أرشيف الوسم: كيركيغارد

المثالية وأوهام الحب والسعادة لدى كيركيغارد

“إننا نصف أيقاظ مقارنةً بما يجب أن نكون عليه”، كما كتب (ويليام جيمس) في مفكرته (كيف نكون أشخاص إسثنائيين.)، “إننا  نستخدم جزءًا صغيرًا من مواردنا العقلية والبدنية الممكنة“. قبل قرن ونصف وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، جابه رائد من رواد العقول البشرية النيرة (سورين كيركيجارد) صراعاً مع المشكلة الأزلية المتمثلة في استغلال هذه  الموارد كاملة في تحقيق المثل العليا للفرد.

كتب (سورين كيركيجارد) في مذكرته والتي نشرت لاحقًا بإسم (مذكرات سورين كيركيجارد)، والتي فسر فيها الفيلسوف الدنماركي العظيم سبب كراهية الأعداء وهيمنة الأقليات وعن الخلاص من مرارة الألم الملازمة للإبداع. إذ يعتبر كيركيجارد أن العظمة متجسدة في الأفكار الموازية للطموح والتواضع.

وفي مدخل مقاله (يوميات نوفمبر 1846) كتب مايلي:

أدركت أكثر وأكثر أنني جُبلت لدرجة أنني لن أنجح في تحقيق مُثُلِي العليا، ومن منظور آخر، وتحديداً من منظورٍ إنساني، فإنني سأتخطى

الكثير من مثلي العليا. في حين يهدف معظم الناس عادة إلى تحقيق ُمثُل عليا، إسثنائية وعظيمة لن يبلغوها أبدًا. إذ أنني أشعر بالأسى والحزن الشديد لأن مُثُلي لم تشبعني يوماً. وإنني متأكد من أن الآخرين سيسخرون من مُثُلي تلك. لقد كان أسماها الزواج وتكريس حياتي لها.

وهأنذا، بعدما يئست من بلوغ هذا الهدف وصرت وحيدًا، وصرت مؤلفًا أيضًا، ومن يدري لربما أصير مؤلفًا مرموقًا.

لقد كنت قانعاً بإعتباري نصف مجنون، رغم أن هذا ليس سوى قالب سلبي بإعتباري جزءاً خارجاً عن المألوف، وقد يظل هذا القالب الأساسي يلازمني وبذلك لن أحقق شيئاً لكوني جزءًا ساكنًا وصغير جدًا.

إن ما جعل (كيركيجارد) استثنائيًا، على الرغم من رفضه لهذه الفكرة، هو قدرته على تحويل هذه الاستقلالية إلى قوة إحياء ومنح كلتا اعبائه؛ مثاليته الجامحة، وحزنه القاتل، بالمضي معه قدمًا وباتزان.

في مقال آخر بعنوان “كيف فهمت نشاطي ككاتب“، جسد (كيركيجارد) هذه الحالة بشكل جميل بوصفه:

لقد تصورت نفسي معتزمًا بالدفاع عما هو معتاد، في زمنٍ كهلٍ ومخيبٍ للآمال، وجعل إدراك هذا شيئًا مرغوبًا ومتاحًا لأخوتي في البشرية، ولأن الزمن قد يضلهم بالسعي وراء الأشياء النادرة والإستثنائية. فإنني فهمت أن مهمتي هي أن أكون هذا الشخص التعيس الذي لم يستطع إسعاد نفسه، والذي يحب جميع البشر ويرغب بمساعدتهم على وجه التحديد في تحقيق السعادة.

ويحذر (كيركيجارد) من جعل الجهد المبذول في إسعاد الآخرين مجرد وسيلةً لإرضاء الذات النرجسية:

لقد كنت شديد الحذر من أن تدنس جهودي بالغرور الساعي إلى تحقيق الذات. لقد خدمت الفكر والحقيقةر.. خدمت الحقيقة قبل كل شيء، فلم ابتغِ منها أي مقاصد علمانية أو دنيوية. لذا عملت بما أملاه علي ضميري.

في سيرته الذاتية بعنوان (مسار حياتي) الذي نشر عام 1852، كتب (كيركيجارد):

المثل الفضلى ليست بالفهم فحسب بل بالعمل، وتتضمن هذه تحمل جميع الأعباء المنطوية عليها.


[المصدر]

كيركيغارد، في المصدر الأكبر لانعدام السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كتبت (آني ديلارد) متأملةً في لماذا يهم التواجد في اللحظة الحالية أكثر من الإنتاجية فيها “إن الطريقة التي نمضي بها أيامنا هي بالتأكيد الطريقة التي نقضي بها حياتنا”. كما يؤكد (هنري ميلر) في تأمله المذهل في فن الحياة قائلًا: “يعتمد فشل أو إثمار لحظةٍ ما على الكيفية التي يضع الشخص نفسه فيها.” ولكننا مازلنا نقضي حياتنا هروبًا من اللحظة الحالية، نشغل أنفسنا باستمرار في المبالغة في التخطيط للمستقبل أو في نوبات من القلق خوفًا من عدم استقراره، وهكذا نسلب من أنفسنا الحياة باستمرار.

استعرض المفكر الدنماركي المؤثر سورن كيركيغارد -والذي يعد أول فيلسوف وجودي فعلي، (1813-1843) في فصل من فصول مجموع أطروحاته الهامة 1843: (إما أو: نبذة عن الحياة)، استعرض بدقة كيف يمكن لهروبنا المتكرر من الواقع أن يكون المصدر الأكبر لتعاستنا. (كيركغارد) -البالغ من العمر ثلاثون عامًا حينها- بدأ في مراقبة الجدول الزمني لليوم وسط ثقافة “الانشغال كوسام شرف”:

من بين كل الأشياء التافهة، الأمر الأشد تفاهة بالنسبة لي أن تكون منشغلًا. أن يكون الرجل مستعجلًا فيما يتعلق بطعامه وعمله.

لابد أن نتذكر هنا أنّ “الانشغال هو قرار” نتخذه بشكل متكرر، ودائمًا ما نضر أنفسنا به.

في الفصل الأخير والذي بعنوان “الإنسان غير السعيد” عاد إلى الموضوع من خلال بُعد أعمق:

الشخص غير السعيد هو الشخص الذي لديه مثاليته الخاصة وجوهر لحياته تشبّع وعيه بهما، جوهر وجوده حيًّا وبطريقة ما خارج نفسه. الشخص غير السعيد هو غائب عن نفسه دائمًا، غير متواجد فيها. لكن بالطبع يمكن للشخص أن يكون غائبًا إما في الماضي أو المستقبل. وهذا يحدد بشكل كافي منطقة السعادة في الوعي.

يعتقد أن طريقة بناء اللغة تخلّد ملَينا للغياب:

الشخص غير السعيد غائب. لكن لا يمكن أن يكون الشخص غائبًا إلا عندما يعيش في الماضي أو المستقبل. أسلوب التعبير مهم -كدليل- فكما يعملنا علم اللغة التاريخي المقارن أن هنالك زمن يعبر عن التواجد في الماضي وزمن آخر يعبر عن التواجد في المستقبل، إلا أنه يعلمنا أيضًا أن هناك زمن الماضي التام والذي لا يمكن التواجد فيه، كما أن هناك المستقبل التام مثله في الصفات. تلك هي أمل الأشخاص وذكرياتهم. طالما هناك إما أمل فقط أو ذاكرة فقط، فإنها بالتأكيد بشكلٍ ما تجعل الأشخاص غير سعداء. ولو نظرنا للعكس سيكون الشخص السعيد هو الشخص الحاضر في اللحظة. على كل حال، لا يمكن قطعًا لشخصٍ ما أن يطلق على آخر أنه غير سعيد إذا كان هذا الشخص حاضرًا في آماله أو في ذاكرته. ما يجب علينا إدراكه هو أن هذا الشخص ما يزال متواجدًا بنفسه في إحدى هذه الحالات. مما يمكننا أن نرى في صدمة واحدة، هي أن تكون ثقيلةً جدًا لايمكنها أن يجعل شخصًا ما غير سعيد على الإطلاق. إحدى هذه الصدمات قد تجعل الشخص إما أن يفقد الأمل ويتخلى عن ذاكرته، أو أن يفقد ذكرياته ويتخلى عن أمله.

يكمل كيركيغارد مستعرضًا هذان المفتاحان لأشكال الهروب من الواقع، عبر الطموح أو عبر الذاكرة:

لننظر أولًا للأشخاص الذين يلجأون للأمل. عندما يكون شخص متعلق بالأمل (وبالتأكيد غير سعيد) غير متواجد في اللحظة يصبح غير سعيد بشكل أكثر حدة. بالنسبة للأشخاص الذين يأملون بحياة أبدية، بالطبع هم بشكلٍ ما غير سعداء للحد الذي يجعلهم يتخلون عن اللحظة الحالية. لكن مع ذلك، هم ليسوا غير سعداء تمامًا لأنهم حاضرون في ذواتهم عبر الأمل والذي لا يتعارض مع لحظةٍ ما محدودة. لكن عندما لا يصبح الشخص متواجدًا في الأمل، كونه قد فقده، ثم يعود للأمل مجددًا وهكذا، عندها يصبح الشخص غائبًا عن ذاته ليس فقط في اللحظة الحالية، بل حتى في المستقبل وهكذا يصبح لدينا نموذج الشخص غير السعيد. على أية حال، فإن الأشخاص أصحاب الأمل لا يأملون بأشياء غير واقعية بالنسبة لهم، بل هم يأملون بأشياء يعرفون بأنها لا يمكن استيعابها. عندما يفقد الشخص الأمل وبدلًا من أن يكون غارقًا في الذاكرة يصرّ على البقاء في الأمل في هذه الحالة يصبح لدينا هذا النوع.

وبالمثل يكون الأشخاص أصحاب الذاكرة. عندما يجد نفسه حاضرًا في الماضي، ليس بالضرورة أن يكون غير سعيد، لكن إذا لم يستطع فعل هذا الأمر وبقي غائبًا عن نفسه في الماضي عندها يصبح لدينا هذا النوع من عدم السعادة.

إن الذاكرة هي بدون شك هي العنصر الفعلي لعدم السعادة، كما ترى الطبيعة الماضي بأنه يعبر عمّا ولّى، والمستقبل ما سيأتي ولذا يمكن القول بأن المستقبل بشكلٍ ما أقرب للحاضر من الماضي. إن المستقبل بالنسبة للأشخاص أصحاب الأمل يعني أن تكون حاضرًا في أمور غالبًا سوف تصبح حقيقية، أو بإمكانها أن تكون حقيقية. أما الماضي فهو بالنسبة للأشخاص أصحاب التذكّر هو أن يكونوا حاضرين في تلك اللحظات التي قد حدثت لهم. لكن عندما يصبح لأصحاب الأمل مستقبل لا يحتوى على واقعهم أو أن يكون لأصحاب الذاكرة ماضٍ لا يوجد فيه واقعهم عندها سوف يصبح لدنيا أشخاص غير سعداء. الأشخاص غير السعداء هم الذين لا يرغبون بأن يكون لديهم ألم كما لدى أصحاب الذاكرة. أما أصحاب الأمل فهم الأشخاص الذين لديهم المزيد من الخيبات المُرضية لهم. لذا يكون دائمًا الشخص الأقل سعادة بين أصحاب الذاكرة التعساء.


[المصدر