أرشيف الوسم: كوتزي

رسائل أوستر وكوتزي عن الصداقة

بول أوستر، كاتب وروائي أمريكي، من مواليد 1947، تمزج كتاباته بين الوجودية، وأدب الجرائم، والبحث عن الهوية في أعمال مثل؛ (ثلاثية نيويورك) و(كتاب الأوهام) و(حماقات بروكلين). تُرجمت كتبه إلى حوالي أربعين لغة. أما جيه. إم. كوتزي، فمن مواليد 1940، كاتب وروائي ومترجم، من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل في الآداب لعام 2003. من أعماله؛ (عصر الحديد) و(العار) و(العدو) و(إليزابيث كوستلو).

في كتاب (هنا والآن)، نُشرت عدد من الكلمات التي تراسلها الكاتبان على مدار أربع سنوات، تحديدًا من 2008 وحتى 2011. ابتدأ الكتاب برسالة من (كوتزي) يحكي فيها عن الصداقة، فيقول:

14 و15 يوليو 2008

عزيزي بول،

أفكر منذ فترة في الصداقات، كيف تنشأ، وكيف تدوم -أو يدوم بعضها- لفترات طوال، تتجاوز حتى علاقات الارتباط الغرامي التي أحيانًا ما نفترض -مخطئين- أن الصداقات نسخ باهتة منها. لقد كنت أوشك أن أكتب لك رسالة عن كل هذا، تبدأ بملاحظة أنه من المدهش أن ما كُتب في الصداقة قليل، في ضوء أهميتها في الحياة الاجتماعية، ومدى ما تعنيه لنا، لا سيَّما في الطفولة.775dd30cc09342f5b09e6fd35acaf8fb

لولا أني سألت نفسي إن كان ذلك صحيحًا. فمضيت إلى المكتبة لأتحقق بسرعة من الأمر، قبل أن أجلس للكتابة إليك. ويا إلهي، كم كنت مخطئًا. لقد وجدت سجلّ المكتبة يحتوي كتبًا بأكملها في الموضوع، عشرات الكتب، والكثير منها حديث. ولكنني حينما مضيت خطوة أبعد، فألقيت نظرة حقيقية على هذه الكتب، استرددت بعضًا من احترامي لنفسي. لقد كنت محقًا، أو شبه محق، فما تقوله هذه الكتب في الصداقة لا يكاد يثير الاهتمام، أو هذا حال أغلبها. إذ تبقى الصداقة لغزًا في ما يبدو؛ صحيح أننا نعرف أن الصداقة مهمة، لكن لماذا يصبح الناس أصدقاء ويبقون كذلك؟ هذا ما لا نملك إزاءه إلا التخمين.

ما الذي أعنيه حينما أقول إن المكتوب في هذا الموضوع لا يكاد يثير الاهتمام؟ قارن الصداقة بالحب. هناك مئات الأشياء المثيرة للاهتمام التي يمكن أن تقال في الحب. على سبيل المثال: يقع الرجال في غرام النساء اللاتي يذكّرنهم بأمهاتهم، أو بدلًا من ذلك، يذكّرنهم ولا يذكرنهم بأمهاتهم، اللاتي هن أمهات لهم ولسن أمهات لهم في الوقت نفسه. صحيح؟ ربما، وربما لا. مثير للاهتمام؟ قطعًا. والآن تعال إلى الصداقة. من الذين يتخذهم الرجال أصدقاء؟ رجال آخرون لهم تقريبًا مثل أعمارهم، ومثل اهتماماتهم، بالكتب مثلًا. صحيح؟ ربما. مثير للاهتمام؟ بالقطع لا.

دعني أسرد لك بعض ملاحظات عن الصداقة، جمعتها من زيارتي للمكتبة، وأراها مثيرة للاهتمام.

(1) لا يستطيع أحد أن يصادق شيئًا جامدًا، في ما يرى (أرسطو)، (الأخلاق، الفصل الثامن). بالطبع لا! من قال من قبل إن هذا ممكن؟ لكنه يبقى مثيرًا للاهتمام؛ فبغتة يرى المرء مصدر إلهام الفلسفة اللغوية الحديثة. إذ كان (أرسطو) قبل ألفين وأربعمئة سنة يبيّن أن ما يبدو من قبيل المسلّمات الفلسفية قد لا يزيد عن بعض قواعد النحو. ففي جملة “أنا صديق س” يقول (أرسطو) إن “س” لابد أن يكون اسمًا لكائن حي.

(2) قد يكون للمرء أصدقاء دون أن يرغب في رؤيتهم، كما يقول (تشارلز لام). صحيح، ومثير للاهتمام أيضًا، وهذا وجه آخر من أوجه اختلاف مشاعر الصداقة عن الارتباط الإيروتيكي.

(3) الأصدقاء، الذكور منهم في الغرب على الأقل، لا يتكلمون عن إحساسهم تجاه بعضهم بعضًا. قارن ذلك بثرثرة المحبين. وحتى هذا، ليس مثيرًا للغاية. لكن عندما يموت الصديق، ينصبّ الحزن: “أواه، فات الأوان”. سؤال: هل الحب ثرثار لأن الرغبة بطبيعتها تنطوي على مشاعر متضاربة، بينما الصداقة قليلة الكلام لأنها خالية من المشاعر المتضاربة؟

(4) ملاحظة لـ(كريستوفر تيتجنز) من (نهاية المسيرة) لـ(فورد مادوكس فورد)؛ وهي أن المرء يمضي بامرأة إلى سريره ليتسنّى له أن يتكلم معها. والمغزى: أن تحويل المرأة إلى عشيقة ليس إلا خطوة أولى، الخطوة الثانية، أي تحويلها إلى صديقة، هي المهمة، ولكن مصادقتك لامرأة لم تنم معها مسألة مستحيلة، إذ يبقى الكثير عالقًا في الأجواء.

لو صحّ بالفعل أنه من الصعب قول أي شيء مثير للاهتمام في الصداقة، فبالإمكان المضي إلى نظرة أبعد: فنقول إن باطن الصداقة يتفق وظاهرها، خلافًا للحب أو السياسة اللذين لا يتفق باطنهما مطلقًا مع ظاهرهما، أي أن الصداقة شفافة.

أكثر التأملات إثارة للاهتمام في موضوع الصداقة هو الذي يأتينا من العالم القديم. لماذا؟ لأن أناس العصور القديمة كانوا لا يرون أن الموقف الفلسفي في صلبه هو موقف تشكك، ومن ثم كانوا لا يرون أن من جملة البديهيات أن باطن الصداقة لا بد أن يكون شيئًا آخرًا غير ظاهرها، أو يخلصون -في المقابل- إلى أن الصداقة هي ظاهرها ومن ثم فلا يمكن أن تصلح موضوعًا للفلسفة.

أطيب التمنيات،

جون.

وكان رد (أوستر) على الرسالة السابقة كالآتي:

29 يوليو 2008

عزيزي جون،

هذا سؤال أطلت التفكير فيه على مدار السنين. قد لا أقول إنني انتهيت في الصداقة إلى موقف متماسك، ولكنني ردًا على رسالتك، التي أثارت بداخلي زوبعة من الأفكار والذكريات، أظن أن اللحظة المناسبة لذلك قد حانت.

بادئ ذي بدء، سأحصر نفسي في حدود الصداقات الذكورية، أعني صداقات الرجال، صداقات الأولاد.

(1) نعم، هناك صداقات شفافة وخالية من المشاعر المتضاربة -بتعبيرك-، ولكنها ليست كثيرة، في ضوء تجربتي. ولعل لهذا علاقة بمصطلح آخر من مصطلحاتك: قلة الكلام. إنك تصيب إذ تقول إن الصداقات الذكورية -لا سيما في الغرب- تنزع إلى قلة الكلام، فلا يتكلم الصديق مع صديقه عمّا “يشعران به تجاه أحدهما الآخر”، وسأمضي بهذا خطوة أبعد فأقول إن الرجال لا يميلون إلى الكلام عن مشاعرهم، ولا أزيد.

ولو أنك لا تعرف كيف هو شعور صديقك، أو ما شعوره، أو سبب شعوره، فكيف بصدق تقول إنه صديقك؟ ومع ذلك تدوم الصداقات، ولعقود كثيرة في الغالب، في هذه المنطقة الغامضة من عدم المعرفة.

[…]بول أوستر

موجة مُخيّة مباغتة: أفضل الصداقات وأبقاها ما يقوم على الإعجاب. هذه هي صخرة الشعور التي تربط بين اثنين على المدى البعيد. أن يعجبك شخص لما يفعله، لما هو إياه، لكيفية اجتيازه سبيله في الحياة. إعجابك به يعلي من شأنه في نظرك، يضفي عليه نبلًا، وسموًا إلى مقام تحسب أنه أعلى من مقامك أنت. ويعجب بك هذا الشخص أيضًا، فيعليك هذا عنده، ويضفي عليك نبلًا، وسموًا إلى مقام هو عنده يفوق مقام نفسه، ثم إذا بكما في موقف من المساواة التامة. وإذا بكل منكما يعطي أكثر مما يأخذ، وفي ظل هذا التبادل، تزدهر الصداقة. يقول الكاتب الفرنسي (جوبير) في (الدفاتر) 1809: “على المرء أن لا ينمّي أصدقاءه فحسب، بل والصداقات في نفسه. لا بد من صيانتها، ورعايتها، وريّها”. و(جوبير) أيضًا يقول: “إننا دائمًا ما نفقد صداقة من نفقد احترامنا لهم”.

(2) الأولاد. الصداقة أشد مراحل حياتنا توترًا، لأن كل ما نفعله فيها إنما نفعله للمرة الأولى. وليس هنا ما أقدمه غير الذاكرة، ولكن الذاكرة تُبرز -في ما يبدو- القيمة المطلقة التي نوزعها للصداقة في صغرنا، بل في صغرنا البالغ. […] أنت تميز في رسالتك بين الصداقة والحب. ولكن في صغرنا، قبل أن تبدأ حياتنا الإيروتيكية، لا يكون ثمة فارق. تكون الصداقة والحب شيئًا واحدًا.

(3) ليست الصداقة والحب شيئًا واحدًا. الرجال والنساء. الفرق بين الزواج والصداقة، ومقتطف آخر من (جوبير) 1801: “لا تتخيّر زوجة إلا امرأة لو كانت رجلًا لاتخذتها صديقًا”، صيغة أخرى عبثية في تصوري، إذ كيف لامرأة أن تكون رجلًا، ولكن الفكرة تصل على أية حال، وهي جوهريًا غير بعيدة عن ملاحظة (فورد مادوكس) في (نهاية الموكب) وتأكيده الظريف النزق على أن “المرء يصطحب المرأة إلى السرير كي يتسنى له الكلام معها”.

الزواج في المقام الأول حوار. وإذا لم يعرف زوج وزوجة كيف يكونان صديقين، فليس للزواج إلا فرصة ضئيلة للبقاء. الصداقة من مكوّنات الزواج، ولكن الزواج مهمة في طور التنفيذ طوال الوقت، دائم التطور، مسعى لبلوغ المرء أعماق نفسه وإعادته اختراع ذاته في علاقته بالآخر، بينما الصداقة نقية، أعني الصداقة بعيدًا عن الزواج، تميل إلى أن تكون أكثر ثباتًا، وتهذيبًا، وسطحية. ونحن نتوق إلى الصداقة لأننا كائنات اجتماعية، وُلدنا من كائنات ومقدور لنا أن نعيش وسط كائنات إلى يوم أن نموت، ومع ذلك تأمّل الشجارات التي تقع في أفضل الزيجات، الخلافات المحتدمة، الإهانات الملتهبة، الأبواب المصفوقة والأطباق المتهشمة، فكّر في ذلك وسوف ترى على الفور أن أمثال هذه السلوكيات لا يمكن أن تكون مقبولة في غرف الصداقة الرزينة. الصداقة احترام، وطيبة، وثبات شعوري. والأصدقاء الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض نادرًا ما يبقون أصدقاء. في حين أن الأزواج والزوجات الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض غالبًا ما يستمرون في زيجاتهم، بل وتستمر زيجاتهم هذه في سعادة.

هل يمكن أن تقوم صداقات بين الرجال والنساء؟ أعتقد أنه ممكن. ما لم يكن ثمة انجذاب جسدي. ولا يكاد الجنس يدخل المعادلة، حتى يتوقف قبول الرهانات.

[…]

مع أدفأ الأفكار من نيويورك الساخنة،

بول.

رسائل (أوستر) و(كوتزي) عن الرياضة

بول أوستر، كاتب وروائي أمريكي، من مواليد 1947، تمزج كتاباته بين الوجودية، وأدب الجرائم، والبحث عن الهوية في أعمال مثل؛ (ثلاثية نيويورك) و(كتاب الأوهام) و(حماقات بروكلين). تُرجمت كتبه إلى حوالي أربعين لغة. أما جيه. إم. كوتزي، فمن مواليد 1940، كاتب وروائي ومترجم، من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل في الآداب لعام 2003. من أعماله؛ (عصر الحديد) و(العار) و(العدو) و(إليزابيث كوستلو).

في كتاب (هنا والآن)، نُشرت عدد من الكلمات التي تراسلها الكاتبان على مدار أربع سنوات، تحديدًا من 2008 وحتى 2011. وقد وردت رسالة من (كوتزي) يشتكي فيها تضييع أوقاته في مشاهدة الألعاب الرياضية، فقال:

30 ديسمبر 2008

عزيزي بول،

[…]

الصيف في ذروته في هذا النصف من الكوكب، وقد قضيت أغلب يوم الأحد جالسًا أمام شاشة التلفزيون، أشاهد ثالث يوم في مباراة الكريكت خماسية الأيام بين منتخبي أستراليا وجنوب إفريقيا الوطنيين. استلبتني تمامًا، انغمست فيها عاطفيًا، فما عدت أقدر على انتزاع نفسي إلا بشق الأنفس. وكنت لكي أشاهد المباراة قد أزحت الكتابين أو الثلاثة التي كنت أقرأ فيها.

الكريكت تلعب منذ قرون. ومثل جميع الألعاب، هناك الكثير جدًا من الحركات التي يمكنك أن تقوم بها، كثير جدًا من التأثيرات التي يمكنك أن تحدثها. محتمل جدًا أن لا تكون مبارة الثامن والعشرين من ديسمبر في ملبورن بجميع تفاصيلها إلا صورة طبق الأصل من كل ناحية ذات شأن لجميع تفاصيل مباراة كريكت في مكان أخر. لا بد أن كل متابع جاد لا يبلغ الثلاثين من عمره إلا وقد مر بلحظات (ديجافو)، بل لعل الأمر يتجاوز اللحظات إلى الفترات الكاملة. وإذن فثمة مبرر قوي للقول بأن كل شيء قد حدث من قبل. في حين أن هناك شيئًا واحدًا يمكنك قوله في حق كتاب جيد، وهو أنه لم يُكتب من قبل.

ما الذي يجعلني إذن أضيع وقتي مرميًا أمام شاشة التلفزيون أشاهد الصغار يلعبون؟ إنني أقر بأنها مضيعة للوقت. صحيح أنني أجني خبرة، ولكنني لا أجد في هذه الخبرة نفعًا من أي نوع كان. أنا لا أتعلم شيئًا. لا أخرج بأي شيء.

هل أيٌّ من هذا مألوف لديك؟ هل يمس فيك وترًا تعرفه؟ هل الرياضة ببساطة كالخطيئة؛ يستهجنها المرء لكنه يتوق إليها بدافع من ضعفه البشري؟

صديقك إلى الأبد،

جون

فكان رد (أوستر) المطوّل بعد ذلك:

10 جون 2009

عزيزي جون،

[…]

أتفق معك أنه نشاط تافه، مضيعة حقيقية للوقت. ومع ذلك ما أكثر الساعات التي ضيَّعتها من حياتي بهذه الطريقة على وجه التحديد، وكم من أصائل بددتها كما فعلتها أنت في الثامن والعشرين من ديسمبر. الحسبة كلها لا بد أن تكون صادمة، ومجرد التفكير فيها يملؤني بالخجل.

تتكلم مازحًا عن الخطيئة، لكن ربما المصطلح الحقيقي هو “المتعة المصحوبة بإحساس بالذنب” أو ربما “المتعة” وحسب. في حالتي أنا، الرياضات التي أهتم بها هي تلك التي كنت ألعبها بانتظام في صباي. يجد الواحد نفسه فاهمًا اللعبة فهمًا حميمًا، ومن ثم يكون قادرًا على تقييم براعة المحترفين ومهاراتهم المدوِّخة في كثير من الأحيان. لا أبالي مطلقًا بهوكي الجليد على سبيل المثال لأنني لم ألعبه قط ولا أفهمه حقًا. وفي حالتي أيضًا، أميل إلى التركيز على فرق معينة ومتابعتها. وانغماس المرء في المشاهدة يزداد عمقًا حينما يكون اللاعبون مألوفين له فردًا فردًا، فكلُّ منهم شيء معلوم، وهذه الألفة تزيد المرء قدرة على احتمال الملل، في كل تلك اللحظات السقيمة التي لا يحدث فيها أي شيء من أي نوع.

لا شك أن في الرياضة مكوّنًا سرديًا قويًا. نحن نتابع التفافات الصراع وانعطافاته لنعرف النتيجة النهائية. لكن لا، ليست بالضبط كقراءة كتاب -على الأقل ليست كالكتب التي نكتبها أنت وأنا-. لكنها قد تكون على علاقة وثيقة ببعض أنواع الأدب. فكِّر مثلًا في روايات الإثارة، والروايات البوليسية، التي تبقى دائمًا نفس الكتب، تتكرر بلا نهاية، آلاف التنويعات البسيطة على نفس القصة، ومع ذلك تجد الجمهور جائعًا إلى هذه الروايات جوعًا رهيبًا. وكأنما كل واحدة هي أداء جديد لطقس ما.بول أوستر

نعم، الجانب السردي هو الذي يبقينا حتى اللعبة الأخيرة، حتى دقة الساعة الأخيرة، ولكنني بصفة عامة أميل إلى أن أنظر للرياضة بوصفها نوعًا من الفن الأدائي. أنت تشكو من إحساس الديجافو في كثير من الألعاب والمباريات. لكن ألا يحدث لك مثل هذا عندما تذهب إلى حفل سوناتا البيانو المفضلة لديك من أعمال (بيتهوفن)؟ أنت تعرف المقطوعة عن ظهر قلب ولكنك تريد أن تسمع كيف يكون تفسيرها لدى عازف البيانو هذا بالذات. فهناك عازفو بيانو مشَّاؤون، وهناك عداؤون، ثم يأتي من يجعلك تحبس أنفاسك.

لا أعتقد أن حفلين موسيقيين تشابها يومًا تمام التشابه، في كل حركة. ربما. ندف الثلج جميعها تبدو متشابهة، ولكن الحكمة السائرة تذهب إلى أن لكل منها فرادتها. أكثر من ستة بلايين إنسان يسكنون هذا الكوكب، ويفترض أن بصمة أصابع كل واحد منهم تختلف عن أي شخص سواه. وفي مئات مباريات البيسبول التي شاهدتها -وربما الآلاف- هناك في كل مباراة تفصيلة صغيرة أو حدث لم يمر بي من قبل في أي مباراة أخرى.

الجديد فيه متعة، والمعروف أيضًا فيه متعة. متعة تناول طعام يعرفه المرء، متعة الجنس. مهما تكن غرابة الحياة الإيروتيكية للواحد منا، الأورجازم أورجازم، ونحن ننتظره بمتعة منبعها المتعة التي عرفناها فيه والتي منحها لنا في الماضي.

ومع ذلك، يظل المرء يشعر بالغباء بعد أن ينفق يومًا كاملًا  أمام التلفزيون يشاهد الصغار يتدافعون بأجسادهم. الكتب الموضوعة على المنضدة لم تُقرأ بعد. لا تعرف في أي شيء مضت الساعات، والأسوأ، أن فريقه خسر. لذلك أقول لك من باريس، وأنا عارف أن عمالقة كرة القدم في نيويورك سوف يلعبون غدًا مباراة مهمة وحاسمة ضد فريق قوي من فيلاديلفيا، أنني لن أتمكن من المشاهدة، وهذا يملؤني بالندم.

مع سلام هائل لك عابر للمحيطات والقارات،

بول.

وعلى ذلك رد (كوتزي) برسالته القصيرة:

6 أبريل 2009

عزيزي بول،

[…]

لا أحب من الرياضات ما تحمل نفسها على محاكاة الحرب، فيكون المهم فيها الفوز، ويكون الفوز فيها مسألة حياة أو موت، تلك الرياضات التي تخلو من الجمال، مثلما تخلو الحرب من الجمال. وفي أعماق عقلي، رؤية مثالية -لعلها ملفقة- لليابان، حيث شخص يحجم عن إلحاق الهزيمة بخصمه لأن ثمة عارًا في الهزيمة وعارًا في إلحاق الهزيمة.

أفضل الأمنيات،

جون.

وكان رد (أوستر):

8 أبريل 2009

عزيزي جون،

[…]

عندما اتستخدمت عبارة “لذة المنافسة”، أظن أنني كنت أشير إلى إحساس الانطلاق الذي ينتابك عندما تمنح نفسك كاملةً للعبة، والنفع الذي يجنيه الجسم والعقل من جراء التركيز المطلق في مهمة معينة في لحظة معينة، إحساسك بأنك “خارج نفسك”، وتخفِّفك مؤقتًا من عبء وعيك بذاتك. الفوز والخسارة لازمان لكنهما عاملان مؤثران ثانويان، ما هما غير مبرر لكي يبذل المرء أقصى جهده في إجادة اللعب، لأنه بغير بذل أقصى الجهد، لا يمكن نيل اللذة الحقيقية.

[…]

أريد من هذا أن أقول إنني معك. ليست الفكرة في الفوز، بل في الأداء، أدائك أقصى ما في وسعك. […] وإذن، لذة المنافسة تبلغ ذروتها عندما يتساوى الخصمان.

مع أفضل الأفكار،

بول.

فقال (كوتزي) في رسالة أخيرة:

19 يوليو 2010

عزيزي بول،

[…]

في الرياضة فائزون وخاسرون، لكن ما لا يبالي أحد بقوله هو أن الخاسرين أكثر بكثير من الفائزين. في بطولة فرنسا التي تجري منافساتها بينما أكتب إليك، بدأت المنافسة بحوالي مئتين، من بينهم واحد فقط سيكون الفائز، ومئة وتسعة وتسعون هم المهزومون، بمعنى أنه مهما تكن القصص التي سيعزّون أنفسهم بها هم مهزومون.

الرياضة تعلمنا عن الخسارة أكثر بكثير مما تعلمنا عن الفوز، وذلك ببساطة لأن كثيرين للغاية من بيننا لا يفوزون. وأهم ما تعلمه هو أنه لا بأس بالهزيمة. الهزيمة ليست أسوأ ما في العالم، ففي الرياضة، خلافًا للحرب، لا ينحر الفائز عنق المهزوم.775dd30cc09342f5b09e6fd35acaf8fb

تأمل تلك اللحظة بالغة الإثارة في حياة الصبي الصغير حينما يشارك في لعبة يتظاهر فيها الكبار أو الصبية الأكبر سنًا أنهم ينهزمون أمامه فيفوز طوال الوقت ويشعر كما لو أنه ملك صغير، وينتقل إلى الرياضة الحقيقية التي إذا لم تضرب الكرة فلا مكان لك في اللعبة، والتي تتنازل فيها عن المضرب لمن هو خير منك وتتقاعد أنت دونما مجد. تلك تكون صدمة للنظام النفسي لدى الصبي الصغير. تنتابه رغبة في الصراخ والغضب، وتجريب كل الحيل النافعة على أبويه. يريد أن يخضع الواقع لذاته. فلا يصل به كل ذلك إلى شيء. يقال له فقط: “امسح مخاطك يا ولد”. ويُقال أيضًا: “امسح مخاطك يا ولد، واستعد لجولة أخرى”.

لأن ذلك هو درس الرياضة العظيم: أنك تخسر أغلب الوقت، لكن ما دمت في اللعبة فثمة دائمًا غد، وفرصة لاسترداد نفسك.

في هذه المدرسة العظيمة المخصصة لتعلم الخسارة، لا يطردونك ما لم ترفض تقبل الخسارة، ما لم ترفض قرار المباراة وتتقاعد إلى عزلة جليلة.

[…]

مع أفضل أمنياتي،

جون.