أرشيف الوسم: كانط

غسق العبقري

 

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة.

في مقالة كتبها (فيري)، حملت عنوان “Le crèpuscule d’un Gènie” أو “غسق العبقري”، ونُشرت في مجلة (LE Point) الفرنسية عام ٢٠١٧، ننقلها إليكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فيري) في مقالته:

منذ ما يقارب الأربعين سنة، أزمعت على ترجمة أعمال (كانط) الكاملة والتعليق عليها في دار Plèiade للنشر. كنت حينها أدافع عن ما أسميه اليوم  “الإنسانوي الأول” أو بعبارة أخرى “الإنسانوي الجمهوري وريث الأنوار”، كما هو رأس الأمر مع (فولتير) و(كانط)، فالثورة الفرنسية وحقوق الإنسان. أستشعر هاهنا أن الحديث عنها قد أغلق مع الفيلسوف الألماني (يورغن هابرماس)، منظورا لكوني لي العديد من اللقاءات المنعشة معه كما لي أيضا اخرى مع (كارل ابل أوتو).

بعيد أن تطورت لم أتوقف البتة، كذات جمهورية دون مواربة على النظر لـ(كانط) بوصفه أكبر فيلسوف لزمن الحداثة. بيد أن ثمة سؤالين حاسمين يندفعان بقوة في ركن الإنشاءات الجميلة لفكرة الجمهورية و التي قد اكون  أخذتها بالنسبة لي.

السؤال الأول يسير في طرحه صعب في حله:

– لماذا يدافع هذا الأنسانوي الأول عن حقوق الإنسان حيث يمكن بكل يسر تحويل وجهتها و استغلالها كعنصرية للأنظمة الكليانية يمينا او يسارا عند (توكيفيل) أو (جول فيري

– ضمن أية ثورة على الحياة الخاصة؛ الزواج الحب والعائلة، سيهتز تاريخ الإنسانية بما فيه أيضا الجسم السياسي والمنظور الروحي وليس ببساطة الأخلاقي منظورا لفعل يظهر مع الإنسانوي الثاني الذي ليس عنده فقط الأنوار بل حقوق العقل، جمهورية العلوم لكن أيضا يأخذ يدافع عن سرديته خارج الأديان. السؤال ههنا منسوب لشكلنة معنى الحياة؟

منظورا من جهة لكون الكتابة العنصرية الكليانية طافحة في كتابات (كانط) عن العرق، بوضوح كانت فيه بمثابة الفكرة الرئيسية والمحركة لفكرة الجمهورية المباشرة.

حيث لم تكن تنازلا نادرا فقط في ذلك الزمن. بل نتيجة للمبدأ الأشد ترسخا في انكشاف الفروق بين الإنسان والحيوان. فهل قدت الحرية منتزعة من الطبيعة إلى غاية دخولها في منطق الإبتكارات والتاريخ؟ والدليل على ذلك القول هو أن الإنسانية هي النوع الحي الوحيد الذي ما فتأ ينتج تحولات ثقافية وسياسية متظاهرة دوما بشكل جيد عن بقية السوائم وذلك تارة بالتعليم، اللغة، الحياة الاجتماعية إضافة إلى بقية أقرانها.

هذا في كله بعيد أيما بعد في أن يظهر في جنس الحيوان، فيما أبعد في تاريخ مدنه الكبرى و مدارسه و متاحفه ومكتباته. هاهنا أي قول يريد أن يفسخ الفرق بين الإنسان و الحيوان بأي ثمن هو مطالب مسبقا بامتلاك أسباب أخرى لذلك الأمر.

بالنسبة لـ(كانط) كما هو الأمر بالنسبة لـ(روسو)، مرد ذلك أننا مسيرون بالغريزة الطبيعية التي تخبرها أيضا الحيوانات في أفعالها في كل مرة؛ مثلا الغيلم حديث الخروج من البيضة يتجه مباشرة نحو المحيط حال دون توجيه أو حماية من أمه معتمدا على نفسه في المشي أو الزحف، فيحين يقبع ضغير النوع البشري خمسة و عشرين سنة عن طيب خاطر في المنزل وهو نفس الامر تقريبا عند الأنواع الأخرى في حين لا يمكن التعرف علم مدننا من عصر لأخر، مثلما هو الأمر بالنسبة لتلال النمل الأبيض أو بقاء النحل على شاكلته من في ألاف خيوطه. إن الطبيعة تتقدم غير ممزوجة بالتاريخ.

من وجهة النظر التي تؤسس فكرة الجمهورية؛ إن الحرية والتاريخانية هما اللذين يشكلان معا الخاصية الإنسانية. لكن الإشكال الذي يطرح هاهنا من قبل المجتمع الذي يقول هاته بدائية في العالم الغربي، إن الحرية والتاريخ هما بإيجاز قابلية استيعاب الابتكارات والإنشاءات المفتوحة التي تستوعب الخاصة الإنسانية.

  • كيف لايريد الجمهوري الكلاسيكي التعاقد مع القبائل البدائية معتبرا إياها أقرب لعالم الحيوان، لما كانت الإنسانية الأوروبية نتيجة محضة لعصر الأنوار؟

  • كيف نفهم تنظيم الجماعات الأولى لإبتكارتها، وحفاظها على أعرافها في الماضي؟

  • على أي نحو سنفهم التنكر لمصالح الجماعات الحديثة للأعراف و التقاليد القديمة؟

إذن مثلما قال رئيس الجمهورية  الفرنسية سنة 2000: “إن الإنسان الإفريقي لم يدخل التاريخ بعد ….! على هذا النحو لماذا لا نعتبر هذا العنوان المؤقت كما لو أنه وجود ما تحت –إنساني .. أو وجود في الحيوان؟”

نحن نستشعر اليوم بعد فهم الأسباب العميقة، أن هاته الإنسانية ليست بعد لنا. إنما العنصرية الكليانية التي تنتمي إلى هذا العالم المتطور أنها أصبحت هي نفسها كريهة أمام أعيننا ..!

  • فمالذي حدث بين دفتي القرن الثامن عشر ونهاية القرن العشرين للجمهوري الأول الذي يبدو على أقل تقدير بعيد عنا في هاته النقطة. لنعيشها أكثر مثلما الأمر لـ(كلود ليفي ستراوس) و(كانط) و(توكوفيل) أو حتى مع (جول فيري)؟

للإجابة ثمة ثلاثة وقائع كبرى تكفي فقط لنثيرها، أولا العالم الثوري الذي نعرفه لجماهير كليانية، ولادة المقاومة –الضد الإمبريالية وأخذ حركة المقاومة بعيد الحرب العالمية الثانية.

ثانيا في تاريخ الأفكار وأيضا في وعينا ما زالت الكليانية تعمل مقترنة مع ما يمكن الإصطلاح بتسميته بالنظرة الأنطولوجية (بكسر النون). لنقول بعبارة رشيقة؛ أنّ فكرة المجتمعات التقليدية ليست بالضرورة بدائية، أو مجتمعات ماتحت التقدم أو حتى رجعية في معيار الكوخ الغربي.

لكن هاته المجتمعات منظمة حول الماضي بإحترام لأعرافها وقوانينها وسلم قيمها المتوارثة، المتنقلة عبر قنوات الماضي بما فيها أسلافها  وألهتها. إذن تبين ههنا أنها بنائية بالجوهر وليست هشة ثقافيا أو أخلاقيا باعتبار أن المجتمعات التقليدية ترفض الابتكار وتخير استجلاب الأعراف خطأ من الماضي فقط.

جماع القول، يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. هي إذن واقعة متفوقة وعاطفية من القرون الوسطى استبدلت من الأساس نظرتنا للمقدس، المقدس ليس الديني إطلاقا لكن بوجه عام هو الذي نعرفه بوصفه التضحية والتدنيس من أجل ذلك نموت ونقتل. ضمن ذلك التاريخ بما يتخلله من حروب نعثر على ثلاثة أسباب: الرب بوصفه منطقة الثورة، ثم الإنسانوي البعيد عنا والكانطية التي نحن بعيدون عنها على أي نحو كان حجمها لأنه ليس فقط واجبا بل جليل وحسن حب المقدس الذي نزل إلى الأرض وإمتزج في أمشاج الإنسانية. هو التعالي في التحايث الذي لم يجد بعد زمنا أو فصلا للعظيم صاحب النقود الثلاثة.


قائمة المصطلحات:

١. الكليانية: مفهوم مستعمل من أجل تعريف الدولة التي تحاول فرض سيطرتها على كافة جوانب الحياة الشخصية والعامة قدر إمكانها في إطار محيطها الضيق، او تسعى لفرض هاته الصيغة من الحكم و إسقاطها على بلدان أخرى تستنزف هياكلها وتمارس عليها نوعا من الإسقاط الممنهج يدمر عمق  البلد المستعمر ويسطو على مختلف جوانب حياته.

٢. الإنسانوية: إسم ظهر في نهاية القرن السادس عشر.خلال الحركة الثقافية لعصر النهضة، ويقصد بها دراسة الكتاب الإغريق –الاتينين باعتبارهم مصدر الثقافة الإنسانية، ثم لتمتد هاته التغطية لتشمل كل الأفكار الأولى للعبقريات التي تطرح على نحو كوني.

٣. الكانطية: هي الفلسفة النقدية التي تتوسل طريقة الفيلسوف (كانط) من أجل دراسة شروط المعرفة الممكنة والإنتقال منه لتأسيس نسق كامل يرتكز على فكرة حاسمة فقط، كأن تقول مثلا أن النقد هو أساس المعرفة وتسحب هاته الفكرة الناظمة على كل النظم العلمية الأخرى.

قائمة الأعلام:

١. إيمانيول كانط (1724-1804) فيلسوف ألماني أسس نسقه العقلاني منذ سنة 1770. حين كانت أطلال الميتافيزيقا تقرض العقل البشري وهو متعال عن ما حوله و هاته الإمكانات المعرفية، كانت مناسبة لرصد حدودها في كتاب (نقد العقل المحض) [1781] يبين أن المعرفة تتعاون مع الحساسية وذلك من اجل إنتاج ظواهر الذهن وتنظيمها لإكتشاف قانون الطبيعة، من ثمة تنسحب منهجيا المعرفة المحضة أي المعرفة الميتافيزيقة. يليه كتاب (نقد العقل العملي) [1788] وهو امتحان مباشر يختبر الظروف الممكنة للاخلاق الإنسانية ومعنى الواجب الذي صاغه (كانط) ويظهر ضمنه أن أفكار مثل خلود النفس وحرية الإنسان والله هي ضرورات لتماسك العقل العملي واعتبارها مسلمات أولية. في النهاية ألف كتابه (نقد ملكة الحكم) [1790] حيث يكشف ضمن هذا الكتاب أن الإنسان كما هو الجميل غائية من دون غاية لا يمكن إدراكها وهي التي تجمع كل العناصر المتنافرة في لية جديدة في عمل فني.

٢. جان جاك روسو (1712-1778) فيلسوف وكاتب من جينيف عاين الأنوار، له العديد من الإسهامات منها في خطاب في (أصل الاتفاوت بين البشر) [1754] يبين فيه أن الإنسان يبلور إنطلاقا من تاريخه أن الامساواة تنطلق في بدايتها فيزيائية.وطبيعية ثم تصير فيما بعد لامساواة إتفاقية منظورا للإستبداد السياسي. ثم كتاب (العقد الإجتماعي) و(إميل) في التربية [1762] يفترض فيه علاج مكمل لتعاطي مع فكرة الحرية المدنية الذي يضمنه القانون من خلال الإرادة العامة و الكتاب الثاني يقدم فيه تعليما قادرا على تكوين مواطن حر.

٣. فرانسوا ماريه فولتير (1694-1778) فيلسوف وكاتب فرنسي، اشتهر بطريقته في الكتابة وإلتزاماته السياسية في عصر الأنور. خاض صراعا طويلا من أجل فكرة التسامح كما أسس للشكوكية في مذهبه التي نعثر عليها مثلا في نقده للأنساق الميتافيزيقية. مثل سخريته من النسق الميتافيزيقي في روايته (كانديد) [1759]. شجع مع (لوك) و(نيوتن) في الدفاع عن التفكير التجريبي كشرط اولي للمعرفة بالعالم.

٤. ألكسيس توكفيل (1805-1859) رجل سياسة و مؤرخ فرنسي من كتبه (تحليل الديمقراطية الأمريكية) [1835]، وكتاب أخر تحت عنوان (نظم الحكم والثورة)  ..كان ليبراليا مستقلا يشكك في فكرة التبادل الحر والإستعمار بل ثورة [1848].

٥. جول فيري (1832-1893) محام ورجل سياسة فرنسي.

نصيحة (كانط) للقلب المفطور: رسالة لطالبة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

درس عددٌ من الفلاسفة أعمال (إيمانويل كانط) ومساهماته و أخلاقيته، لكن قلة منهم شكلوا حيواتهم بناءً عليها.

في سنة 1791 تلقى (كانط) رسالة من (ماريا فون هيربيرت) النمساوية وهي إحدى مريدي فلسفته. بعثتُ له تسأله النصح للتعايش مع انفطار قلبها مؤخرًا، مأساة شديدة جدًا دفعتها للتفكير بإنهاء حياتها حتى أدركت أن ذلك سيكون منافٍ لأعمال (كانط) وفلسفته.

كانط العظيم؛

أراسلك طلبًا للمساعدة كما يدعو المؤمن ربه يسأله، طلبًا للراحة، أو لنصيحة تجهزني للموت. تثبت كتاباتك وجود حياة آخرة. لكنّي في هذه الحياة لم أجد أي شيء، أي شيء مطلقًا سيحل بديلًا للخير الذي خسرته، أحببتُ شخصًا كان في عينيّ يتضمن في دواخله كل ما هو جدير بالاهتمام؛ لذلك عشتُ لأجله فقط، وكل شيء مقارنة به كان مجرد توافه رخيصة قميئة. حسنًا، أهنتُ هذا الشخص بسبب كذبة كبيرة طال أمدها وكشفتها له الآن، رغم عدم وجود مصلحة شخصية فيها لي، ولم أرتكب أي خطيئة أو رذيلة في حياتي لأحتاج لإخفائها.

لكن الكذبة كانت كافية، وتلاشى حبه. ولكونه رجل شريف لم يرفض صداقتي. لكن ذاك الشعور في بواطننا الذي انبثق مرة فجأة وقادنا لبعضنا اختفى: آه لقلبي الذي يتشظى لآلاف الشظايا! لو لم أقرأ الكثير من أعمالك كنتُ بلا شك سأنهي حياتي. لكن الخلاصة التي استقيتها من نظريتك أوقفتني: من الخطأ أن أموت؛ لأن حياتي هي عذابي، بل وعليّ أن أعيش لوجودي. ضع نفسك الآن في مكاني وإما ِالعني أو أرحني. قرأتُ كتابك (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) وقرأت عن الحتمية القاطعة ولم تساعدني ولو قليلًا. هجرني عقلي فقط حين احتجته. أجبني، أناشدك أو أنك لا تتصرف تبعًا لحتميتك القاطعة.

حدد (كانط) القيمة المتأصلة في الحياة الرشيدة وأدان الانتحار لكونه معارض منطقي لنموذجه الأخلاقي لاختيار القرارات.

وكان رد (كانط) مثيرًا للاهتمام نوعًا ما:

لابد أن رسالتك هذه عميقة الشعور نابعة من قلب خُلق لأجل الفضيلة والصدق؛ لأنه منفتح جدًا على تلقي هذه الخصال. عليّ كما طلبتِ -تحديدًا- أن أضع نفسي في مكانك، وأصف لك مسكنًا أخلاقيًا خالصًا. لا أعلم إن كانت علاقتك هذه علاقة زواج أو صداقة، لكن لا فارق واضح بينهما. فالحب سواءً كان للشريك أم للصديق الافتراض المُسبق لذات الاحترام المتبادل للشخص الآخر ما هو إلا وهم جسدي سريع العطب.

هذا النوع من الحب الذي يريد أن يكشف نفسه بالكلية، ويتوقع من الآخر كشفًا مماثلًا لمكنونات قلبه يُضعفه التكتم المرتاب. وهذا هو النموذج الأمثل لمطالب الصداقة. لكن شيئًا في دواخلنا يُحد من هذه الصراحة، عائقٌ لتدفق ما يعتمل في القلب المتبادل هذا مما يجعل الواحد يحتفظ بجزء من أفكاره حبيسة في باطنه، حتى حين يكون الآخر الأشد حميمة له. اشتكى الحكماء القدماء من الريبة السرية كما قال (أرسطو): “أصدقائي الأعزاء لا وجود للصديق!”.

لا يمكننا أن نتوقع الصراحة من الآخرين؛ لأن خوف كل واحد من تعرية ذاته وكشفها بالكلية سيجعل الآخرين يحتقرونه. لكن يظل غياب الصراحة هذه، هذه المقاومة مختلفٌ كليًا عن الخداع. ما هو الصدق سوى رجلٌ يقول الحقيقة لكن ناقصة. أما المخادع أو فهو من يلفظ ما يعرف أنه كذب. ومثل هذا القول يُسمى في نظرية الفضيلة كذبًا. لربما كان غير مؤذٍ لكنه لا يعد بريئًا. هو انتهاك جسيم لواجب الواحد تجاه نفسه: إنه يقوض كرامة الإنسانية في نفسك، ويهاجم جذور تفكيرنا. كما ترين طلبتِ مشورة طبيب لا يتزلف. أتحدث نيابة عن حبيبك وأعرض موقفه بالحجج التي تبرر تزعزع عاطفته نحوك.

اسألي نفسك هل تلومينها لتهورها بالاعتراف أم للأخلاقية المتأصلة في الكذبة. إذا كان للسبب الأول فأنتِ نادمة على إتمام مهمتك. ولِم؟ لأنها تسببت بخسارتك لثقة صديقك. لا يحرك هذا الندم أي شيء أخلاقي؛ لأنه ناتج عن إدراك ووعي لا بالفعل ذاته بل بعواقبه. لكن إذا كان لومك لذاتك مُستندًا على حكم أخلاقي لسلوكك، فإن الطبيب الذي سينصحك بنبذه من عقلك سيكون فقير أخلاقٍ.

حين يتكشف التغير في موقفك لمحبوبك سيحتاج وقتًا فقط لانطفاء آثار سخطه المبرر رويدًا رويدًا، ولتحول بروده لحب أشد رسوخًا وثباتًا. أما إن لم يحدث ذلك فهذا يعني أن دفء عاطفته المبكر كان حسيًا شهوانيًا أكثر من كونه أخلاقيًا، و قد اختفى على أي حال: سوء حظ يواجهنا في الحياة عادةً، وحين نواجهه علينا أن نتحلى برباطة الجأش. طالما أن قيمة الحياة تتضمن المتعة التي ننالها من الآخرين فستكون مبالغًا بها كثيرًا.

بالتالي يا صديقتي العزيزة تجدين التقسيمات التقليدية للموعظة: التوجيه، الجزاء، والراحة. كرسي نفسك للاثنتين الأولى: حين يظهر أثرهما ستُوجد الراحة من نفسها.

كانت وصفة (كانط) الأخيرة: الزمن. وحده الزمن قادرٌ على شفاء الألم الشعوري الذي تحسه في قلبها، ويسمح لحبهما بالتجدد والإذكاء مرة أخرى. وإن لم يشفي الزمن جرحها فإن حبهما كان في أصله “حسيًا وجسديًا” لا أخلاقيًا”.

ردت (فون هيربيرت) عليه وهنا مقتطف مختصر من ردها:

رؤيتي واضحة الآن. أشعر بخواء شاسع تمدد داخلي، وحولي؛ لذلك أحس نفسي زائدة عن الحاجة، غير ضرورية. لا شيء يجذبني. يعذبني ضجر وسأم يجعل الحياة لا تُطاق. لا تظن أني متعجرفة بقولي هذا لكن متطلبات الأخلاق سهلة جدًا بالنسبة لي. سأتصرف بلهفة ضعفي ما تتطلب مني. تنبع هيبة الأخلاق فقط من جاذبيتها للخطيئة، ولا تكلفني مقاومتها أي جهد… لم أعد أدرس العلوم الطبيعية أو الفنون  بعد الآن؛ لأني لا أشعر أني عبقرية كفاية لتوسيع نطاقها، و عن نفسي لا حاجة لمعرفتها. لا أبالي بكل ما لا يؤثر في الحتمية القطعية، ولا في وعي الفائق بالرغم من أنيّ تخلصت من كل هذه الأفكار أيضًا.

ربما أنت قادرٌ على رؤية رغبتي بشيء واحد فقط تحديدًا لقصر هذه الحياة عديمة الجدوى، التي اقتنعتُ بأنها ما كانت لتسوء أو تتحسن أكثر. إذا كنتَ تعتقد أني ما زلتُ شابة وكل يوم يثير اهتمامي فقط بالقدر الذي يقربني من موتي، يمكنك أن تحكم على مدى إحسانك الذي يمكن أن تبلغه إذا كنتَ تسأل نفسك هذا السؤال عن كثب. أسألك لأن تصوري عن الأخلاق صامت هنا بينما يتحدث بحزم في كل المسائل الأخرى. وإذا كنت غير قادرٍ على منحي الجواب الذي أسعى له. أتوسل إليك أن تمنحني شيئًا ينزع هذا الخواء الذي لا يُحتمل من روحي.

لم يرد (كانط) على هذه الرسالة أبدًا.

في سنة 1803 انتحرت (ماريا فون هيربيرت).


[المصدر]

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية