نحن البشر”.

وعن شقاءات الحب المشؤومة ، يقدم (كافكا) تعريفا رائعا للحب ومجازفاته، ويقول:

هو خافض ورافع في آن معاً. وهو بالرغم من كل شيء بسيط جدا، فالحب هو كل ما يقوي، ويُوسع، ويثري حياتنا. في أوجه وفي أعماقه، ليس للحب معضلات جمة، شأنه كالسيارة، المشاكل الوحيدة هي السائق، أو الركاب، أو الطريق. وكما نعلم، فلا شيء غير هذه الثلاثة يمكن أن يتسبب في حادث.

وبشهادة ما كتبه من رسائل حب جميلة مليئة بالعذابات فقد كان لـ(كافكا) علاقة حميمة مع الأسى والحسرة، ولعل سبب ذلك هو أن “الحسرة هي ما تجعلنا ناضجين” كما يقول. فالتجربة الفريدة لـ(كافكا) هي ما سمحت له أيضا بأن يكون الناصح الأمين لـ(غوستاف) بعد طلاق والديه الذي سبب له الضيق وأرداه بقلب ممزق يائس من إمكانية وجود سعادة في الحب. مرددا اعتقادا لـ(نيتشه) بأن الحياة الرغدة تتطلب قبول الصعوبات، حثّ (كافكا) الشاب (غوستاف) أن يبقي على عواطفه حاضرة قائلاً:

“كن هادئا وحليما، دع الشر والبغض يمر خلالك بهدوء، ولا تحاول تجنبهما. ولكن في المقابل، تأملهما بعناية وأعمل ذكائك بدل ردود الفعل الهوجاء، وسوف تتغلب على مشاكلك. ليس بإمكان الرجل أن يحقق العظمة إلا إن تغلب على ضعفه”

ووجهة نظر (كافكا) هذه تذكرنا بما قاله (جون ستينبك) عن الحب ناصحاً ابنه المراهق:”إذا كان حقيقيا، فسوف يكون” ويضيف: ” احذر أن تتعجل،  فالشيء الجيد لا يبتعد

يخبر (كافكا) الشاب (غوستاف) أيضا ويقول:

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل فلا شيء أفظع من الانكسار. إنها مسألة غَلَبة، وهي تبدأ من أن يتغلب واحدنا على نفسه. وهذا أمر لا يمكن تجنبه، لأن تجاوز هذا الطريق يتطلب قطعه. يجب على المرء أن يقبل كل شيء بصبر، وأن يترك الصبر يكبر داخله. فلا يمكن كسر حواجز الأنا إلا من خلال الحب. الإنسان وهو محاط بحفيف الأوراق الميتة، عليه أن يرى لون الربيع الأخضر الطري، أن يعوّد نفسه على الصبر، وينتظر. فالصبر هو الأساس الحقيقي الوحيد الذي يوصل الأحلام للحقيقة.

يضم (محادثات مع كافكا) مجموعة أحاديث قيمة، قاتمة في كثير من الأحيان، وساطعة في أخرى، وعميقة للغاية في كل أجزائها، فهي تنبع من أكثر العقول المعقدة والمقنعة التي أفرزتها البشرية.

[المصدر]

أورهان باموق يتساءل: لماذا نقرأ الروايات؟

أورهان باموق، كاتب وروائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006. ولد في إسطنبول سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن.
في كتابه (الروائي الساذج والحساس)، والذي كان عبارة عن تفريغ لأحد محاضراته في جامعة هارفارد الشهيرة، تحدث عن الروايات وعن سبب قراءتنا لها. ابتدأ محاضرته بمقولته:
الروايات حياة ثانية. مثل الأحلام التي تحدث عنها الشاعر الفرنسي (جيرارد نيرفال)، تكشف لنا الروايات والألوان والتعقيدات في حياتنا وهي مليئة بالناس، الوجوه والأشياء التي نشعر بأننا نعرفها من قبل. تمامًا كما يحدث في الأحلام، عندما نقرأ الروايات نتأثر أحيانًا بقوة الطبيعة الخارقة للأشياء التي تصادفنا والتي تجعلنا ننسى أين نحن ونتصور أنفسنا في وسط الأحداث الخالية والشخصيات التي نشاهدها. في مثل هذه اللحظات، نشعر بأن عالم الرواية الذي نلتقي ونستمتع به هو أكثر واقعية من الواقع نفسه. هذه الحياة الثانية تظهر بالنسبة لنا أكثر واقعية من الواقع، غالبًا ما يعني هذا أننا نستعيض بالروايات عن الواقع، أو على الأقل نحن نخلط بين الروايات والواقع. ولكننا لا نتذمر من هذا الوهم، هذه السذاجة. في المقابل، تمامًا كما يحدث في بعض الأحلام، نحن نريد للرواية التي نقرأها أن تستمر ونأمل بأن هذه الحياة الثانية تظل تستحضر فينا مشاعر متناغمة مع الواقع والحقيقة. بصرف النظر عن وعينا من الدور الذي يلعبه الخيال في الرواية، إلا أننا ننزعج إذا فشلت الرواية في تعزيز تصورنا بأنها حياة حقيقية بالفعل.
ثم يتساءل: “ماذا يجري في عقولنا، في أرواحنا، عندما نقرأ الرواية؟ كيف تختلف هذه الأحاسيس الداخلية عن ما نشعر به عندما نشاهد فيلم، أو ننظر إلى لوحة، أو نصغي إلى الشعر، حتى لو كان شعرًا ملحميًا؟“، ويتابع:
من وقت لآخر، تمنحنا الرواية نفس المتعة التي تمنحها لنا السيرة، الفيلم، الشعر، اللوحة أو الحكاية. في الحقيقة أن التأثير الفريد لهذا الفن يختلف جوهريًا عن الأنواع الأدبية الأخرى، الفيلم وفن الرسم.
ويكمل حديثه قائلًا:
الكثير من التفاصيل التي نشعر بها في الرواية تحاك بدقة وتجهّز لنا، ونشعر بحاجة إلى امتلاك مساحة في ذاكرتنا أثناء القراءة، تبدو كل التفاصيل في هذا المشهر كما لو أنها في لوحة. تراود القارئ فكرة أنه غير موجود بين كلمات الرواية ولكنه يقف أمام لوحة لمنظر طبيعي. هنا تكمن الصعوبة، في اهتمام الكاتب بالتفاصيل البصرية، وقدرة القارئ على تحويل الكلمات إلى مشهد طبيعي كبير عن طريق التخيّل. إلى جانب ذلك أيضًا نحن لا نقرأ الرواية التي تقع أحداثها الفعلية في مشاهد واسعة، في ساحات المعركة أو في الطبيعة، لكن الروايات التي تقع أحداثها في الغرف، في أجواء داخلية قمعية – (المسخ) لـ(كافكا) مثال جيد على ذلك – ونقرأ مثل هذا النوع من القصص تمامًا كما لو أننا ننظر إلى لوحة، ومن خلال تحويلها في مخيلتنا إلى لوحة، نعوّد أنفسنا على أجواء المشهد، نسمح لأنفسنا بالتأثر به، وفي الحقيقة نحن نبحث عنه باستمرار.
وعن متعة قراءة الروايات يقول:
المتعة الحقيقية في قراءة الرواية تبدأ من قابلية رؤية العالم ليس من الخارج، ولكن من خلال عيون الشخصيات التي تستوطن ذلك العالم. عندما نقرأ رواية، فإننا نتأرجح بين المشاهد الطويلة واللحظات الخاطفة، بين الأفكار العامة والأحداث الخاصة، بسرعة لا يمنحها لنا أي نوع أدبي آخر. وبينما نحدق من بعيد إلى لوحة المشهد، نجد أنفسنا فجأة وسط أفكار شخص ما في المشهد والفروق البسيطة في المزاج الشخصي.
يتابع فيقول:
عندما نشعر بأن المشهد داخل الرواية هو امتداد، جزء من الحالة النفسية لشخصيات الرواية، تدرك بأننا اندمجنا مع هذه الشخصيات بانتقال سلس. قراءة الرواية تعني هذا، بينما نحتفظ بالسياق العام في الذاكرة، نتبع أفكار وأفعال الشخصيات واحدة تلو الأخرى وننسب المعنى لهم داخل المشاهد العام. نحن الآن داخل المشهد الذي كنا نحدث فيه من الخارج منذ فترة قصيرة: بالإضافة إلى رؤية الجبال في عقلنا، نشعر ببرودة النهر ونشم رائحة الغابة، نتحدث إلى أبطال الرواية ونشق طريقنا بعمق أكبر في عالم الرواية. لغة الرواية تساعدنا على دمج هذه العناصر البعيدة والمتميزة، ونرى وجوه وأفكار الشخصيات.
ثم يتطرق إلى كاتبي الروايات، فيشبّه بعض الروائيين بأنهم يقومون بكتابة الروايات وكأنها عملية تلقائية، مثل قيادتهم للسيارات:
بعض الروائيين لا يدركون الأساليب التي يستخدمونها، هم يكتبون بعفوية، كأنهم يقومون بعمل طبيعي تمامًا، بلا وعي للعمليات والحسابات التي ينفذونها في رأسهم وإلى حقيقة أنهم يستخدمون العتلات، الفرامل، والأزرار التي تزودهم بها الأسلوب الروائي. دعونا نستخدم كلمة “ساذج” لوصف هذا النوع من الإحساس، هذا النوع من الروائيين وقرّاء الرواية – أولئك الذين لا يشغلون أنفسهم بالجوانب الفنية لكتابة وقراءة الرواية. ودعونا نستخدم كلمة “حساس” لوصف الإحساس المعاكس تمامًا: بكلام آخر، القرّاء والكتّاب المفتونون بتصنع النص وعجزه في تحقيق الواقع، والذين يولون اهتمامًا كبيرًا للأساليب التي يستخدمونها في كتابة الروايات والطريقة التي تعمل بها عقولنا عندما نقرأ. أن تكون روائيًا هو أن تكون ساذجًا وحساسًا في الوقت ذاته.
أما هذين المصطلحين ؛ الروائي “الساذج” و”الحساس“، فأول من استخدمها هو الشاعر والمسرحي الألماني (فريدريش شيلر) (1759-1805) في مقالته الشهيرة (عن الشعر الساذج والحساس)، والتي نشرها في عام 1796. يكمل (باموق) حديثه قائلًا:
بالنسبة لنا يكفي أن نلاحظ أن (شيلر) استخدم كلمة “ساذج” لوصف حالة العقل الذي انحرف عن بساطة وقوة الطبيعة وأصبح محصورًا جدًا في عواطفه وأفكاره الخاصة. هدفي هنا هو الوصول إلى مفهوم أعمق لمقال (شيلر)، المقال الذي شُغِفت به منذ شبابي، وفي نفس الوقت توضيح أفكاري حول فن الرواية من خلال مقالة (شيلر)، فعلت ذلك دومًا، وللتعبير عنها بدقة، وهذا ما أسعى لفعله الآن.
في هذا المقال المشهور الذي وصفه (توماس مان) على أنه “أجمل مقال في اللغة الألمانية”، قسّم (شيلر) الشعراء إلى مجموعتين: الساذجين والحساسين. الشعراء الساذجين متوحدين مع الطبيعة، في الحقيقة، هم يشبهون الطبيعة ؛ هادئة، قاسية وحكيمة. يكتبون قصائدهم بكل عفوية، وتقريبًا بدون تفكير، بدون قلق من أي تبعات فكرية أو أخلاقية لكلماتهم وبدون اهتمام لما قد يقوله الآخرون. بالنسبة لهم، وعلى النقيض من الكتّاب المعاصرين، الشعر إحساس أوجدته الطبيعة فيهم على عجل بطريقة عضوية تمامًا، وهذا الإحساس لن يتخلى عنهم على الإطلاق. الشعر يأتي بشكل عفوي للشعراء الساذجين، قادم من الكون الذي هم جزء منه. الاعتقاد بأن القصيدة ليست شيئًا مدروسًا ووضع من قبل الشاعر، تتألف من وزن شعري معين وتتشكل بواسطة المراجعة المستمرة والنقد الذاتي للشاعر، ولكن بالأحرى القصيدة هي شيء ما ينبغي أن يُكتب بدون تأمل وربما تكون قد دوِّنت من خلال الطبيعة أو الله، أو أي قوة خارقة أخرى […] في مقالة (شيلر) الذي يثير فيّ الكثير من الدهشة في كل مرة أقرؤه، هناك صفة بين الصفات المميزة للشاعر الساذج أود الإشارة إليها بشكل خاص لأهميتها: الشاعر الساذج لا يشك بأن كلماته، تعبيره وأبيات قصيدته قد صوّرت المشهد العام، وبأنها ستمثله، وبأنها وصفت وكشفت الجملة للعالم بشكل دقيق تمامًا، منذ أن أصبح المعنى ليس مخفيًا ولا حتى بعيدًا عنه.
من ناحية أخرى، ووفقًا لـ(شيلر)، الشاعر الحساس، المتأمل، العاطفي، قلِق وقبل كل شيء: هو غير متأكد ما إذا كانت كلماته سوف تحيط بالواقع، ما إذا كانت كلماته ستحقق الواقع، ما إذا كان تعبيره سيوصل المعنى الذي يريده، هو واعي جدًا من القصيدة التي يكتبها، ومن الطرق والأساليب التي يستخدمها، ببراعة أثرت في مسعاه. الشاعر الساذج لا يميز كثيرًا بين فهمه للعالم، والعالم نفسه. لكن الشاعر العاطفي المتأمل المعاصر يشكك في كل شيء يلاحظه، ويشكك حتى في مشاعره. وهو قلق بشأن المبادئ التربوية، الأخلاقية والفكرية عندما يصب تصوراته في قصيدته.
ويكمل بعد ذلك في موضع آخر واصفًا الفارق بين الروائي الحساس والساذج، فيقول:
الروائي الساذج والقارئ الساذج يشبهان الناس الذين يعتقدون بصدق بأنهم يفهوم المشهد والناس الذين يرونهم من النافذة عندما تتحرك السيارة في المشهد. ومنذ أن صدق هذا الصنف من الناس بقوة المشهد الذي يمكنهم أن يرونه من خلال نافذة السيارة، قد يبدؤون الحديث عن الناس ويصدرون أحكامًا تستفز حسد الروائي الحساس المتأمل. من ناحية أخرى، الروائي الحساس المتأمل سوف يقول بأن المشهد من نافذة السيارة مقيّد بإطار، وأن الزجاج الأمام قذر، وسوف ينسحب إلى الصمت البيكتيني. أو، سوف يفعل مثلي ومثل الكثير من الكتّاب المعاصرين، سوف يتصوّر المقود، العتلات، المفاتيح، زجاج النافذة القذر والدواسات كجزء من المشهد، وبهذا سوف لن ننسى أن ما نراه مقيّد بوجهة نظر الرواية.

الكتابة عند نزار عملٌ انقلابيّ

نزار بن توفيق القباني (1342 – 1998) ديبلوماسي وشاعر سوري معاصر شهير، وُلد من أسرة دمشقية عربية عريقة إذ يعتبر جده أبو خليل القباني رائد المسرح العربي. يُخبرنا (نزار) عن الشرط الأساسي في الكتابة بقوله:

الشّرط الأساسي في كل كتابة جديدة هو الشرط الانقلابي. وهو شرط لا يمكن التساهل فيه، أو المساومة عليه. وبغير هذا الشرط، تغدو الكتابة تأليفاً لما سبق تأليفه، وشرحاً لما انتهى شرحه، ومعرفةً بما سبَق معرفته.

الكتابة الحقيقية هي نقيض النسخ، ونقيض النقل، ونقيض المحاكاة الزنكوفرافية أو الطباعيّة.
فالقصيدة الجيّدة هي النّسخة الأولى التي ليس لها نسخة ثانية سابقة لها أو لاحقة بها. يعني أنها زمان وحيد هاربٌ من كل الأزمنة. ووقت خصوصي منفصل كلياً عن الوقت العام.

القصائد الرديئة هي القصائد التي تعجز عن تكوين زمنها الخصوصي فتصبّ في الزمن العام.
وتضيع كما تضيع مياه النهر في البحر الكبير.

الكتابة هي فنّ التورّط. ولا كتابة حقيقية خارج التورّط. الكتابة ليست سجادة فارسيّة يمشي عليها الكاتب، كما يقول (جان كوكتو)، ولا مقعداً مغلفاً بـ”الأوبوسون“، ولا مخدةً من ريش العصافير تغوص رؤوسنا فيها، ولا يختاً خاصاً نتشمّس على ظهره .. ونشرب البيرة الدنماركية المثلّجة.

إن الكاتب يجب أن يظلّ في أعماقه بدوياً يتعامل مع الشمس، والملح، والعطش.
يجب أن يبقى حافيَ القدمين حتى يتحسّس حرارة الأرض، ونتوءاتها ووجع حجارتها.
يجب أن يبقى عارياً كحصان متوحّش، ورافضاً كل السّروج التي تحاول الأنظمة وضعها على ظهره.
ومتى فقد الكاتب بداوته, وتوحّشه، وقدرته على الصهيل، ومتى فتح للجام الحديدي ومنح ظهره للراكبين، تحوّل إلى “أوتوبوس حكومي” مضطر إلى الوقوف على جميع المحطات، والخضوع لصفّارة قاطع التذاكر.

ويقول:

إن الكتابة هي لعبة يوميّة مع الموت. هكذا فهم هيمنغواي الأدب. وهكذا فهمه (كافكا)، و(لوركا)، و(كامو)، و(مايا كوفسكي)، وغيرهم ممن عاشوا حياتهم وأدبهم في البرزخ الفاصل بين الحياة والموت!

وفي تحديده لموقف الكاتب إزاء مايكتب يقول:

لا يمكن أبداً أن يكون للكلمة وجهان: وجه باطني, ووجه مكشوف. ولا يُمكن أن يلبس الشاعر بذلتين: واحدة للشغل، وواحدة للحفلات العامّة.. والمناسبات.
وحين يعجز الكاتب عن إقامة التوازن بين فنّه وموقفه من العالم، فإن عليه أن ينسحب من الشعر فوراً. وهذا مافعله الشاعر الفرنسي (رامبو) حين وجد أن تجارة الرقيق التي امتهنها تتنافى مع خلفيّة الشعر، فتوقف نهائياً عن الكتابة.

 

فلسفة الجمال برأي فيليب هيبل

 
صدر مؤخراً عن مجموعة النيل العربية الطبعة العربية لكتاب “مدخل إلى علم الفلسفة الحديثة” لـ(فيليب هيبل) و من ترجمة (رانيا خليف).
 و مما أفرد فيه فصلاَ ماتعاً عَنْونه بالمتعة: فن الجمال 
و طرح من خلاله تساؤلات حول ماهيّة الجمال و بادئ ذي بدء تطرّق إلى علم الجمال الفلسفي و وضّح بقصده بأنه علم الجمال و الفن و لكنه فضّل فصْل الجمال و الشهوة و المتعة من ناحية و الفن و الإبداع من ناحية أخرى و هذا الخليط تناوله (سقراط) في شخصية (إيروس): إله الحب و الرغبة، و حول تأثير (إيروس) في حياة الناس، أو بتعبير أدق: حياة الرجل، وفقاً لما رآه (سقراط) فإن بداخل كل رجل (إيروس)، آو شغف بالجمال: و يبدأ هذا الشغف بحب الأطفال الجميلين ثم يتحول إلى حس جمالي تجاه الأشياء و الأفعال، و عدد قليل من الناس يتطوّر إلى شغف بالمعرفة أو بالفلسفة، وبالتالي فإن التأمل باعتباره علامة من علامات النضج الفكري شيء زيتميز به الجميع و لكنه يقتصر على أولئك الذواقة أصحاب الذوق الرفيع.
يرى هيبل بالفصْل بين الجمال و الفن ويؤكد ذلك بقوله:
فهناك فنون غيرجميلة، و هناك جمال ليس فناً، مثل جمال الطبيعة.
و هذا يطرح تساؤلات حول علم الجمال الفلسفي منها:
ماهو الجمال؟ و ماهو الفن؟ 
ظلّ هناك ارتباط وثيق بين الاثنين لفترة طويلة، فقد ظل الفنانون يصنعون أعمالاً تخاطب الحواس بصورة إيجابية حتى عصرنا الحديث: مثل تماثيل الرخام الرشيقة، و السيمفونيات التي تدغدغ الآذان و القصور الفخمة و حركات الرقص السلسة، أما اليوم فالجمال منفصل عن الفن، فالتصوير الفوتوغرافي للموضة و التصميم و موسيقى البوب مازالوا يخاطبون حاسة الجمال لدينا بصورة مباشرة، لكن الكثير من أعمال الفن لم تعد كذلك.
سؤال آخر وهو: هل هناك شيء جميل على المستوى العالمي، بمعنى: هل هناك شيء مّا يراه الناس جميلاً؟
قد تبدو أسئلة سقراط صالحة بالنسبة لرجال أثينا الأحرار القدماء، لكن السؤال هنا: هل يمكن تطبيقها على الرجال و النساء في كل العصور و كل الثقافات؟ يقول فيليب:
و المثير من الدهشة أن سقراط لم يتطرق في حواراته إلى السؤال عمّا يجعل الإنسان جميلاً
هل يُمكننا الثقة في الأحكام التي نطلقها؟ 
تشير التجارب إلى أن ألفة الشعار و الاسم و العلامة التجارية قد تتفوق على تجربة المذاق الأصلي، فكلما كنا نرى الشعار كثيراً بدا لنا طعم ذلك المشروب الأسود أفضل، أو ربما نتخيل ذلك، إذن لن يستطيع مشروب أفري كولا أن يُجاري بيبسي أو كوكا.
هناك خبر مفرح لصناع الإعلانات، و هو أن الحملة الدعائية الجيدة تستطيع التأثير على الأحكام المعروفة حول إحدى التجارب الأساسية، ألا وهي تجربة التذوق، وهذا يعني من منظور علم الجمال أننا كثيراً مّانخدع أنفسنا و بالتالي لا يمكننا أن نثق في أحكام الذوق التي نصدرها، إننا نادراً مانقول عن الكولا أن مذاقها جيد، لكن من حيث المبدأ يبدو أن تفضيلنا للمشروبات المنعشة لايختلف عن تفضيلنا للروائح و الألوان و الأصوات.
يُطلق على هذا التناقض بين الشعور و الأحكام مصطلح: التنافر الإدراكي، فقد نخطئ في تقييم تجاربنا الجميلة و الممتعة لكثير من الأسباب: 
لأننا نخدع أنفسنا، أو لأن ثمة إجابة معينة هي المتوقعة، أو لأننا تعودنا على التحدث بهذه الطريقة، وكي يصبح المرء أكثر وعياً فيجب عليه أن يثق في تجربته الشخصيّة.
نحن نقيّم تجاربنا بكل حكم نصدره، شئنا ذلك أم أبينا، وفي بعض الأحيان يستخدم الناس نفس معيار التقييم: فمن منا لم يجد خطاب أوباما في برلين قوياً و رائعاً؟ لكن المعيار غالباً ما يكون فردياً للغاية، فنحن نعبر في كل حالة عن علاقة بين الإنسان و الجماد، على سبيل المثال: سلمى ترى الورود جميلة – وليست قبيحة أو عادية.
أما في المتعة الخالصة: 
فيعتبر (كانط) من رواد نظرية الجمال السببية الحديثة، التي تقول: أن الشيء الجميل هو الذي يسبب المتعة، وحتى يومنا هذا و أفكار (كانط) الأساسية تهيمن على علم الجمال، لكن (كانط) في نقده لقوة الحكم لم يتحدث عن “المتعة” و لكنه تحدث عن  “الإعجاب غير المغرض“، “غير مغرض” لأن الشيء يكون جميلاً عندما يعجبنا بصرف النظر عن مصالحنا و ميولنا، إليك المثال التالي:
الآباء يجدون رسومات أبنائهم جميلة، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يعتقدون أن لوحة مّا جميلة و هم لايعرفون صاحبها فذلك هو الإعجاب غير المغرض.
حتى اليوم يتساءل الفلاسفة: مالذي يميز متعة الجمال عن المتعة العادية، لكن هل هذا الاختلاف موجود فعلا؟
إن رؤية الشيء جميلاً تعتمد على أمرين: آولاً: خصائص الشيء: ففي بلاد العجائب كانت أليس تعتبر ملكة القلوب بنوافيرها و أحواض زهورها جميلة، و لم يحدث ذلك مع الجدائق القاحلة المقفرة، ثانياً: صفات الإنسان: فلو أن أليس كانت مكتئبة أو محبطة لماوجدت جديقة الزهور جميلة، والكثير من الفلاسفة ينظرون فقط إلى الأشياء الجميلة و ينسون الرائي.
كل تجربة تسجل لدى الرائي قيمة معينة على مقياس المتعة، سوادً إيجابية أو سلبية، و في بعض الأحيان من الصعب تحديد التجربة، لكن معظم الحالات تكون واضحة، وعندما يخلق فينا شيء ما السرور و المتعة فإننا ننقل الجمال من التجربة إلى المصدر، فنحن نصف بعض الأشياء مثل سوناتات البيانو أو المناظر الطبيعية بأنها جميلة، لأنها تحدث دائماً نفس المعايشة، ويمكن أن تصف أكثر من شخص بأنه جميل، ويخمن أن ذلك الثبات يجعلنا نعتاد التركيز على الحواس البعيدة و هي النظر و السمع، ونتجاهل الحواس القريبة مثل اللمس أو اشم أو التذوق لأن مصادر التحفيز هنا تتلاشى بصورة أسرع.
يعقب ذلك بقوله: 
تعتمد المتعة على العوامل الذاتية: على شكل اليوم وخصائصنا الفردية و ألفتنا للأشياء و توقعاتنا.
يقول (هيبل):
يعتقد بعض الفلاسفة أن المتعة لابد أن تظهر مع التجربة في نفس الوقت، ولكن هذا ليس صحيجاً، فقد يظل الإنسان مأخوذاً لساعات بعد خروجه من حفلة موسيقية حتى و إن كانت الموسيقى قد تلاشت من وعيه منذ فترة طويلة، فليس من الضروري أن تتطابق مرحلة السمع مع مرحلة المتعة.
كان (إدموند بيرك) المعاصر لـ(كانط) أقل حساسية، ووفقاً لرأيه تكون الأشياد جميلة لأنها مشرقة أو صغيرة أو شفافة أو ملساء، و من الأمثلة التي ساقها على ذلك: الأحجار الكريمة و الحمام و النسء صاحبات الشعر الأملس و الجلد الخالي من العيوب، و من الواضح أن هذه القائمة تكشف عن اهتمامات بيرك الشخصية و الأفضليات التي كانت سائدة في عصره.
و ينتقد رأي (بيرك) بقوله:
الخطأ الذي ارتكبه (بيرك) و غيره أنهم اعتبروا الجمال شيئاً مجسماً، ولذلك لم تعد النظريات الحديثة تركز على الأشياد المفردة، و لكنها تتحدث عن الانسجام و التعقيد و التماثل ، عن العلاقات أو البساطة، أي أنها تتناول بنية الأشياء الجميلة، فقد تتغير الموضة أو أنواع الموسيقى لكن مبادئ التصميم الأساسية تظل كما هي، فليس هناك من يُعجب بالتنافر، هذا مايقوله أنصار النظريات، كما أن كل شخص يرغب في أن تبدو ملابسه مقنعة.
لكن حتى النظريات المجردة بها ثغرات، ذلك لأن مبادئها غالباً ماتكون عامة للغاية، فأحياناً تكون البساطة جميلة، و أحياناً أخرى يكون التعقيد جميلاً، و أحياناً يكون الشيء الجديد جميلاً، فكل شيء سوادً كان بسيطاً أو معقداً، معروفاً أو جديداً يمكن أن يكون جميلاً، فنحن نعرف ذلك بطريقة أو بأخرى، ولهذا لم تعد هذه النظرية مجدية، لو لم ننظر إلى الأشياء ونظرنا إلى المتفرج لوجدنا أن البساطة أو التماثل أو الألفة تكشف لنا عن أفضليات هذا المتفرج.
ماهو الحال مع الألفة؟ 
بعض الباحثين اعتبروا الألفة نوعاِ من أنواع الجمال من الدرجة الثانية، لكن هذا الزعم قثير النظر، فغالباً ماتكون الأشياء الجديدة و غير المعروفة أكثر جمالاً من الأشياء المألوفة، والأرجح أن الألفة تعمل كمحفز للذوق، لكن هذا لا يحدث إلا مع الأشياد التي اعتبرناها قبل ذلك جميلة أو على الأقل محايدة، فألفة الأشياء القبيحة و الجيران السيئين لاتجعلهم يبدون أكثر جمالاً.
الآلفة والبساطة و التماثل: ربما يكون ذلك الارتباط الجمالي بسيطاً للغاية، فمثلما يدفعنا الخوف أو الألم إلى تجنب مصادر الخطر فإن المتعة تجعلنا دائماً نبحث عن الأشياء الجميلة و الممتعة.
 ماهي المقوّمات التي يجب أن يمتلكها الفنان كي يصبح مبدعاً؟ 
 يقول الفيلسوف (يوهان جوتفريد هيردر): “ إن الفن يأتي من المقدرة و المعرفة “، لكن لا يبدو واضحاً إذا ماكان (هيردر) يقصد بذلك أم يقصد الشيء و قد عبر الممثل الكوميدي (كارل فالانتين) عن تلك العلاقة بصورة أوضح من (هيردر) و ذلك عندما قال: “ الفن يأتي من المقدرة لكن إذا جاء من الرغبة فهو إذن رغبة فنية “ و اليوم أصبح التمييز بين الفنان الحقيقي و الفنان غير الحقيقي أمراً صعباً، فقد كانت المهارات اليدوية قديماً هي العنصر الحاسم، أما اليوم فالعنصر الحاسم هو موهبتك في الدخول لسوق الفن، و قد يقول واحد من غير المثقفين على المستوى الفني: ( حتى طفلي الصغير يستطيع أن يفعل ذلك )، لكن الشخص المتذاكي سيقول: “ عليك أن تبدأ أولاً “، والاثنان غير محقين، فلأنه لاتوجد معايير موضوعية لجودة الفن الحديث فإن الفنان ليس مضطراً لأن يكون أصلياً للغاية، فالفن اليوم يعتمد على فهم سيكولوجية سوق الفن: لعبة السلطة التي يمارسها أصحاب المعارض الفنية و منظمو المعارض، والسؤال من يحتفي بمن؟ و من الذي يوصي؟ و بمن يوصي؟ و ماهي العداوات المشتعلة داخل مجلس منظمي المعارض؟ و من الذي يكتب النقد المهم؟
يُجيب قائلاً:
سوف تعثر دائماً على سبب واحد على الأقل يجعل العمل جيداً على المستوى الفني: مثلاً أن يكون استفزازياً لأنه خام، أو عميقاً لأنه رقيق، أو مميزاً لأنه يملأ المساحة أو مميزاً لأنه يترك مساحات خالية، فلاتوجد معايير، و بالتالي فإن الخطاب الفني يبدو غريباً للغاية.
أما عن الفن المعاصر فيقول :
الكثير من الفنانين المعاصرين يزعمون أنهم لايريدون صناعة فن جميل، و لكنهم يفضلون التشكيك في عادات الرؤية أو هدم شيء معين مثل الهياكل القديمة، و قدكان لـ(كافكا) نفس الرأي فيما يخص الأدب: “يجب أن يصبح الكتاب هو الفأس الذي يحفر البحر المتجمد بداخلنا“.
و سواءً كان هذا الفأس هو العتلة أو الزخرفة فإن كل تلك التعبيرات المجازية تتناول تأثير الأعمال علينا سواءً كان تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، و لهذا يمكن تصنيف الفنون وفقاً لتأثيراتها، فهناك الموسيقى و على النهاية الأخرى يوجد الأدب الذي يخاطب أولاً أفكارنا و مخيلتنا و بعدها يثير فينا المشاعر، أما الفنون الجميلة فهي تخدم كل مايقع بين النهايتين المتطرفتين للموسيقى و الأدب: فبعض الأعمال تطير العقول و تصيبنا بالاضطراب و تفاجئنا بغتة و بطريقة مباشرة دون أن نعرف لماذا،
أما بعضها الآخر فنلجأ إلى تفسيره و تصنيفه، فلانفهم السخرية و الرموز إلا بعد تفكير متأنِ، و بعض الأعمال تفتقر إلى متعة الجمال و بعض الأعمال الأخرى تكون متعة الجمال مجرد تأثير واحد، من بين تأثيرات أخرى عديدة، فهل يمكن تفسير التأثيرات الأخرى؟ 
لفترة طويلة ظل النقاد ينظرون إلى الفنون الجميلة من منظور علم الأدب، فكان تفسير الرموز و الاستعارات يحتل الصدارة، حيث كان الناقد يتساءل: كيف يمكن تصنيف ذلك العمل الفني في التاريخ؟ و كان الأمر هنا يتعلق بالتناصّ، و يقصد بالتناص: إحالة العمل إلى أعمال أخرى، و كان النقد يتناول التلميحات و الاقتباسات الواردة في العمل، وعلاقة العمل بالموضوعات الثقافية الكبرى مثل الجنس و الموت و السلطة و الواقع، و لم تكن مشاعر الفنان وحسّيته تلعب دوراً مهماً، أو لأنها تعتبر ذاتية و بالتالي لا يمكن بحثها بحثاً علمياً، وثانياً لأنه في لحظة التأمل البارد و لحظة التفسير تكون المشاعر الدافئة قد تلاشت.
لقد تبنى الفيلسوف الأمريكي (جيرولد ليفينسون) هذا المنظور الفكري و هويرى أننا لا نجد متعة في الفن إلا عندما نفهمه و نمعن التفكير فيه، أما زميله (كيندال والتون) فكان يرى أننا نبحث في الفن عن الأشياء القيمة، تلك الأشياء التي تثير فينا الإعجاب، لكن الاثنين يبدوان و كأنهما أعضاء في مجلس طلابي يقولان لأحد الطلاب في أثناء إحدى الرحلات إلى المتحف إن الفن يجب أن يبعث على التفكير، والحقيقة أن الفن قد يبعث على التفكير في بعض الأحيان، لكنه غالباً ما يسبب المتعة و قد لاتكون له أي تأثيرات مقصودة.
في مواجهة ذلك المنظور التقليدي تبنى الباحثون في العصر الحديث المنظور العاطفي، فهم يسألون عما يمكن أن يثيره الفن بداخلنا: حيث يسألون عن المشاعر و التأثيرات المختبرة، وغالباً مايفعلون ذلك اعتماداً على نتائج بحوث العواطف و الوعي، كيف تولد فينا الصور و التماثيل الاشمئزاز أو الإعجاب، المتعة أو الحيرة، الرغبة أو الدهشة؟ ولماذا تبعث بعض الأعمال الفنية على الراحة بينما تبدو الأخرى مستفزة؟
يعتقد الفيلسوف الأمريكي (جيسي برينز) أن تقديرنا الجمالي ينبع من شعور أساسي لدينا، ولايمكن أن يكون هذا الشعور هو الإعجاب، لأسباب كثيرة منها: أننا على الأرجح نعجب بالأشخاص و ليس بالأعمال الفنية، و لايمكن أن يكون هذا الشعور هو متعة الجمال، لأن الكثير من الأعمال الفنية لاتكون جميلة على الإطلاق، وليمكن أيضًا آن يكون الاهتمام ، لآنه وفقاً لمايراه برينز فإن تقديرنا فإن تقديرنا للأعمال الفنية يرجع إلى ذلك المزيج، أو هذا الشعور الإيجابي المجهول الذي يثير الاهتمام و العشق.
يعلق على المنظورين بقوله: 
لكن كلا المنهجين – الفكري و التقليدي – يغفلان شيئًا مّا، فالمنهج الأول يصور تأثير الفنون الجميلة بأنه تأثير فكري بحت، حيث يستثني العديد من المشاعر، أما الاتجاه المضاد فيملأ هذه الفجوة، لكنه يفشل في التعرف على العمل الفكري عند النظر إلى أي عمل فني، على الرغم من أن الشيء الذي يميز الإنسان هو قدرته على التفكير و المراجعة.
إن الفن يخاطب كل مافينا، أفكارنا و مشاعرنا، وفي كثير من الأحيان يفاجئنا لكننا في بعض الأحيان قد نعجب بعمل دون أن نصاب بالدهشة، إن الإلمام الجمالي المزدوج بالتفكير و الشعور يلعب دوراً مهمهاً في فهم أحد الفروع البحثية الحديثة و هو علم الجمال العصبي.
منذ بعض الوقت و العلم يكشف الكثير من الأشياء عن حياتنا الفنية، و في هذا يطرح هيبل سؤالاً بقوله:
مالذي كشفته أبحاث الدماغ عن الفن؟
و في ذلك كتب عالم الأعصاب الهندي (فيلاينور راماشاندران) في طيّ أطروحته مقالاً يعتبر أحد أهم المراجع الرئيسية في علم الجمال العصبي وهي: “علم الفن” تناول فيها القوانين العالمية الفعلية للفن و يخلص بنا هيبيل بأن راماشاندار قصد بالفن الفنون الجميلة و لم يتناول الفنون الأخرى مثل الأدب و الموسيقى و الرقص و تركيب العطور، حيث أنه توجه لبحث الأعمال التصويرية التي يقصد بها تلك الأعمال التي يستطيع المرء أن يميز فيها الأشخاص و الأشياء مثل شخصيات المعابد الهندية و لوحات المناظر الطبيعية و الرسوم الكاريكاتيرية و صور العراة، وهذا يشرح إحدى مشكلات فن الجمال العصبي: لقد اقتصر على جزء صغير من جزء صغير من الفن، لكن كعادته يمارس التعميم.
كان (راماشاندران) متأكداً ٩٠٪ من الفنون الجميلة تتوقف على الأحداث الثقافية العشوائية، وقال أنه يهتم فقط بالـ ١٠٪ الباقية التي يستند إليها كل عمل فني، وكانت قوانين (راماشاندران) العشرة العالمية هي:
المبالغة ( إننا نخب الأشياء التي تتناسب معاً ) – المجموعة ( إننا نحب الأشياء التي تتناسب معاً ) – التباين ” نحن نحب الأشياء التي تتميز عن الخلفية” – العزل ” نحن نحب ما يلفت انتباهنا” تأثير الفطنة المفاجئة ( نحن نحب اكتشاف الأشياء) – التماثل ( نحن نحب محاور المرآة ) – المنظور ( نحن نحب وجهة النظر الطبيعية) – التكرار ( نحن نحب الكثير من نفس الشيء ) – التوازن ( نحن نحب التوازن ) – المجاز ( نحن نحب نقل جانب إلى جانب آخر )
يسأل (رامشاندران) عن الميزة التي ساهمت بها قدرتنا على إنتاج الفن في التطور، وينتقد بعض الاقتراحات، فيقول: “إن الفن لايخدم التنسيق بين العين و اليدين، كما أنه لايوضح الثراء، حتى و إن كان الثراء هو هدف الكثير من الفنانين الآن، إن الفن بديل هن قصور مخيلتنا، فمن خلال الصور الحقيقية كان أجدادنا يستحضرون شيئاً مّآ أصبح باهتاً في خيالنا“.
يعقب بذلك:
” ربما كان الإمر هكذا في يوم من الأيام لكن مبادئ راماشاندران للفن عامة جداً حتى أنها تشمل العملية الإبداعية بأسرها، فكل عمل إنساني يفعل أحد الأشياء التالية: فهو إما يعزل أو يبالغ أو يكرر أو يتباين آو يصنع مجازاً أو يلفت الانتباه، فدائماً ما يصدق أحد القوانين على أي عمل إنساني، ويبدو و كأن رامشاندران يستطيع أن يفسر شيئاً واحداً ” 
يختم الفصل الذي خصصه لفن الجمال بقوله:
إن الفن يخاطب حواسنا و مشاعرنا، سواءً كان أدباً أو موسيقى أو رسماً، ولكنه أيضًا يخاطب معارفنا الثقافية و أفكارنا، إن الفن يتحدى كل قدراتنا الفكرية، وهو مايجعله مميزاً، ولا بد أن هناك اتفسيراً عصبياً لكل تحد من هذه التحديات: تفسير لمتعة الجمال و الدهشة أو الحيرة، والأفكار هي أصعب ما يمكن اكتشافه و بحثه، لأنها متقلبة جداً و تثير أفكاراً أخرى كثيرة، و قد نعجب بمفاجآت الطبيعة و الفن القادمة، كم هو جميل.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.