أرشيف الوسم: كتابة

التجربة الحياتية والإبداع الأدبي

دروس الحياة

التجربة الحياتية بما فيها من معاناة، وآلام، وأفراح هي ينبوع الكتابة الحق، ولا تقل أهمية عن الموهبة الفطرية، والقدرة على التخيّل.

ليس بوسع أي كاتب أن يكتب عن أي شيء، وعن أي إنسان. فهو ليس مطلق الحرية في اختيار موضوعاته وأبطاله، مهما كان موهوبا، لأن له حدودًا لا يستطيع تجاوزها، والتي تتحدد بالمجتمع الذي يعيش فيه، وخبرته الذاتية، والدروس التي تعلمها من الحياة، لذا على الكاتب أن يكتب عما يعرفه بتجربته الخاصة، وهذه التجربة مطلوبة بقدر ما تكون مدخلاً لتجربة فنية، يعبّر فيها الكاتب بأسلوبه المتميز، عن عالمه الروحي، ونظرته إلى الأشياء.

إن العمل الأدبي إذا لم يكن نابعاً من ذات الكاتب، و لم ينفعل به فانه لن يكون عملاً مؤثراً وناجحاً على الرغم من أن المؤلف قد كتبه بحسن نية. لأن مثل هذا المؤلف لا يعرف أبطاله ولا يفهمهم.

ربما ثمة إمكانية لتوالد بعض الصور المضببة في ذهن كاتب يعيش في جزيرة مقفرة، ولكن لن يكون لديه أي حافز لتأليف رواية، ذلك لأن الكاتب إنما يكتب عن الناس وللناس، لقد كتب الروائي الفرنسي (مارسيل بروست) رواياته (داخل غرفة ذات جدران صماء لا تخترقها الاصوات). ولكن (بروست) كان قد عاش بين الناس، ودرس المجتمع الفرنسي الأرستقراطي لمدة طويلة، قبل أن يسجن نفسه في غرفة معزولة.

إن خيال الكاتب الروائي أو القصصي قادر على تغيير تناسب الظواهر والأحاسيس وملامح الشخوص وأنماط سلوكهم، ولكن ليست ثمة رواية سواء كانت خيالية ام طوبائية لا ترتكز على الواقع، إن وصف سكان كوكب المشتري في رواية (ولز) أو سكان (سالاماندر) في رواية (جابك) ليس إلا هجاء للمجتمع الإنساني.

ربما يقال أن للخيال الدور الأكبر في بعض أنواع القصص، وهذا صحيح، ولكن الخيال ينبغي أن يكون مقنعاً وصادقاً ومنطقياً، أي خيالاً يمكن أن يحدث في الواقع. فالمؤلف ليس إلهاً حتى يستمر في فرض شطحات خياله على القاريء، وثمّة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدّق المتلقي ما يقرؤه.

أدب الكتب وأدب الحياة

إن أغلب الروائيين المعاصرين هم من خريجي التخصصات الأدبية أو اللغوية في الجامعات، وهم يعملون في مكاتبهم بين رفوف الكتب التي تحاصرهم، ولا يريدون النزول الى الشارع والاختلاط بالناس، والخوض في الحياة العملية واكتساب التجارب التي لا غنى عنها لفهم الآخرين.

الجامعات لا تعلّم سوى الأدب الكلاسيكي، وأنه ينبغي أن تكتب الرواية استنادا إلى التجارب الشخصية. وهذا أمر جيد من حيث المبدأ. ولكن كم رواية بإمكان شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره أن يكتبها عن نفسه؟ قد يكتب رواية واحدة جيدة اذا كان صاحب موهبة، ولكن الرواية الثانية ستكون عن شاب كتب رواية ناجحة، ولا يملك الآن نقودا، وليس لديه صديقة أو حبيبة، ويتبهدل يوميا في وسائط النقل العام. وهذا أمر غير ممتع على الإطلاق.

لو كان (ديكنز) قد عمل حسب هذا المبدأ، لكتب رواية (ديفيد كوبرفيلد) فقط. (تولستوي) كان قد خدم في الجيش وخالط علية القوم، وحرث الأرض قبل أن يكتب (الحرب والسلام) و(آنّا كارينينا).

في عام 1916 نشرت مجلة (ليتوبيس) أي ” الوقائع ” التي كان يصدرها (مكسيم غوركي) في العاصمة الروسية القيصرية بطرسبورغ قصتان قصيرتان لإسحاق بابل.

أثارت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم “بابل” معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على (غوركي)، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: “إنها غير صالحة للنشر”. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال (غوركي) بصوته الجهوري الأجش: “إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك على فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة”.

أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة (غوركي) بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من (غوركي) رسالة يقول فيها: “ربما الآن يمكنك أن تبدأ”.

وليس من قبيل المصادفة أن لكل كاتب عظيم تجربته الحياتية الثرية والمتنوعة التي تشكل منهلا لا ينضب لأعماله الأدبية. (همنجواي) كان مراسلا حربيا في الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية – التركية، وخبر عن قرب مآسي الحرب وانطباعاته عنها أصبحت جامعته الأولى، وانعكست في كل أعماله المبكرة، التي تعتبر مواقف ولحظات من سيرته الذاتية، وكان شاهدا على الأزمة الأقتصادية في بلاده، وزار العديد من البلدان المختلفة. وعاش معظم حياته خارج وطنه الولايات المتحدة الاميركية ولم يكتب عنها الا الشيء القليل نسبيا.

(جون شتاينبك) عمل مراسلا لصحيفة “سان فرنسيسكو نيوز” ليس لأنه كان بحاجة الى المال، بل لأنه أراد أن يخوض في أعماق الواقع الإجتماعي ويجمع المادة الأولية لروايته عن هذا الطريق، العمل كمراسل قادته الى معسكر العمال الوقتيين المهاجرين. هكذا ظهرت رواية (عناقيد الغضب). أما (دوس باسوس) فقد جاب البلاد بحثاً عن المادة الأولية لرواية (مانهاتن) وثلاثية (الولايات المتحدة الأميركية).

كبار الروائيين أمثال (بلزاك) و(فلوبير) و(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(غوركي)، و(أندريه موروا)، و(ترومان كابوتي)، و(نورمان ميلر) وغيرهم، خاضوا في أعماق الحياة، قبل الجلوس امام طاولة الكتابة.

حقائق الحياة المؤثرة ثمينة بحد ذاتها حتى بمعالجة أدبية بسيطة. ولكن الأدب ليس أثنوغرافيا، أو تأريخا، أو علم اجتماع. معرفة شيء ممتع أوشائق والكتابة عنها مهمة الصحفي وليس الكاتب. ثمة كتّاب تنقلوا بين مهن كثيرة وشاهدوا الكثير من الحوادث الغريبة  وكتبوا عنها، ولكنهم فشلوا في كتابة عمل فني ناضج. لأن استنساخ الواقع  عجز عن الإبداع . الكاتب المبدع لا يجمع المواد لعمله الأدبي، بل يعيش في داخل هذه المواد، ويتفاعل معها ليحولها إلى تجربة روحية  يعرض فيها شيئا لم يكن بمقدور القارئ أن يراه لو كان في مكان الكاتب.

يبدأ الإبداع عندما يصمم الكاتب في ذهنه نموذجا للموقف. يرسم صور الشخصيات، ويطور الفعل. ويملأ الهيكل باللحم والأعصاب. وهنا يتطلب الخبرة الحياتية أين ومتى عاش الأبطال، ما هي ملامحهم، وماذا يعملون، وماذا يلبسون، وكم يكسبون من نقود، ويتنقلون بأي واسطة نقل، وماذا يحيط بهم. الكاتب يتوجه الى ذاكرته وخبرته. وتظهر ملامح الورشة، التي عمل فيها في وقت ما، والأماكن، التي استجمّ فيها.

فهم المادة الحياتية يعني القدرة على إدراك معنى كبير في حقيقة صغيرة. على الروائي أن يتعمق في جوهر الأشياء، ولا يكتفي بوصف مظاهرها الخارجية فقط.

روجر روزنبلات، عن القوى الخفية لنجاح الكتابة

Roger Rosenblatt

روجر روزنبلات (مواليد 1940)، هو كاتب أمريكي. لفترة طويلة، امتهن كتابة المقالات لعدد من المجلات، مثل (تايمز)،  و(پي بي إس نيوز أور). كما قام بكتابة عدد من الكتب. في مقالة كتابها في الخامس والعشرين من شهر أغسطس، من عام 2017، والتي نُشرت في صحيفة (نيويورك تايمز)، تحدث عن “القوى الخفية لنجاح الكتابة”، ننقلها لكم في ترجمة حصرية لدى ساقية:

صرحت الكاتبة والناقدة (كاثرين شولتز) في مقالتها عبر مجلة نيويورك قبل عدة أعوام بأننا غير قادرين على رؤية أغلب الأشياء التي تتحكم في حياتنا. فالمجالات المغناطيسية والتيارات الكهربائية وقوة الجاذبية غير مرئية وهي مشابهة بذلك أفكارنا وميولنا الشخصية وشغفنا و أذواقنا ومزاجنا وأخلاقنا وحتى أرواحنا – إذا كنت ممن يؤمنون بالروح. فالعالم الخفي يتحكم في العالم الظاهر كدولة قومية خفية.

وينطبق الأمر ذاته على الكتابة. فعندما تتخيل صورة أو جملة أو شبه جملة يتراجع عقلك ويتساءل “من أين أتيت بتلك الجملة؟” لا أعني هنا الكتابة التلقائية على الرغم من إمكانية أن تكون جزء من ذلك. ولكن أعني النطاق الأوسع لجميع القوى الخفية الممكنة التي تنتج وتؤثر في الكتابة. فهناك بعض الأمور التي يراها الكاتب وحده و يعجز القارئ عن رؤيتها والبعض الآخر لا يراه الا القارئ بينما توجد بعض الأمور التي يستحيل رؤيتها على كلاً من الكاتب والقارئ. والنوع الاخير هو الاكثر فتنة ويملك قوة من نوع خاص. فهذا النوع يشبه إلى حد كبير الشبح (جايكوب مارل) في رواية”أنشودة عيد الميلاد” لـ(تشارلز ديكينز) حيث يوجه الكتابة إلى اتجاهات غير متوقعة ومخيفة بعض الأحيان ولكنها مثمرة.

فما يراه الكاتب من القارئ هو النوع الأبسط لأنه يتمحور حول المهارة مثل مهارة إخفاء الرموز في الشعر أو النثر على سبيل المثال. فإذا أجاد الكاتب عمله فلن يستطيع القارئ أن يتعرف على الرموز فوراً حتى يكمل قراءة العمل مما يزيد من عمق المعنى. فالرمز مخفي. أي أن العمل سواء كان رواية او مسرحية او مقال او قصيدة هو مخفي أيضا. فالقارئ لا يعي العمل والجهد المبذول من الكاتب لاختيار تلك الرموز والتفكير في الكثير منها قبل العثور على الرموز المناسبة. ويقول الشاعر الإنجليزي (ويليام ييتس) حول كتابة الشعر “اذا لم يبدو الأمر وكأنه مجرد لحظات من التفكير، فإن حياكتنا، للشعر، ستبدو كالعدم”.

فالقارئ لم يطلع على النسخة الأولى أو الثانية أو التاسعة عشر ولكن الكاتب يعرف ويتذكر هذه المسودات والتي تمتلك بدورها تأثير خفي على العمل. فمع تحسن شكل أسطر القصيدة أو شخصية الرواية يزيد فهم الكاتب او الكاتبة لأهداف العمل. فالمسودة الأولى هي بمثابة الطفل الذي يصبح رجلاً و يكون الكاتب متفهماً للعمل بعمق حيث شهد جميع خطوات التطور.

وبالاضافة الى ذلك فان الكاتب على اطلاع بما حدث في القصة قبل بدايتها. فجميع القصص القصيرة تكون منتهية قبل أن نقرأ السطور الأولى منها. فتشكل القصة اللحظة الرئيسية وهي نتيجة لقصة غير مرئية، خفية، وقعت بالفعل. فتوجب على الروائي الامريكي (جيروم سالينغر) أن يعلم جميع الامور حول شخصية (سيمور جلاس) قبل أن يصل (سيمور) الى فلوريدا في قصة “يوم مثالي لاصطياد الموز”. فعند وصوله الى فلوريدا كان الوقت متأخراً بالفعل.

ولكن ما الذي يراه القارئ ويكون خفي بالنسبة للكاتب؟ الإجابة بشكل أساسي هي حياة القارئ. فالكاتب ينشر كتابه ويطلقه الى العالم ولا يعلم أين سيحط رحاله أو التأثير الذي سيتركه على القارئ الذي لا يراه. هناك بالطبع تلك اللحظة الرائعة للكاتب حيث يخبره أحد القراء بأن كتابه كان سبب في تغير حياته. وهذه اللحظة جميلة باستثناء إذا كان الكتاب تسبب في تغيير حياة القارئ الى الاسوء. فالكتاب لا يرون القراء وحياتهم التي بمثابة السر. فالكاتب يطمح أن يكون عمله حقيقي بشكل عام بحيث يتقبله القارئ ويجعله جزءاً من قصته الخاصة. فالكاتب يعتمد على ويكتب الى عالم خفي وإذا تمكن القارئ أن يرى نفسه في عمل الكاتب فهذا أمر رائع. ولكن الكاتب لن يعلم هذه الحقيقة أبداً. فالقارئ هو بمثابة شخصية هارفي الصديق الخفي العملاق، والذي نأمل أن يكون لطيفاً.

ولكن النوع الأعظم والأكثر أرضاءاً على الاغلب من الجوانب الثلاثة الخفية هي الأمور المخفية عن الكاتب والقارئ في نفس الوقت ولكن يعلم الطرفين بوجودها. ويحكي الكاتب ورسام الكاريكاتير الامريكي (جول فيفر) قصته عندما بدأ رسم الكاريكاتير في صحيفة (ذا فيليج فويس). وقبل طباعة أول كاركاتير من أعماله حذرته والدته التي تخيفه كثيرا بأنه إذا كان سيرسم امرأة مخيفة وظالمه فمن الأفضل أن لا تبدو مثلها. وأكد جول لوالدته بأنه رسوماته لا تمت لها بصلة ولكن عندما طبع أول كاركاتير كتب جول في مذكراته أنه حدق في تلك الرسمه ورأى والدته.

من يعلم مصدر الأشياء في الكتابة؟ فالشاعر الأيرلندي (شيموس هيني) عبر عن إحساسه بالقدر الموجه من الآله ولكن باختلاف أنواع القوى يتفق الجميع أن أغلبية الكتاب يشعرون بالإلهام والارتباط بأعمالهم. وهذا الالهام يرسم خرائط غامضة تدفع الكاتب لتغير مساره السابق في منتصف العمل وكأنما استولت يد الشبح على زمام الأمور.

أعي تماما بأن كتابتي تحسنت خلال الأعوام التسعة الماضية منذ وفاة ابنتي. فكتابتي الآن أكثر حدة وأكثر حذراً. وسأتخلى بكل سرور عن جميع الكتب التي نشرتها خلال هذه الاعوام التسعة مقابل لحظة واحدة مع أبنتي آيمي. ولكن لاستحالة هذه المساومة، فسأكتب ليمتلئ الفراغ الذي خلفه رحيلها. وسأكتب لأنني إذا كنت أعتقد بأن وفاة آيمي جعلني أكتب بجدية أكثر فهي إذن تعيش معي بشكل خفي. وأنا أكتب كي أراها.

 


[المصدر]

عمرو منير دهب، وحديث عن الروائي الجبان

عمرو منير دهب

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة. وله العديد من الكتابات، آخرها كتابه (تبًا للرواية؛ عن حظوة فنون الكتابة)، والذي تحدث فيه عن “الروائي الجبان”، كما أسماه. فقال:unnamed

مقولة “المترجم خائن” تهمة مفتراة إذا أُخِذت على إطلاقها، لكنها لا تخلو من الدلالة العميقة ببعض التقييد، فالمترجم خائن بغير قصد منه لأنه لا يستطيع نقل المعنى من لغة إلى أخرى بأمانة كاملة وإن سعى إلى ذلك بصدق كامل، وهو خائن عمداً حينما ينهمك في نقل المعنى بتصرّف مراعاةً لمقتضيات كل لغة وثقافتها، ذلك أن التطابق الحرفي بين لغتين أو ثقافتين مستحيل بطبيعة الحال. كل هذا باعتبار توافر النية الحسنة في المترجم، ولكن بغيابها تصبح تهمة الخيانة ثابتة في حق المترجم جملةً وبتفاصيل متراوحة من حالة إلى حالة.

على ذات القياس يمكن افتراع تعبير “الروائي جبان” كمشروع مقولة، ربما بما يحتمل استفاضة أوسع في التأويل ولا يقتضي حرجاً كبيراً بالتالي عند القذف بالتعبير المفترَع إلى أسواق الأدب. 

الروائي جبان لأنه يستتر خلف قصة مختلقة للتعبير عن رأيه، وهو في هذا يقف على مسافة بعيدة خلف الشاعر الذي يصدع بما يرى على لسانه وليس على أي لسان مستعار. وعندما يكون المقصود هو الشاعر العربي الغنائي تحديداً فإن المسافة التي تفصل ما بين الاثنين، الشاعر والروائي، في جرأة التعبير  كلٍّ على لسانه  تبلغ أقصى مدى ممكن.

المدهش أن الروائي لا يستتر خلف شخصية واحدة ليقول ما لا يجرؤ على قوله بلسانه، بل يحشد ما يشاء من الشخصيات ليقول على ألسنتها ليس فقط ما يعجز عن الجهر به على لسانه الخاص وإنما ما يشتهيه من الأقوال (والأفعال) المتناقضة.

ليس مطلوباً من الروائي بطبيعة الحال أن يضمِّن روايته ملحقاً يبيِّن فيه تعقيبه على كل كلمة نبست بها شفتا كل شخصية في الرواية بما يعكس رأيه الشخصي في هذا الموقف وذاك، ولكن في المقابل لا يمكن تجاهل السعادة التي تغمر الروائي للطبيعة الفنية لعمله التي تغدق عليه متسعاً للتعبير عمّا يجيش في صدره دون الحاجة إلى أن ينسب أيّاً مما قال (وفعل) لنفسه سوى بعد أن يأمن العاقبة فيغدو كل ذلك مدعاة إلى الفخر بالسبق إلى جراءة التعبير واقتحام الأماكن المحظورة من مسلّمات أفكار المجتمع.

على هذا الصعيد يحق للشاعر الغنائي العربي أن يهنأ بمكانة منقطعة النظير، فقد تحمّل من سياط النقد الحديث ما تحمّل لجريرة أنه ظل عاجزاً عن مغادرة متردَّم المدح والهجاء والرثاء والفخر والغزل، وربما آن له أن يعتدّ بأنه جاهر في كل تلك الأغراض بآرائه الصريحة، إذا كان مقام التفاخر الأدبي هو السبق إلى الجهر بالصريح من الرأي دون مواربة. 

وإذا كانت المواربة مما يقوم عليه الفن، فلا ريب أن المقصود المواربة في التعبير سعياً وراء القيمة الأدبية والمتعة الجمالية وليس خوفاً من الوقوع في براثن سلطة قضائية من أي قبيل. والأمر كذاك، بإمكاننا أن نرى بوضوح أن المواربة في التعبير عن المعاني بما يخدم القيمة الأدبية والمتعة الجمالية لم تكن مسألة تنقص الشعر الغنائي العربي بحال ولا مما تعيب محترفيه من الشعراء تبعاً لذلك، بل هم فوق ما سبق جديرون بأن يفاخروا بأنهم خاتلوا فنيّاً وجمالياً في الوقت الذي صدعوا فيه بالقول في مقام المواجهة بالرأي على ألسنتهم وليس نسبةً إلى ألسنة غيرهم من الحيوانات أو بني آدم كما ظل يصنع أندادهم من محترفي فنون السرد قديماً وحديثاً.

والشاعر الغنائي العربي إذا كان قد وقع على مدى تاريخه في جملة من الأخطاء الأخلاقية في المقابل، إذْ كذب مراراً ونافق تكراراً، فإنه قد تحمّل شجاعة أن ينسب كل ذلك لنفسه لا أن يُجرِيَه على لسان غيره أيّاً كان ويجلس بعدها في مقابلة احتفائية يخاتل في التعبير عن موقفه الشخصي من جملة آراء تضمّنها عمله الخاص، بحجة أن التعبير الصريح عن الموقف الشخصي للكاتب مما يفسد بهجة العمل ويغلق في وجوه الآخرين الأبواب المشرعة أمام كل تأويل ممكن للعمل بخلاف ما قاله صاحبه.    

في المقابل، لم يخلُ محترفو الفن القصصي من الشجاعة في التعبير عن الرأي الخاص أمام الملأ، ولكن يجب الانتباه إلى أن ذلك كان يحدث باستمرار بعيداً عن أعمالهم الفنية أو على هوامشها (في محفل عام أو ندوة تتناول واحداً من أعمالهم على سبيل المثال) وليس في متن أيٍّ من تلك الأعمال كما أسلفنا مراراً، وذلك صنيع لا يمكن إغفاله على صعيد المقارنة بإزاء الشعراء، والشعراء الغنائيين تحديداً.

والحال كما نرى أعلاه، يبدو أن إقحام الرأي الشخصي في ثنايا العمل الفني سمة/مقدرة فريدة لن نقول بأنه لا يجرؤ عليها كل أديب وفنان وإنما لا يتحمّل استيعابها الجنسُ الأدبي نفسه في أغلب الحالات، وعليه فإنها سِمة جديرة بتقدير أكبر مما حظيت به، بل  بالتعبير الأدق  جديرة بالتقدير على نقيض ما حظيت به.

يصح أن نؤكِّد أن تقريراً جنائياً على سبيل المثال ينبغي ألّا تكتنفه الآراء الشخصية لكاتبه، لكن لا أعلم كيف يمكن أن يصح ذلك التعميم في وصف قطعة أدبية، فللقصة والمسرحية والرواية جماليّاتها الخاصة لجملة من الأسباب الفنية ليس من بينها خلوّها الكامل من أراء مبدعيها الخاصة، فآراء مبدعيها متضمّنة على كل حال ولكن بمخاتَلة كما ألمحنا من قبل. غير أن الأهم هنا أن اشتمال العمل الأدبي على الرأي الخاص لمبدعه يسوقه صراحةً ليشمل كافة أبياته (في حال القصيدة العمودية مثلاً) ليس مما يعيب ذلك العمل، كما لا يُعدّ في المقابل عيباً يصِم غيره من الأعمال الأدبية إذا خلا منه إلّا عندما يكون مقام المقابلة هو الشجاعة في التعبير عن رأي المبدع صراحةً في متن العمل وليس مخاتلةً في ثناياه وتقلُّباً بين الصراحة والمخاتلة على هوامشه في الصحف والمنتديات الأدبية.

والأمر كذلك، يبدو الحديث عن الروائي الجريء قولاً تنقصه الدقة بشكل واضح إذا كان مناط الجرأة المقصودة اقتحام مسلّمات المجتمع وليس إقحام أشكال جديدة للتعبير في بنية العمل الأدبي، فالأجدر إذا تضمّنت الرواية عرضاً لمحظور مجتمعي أن يقال “رواية جريئة” وليس “روائي جريء”

وإذا جاز للشاعر الغنائي كما أسهبنا أن يتفوّق على الكاتب الروائي (وكاتب القصة والمسرحية والدراما التلفزيونية وهلم جرّا) في باب الجرأة الشخصية، فإن الأحق بالانفراد ببطولة مسابقات الجرأة الأدبية بلا منازع هو كاتب السيرة الذاتية عندما يتحدّث عن نفسه بلا قيود. 

ولكن لأن الجرأة وحدها لا تكفي لصنع أدب جيد وجميل، فإن الأوْلى بالنظر على صعيد تقفِّي الأعمال الأدبية الجديرة بالتقدير هو التناول مجرّداً من أية ادّعاءات (دعائية كانت أم غير ذلك) بالجراءة في اقتحام المسلّمات، حتى إذا كانت مقتضيات سوق الأدب تغري باللهاث خلف تلك الادعاءات في هذا الزمان وذاك.  

الموت والمجد في معرفة من تكون

جيمس بالدوين

جيمس آرثر بالدوين (1924 – 1987)، هو روائي وكاتب أمريكي، وكاتب مسرحي وشاعر وناشط في مجال الحقوق المدنية.

الفنان هو ذلك المؤرخ العاطفي أو الروحاني. ودوره هو أن يجعلك تدرك الموت والمجد لمعرفة من تكون وماذا تكون.

في الثاني من شهر أغسطس عام 1924- والأول من شهر ديسمبير عام 1987، كتب (جميس بالدوين) في مقالته الكلاسيكية 1962 “العملية الإبداعية:

يجب أن يفترض المجتمع بأنه مستقر ولكن يجب على الفنان أن يعلم وأن يجعلنا نعلم بأنه لا شئ مستقر تحت السماء.

وبحلول ذلك الوقت، كان بالفعل أكثر كتاب أمريكا شهرةً. فهو الفنان الذي هز قواعد المجتمع من خلال تفكيك هياكل السلطة والاتفاقية بالصرامة القوية والكرامة وسلامة الإتفاقية. وفي السابع عشر من شهر مايو عام 1963 ظهر (بالدوين) على غلاف مجلة تايم كجزاً من قصة رئيسية بعنوان؛ “الدولة: أصل مشكلة الزنوج”، والتي تلتها جملة:

في أصل مشكلة الزنوج تكمن ضرورة الرجل الأبيض في إيجاد طريقة للعيش مع الزنوج من أجل ان يعيش مع نفسه.

وبالرغم من أن التركيز كان على الدفاع عن حقوق (بالدوين) المدنية إلا أن المقالة سلطت ضوءًا جانبياً على (بالدوين) الفنان، وآثارت السؤال الأوسع عن دور الكاتب في المجتمع. وكان الإسبوع الذي يليه هو عدد 24 مايو لمجلة (لايف)، والتي تملكها الشركة ذاتها المبنية على ذلك الزخم الثقافي، مع لمحة واسعة عنه كتبها الصحفي (جين هوارد). حيث كتب تحت العنوان المؤرخ “رواية الحديث من كاتب زنجي”، تكشف حكمة (بالدوين) الأبدية في الحياة والفن.

فقسمت اللمحة الطويلة إلى عدة أقسام تشمل جوانب مختلفة من حياته وآراءه. كتب تحت العنوان الفرعي المثير “الموت والمجد لمعرفة من تكون”. يعتبر (بالدوين) الذي شق طريقه من هارلم حتى أصبح مشهور أدبي هبة فذه للقراءة:

تعتقد بأن ألمك وحسرتك لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم ولكن بعد ذلك تقرأ. لقد كان دوستويفسكي وديكنز من علمني بأن الأشياء التي تعذبني أكثر هي ذاتها التي تربطني مع جميع الناس الذي كانوا على قيد الحياة أو الذين كانوا أحياء من أي وقتٍ مضى. فقط إذا واجهنا آلامنا يمكن أن نفهم آلام الاخرين.

وبعد عام من صياغة أفكاره الثابتة حول دور الفنان كمعطل للمجتمع وبعد أكثر من قرن على إصرار (إيمرسون) بأنه فقط إذا كان الناس غير مستقرين هناك أي أمل بالنسبة لهم اعتبر (بالدوين) هذا الإلتزام المهم لعدم الاستقرار المتولد كقوة محركة مركزية للروح الإبداعية.

فالفنان هو ذلك المؤرخ العاطي أو الروحاني. ودوره هو أن يجعلك تدرك الموت والمجد لمعرفة من تكون وماذا تكون. وعليه أن يخبر ماذا يعني أن تكون على قيد الحياة لأنه لا أحد آخر في هذا العالم يستطيع أن يخبر بذلك. فكل ما أردت فعله هو أن أخبر بأنني لا أحاول حل مشاكل أي شخص ولا حتى مشاكلي. فأنا فقط أحاول تحديد ماهي المشاكل. أريد أن اكون متحرراً وقلقاً لأتجاوز قدراتي وأجعلك تشعر بذات الشئ أيضاً.

وقبل عقدان من مشاركة نصائحه حول كونه كاتباً في مجلة باريس عبَر (بالدوين) عن حتمية المهنة قائلاً:

الشئ المريع في كونك كاتباً هو أنك لا تقرر أن تصبح كاتباً بل تكشف أنك كذلك.

ومردداً ما وصفه (إي. إي كامينجز) بـ “صراع الفنان“، يضيف (بالدوين):

في هذه المدينة … إذا كنت فناناً فأنت مذنباً بجريمة: ليس لكونك واعيٍ وهو أمر سئ بما فيه الكفاية ولكن لكونك ترى أشياءً لا يعترف بها الآخرون.

ونكمل مع (بالدوين) فيما يخص معاناة الفنان من أجل النزاهة والحرية وكيفية حبسنا لأنفسنا ومسؤولية الكاتب في مجتمع متفرق. ومن ثم إعادة النظر في حواراته المنسية بشكل كبير مع (تشينوا أتشيبي) حول القوة السياسية للفن ومع (مارغريت ميد) حول الهوية والعرق و تجربة الاختلاف، ومع (نيكي جيوفاني) حول مايعنية أن تكون مخولاً حقاً.

ملاحظة:

“صراع الفنان” هو نثر للشاعر الأمريكي (إي. إي كمينجز) وصف فيه معناة الفنان في سبيل إيجاد نفسه وشدد على كلمة فنان باللغة الإنجليزية  وكتب أول حرف منها بخط كبيرفي النص بأكمله ليوضح معناته أكثر.


[المصدر]

في الكتابة، هيمنغواي يتحدث

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

إرنست ميلر همينغوي (1899-1961)، كاتب أمريكي يعد من أهم الروائيين وكتاب القصة الأمريكيين.كتب الروايات والقصص القصيرة. لقب بـ”بابا“. غلبت عليه النظرة السوداوية للعالم في البداية، إلا أنه عاد ليجدد أفكاره فعمل على تمجيد القوة النفسية لعقل الإنسان في رواياته، غالبا ما تصور أعماله هذه القوة وهي تتحدى القوى الطبيعية الأخرى في صراع ثنائي وفي جو من العزلة والانطوائية.شارك في الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث خدم على سفينه حربيه أمريكيه كانت مهمتها إغراق الغواصات الألمانية، وحصل في كل منهما على أوسمة حيث أثرت الحرب في كتابات (هيمنجواى) وروايته.

عمل (هيمنجوي) كسائق سيارة إسعاف في الحرب العالمية الأولى، والتي أُصيب فيها بالعديد من الشظايا. وكان من بين أبرز الروايات التي كتبها (هيمنجوي) (وداعًا للسلاح)، (لمن تُقرع الأجراس)، (ولا تزال الشمس تشرق).

ذات مرة، التقى الكاتب (أرنولد سامويلسن) بالراوئي (هيمنجوي) وقام بتسجيل الحوار الذي أجراه معه والذي فُرّغ بعد ذلك في كتاب بعنوان (مع هيمنجوي). وعلى أية حال، فقد تحدث (هيمنجوي) عن الكتابة في ذلك اللقاء، ننقل لكم مقولاته بشكل حصري. يقول (هيمنغوي):

إذا ما مللت من الكتابة، فلا يصيبنك الإحباط.

وإذا ما أصابك، فلن تستطيع الفكِاك منه.

عليك أن تعمل مرارًا على الكتابة، فقد أعدت كتابة (وداعًا للسلاح) خمسين مرةً على الأقل. تكون مسوّدة العمل الأولى شيئًا من العبث. لذا، فعندما تتمرن على الكتابة للمرة الأولى فاستمتع، ولا تلقي بالًا  للقارئ. لكن؛ وبعد أن تتقن عملك، فإن من واجبك أن تنقل المعنى للقارئ حتى يتذكر ما كتبتَ، ليس كقصة بل كشيء قد حدثَ في حياته.

إن استطعت أن تُمتّع من يقرأ لك ولا تستمتع أنت بما تكتب، فذلك هو الاختبار الحقيقي للكتابة.

اعمل على كتابتك بجد، فالكتابة الأفضل تعني صعوبةً أكثر؛ ذلك لأن على كل قصة أن تكون أفضل مما قبلها، وهنا مكمن الصعوبة.

أحب أن أعمل العديد من الأشياء التي اتقنها أكثر من الكتابة، ولكن عندما لا أكتب، فإني أشعر بالضجر، فأنا لديّ الموهبة ولكنّي أهملها.


[المصدر

نيل قايمان يتساءل: من أين تأتي بأفكارك؟

 

نيل قايمان

نيل قايمان (مواليد 1960)، هو كاتب إنجليزي، نُشرت له عدد من القصص القصيرة، والروايات، والقصص المصوّرة أيضًا، بالإضافة إلى عدد من الأعمال الأخرى. من أشهر أعماله؛ سلسلة القصص المصوّرة (ساندمان)، أو رجل الرمل. ومن الروايات؛ (الآلهة الأمريكية)، (كارولاين)، (المحيط في آخر الطريق)، و(ستاردست).

في مدونته الشخصية، كتب (قايمان) مقالة عن السؤال الذي يُطرح عليه بشكل متكرر، ألا وهو “من أين تحصل على أفكارك؟”، ننقله لكم بترجمة حصرية. يقول فيه:

 

كل مهنة لها شراكها. الأطباء، على سبيل المثال، دائما ما يتم سؤالهم للحصول على المشورة الطبية المجانية، ويطلب من المحامين المعلومات القانونية، ويقال لمتعهد الموتى كيف ان مهنته لاشك مثيرة للاهتمام قبل أن يغير الناس مجرى الحديث بسرعة. وكذلك نحن الكتاب نُسأل: “من اين نحصل على افكارنا؟”

في البداية، كنت أجيب الناس بإجابات ليست مسلية جدا، أحد إجاباتي التي أتهرب بها : “من نادي فكرة الشهر”، أو “من محل افكار صغيرة في بوغنور ريجيس”، أو “من كتاب قديم مليء بالافكار في قبو منزلي”، أو حتى “من بيت أتكينز”. والإجابة الاخيرة مقصورة على فئة معينة، وربما تحتاج إلى تفسير قليلا. (بيت اتكينز) هو صديقي كاتب السيناريو والروائي، وقررنا منذ فترة أنه عندما يطرح علي هذا السؤال أن أجيب بأنني احصل على الأفكار منه، وهو كان يجيب بأنه يحصل على الافكار مني. بدأ هذا ذا معنى في ذلك الوقت.

ثم سئمت من الإجابات الغير مسلية، في الوقت الحالي صرت أخبر الناس الحقيقة: أنا اخترعها؛ أقول لهم، آتي بها من رأسي.
الناس لا يحبون هذه الإجابة. أنا لا أعرف لم لا. يبدون غير سعداء بها، كما لو كنت أحاول أن أخفي شيئا عنهم . وكأن هناك سرا كبيرا، و لأسباب خاصة بي، لا أريد أن أقول لهم كيف يتم ذلك.
وبالطبع هذا ليس صحيحا. أولا، أنا نفسي لا أعرف من أين تأتي الأفكار، أو مالذي يجعلها تأتي، أو ما إذا كانت ستتوقف في يوم من الأيام. ثانيا، أشك في أن أحدا ممن يسأل يريد ان يستمع إلى محاضرة مدتها ثلاث ساعات عن العملية الإبداعية. وثالثا، إن الأفكار ليست بتلك الأهمية. حقا أنها ليست كذلك. الجميع لديهم فكرة لكتاب، فيلم، قصة، مسلسل تلفزيوني.
كل كاتب نشر اعماله كان يملك الفكرة، الناس الذين يأتون إليك ليخبروك ان لديهم فكرة. ويا إلهي هل من المستبعد والغريب انهم يريدون ان يشركوك بها ، في الغالب سيكون الاقتراح بهذا الشكل، سيخبروك بالفكرة “الجزء الصعب”، وانت ستأخذها وتحولها إلى رواية “الجزء السهل من العملية”، وبالطبع في النهاية بإمكانكم ان تتقاسموا المال مناصفة بينكم.
أنا متفهم ومتسامح بدرجة معقولة مع هؤلاء الناس. وأنا أقول لهم، حقيقة، أن لدي عدد كبير جدا من الأفكار ، و القليل جدا من الوقت. وبعدها أتمنى لهم حظا سعيدا.
الأفكار ليست هي الشيء الصعب. انها عنصر صغير من الكل. إن الأصعب من ذلك هو صنع أشخاص معقوليين يمكنهم القيام بالقليل أو الكثير مما يقال لهم. والأصعب على الإطلاق هو عملية الجلوس ببساطة ووضع كلمة واحدة تلو الأخرى لتشييد ماتحاول إنشاءه: ان تجعله مثيرا للاهتمام، تجعله جديد من نوعه.
ولكن لا زال السؤال الذي يريد الناس معرفة إجابته. في حالتي، يريدون ايضا أن يعرفوا إن كنت أحصل على الافكار من أحلامي. الجواب: لا. منطق الحلم ليس منطق القصة، اكتب حلما، وسترى ما أعنيه، بل حتى أفضل من ذلك، أخبر أحدا بأحلامك؛ “حسنا، كنت في هذا البيت الذي كان أيضا مدرستي القديمة، وهناك كانت هذه الممرضة التي كانت كذلك ساحرة عجوز، والتي ذهبت بعيدا ولكن كان هناك ورقة شجر ولا أستطيع النظر إليها والتي أعلم أنه إذا لمستها سيحدث شيء مروع …”، كنت أشاهد أعينهم تلتمع وهم يستمعون إلي، وأنا لا أعطي أجوبة صريحة .. حتى وقت قريب.
ابنتي (هولي)، ذات السبع سنوات، طلبت مني ان أحضر لمدرستها لكي ألقي خطابا، كان المعلم متحمسا، “أصبح الأطفال يؤلفون كتبهم الخاصه مؤخرا، لذا إن حضورك سيكون شيقا كونك كاتبا محترفا.  ومن الممكن ايضا ان تخبرهم ببعض القصص، إنهم يحبون القصص”، فجئت .
جلسوا على الأرض، وكان لي كرسي، حدق بوجهي خمسين زوجا من الأعين لأطفال في السابعة من العمر. “عندما كنت في سنكم، قال لي الكبار أني لا أصنع شيئا، والآن، إنهم يعطوني المال من أجل ذلك”. تحدثت لمدة عشرين دقيقة، ثم بدأوا يطرحوا علي الأسئلة.
وأخيرا سألني أحدهم: “من أين تحصل على أفكارك؟”. وأدركت أنني أدين لهم بإجابة. لم يكونوا بالعمر الذي يمكنهم من معرفة أكثر مما يعرفوه. وإنه سؤال معقول تماما، إن لم يكن يُطلب مني اسبوعيا.
هذا هو ما قلته لهم:
يمكنك الحصول على أفكار من أحلام اليقظة. و من الشعور بالملل. يمكنك الحصول على الأفكار في كل وقت. والفرق الوحيد بين الكتاب وغيرهم من الناس هو أننا نلاحظ انفسنا عندما نجد فكرة. تحصل على الافكار عندما تسأل نفسك أسئلة بسيطة. من أهم الأسئلة هو سؤال: ماذا لو ..؟ “ماذا لو استيقظت بأجنحة؟ ماذا لو تحولت أختك إلى فأرة؟ ماذا لو اكتشفت ان المدرس ينوي ان يأكل احدا منكم في نهاية الفصل الدراسي؟ لكنك لا تعرف من”.
سؤال مهم آخر هو، فقط إذا ..! “فقط إذا كانت الحياة الحقيقية مشابهة  لمسرحيات هوليوود الموسيقية. فقط إذا كنت استطيع تقليص نفسي لأصبح بحجم زر صغير. فقط  إذا كان هنالك  شبح يقوم بأداء واجباتي المنزلية”.
وبعد ذلك هناك أيضا: أتساءل !!
“أتساءل عما تفعله عندما تكون وحدها …” وسؤال لو استمر هذا الوضع سوف..! وأليس من المثير للاهتمام إذا ..! “أليس من المثير للاهتمام إذا اصبح العالم محكوما من قبل القطط؟”
هذه الأسئلة وشبيهاتها، هي بدورها، تشكل المزيد من الاسئلة، “حسنا، إذا كانت القطط تحكم العالم سابقا، لماذا تغير الوضع؟ وكيف تشعر القططة  حيال ذلك؟”، إن الاسئلة هي احد مصادر الافكار!!
الفكرة ليس عليها ان تكون عقدة، الفكرة هي مكان لكي تبدأ الكتابه منه. أما العقد فهي تنشئ بنفسها عندما يقوم الشخص بطرح الاسئلة عن الفكرة التي بدأ بها.
وأحيانا الفكرة تكون شخص، “كان هنالك صبي يريد أن يعرف عن السحر”. في بعض الأحيان تكون مكان “منذ زمن بعيد كان هنالك قلعة، وكانت هي المكان الوحيد هناك …”. في بعض الأحيان انها صورة “امرأة، تجلس في غرفة مظلمة مليئة الوجوه الفارغة”.
وغالبا ما تأتي الأفكار عندما نجمع  أمرين لم يجتمعوا من قبل. “إذا تعرض إنسان للعض من قبل مستذئب سيتحول إلى ذئب، ولكن ماذا سيحدث إذا تعرضت سمكة إلى العض من قبل مستذئب؟ وماذا سيحدث إذا تعرض كرسي للعض من قبل مستذئب؟”.

إن كتابة الروايات هي عملية تخيل؛ أيا كان ما تكتبه، وأيا كان نوعه، مهمتك هي أن تجعله مقنع ومثير للاهتمام وجديد.
وعندما تمتلك الفكرة – الذي هو، بعد كل شيء، شيء لتتمسك به عندما تبدأ – ستفكر بماذا بعد؟
حسنا، بعد ذلك ستكتب. تضع كلمة واحدة تلو الأخرى حتى تنتهي من القصة – هذا هو كل مافي الأمر.
أحيانا لن تنجح الفكرة، أو على الأقل ليس كما تصورت في البداية. في بعض الأحيان لن تعمل على الإطلاق. و في أحيان أخرى عليك التخلص منها تماما و البدء من جديد.
أتذكر قبل بضعة سنوات، عندما خطرت لي “قصة ساندمان”. كان الأمر يبدو كما أن للأمر علاقة بالشيطانة التي تعطى الكتاب والفنانين والشعراء الأفكار في مقابل جزء من اعمارهم. لقد أسميتها الجنس والبنفسج.
وبدت قصة واضحة المعالم، و لكن فقط عندما بدأت في الكتابة، اكتشفت أنها كانت كمحاولة يائسة لربط الرمل الناعم؛ في كل مرة كنت أعتقد أنني تمكنت من ذلك، اجد ان القصة تقطر من خلال أصابعي وتتلاشى.
لقد كتبت في ذلك الوقت: “لقد بدأت هذه القصة مرتين، وبلغت نصف الطريق في كل مرة، فقط لمشاهدته يموت على الشاشة”.

“ساندمان”، وهو كوميك  مرعب. بدا لي كما لو أن لاشيء كتبته قبع في داخلي مثل هذه القصة، وأنا الآن على وشك التخلي عنها، مع الموعد النهائي للكتابة الذي اصبح شيئا من الماضي. وربما أشعر بذلك لأن هذه القصة قريبة جدا من قلبي. إنها أفكار – والقدرة على وضعها على الورق، وتحويلها إلى قصص – هذا هو الذي يجعلني كاتبا. وهذا هو الذي يجعلني غير مجبر على الاستيقاظ في وقت مبكر من الصباح والجلوس على متن قطار مع أشخاص لا أعرفهم والذهاب إلى عمل أزدريه.
إن فكرتي عن الجحيم هو ورقة بيضاء. أو شاشة فارغة. وأنا، أحدق في ذلك، غير قادر على التفكير في شيء واحد يستحق الكتابة
؛ حرف واحد يمكن للناس ان يؤمنوا به ، قصة واحدة لم تحكى من قبل.
نعم أتخيل اني أحدق في ورقة بيضاء .. إلى الأبد!

لقد كتبت في طريقي للخروج من الجحيم، ومع ذلك أصبحت يائسا، وهذه إجابة اخرى أستخدمها مع مسألة: “من اين تحصل على افكارك”. “من اليأس”. “اليأس والملل”، و”المواعيد النهائية”. جميع هذه الإجابات صحيحة إلى حد ما. عندما تحيط بي هذه االاشياء وتأخذ رعبي الشخصي والفكرة الأساسية لتصنع قصة تدعى الملحمة، وهو ما يفسر، إلى حد ما، المكان الذي يحصل منه الكتاب على أفكارهم منه. انها من  كتاب بعنوان “أرض الأحلام”. يمكنك قراءته إذا أردت. وفي مكان ما في كتابة هذه القصة، توقفت عن خشية إفلات الافكار مني
من أين أحصل على افكاري؟

أنا اخترعها …

من رأسي!

 


[المصدر]

لماذا لم يقم تشينوا أتشيبي بتدريس الكتابة الإبداعية؟

تشينوا أتشيبي (1930 – 2013)، روائي نيجيري من قومية الإغبو، وهو أول روائي بارز من القارة السوداء كتب بالإنجليزية. تتناول كتاباته المخلّفات المأساوية للإمبريالية البريطانية على المجتمعات الإفريقية. وتحليلاً للعلاقات الأسلوبية بين الأدبين الأفريقي والإنجليزي. وقد استحوذت أعماله على اهتمامات النقد الأدبي.

في حوار صحفي له مع صحيفة Paris Review الشهيرة، والذي ترجمته الأستاذة (لطفية الدليمي) في كتابها (فيزياء الرواية)، سُئل (أتشيبي): هل قمت يومًا بتدريس الكتابة الإبداعية؟”، فأجاب بالنفي. مما جعل الصحفي يسأله: “ولم لا؟”، فكان جوابه:

لأنني لا أعرف كيف يمكن إنجاز هذا العمل، وأنا أعني كلامي. أنا حقًا لا أعرف. كل ما أقوله هو أن هذه المفردة “الكتابة الإبداعية” توفر عملًا للكاتب. لا تضحك لملاحظتي هذه، فهي شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الكتّاب يحتاجون عملًا آخرًا يعتاشون منه في هذه الأوقات العصيبة وغير المستقرة اقتصاديًا.

لا أعلم كيف يمكن للمناهج في مادة الكتابة الإبداعية أن تكون مفيدة للطالب، ولا أقصد بهذا أنها عديمة الفائدة، ولكن أقصد بالتحديد أنني لم أرغب يومًا في أن أرى أحدًا يعلمني كيف أكتب، فتلك ذائقتي الخاصة بي حصريًا.

ثم سأله الصحفي بعد ذلك: “إلى أيّ مدى يمكن للكتّاب أن يزجّوا أنفسهم في خضم الموضوعات العامة؟

 فكان جوابه:

لست أريد هنا أن أضع قانونًا عامًا ملزمًا للجميع، ولكنني أعتقد أن الكتّاب هم في ذات الوقت مواطنون، وهم في أغلب الأحوال بالغون ومدركون لتفاصيل الأمور. كان موقفي على الدوام، أن الفن الجيد والجاد وجد دومًا لأجل خدمة الإنسانية، لا لإدانتها، ولا أعرف كيف يمكن للفن أن يُدعى “فنًا” إذا ما تسبب في إحباط الإنسانية وقهرها.

١١ نصيحة من إليف شافاق في الكتابة

إلِيف شافاق، من مواليد 1971. هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.
في مقالة لها، نُشرت في صحيفة (تيليغراف) البريطانية، كتبك (إليف) ١١ نصيحة ذهبية في الكتابة، نترجمها إليكم بشكل حصري.
  1. الكتابة هي تكريسٌ للعزلة، اختيارٌ للانطواء على الانبساط، أن تفضّل الخلوة لساعات وأيام وشهور وربما سنوات على المرح والحياة الاجتماعيّة؛ الكتّاب ربّما يحبّون الثرثرة والقيل والقال -كونها تشكل مادةً خامًا لهم للكتابة-  لكنّ فعل الكتابة والاتصال مع الذات يحتاج لعزلة خالصة.
  2. الطريقة الوحيدة لتعلّم الكتابة هي أن تكتب، الموهبة مغرية كما يبدو؛ لكنها لا تشكل سوى %12 من العملية الإبداعية، الاجتهاد والجدّ حصتهما 80والباقي للحظ أو للقدر، تلك الأشياء الصغيرة التي لا نقوم بها بأنفسنا.
  3. اقرأ كثيراً، ونوّع قراءاتك، لكن لا تُلزم نفسك بالقراءة لنفس الكتّاب، وسّع أفق قراءتك. كن جموحاً ولا منطقياً؛ فالخيال لا يمكن أن يقتصر على ما هو متوقع .
  4. اكتب الكتاب الذي تحب أن تقرأ. إذا كنت مستمتعاً بما تكتب و لا يعني ذلك أنك لن تعاني أثناء كتابته- فالناس سوف تشعر بنفس مشاعرك التي كتبتَ بها. إذا لم يوجد شغفٌ بين الكاتب وقصته، فالغالب لن يوجد شغف بين القارئ و القصة فـالعلاقة تبادلية”.
  5. لا تخشَ من الكآبة، هي جزء لا يتجزأ من رحلة الكتابة، لكن حذارِ أن تحيطها بهالة من الرومانسية، تعامل معها كروحٍ طليقة؛ كصديق لا يعوّل عليه يأتي ويذهب متى يشاء .
  6. لا تكنْ رحيماً مع نفسك، قطِّع نصوصك، مزّقها، أعد كتابتها من جديد، استبعد صفحات كاملة مما كتبت، الكتابة السيئة كالعلاقة السيئة، لا تتمسك بها لمجرد أنك ألفتها.. إن كانت كذلك فاتركها!
  7. على أيّ حال؛ لا تكنْ قاسياً  مع شخصيات كتبك، لا تتعالى عليهم، مهمتك ككاتب ليس الحكم عليها، بل فهمها ومساعدة الآخرين على ذلك، تذكر: أن تحيا شخصياتك تلك هي كلمة السر.
  8. مهما كان ما تفعله؛ لا تتحدث عن الرواية أو الكتاب الذي تعمل عليه الآن، خصوصًا مع وكيل أعمالك أو الناشر، إذا اضطرتُ للحديث مع أي أحد عمّا تكتبه؛  فقلْ كلمات مقتضبة ومثيرة للاهتمام دون شرح.
  9. أثناء الكتابة .. انسَ القرّاء .. انسَ النقاد .. انسَ الجميع، في الواقع عليك أن تنسى أنّ هناك عالماً في الخارج أيضاً .
  10. لا يوجد ما يسمى “حبسة الكاتب، لكن لو نضب إلهامك، سافر إلى مدينة مكتظة؛ إسطنبول مثلاً، اقضِ يومين في فوضاها، مراقباً، ومصغياً، ومطعماً النوارس. شاعراً انقباضك وانبساطك في آن معاً، ستتدفق مشاعرك حتماً ويلتهب إبداعك من جديد.
  11. النصيحة الأهم  .. تجاهل كل قواعدي السابقة، لا تلتفت لها، لا يوجد قوالب جاهزة للكتابة وهذا هو جمالها، وهذه هي الحرية التي يجب ألا نسمح لأحد بأن ينتزعها منّا.

[المصدر]

ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان

Milan-Kundera-006

(ميلان كونديرا)، روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه (الستارة) حيث يحكي مستفتحًا:

أتذكر لقائي مع بعض زملائي في الثانوية بعد عشرين عامًا من البكالوريا؛ يخاطبني (ج) بفرح: “ما زلت أراك تقول لأستاذنا في الرياضيات: تبًا يا سيدي الأستاذ”، والحال فإن اللفظ التشيكي لكلمة “تبًا” نفّرني على الدوام، وكنتُ على ثقة تامة بأنني لم أقل ذلك، لكن الجميع من حولنا انفجروا ضاحكين، متظاهرين بأنهم تذكروا تصريحي الظريف. أدركتُ أن تكذيبي وإنكاري لن يقنع أحدًا، فابتسمت بتواضع دون احتجاج لأنه، وأُضيف هذا إلى خجلي، سرَّني أن أرى نفسي وقد تحوّلت إلى بطل يطلق كلامًا بذيئًا في وجه الأستاذ الملعون.

عاش الجميع مثل هذه الحكايا. عندما يستشهد أحدهم بما قُلته في محادثة، فإنك لن تتعرف أبدًا على نفسك؛ تغدو عباراتك في أحسن الأحوال مبسطة على نحوٍ فظ وأحيانًا مشوّهة -عندما يُؤخذ تهكمكم على محمل الجد- وغالبًا غير منسجمة البتة مع ما سبق لك أن قلته أو فكرت به. وينبغي أن لا تدهش أو تسخط، لأن هذه بديهية البديهيات: الإنسان منفصل عن الماضي -الماضي القديم كما الماضي القريب جدًا منذ بضع ثوانٍ- بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان، التي تمحي، وقوة الذاكرة، التي تُحوِّر.

هذه بديهية البديهيات، لكن من الصعب قبولها لأنه، عندما نفكر فيها حتى النهاية، ماذا ستصبح كل الشهادات التي يستند إليها التأريخ، ماذا تصبح يقينياتنا عن الماضي، وماذا يصبح التاريخ نفسه الذي نرجع إليه يوميًا بسذاجة وحسن نية وعفوية؟ خلف بطانة المُسلّم به الرقيقة -ليس ثمة شك أن (نابليون) خسر معركة (واترلو)- يَنتشر فضاءٌ لا نهائي، فضاء التقريب والاختلاق والتشويه والتبسيط والمبالغة وسوء الفهم، فضاءٌ لا نهائي من اللا حقائق التي تتكاثر كالفئران وتَتَخلَّد.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يعطي النشاط الدائم للنسيان لكل واحد من تصرفاتنا طابعًا شجيًا وغير حقيقي وضبابي .. ماذا تغذينا قبل البارحة؟ ماذا روى لي صديقي بالأمس؟ وحتى: بماذا فكرت منذ ثلاث ثواني؟ كل هذا يُنسى، وما هو أسوأ بكثير، لا يستحق شيئًا آخر. ومقابل عالمنا الواقعي الزائل والجدير بالنسيان في حد ذاته، تنتصب الأعمال الفنية كعالم آخر، عالم مثالي وراسخ، لكل تفصيل فيه أهميته ومعناه، وكل ما يوجد فيه، كل كلمة، كل جملة، تستحق ألا تُنسى وأن تُفهم كما هي.

مع ذلك لا يُفلت الإدراك الحسي للفن أيضًا من سلطة النسيان. وبهذه الدقة، يوجد كل فن من الفنون في موقع مختلف إزاء النسيان. من وجهة النظر هذه، الشِعر محفوظ. مَن يقرأ نشيد (بودلير)، لا يسعه أن يقفز فوق كلمة واحدة منه. وإذا أحبه، سيقرؤه عدة مرات وربما بصوت مرتفع. وإذا أحبه إلى درجة الجنون، سيحفظه عن ظهر قلب. فالشعر الغنائي هو معقل الغناء.

أما الرواية، بالعكس، هي قصر محصّن بردائة إزاء النسيان. وعندما أخصص ساعة لقراءة عشرين صفحة، فإن رواية من أربعمئة صفحة ستأخذ مني عشرين ساعةولنقل إذًا أسبوعًا. ونادرًا ما أجد أسبوعًا بكامله فارغًا. وعلى الأرجح ستخلل جلسات القراءة انقطاعات لعدة أيام، سيقيم خلالها النسيان ورشته على الفور، لكن النسيان لا يعمل في فترات الانقطاع فقط، بل يشترك في القراءة بشكل مستمر، بلا أي توقف، وأنا أقلب الصفحة أنسى ما قرأته توًا؛ ولا أحتفظ منه إلا بنوع من المختصر الضروري لفهم ما يليه، بينما تُمحى جميع التفاصيل والملاحظات الصغيرة والعبارات المثيرة للإعجاب. وذات يوم بعد سنوات، ستراودني الرغبة في التحدث إلى صديق عن الرواية، عندئذ ستتأكد أن ذاكرتينا اللتين لم تحتفظا من القراءة إلا ببعض المقتطفات، أعادتا بناء كتابين مختلفين لدى كل واحد منا.

ومع ذلك، يكتب الروائي روايته كما لو كان يكتب نشيدًا. انظروا إليه، إنه مذهول بالتأليف الذي يراه يرتسم أمامه؛ أدنى تفصيل مهم بالنسبة له، يحوّله إلى موتيف -موضوع فني أو أدبي صغير- وسيعيده في تكرارات عديدة وتنويعات وتلميحات كما في مقطوعة الفوغ -تنويع موسيقي تتكرر أجزاؤه. لهذا السبب هو لأنه واثق من أن الجزء الثاني من روايته سيكون أجمل وأقوى من الأول، لأنه كلما تقدم في قاعات هذا القصر، تضاعفت أصداء الجمل الملفوظة والثيمات المعروضة سابقًا، وبعد أن تتجملع في تناغم، ترن في كل الأجاء.

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.٢)

بول أوستر

 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
[اقرأ: الجزء الأول من المقابلة]

هذا الجزء الثاني في مقابلة (بول أوستر) مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، التي نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥:

يتحدث (بول أوستر) في هذا الجزء عن صراع الإيديولوجيات والتشابه الحضاري الذي يشهده الإنسان على مر العصور، عن سطوة التنكنولوجيا وانفتاحنا نحن البشر على العوالم الافتراضية، بالرغم من أنه استغنى عن معالج النصوص ولازال يستخدم الآلة الكاتبة! كما يتحدث في هذا الجزء عن علاقة الكاتب بالأمكنة، وكيف يلجأ الكاتب بطريقة مّا إلى خلق نفسه من جديد وتحفيز مكامنه الداخلية سعياً وراء التجديد والتغيير.


أماكن:

لقد تذكرت شيئاً مّا طرأ على بالي حين ذكرت لي أمر شقتك الصغيرة، وأتمنى ألا تمانع قولي بأنك تمتلك منزلاً استثنائياً، إنه من تلك المنازل التي فيما أتخيل من المستحيل تركها أو الابتعاد عنها، بمكتب جميل أمارس الكتابة فيه، لكنك في الحقيقة، أراك رتبت خروجك خلسة من هذا المنزل، تنزلق وتنسلّ بطريقة مّا تجعلك ككاتب تتغذى عليها حتى أصبحَت جزءًا لا يتجزأ مما تفعله.

الأمر معقد بعض الشيء، في الحقيقة اعتدت أنا والأولاد العيش في شقة مزدحمة، ولم يكن هناك مكان لي حتى أعمل لذا بحثت عن شقة استوديو وكنت أعمل هناك قرابة الست أو السبع سنوات، ثم اشترينا هذا المنزل بعد ذلك. في البداية، كان لدينا مستأجرون في الطابق السفلي، لكنهم رحلوا أخيراً ثم قررت أن أنقل عملي بالكامل هنا، لسنين عدة، لكن في هذه السنة الأخيرة فقد بدأنا ببعض الأعمال في المنزل، فقد تم غزو هذا الهدوء بكثير من المقاولين والنجارين، السباكين، الكهربائيين، والرسامين كذلك. كان ذلك مزعجٌ جداً، فجرس الباب كان يرن مرات عدة وجرس الهاتف كذلك. آمنت باستحالة التركيز في وضع كهذا، فكرت حينها بأنني ربما لو أعود للفكرة القديمة. وأخيراً، وجدت شقة صغيرة في الجوار منذ تسعة أشهر تقريباً، كان ذلك جيداً، وجيداً جداً. أما بخصوص هذا المنزل الاستثنائي، فكل هذا نتاج حسّ زوجتي (سيري) الجمالي الهائل، ونظرتها الثاقبة للتوازن والانسجام، لكنني طالما شعرت بأنني كالوحش (كاليبان)*، أظنني أسعد في المساحات الفارغة الخالية من البشر.

في المقابل، أنا أستمتع بالعلاقات الغير مباشرة مع الأمكنة، أتفهم أن الناس بدأت تعتقد بأنني انتقلت مجدداً إلى بروكلين للكتابة عنها، لكن الحقيقة الغائبة هي أنني كتبت غالبية كتب بروكلين هذه في تورنتو وساراتوغا سبرنقز وردهات الفنادق الألمانية، فقد بدا لي مُرضياً أن أكتب عن بروكلين من مسافة كافية عنها، أو نظرة عابرة إلى الوراء تتوق اليها.

كما حصل تماماً مع الكاتب (جيمس جويس) في دبلن. أنا أيضاً عاكف على الكتابة عن بروكلين هذه الأيام. آخر كتاب لي، وهو (ليلة التنبؤ)، كان يتمحور حول مدينة بروكلين قبل عشرين عام ٍمضت، لكنني الآن أكتب عنها مرة أخرى وكأنها بروكلين اليوم، أستطيع أن أذكر لك اسم الرواية على أية حال لأنني لن أقوم بتغييره، ألا وهو (حماقات بروكلين). إنها محاولة للكتابة نوعاً مّا في الكوميديا، وهو مجال لم أخض فيه قبلاً حقيقةً، فإني مرتاب من أي كلمة أكتبها، لكنني أستمتع بذلك حقاً، أطمح لخلق شيء مثير للاهتمام وممتع في الوقت آنه.

لا أطيق صبراً عن ذلك!

الأمر كله يتعلق بمحاولتك في مفاجأة نفسك، أن تتوجه بعكس ماكنت تفعل دائماً، تدمر وتحرق كل أعمالك السابقة، أن تجدد ذاتك مع كل مشروع تود القيام به؛ لأنك ما إن وقعت في شرك العادة، فسيختفي الفنان الذي بداخلك. يجب أن تتحدى نفسك في كل مرة ولا تعتمد على أمجادك السابقة، انتهِ منها وضعها جانباً وقل لنفسك: “الآن أنا أستعرض جانباً آخر مني لأن هذا العالم بكل تأكيد كبير ليكون مدهشاً كفاية حتى يُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”.

أظن بأنه أيا ما كان فصوتك سيكون بلا حول ولا قوة أمام ذاتك، وأعمالك أيضاً ستتحدى كل محاولاتك لتجاهلها.

بالضبط! لأن كل محاولاتك لتفادي ذاتك غير مجدية، فكل ماتحاول استكشافه موجود بداخلك، هو ذاته هوسك القديم الذي لا يتغير مع تكرار اختلاف طريقة تفكيرك، لكنك تظل تحاول وتحاول، وأظن بأنه لن يبقى الكثير من ماء وجه تلك المحاولات.

ذلك يضحكني جداً، لأنني في الفترة الحالية بدأت في كتابة رواية جديدة، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو الاستثناءات التي قمت بوضعها، الأمور التي أظنني لن أرتكبها مجدداً، كالكتابة عن مدينة بروكلين، كما أنني أتجنب الكتابة عن عائلة مّا، أبوين وأطفال؛ بالرغم من أنني لاحظت بأن كل كتاب يختلف عن الآخر كما لم أتوقع، وجميعها تتعلق بالرعب والموت. وكمن يجد نفسه مستعداً لإطلاق النار؛ اخترت أن أسلك مساراً عاطفياً هذه المرة.

هذا جيد جداً، إمكانيات كل فنان لها حدود، فإنك عندما تكون واعياً بحدود إمكانياتك، ستكون قادراً على تفجيرها، مع العلم بأنه لا أحد يستطيع الوصول لكل شيء وتقديمه وجمعه في آن واحد، بصراحة، الجميل في الفن هو كونه مساحة مخططة محورية، مساحة فيزيائية وعقلية، فمحاولاتك في جمع العالم كله في صفحة واحدة، ستحول الأمر إلى فوضىً عارمة. إن الفنَّ عبارة عن التخلص تقريباً من كل شيء مقابل التركيز على أمر معين تود تناوله والحديث عنه بطريقتك.


تكنولوجيا:

هل تجد صعوبة في إقحام التكنولوجيا في أعمالك، كالبريد الإلكتروني مثلاً أو الهواتف النقالة؟ لأنني من رأيي أجد التكنولوجيا ظهرت في تاريخ غير محدد، أظنها في العام ١٩٧٨ أو ١٩٨٤، يعني لا أعتقد بأنها تعود إلى نوعٍ معين من الخيال.

هذا سؤال مثير حقيقة. في رواية (كتاب الأوهام) التي تم نشرها في الثمانينات، كان هناك دوراً فاعلاً لآلة الفاكس، حدثٌ مهم جرى من خلالها، لذا أقول بأنني لست ضد الحديث عن التكنولوجيا بحد ذاتها. أيضاً في الكتاب الذي أعمل عليه الآن هناك ظهور خاص للبريد الإلكتروني والهواتف النقالة كذلك.

لأكون صريحاً معك، أنا من القلة القليلة الذين لم يقتنوا الكومبيوتر بعد، فلا أكتب على معالج نصوص، بل أكتب على الآلة الكاتبة. لا أملك بريداً إلكترونياً ولا أفكر حتى بإنشاء واحد. لكنني لست ضد الحديث عن أي شيء وكل شيء، بل على العكس أظن أن بهجة الرواية وجمالها يكمن في أنها تنفتح على كل شيء وأي شيء وُجد في ذلك الوقت، فليس لدي استثناءات، فلا أقول: “هذا غير مسموح به لأنه كذا وكذا...”

ليست مقاطعة إيدولوجيات بالطبع، لكنني أكثر ميلاً إلى التواني عن إقحام مثل هذه الأشياء في العمل. أستخدم البريد الإلكتروني أحياناً، لكنني لو أقحمته في الخيال الروائي أشعر بأنني تجاوزت الخيال من فوري، يبدو لي كما لو أنني أُنحّي الخيال شيئا فشيئاً من الصفحات.

هذا يقودنا الى أكثر التساؤلات تداولاً طوال سنوات. كما تعلم هناك ثلة من المتحمسين للتكنولوجيا يقولون بأن هذه التكنولوجيا ستغير العالم وطريقة تفكيره، وأنها ستقوم بصناعة ثورة في حياتنا، وليس فقط حياتنا فيزيائياً ولكن ذواتنا الداخلية كذلك. لكنني لا أؤمن بهذه الفكرة مطلقاً لسبب واحد بسيط، هو أننا لدينا أجسادٌ تمرض وتموت وتحب وتعاني وتحزن وتغضب كذلك. هناك ثوابت في حياة الإنسان البشري سواء عشت في روما القديمة أو أميركا المعاصرة، فلا أعتقد بأن الناس تغيرت بسبب غزو التليغراف أو الراديو أو الهواتف النقالة أو بسبب الطيارات أو حتى بسبب أجهزة الكومبيوتر هذه.

سبع أو ثمان سنوات مضت، تمت دعوتي إلى إسرائيل من قبل مؤسسة القدس، فأقمت هناك في مكان للفنانين يدعى “Mishchanot” مكان رائع حقيقة كان عمري وقتها خمسون عاماً ولم يسبق لي أن زرت إسرائيل من قبل، كنت يهودياً قاوم هذه الفكرة طوال حياته، فقط كنت أنتظر اللحظة المناسبة، فعندما وصلتني الرسالة من (تيدي كولك) التي تنص على أنهم يودون دعوتي للإقامة لثلاثة الى أربعة أسابيع في المبنى وكتابة أو عمل أي شيء آخر أود فعله، فشعرت بأنها اللحظة الحاسمة والمناسبة للذهاب، فذهبت بمرافقة زوجتي سيري وابنتي (صوفي). قمنا بعمل جولة في الأنحاء، كما زرنا بلدة قمران حيث تم اكتشاف مخطوطات البحر الميت، كان هناك أيضاً متحف استثنائي يحوي العديد من المخطوطات والآثار التي تم جمعها من الكهوف والمواقع الأثرية، هذه الآثار كانت مذهلة حقاً فهناك تلك الصحون التي قد تجدها اليوم في المتاجر وتستطيع شراءها، بنفس الطبعات والتصميم، أو السلال التي قد يحملها أي فرنسي أو إيطالي للذهاب إلى السوق. اليوم! فاجأني هذا الوحي، عن أنه كيف لحضارات الإنسان أن تتشابه هذا التشابه الإستثنائي وعبر عصور، لذا أشعر بأننا نستطيع أن نقرأ (هوميروس) و(سفوكليس) و(شكسبير) وكأننا نقرأ عن أنفسنا وحياتنا.

لقد قضيت مقتبل العشرينات من عمري في منطقة الخليج، في الثمانينات من القرن الماضي، وشهدت هذا الإنفجار الإستثنائي للإيدولوجيات الحوسبة، وميلاد المجلات الإلكترونية وكل مافي هذا السياق. كان هناك خوض مريع في فكرة أن حياة البشر لن تبقى على نفس الوتيرة طالما وجد هذا العالم الإفتراضي، فعلى سبيل المثال، لو قمت بقراءة سيرة المنظر السينمائي الروسي (دجيقا فيرتوف)، قبل مئة سنة عندما كان يؤسس نفس متطلبات الأفلام اليوم، ولو بحثت لعقد أو أكثر ستجد نفس الأمر ينطبق على ظهور الراديو أيضاً.  

يبدو الأمر ثورياً إذن. العالم الآن في تباعد فظيع، لكنه أصبح على اتصال ببعضه مع ظهور هذه التكنولوجيا، ولكن هذا لا ينفي وجود المخاطر بوجودها، فأبناؤنا المراهقون اليوم يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات والعالم الإفتراضي هذا، ولا يعيشون حياتهم ويستمتعون بزهرة العمر، ولكن حين يكبرون وتصدمهم الحياة من حولهم سيدخلون غمار الحياة بجانبنا تماماً.

الجميل في الأمر بأن هذا العالم الإفتراضي يحتوي على الكثير من الكتابة. حيث أننا كنا نمارس نشاط الكتابة والقراءة بحد ذاتهما، حتى ظهر هذا النشاط الذي تم تصنيفه قراءة وكتابة كوضعٍ بديلٍ تماماً، صارعلى هيأة مراسلات يومية.

بالضبط! هذا يعود بنا إلى السؤال عن الخيال الروائي، عبر الأجيال صار الناس يتنبؤون بموت الرواية، على الرغم من أنني أؤمن بأن القصص المكتوبة ستواصل النهوض والمقاومة، لأنها تُجيب على كل مايحتاجه العقل البشري. من جانبي أعتقد بأن الأفلام قد تختفي قبل الرواية، لأن الرواية هي المكان الوحيد الذي يجمع بين غريبين بمحض الصدفة، بحيث أن القارئ والكاتب هما من يصنع الرواية سويةً، لأنك كقارئ ستقتحم الوعي الباطن لشخص آخر ستعوم أغوار دواخله وستقوم باكتشاف أشياء قد تكون وجدت داخلك أنت، وهذا بدوره سيمدك بالحياة أكثر.

يعجبني حرصك على تخصيص التجربة، بغض النظر عن تضخم الرواية، القراءة بحد ذاتها تجعلك تحدد استحالة شمولية التجربة وتشابهها من شخص لآخر. القراءة سلوك حميمي ونشوة مفروضة.

للرواية قارئ وحيد، هو ذاته من يحقق ذلك. شخص واحد في كل مرة يشارك الكاتب هذه الحميمية.

Continue Reading →