أرشيف الوسم: لقاء

لقاء (مايك والاس) التلفزيوني مع (إيريك فروم)

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه العظيم (الإنسان بين الجوهر والمظهر).

نقدّم لكم هنا في ساقية، وبترجمة حصزية، اللقاء الصحفي الذي أجراه (مايك والاس) مع (فروم). يقول (والاس) في مقدمة اللقاء:

الدكتور (إيريك فروم)، أحد أكثر المحللين النفسيين تأثيرا في العالم، رجل أُشيد بعمله باعتباره خطوة مهمة إلى التقدم انطلاقاً من نظريات (سيغموند فرويد). قال الدكتور (فروم) مؤخراً: “لم يكن هناك قطّ مجتمع أفضل من الولايات المتحدة في عام 1958″، لكنه أضاف: ” إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها.” سنخوض في الأسباب خلال لحظات.

مقابلات (مايك والاس)، مقدمة من شركة البث الأمريكية (ABC) بالتعاون مع صندوق الدعم للجمهورية، تقدم لكم سلسلة تلفزيونية خاصة تناقش مشاكل النجاة والحرية في أمريكا.


مساء الخير، محدثكم (مايك والاس). في الأسابيع الأخيرة، ناقشنا مشاكل المجتمع الحر وما عليه فعله للبقاء على قيد الحياة. والليلة، سنحاول قياس تأثير مجتمعنا الحر علينا كأفراد ، سواء كنا سعداء كما نود أن نعتقد، أو أحرار في التفكير والشعور. ضيفنا هو الدكتور (إريك فروم)، محلل نفسي وناقد اجتماعي مشهور عالميًا لدراساته عن الإنسان وبحثه عن الحرية.

دكتور (فروم)، أولاً دعني أسألك هذا السؤال. تعرضت الولايات المتحدة للانتقاد، وأعتقد أنك تتفق، تعرضت للانتقاد من عدة مناطق على أنها عبارة عن مجتمع مادي وربما مجتمع ضحل. لكنك قلت مؤخراً: “لم يكن هناك قطّ مجتمع أفضل من الولايات المتحدة عام 1958”. ماذا تقصد بذلك؟

نعم، أعني ذلك نسبيا بالطبع. لا يدعو التاريخ البشري حتى الآن إلى التباهي، إن نظرنا للأمر من ناحية الأفكار. وما عنيتُه أنا هو أننا إذا قارنّا المجتمع الأمريكي مع معظم المجتمعات الأخرى، فإنه مجتمع حقق إنجازات عظيمة. ثروة مادية أكبر من أي شعب آخر، تحرر نسبي من الاضطهاد، سهولة نسبية في التنقل ونشر الفن والموسيقى والأفكار وهو أمر فريد من نوعه. لذلك ، أود أن أقول مقارنةً بالقرن التاسع عشر، مقارنة بمعظم تاريخنا السابق، إنه مجتمع أفضل من أي مجتمع صنعه الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه جيد.

هنا تكمن المشكلة، إذ أنك أدليتَ بتصريح مناقض كما يبدو، لأنك قلتَ في وقت سابق هذا الأسبوع “إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها” كيف هذا؟ وبأي طريقة؟

نعم سيد (والاس)، أود أن أقول وسأتحدث بشكل عام، أن حماسنا للسيطرة على الطبيعة ولإنتاج المزيد والمزيد من السلع المادية قد حوّل الوسائل إلى غايات. أردنا الاستفادة من حلول مشاكل القرن التاسع عشر لحل مشاكل القرن العشرين بهدف إعطاء الإنسان فرصة أكبر لحياة كريمة ولكن ما حدث في الحقيقة هو أن الإنتاج والاستهلاك توقفا عن كونهما وسائل وأصبحا غايات بحد ذاتهما، ونحن الآن مهووسون بالإنتاج ومهووسون بالاستهلاك.

حسنا، باستخدام هذه النقطة كبداية لحديثنا أرغب في فهم وجهة نظرك كمحلل نفسي في عدة مواضيع محددة عما يحدث لنا كأفراد. على سبيل المثال، ما قولك عما يحدث للإنسان، الإنسان الأمريكي، في علاقته مع عمله؟

أعتقد أن عمله إلى حد كبير لا معنى له، لعدم وجود ارتباط بينهما، إذ أصبح الإنسان شيئا فشيئا جزءا من آلة كبرى، آلة اجتماعية تحكمها بيروقراطية عظمى وأعتقد أن الإنسان الأمريكي يكره عمله في أوقات كثيرة دون قصد لأنه يشعر أنه محاصر ومسجون، لأنه يشعر أنه يسخر معظم طاقته لأمر لا معنى له في أصله.

إن عمله وسيلة لكسب لقمة العيش وهذا هو المعنى الأصل، هذا بالتأكيد أمر محترم ومعقول وضروري.

نعم، لكن هذا ليس كافيا لجعلك سعيدا. كونك تقضي ثمان ساعات في اليوم في أمر ليس له معنى أو فائدة في أصله عدا أنه وسيلة لكسب المال.

نعم، بالمعنى والفائدة في العمل، واعذرني على التفصيل في الحديث، ماذا تعني تحديدا، عندما يعمل الرجل في مصنع ما بمفتاح مسامير على سبيل المثال، ما المعنى الأعمق الذي تبحث عنه؟

هناك متعة خاصة يملكها حرفيو العصور الوسطى على سبيل المثال ولا زالت في بلد مثل المكسيك اليوم، متعة خلق شيء ما. والآن، قد تجد عددا لا بأس به من العمّال المهرة الذين يملكون هذه المتعة، ربما عامل في مصنع للحديد أو عامل يستخدم آلات معقدة ويشعر أنه يصنع فارقا بعمله هذا، أما البائع الذي يبيع سلعا لا فائدة منها يشعر أنه محتال ويكره هذه السلعة ككرهه لـ… شيء ما.

لكنك تقول سلعاً لا فائدة منها، وإن باع فرشات أسنان أو سيارات؟

نعم، الفائدة أمر نسبي. على سبيل المثال، حتى يغطي الشخص نفقاته لفترة محددة فعليه إقناع الناس بشراء أشياء يعلم أنهم ليسوا بحاجة لها. عندها تكون هذه الأشياء دون فائدة لهؤلاء الناس وإن كانت ذات فائدة كمادة منفردة.

في كتابتك عن الناس في أمريكا، قلتَ مرارا، وتحدثتَ مرارا عما أسميتَه “التوجه التسويقي”. ماذا تعني بالتوجه التسويقي دكتور (فروم)؟

أعني بذلك أن طريقتنا الأساسية في ربط أنفسنا بالآخرين هي كما تربط الأشياء بعضها ببعض في الأسواق. نريد أن نقايض شخصياتنا، أو كما يقال حزمة شخصياتنا بشيء ما. هذا ليس صحيحا بالنسبة للعمال، فالعامل ليس مضطرا لبيع شخصيته ولا لبيع ابتسامته. ولكن الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالمندفعين، أولئك الذين يتعاملون مع الشخصيات والناس والرجال، والذين يتلاعبون، وهذا مصطلح محترم نوعا ما، الذين يتلاعبون بالناس والإشارات والكلمات، يضطر هؤلاء لبيع ما هو أكثر من مجرد خدمات، عليهم بيع شخصياتهم نوعا ما كجزء من الصفقة ، وهناك استثناءات.

إذا فإحساسه بقيمته الخاصة يعتمد على القيمة التي يدفعها السوق؟

بالضبط، كحقيبة يد لا يمكن بيعها لعدم وجود طلب كاف عليها وبالتالي لا فائدة منها ماديا. وإن استطاعت الحقيبة أن تفكر فستشعر بنقص كبير لأنها لم تشترَ، وستشعر أنها دون فائدة. كذلك الإنسان الذي يعتبر نفسه مادة، وإن لم ينجح في بيع نفسه فسيشعر أنه مادة فعلا.

حسناً، لننتقل إلى علاقاتنا الاجتماعية، في مشاعرنا تجاه الجيران والأصدقاء، مالذي يحدث للإنسان في هذه المسائل؟

أريد أن أبدأ بقولي أن علاقتنا الاجتماعية ضحلة نسبيا، إننا خائفون من العلاقات العاطفية مع الناس. وهناك العديد ممن هم كذلك حتى مع أزواجهم وزوجاتهم. إننا نستبدل، أو بالأصح نُخفي هذا الخوف من العواطف بنوع من المودة الظاهرية وهذا أمر لطيف فعلا ولكنه لا يزال ضحلا جدا. وأعتقد أن هناك إجابة أخرى لسؤالك أود أن أعبر عنها، في الحقيقة، إن نظرت إلى الفرد الأمريكي الطبيعي، وقد أظهرت الدراسات ذلك، إنه يهتم بشأنه الخاص فقط، أي بثروته وماله وعائلته، لكنه ليس مهتما بمجتمعه، صحيح أنه يتحدث عنه لكن ما أعنيه بالاهتمام هو القلق الذي قد يفقدك نومك أحيانا. والأمريكي الطبيعي لا يفوّت نومه قطّ من أجل أمر متعلق مجتمعه أو ببلده، وبكل هذا أعني أنه قد فصل حياته الخاصة عن وجوده كجزء من مجتمعه وترك كل ذلك للمختصين وللحكومة.

أتعتقد أن هذا ما يحدث للإنسان الأمريكي، وبالطبع أنا لا نتحدث عن الإنسان الأمريكي كذكر فقط بل عن الإنسانة الأمريكية كذلك دكتور (فروم)، في علاقته بالسياسة وأفكاره السياسية؟

نعم بالطبع. لقد تخلينا بنفس الطريقة عن مسؤولياتنا وما يحدث في بلدنا وتركنا القرار للمختصين المسؤولين، أما المواطن فلا يشعر أن بإمكانه اتخاذ القرارات أو أن عليه أصلا أن يتخذ أي قرار أو أن يتحمل أية مسؤولية، أعتقد أن هناك العديد من التطورات مؤخرا تثبت ذلك.

مثل؟

على سبيل المثال، إننا نواجه احتمالية اندلاع حرب أو دمار ما في الزمن الحالي يهدد وجود دولتنا ويهدد العالم بأكمله، يعرف الناس هذه.

المعلومة ويقرؤونها في الصحف، يقرأ الناس أن الهجوم الأول قد يودي بحياة مائة مليون ضحية أمريكية، ومع ذلك يتحدثون عن الموضوع وكأنهم يتحدثون عن عيب في كربون سيارة على سبيل المثال. في الحقيقة، لقد أولوا اهتماماً أكبر لأوبئة الإنفلونزا أكثر من اهتمامهم بالقنبلة الذرية، لأن ..

ألا تظن أن في ذلك شيء من المبالغة، دكتور (فروم)؟

أتمنى لو كان الأمر كذلك حقيقة، لأن ما أراه هو عدد قليل نسبياً من الأشخاص الذين يهتمون ويشعرون بالخطر الذي يهددنا والذين يشعرون بمسؤولية القيام بشيء ما حيال ذلك.

حسناً، ربما عندما تتحدث عن مسؤولية القيام بشيء ما، فربما يكون ببساطة أننا نجد صعوبة بالغة في وضع بصمتنا في هذا المجتمع المتفكك الذي نعيش فيه. يريد كل فرد أن يفعل شيئًا ما ولكنه يجد صعوبة في التأثير والتغيير.

أعتقد أنك تشير هنا إلى أحد العيوب الأساسية في نظامنا، وهي أن المواطن الفرد ليس له تأثير ولا لرأيه قيمة في اتخاذ القرارات وأعتقد أن ذلك بحد ذاته يؤدي إلى قدر كبير من البلادة السياسية والغباء. صحيح أن على الفرد أن يفكر أولا ثم يتصرف، لكنه صحيح أيضا أنه إن يُتح يكن للفرد إمكانية التصرف فسيصبح التفكير فارغا وغبيا.

لنتحدث عن الإنسان وعلاقته بالحب والزواج؟

حسنا، أرى أن الحب أمر يتحدث عنه الجميع، والحاجة إلى الحب هي أحد الاحتياجات الأساسية للإنسان، وتحديدا تجربة الاتحاد مع شخص آخر والتحول من كائنين مختلفين إلى كائن واحد، ومع ذلك أرى أن الحب في يومنا هذا أصبح ظاهرة نادرة نوعا ما. لدينا الكثير من المشاعر ولدينا الكثير من الأوهام عن الحب وتحديدا أنه أمر نقع فيه، والحقيقة هي أنه لا يمكن لأحد أن يقع في الحب، بل قد يعيش في الحب. وهذا يعني أن تصبح المحبة أو تصبح القدرة على الحب أحد أهم الأمور في الحياة.

ولكن مالسبب في صعوبة عيشنا بِحُبّ كبشر، ما مشكلتنا من وجهة نظرك؟

لأننا منشغلون بالأشياء، منشغلون بالنجاح، منشغلون بالمال، منشغلون بالأدوات. وأهم الأمور التي نتحدث عنها في خطبنا الدينية هي أمور لا نلقي لها بالا في الأغلب. الحب ليس سهلا، كل الأديان المهمة تعتبر الحب من أهم الإنجازات، ولو كان الحب سهلا، أو بالسهولة التي يتحدثون عنها، فبالتأكيد أن القادة الدينيين العظماء لم يكونوا سوى سُذّج.

حسنا، لقد ذكرتَ ما نفكر فيه أو نتحدث عنه في خطبنا الدينية. ماذا عن الإنسان وعلاقته بدينه؟

أعتقد أنك ستجد الظاهرة نفسها. لدينا صحوة دينية اليوم في أمريكا، كما يقول الكثيرون. وشخصيا، أرى أن 90% من هذه الصحوة الدينية تُعتبر خطرا عظيما تواجهه التجارب الدينية الحقيقية.

لماذا؟

لأن هذه الحركة المسماة بالصحوة الدينية هي محاولة لدمج فكرة (ديل كارنيجي) عن كسب الأصدقاء والوصول إلى النجاح ومعايير الإنجيل بعهديه القديم والجديد. وبطريقة ذكية نوعا ما، وأحيانا ليست ذكية، يحاول الناس دمج اثنينهما. وهذا في الحقيقة يتناقض تماما مع روح تقاليدنا الدينية الحقة. يمكنني شرح ذلك بطريقة أخرى سيد والاس، يمكنني أن أقول أن الإنسان اليوم بانشغاله بالإنتاج والاستهلاك بكونهما غايات ليس لديه سوى القليل من الطاقة والوقت لتكريس نفسه للتجربة الدينية الحقيقية، لذا ..

عندما تتحدث عن التجربة الدينية الحقيقية، ماذا تعني بذلك؟

أعني بذلك القدرة على الشعور بحب عميق واتحاد عميق مع أقراني ومع الطبيعة، وإن كنت مؤمنا إيمانا تقليديا سأقول مع الرب. ولكن لا يهمني وجود الرب هنا أو عدم وجوده. المهم هو التجربة التي يخوضها الشخص.

الصورة التي ترسمها للمجتمع، ونحن هنا نتحدث عن المجتمع الغربي، أو المجتمع الأمريكي، الصورة التي ترسمها عنه صورة كئيبة للغاية. الآن، أحد الأمور الرئيسية التي تشغلنا، ودعني أوضّح، بطبيعة الحال أن شاغلنا الرئيسي كبشر، على الأقل في هذا الجزء من العالم هو أن ننجو ونعيش أحرارا، ونحقق ذاتنا. كيف يؤثر كل ما قلتَه على قدرتنا على أن ننجو ونعيش أحرارا في هذا العالم الذي يمر بأزمة حرجة حاليا؟

لقد تطرقتَ إلى نقطة مهمة هنا، وهي أن علينا اتخاذ قرار بشأن قيمنا، إذا كانت قيمنا السامية هي تطوير تقاليد غربية لإنسان يعتبر أهم ما في حياته هو الإنسان. وحب الإنسان، واحترام الإنسان، وكرامة الإنسان هي القيم السامية، فلا يمكننا إذا أن نتساءل عما إذا كان من الأفضل لحياتنا إسقاط هذه القيم. إن كانت تلك هي قيمنا السامية فيجب ألا نتخلى عنها وسواء عشنا أو متنا، لن نغير هذه القيم. ولكن إن بدأنا بافتراضات كإمكانية التعايش مع الروس إن تحولنا إلى مجتمع مُسيَّر، أو كما سمعت أحدهم يقول إن درّبنا جنودنا ليكونوا كالأتراك الذين حاربوا بشجاعة في كوريا. إن كنا مستعدين لتغيير جذري لحياتنا من أجل أن “نحيا” فلنفعل ذلك إذا وهذا ما سيهدد حياتنا، لأن نجاتنا هي نجاة كل أمة، مبنية على صدق وعمق الأفكار التي تعلنها وتتبناها، أعتقد أن خطرنا هو أننا نقول مالا نشعر به ولا نفعله.

ماذا تعني؟

أعني أننا نتحدث عن المساواة وعن السعادة وعن الحرية وعن قيم الدين الروحية وعن علاقتنا بربنا. ونتصرف في حياتنا اليومية بناء على مبادئ مختلفة وقد تكون متناقضة.

حسنا، أريد أن أطلب الآن أن توضح، ذكرتَ المساواة والسعادة والحرية؟

نعم، سأحاول. بالمساواة، أعني بنفس الطريقة التي فُهمَت بها مسبقا وهي الطريقة التي ذكرت في الإنجيل، أننا جميعا سواسية إذ خُلقنا في صورة ربنا. وإن تجنبت اللغة اللاهوتية سأقول أننا جميعا سواسية بطريقة ترفض أن يصبح إنسان وسيلة وغرضا لإنسان آخر، كل إنسان هو غاية بحد ذاته. نتحدث اليوم عن المساواة، لكني أعتقد أن ما يعنيه أغلب الناس هو التشابه، أن جميع البشر متشابهون، وهم متخوفون من أنهم إن لم يكونوا متشابهين فبالتالي لن يكونوا سواسية.

والسعادة؟

السعادة كلمة يفخر بها تراثنا الثقافي بأكمله، أعتقد أنك إن سألت الناس عن معانيهم للسعادة فهي تجربة الاستهلاك اللامحدود، وهو ما شرحه السيد (هاكسلي) في كتابه (عالم جديد شجاع)، أعتقد أنك إن سألت الناس عن مفهومهم عن الجنة فإن إجابتهم الصريحة هي أنها متجر كبير مليء بالأشياء الجديدة التي يعاد تجديدها أسبوعيا ومالٌ يمكنك به شراء كل شيء جديد. السعادة اليوم بالنسبة لمعظم الناس كما أعتقد هي الراحة بالشرب الأبدي المستمر من هذا المشروب وذاك وذاك.

وماذا يجب أن تكون السعادة؟

السعادة هي أمر ينتج عن التقارب الشديد، الخالص، الخلاق، الواعي، المتجاوب مع كل ما في الحياة من أناس وطبيعة. لا تستثني السعادة الحزن، إن تجاوب الشخص مع الحياة فسيكون سعيدا مرة وحزينا مرة أخرى، المهم أنه يتجاوب.

والأمر الثالث، الديمقراطية الحرة؟

حسنا، أستخدم كل هذه الكلمات عادة بعفوية. أود القول أن الديمقراطية كانت تعني يوما تنظيم المجتمع ونقله إلى حالة تجعل كل مواطن فيه يشعر بالمسؤولية ويتصرف بمسؤولية ويشارك في اتخاذ القرار. أرى أن الديمقراطية اليوم وفي الواقع تعني إلى حد كبير الموافقة بالتلاعب، ليس الموافقة الإجبارية بل الموافقة بالتلاعب والذي ساعد فيه أكثر وأكثر ما يحدث في شارع ماديسون.

حسنا إذا، الآن وقد حددنا أصل المشكلة، أخبرني كيف أصبحنا هكذا؟ ماذا حدث لنا؟ كيف انحرفنا عن الطريق؟

أعتقد أننا انحرفنا عن الطريق كما هي الحال مع معظم المجتمعات، حين اتبعنا هدفا واحدا بنجاح وأشغَلَنا اتّباعنا لهذا الهدف عن رؤية أهداف أخرى أكثر شمولا وأهمية، أعني بذلك أننا توجهنا إلى طريق مسدود. وحتى أكون دقيقا أكثر، أعتقد أننا انحرفنا أكثر وأكثر عندما اتجهنا إلى إنتاج الأشياء، وحينها خلقنا شقا بين العقل والعاطفة، لأنك إن أردتَ إنتاج تقنيات معاصرة فعليك الاعتماد على العقل وقد فعلنا ذلك باستثمارنا في الناس وجعلهم أذكياء وعباقرة ولكن حياتنا العاطفية أصبحت فقيرة.

أتتحدث عن الرأسمالية؟

نعم، أتحدث عن الرأسمالية وعن النظام الصناعي الذي أُنشئ منذ مائة عام أو مائتي عام

هل تقترح نظاما آخر؟ نظاما يقوي الإنسان ويساعده في فهم نفسه وتحقيق ذاته؟

نعم بالطبع. أنا اشتراكي، لكن أودّ أن أضيف أن ما أفهمه عن الاشتراكية هو عكس ما يعنيه الكثير من الناس أو معظم الناس اليوم بالاشتراكية.

اشرح.

إنني أفهم الاشتراكية أنها المجتمع الذي لا يكون فيه هدف الإنتاج هو الربح بل الفائدة، يساهم فيها المواطن الفرد باتخاذه المسؤولية في عمله وفي المنظومة الاجتماعية بأكملها والتي لا يكون فيها مجرد وسيلة تم توظيفها من المسؤولين.

لكن الدولة ستوظفه على أية حال، أليس كذلك دكتور (فروم)؟

نعم.

ألستَ تضع الفرد الاشتراكي تحت تصرف الدولة؟ ألا يقلل هذا من قيمة الفرد؟

حسنًا، علينا أن نوضح شيئا هنا، إذا زعم الروس أنهم اشتراكيون، فهذه برأيي هي مجرد كذبة. ليس لديهم اشتراكية على الإطلاق، لديهم ما يمكن أن أسميه الدولة الرأسمالية. نظامهم هو أكثر نظام رجعي ومقاوم للتغيير اليوم، أكثر من أي مكان آخر، في أوروبا، أو في أمريكا كذلك. وفي الواقع امتلاك الدولة للصناعة لا تسمى اشتراكية. في الواقع، لا فرق بين صناعة بريطانية دولية وصناعة محركات فورد الهندسية فيما يخص واقع العمل في المصانع.

حسنا إذا، ماهي الاشتراكية؟ إن لم تكن هذه اشتراكية، فما هي؟

حسنا، حتى أكون دقيقا أود القول أن الاشتراكية هي كإدارة مشروع ما من قبل كل من يعمل في هذا المشروع. أعتبر الاشتراكية مزيجا بين الحد الأدنى من المركزية الضرورية لدولة صناعية حديثة والحد الأعلى من اللامركزية. ما أود قوله سيد والاس، هو أننا مبدعون جدا عندما يتعلق الأمر بالتقنيات والعلم، أما عندما يتعلق الأمر بالتغيير في المنظومة الاجتماعية فإننا نفتقد إلى الخيال تماما، إذا أردنا …

ولكن دكتور (فروم)، ما زلت أفكر أثناء حديثك أننا أُخبرنا من عدة جهات بأن لدينا اشتراكية زاحفة تتجه الآن إلى الولايات المتحدة وبالتأكيد أنها بلد أكثر اشتراكية اليوم مما كانت عليه قبل 20 أو 25 سنة ومع ذلك أنت نفسك تشتكي من البيروقراطية، أنت نفسك تشتكي من أن الفرد فقد طريقه في البلد التي نعيش فيها، وفي الوقت نفسه تدعو إلى المزيد من الاشتراكية. ألستَ تضيف سمّاً إلى السم الذي يتم حقنه بالفعل في نظامنا، إذا كانت الاشتراكية سم فعلا؟

نعم، ولكن الاشتراكية كما أراها هي نقيض البلد المحكومة بيروقراطيا. نتحدث اليوم كثيرا عن روسيا، لكني أخشى أننا خلال 20 سنة، سنصبح نحن وروسيا أكثر تشابها لا اختلافا.

لماذا؟

لأن ما هو شائع في كلا المجتمعين هو تطورهما إلى مجتمعات مشوهة تديرها بيروقراطيات عظمى، تتحكم بالبشر. يفعلها الروس بالإجبار ونفعلها نحن بالإقناع. إنني أقدر الاختلاف الهائل حيث يمكننا التعبير عن الأفكار دون خوف من التعرض للقتل أو السجن، لكنني أعتقد أن الروس قد يتخلصون هذا من الإرهاب خلال 20 أو 30 عامًا عندما يكونون أغنى وعند عدم حاجتهم إلى استخدام هذه الأساليب القمعية. الشيء المشترك بيننا هو وجود عدد كبير من الناس ووجود بيروقراطية عظمى تتلاعب بالجميع للتحكم في تصرفاتهم مع إيهامهم أنهم يتخذون قراراتهم الخاصة وآرائهم الخاصة.

حتى الآن، أنا شخصياً إن سمحت لي أن أعبر عن رأيي أتفق معك، ولكني أجد صعوبة في الاتفاق مع حلّك، أتفق مع التشخيص ولكن أختلف مع العلاج، لأني لا أفهم اشتراكيتك على ما أعتقد.

إنه أمر صعب جدا. لأن الروس قد نجحوا في شيء واحد، لقد خدعوا العالم بادعائهم أنهم يمثلون الاشتراكية ويمثلون أفكار ماركس وقد قدّمنا لادعائهم أعظم خدمة باتفاقنا مع ما يقولون. سأحتاج وقتا كبيرا للتوضيح أن الاشتراكية من المنظور الديمقراطي والتي عناها ماركس والتي كما فهمتها هي نقيض المجتمع المحكوم تماما، المحكوم ببيروقراطية عظمى. كيف يمكن تحقيق ذلك، كيف يمكن إثارة المسؤولية الفردية وتعزيزها، هذه مسألة تخوض في النظام الاجتماعي وتحتاج الكثير من التفاصيل.

أين يمكنني ويمكن لمشاهدينا الليلة معرفة المزيد عن هذا؟

حاولت شرح ذلك في أحد كتبي، (المجتمع العاقل) “The Sane Society“، أريد أن أذكر أن (ماركس) وإنجيل العهد القديم يتشاركان في شيء ما وأرجو تقبّل المقارنة، كثير من الناس يتحدثون عنهما ولا يوجد من يقرأ لهما فعلا، والحقيقة أن هناك العديد من كتابات (ماركس) المهمة التي لم تترجم إلى الإنجليزية حتى.

إذا فنصيحتك هي قراءة ما كتبه الدكتور (إيريك فروم) و(كارل ماركس).

ليس تماما، لكني أفخر بهذه الصحبة

سؤال أخير يا دكتور، أثناء قراءة المجتمع العاقل، ويؤسفني أن أقول أن عليك الإجابة في نصف دقيقة، أشعر بشيء من اليأس من (إيريك فروم) تجاه مستقبل هذا العالم.

سيد (والاس)، إنني أشعر بقلق، قلق شديد تجاه أمر واحد وهو احتمالية الوقوع أو صعوبة تجنب حرب ذرية، واهتمامي الوحيد اليوم هو أن نستمر في وضع سياسة خلف سياسة حتى تمكننا من تجنب كارثة أقل ما يقال عنها أنها لا توصف. عدا ذلك، لدي إيمان كبير بإمكانيات الناس والذين أثبتوا قدراتهم سلفا، وأؤمن أننا إن تجنبنا الحرب فسنستطيع أن نحيي قيمنا الحقيقية في الحياة، لكن علينا أولا رؤيتها ولذا علينا نقد وضعنا الحالي.

شكرا دكتور (فروم) على مجيئك وقضاء هذا الوقت معنا.

سواء وافقتم على حله أم لا، يشير الدكتور (إريك فروم) إلى مشكلة ملحة. في رأيه، تميل أمريكا إلى تقديس الآلات بدلاً من الإنسان، نفضّل النجاح على التعقل. يقول الدكتور (فروم) أن المجتمع الذي يريد أن يتمتع بالحرية السياسية فعليه أن يحصّن نفسه من هذا الاستعباد الروحي


 

لقاء باريس ريفيو مع كورت فونيجت، بعنوان “فن الخيال”

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

أجرى المقابلة كلا من: (ديفيد هايمان)، (ديفيد ميكايليس)، (جورج بيمبتون)، و(ريتشارد رودس).

نُشرت هذه المقابلة في مجلة (باريس ريفيو)، العدد 69، في ربيع عام 1977م. 

هذه المقابلة مع (كورت فونيجت) هي في الأصل تجميع لأربع مقابلات أجريت مع المؤلف على مدى العشر السنوات الماضية. تجميع هذه المقابلات مرت على نطاق عمل واسع ومكثف قام بها المؤلف نفسه، والذي ينظر إلى حديثه بقلق بالغ. يمكن اعتبار ما سيأتي مقابلة أجراها مع نفسه.

مقدمة أول مقابلة، والتي أجريت في ويست بارنستابل، ماساتشوستس، عندما كان (فونيجت) في الرابعة والأربعين، تضمنت على ما يلي: 

رجل عائلي من المحاربين القدامى، محنك ذو عظام عريضة ومفاصل ضعيفة، جلس على الكرسي مرتديا سترة شعثاء بنسيج صوفي خشن، وبدلة كامبريدج رمادية وقميص بروكس بروذر ازرق منسدل للأسفل واضعاً يداه في جيبه. يعصف المقابلة بالسعال والعطاس، الناتج من نزلة برد الخريف والتدخين طوال حياته. صوته غرب أوسطي جهور رنان مع نبرات صوتية ساخرة.

من وقت لآخر يقوم بتوشح الابتسامة الواعية للرجل الذي رأى واحتوى بداخله كل شيء تقريبا: الاكتئاب، الحرب، احتمالية أن يموت بعنف، تفاهة شركة العلاقات العامة، 6 أطفال، دخل غير منتظم، وتقدير متأخر.

آخر هذه المقابلات أجريت خلال صيف 1976 بعد سنوات من أول مقابلة. تم وصفه في ذلك الوقت “… يتحرك بوداعة ككلب العائلة العجوز”

بشكل عام كان مظهره أشعث؛ شعر طويل مجعد،و شارب، وابتسامة مملؤة بالعاطفة، توحي بأنه رجل يحزنه ويسعده ما يجري من حوله، استأجر منزل جيرالد ميرفي لفصل الصيف كان يعمل في غرفة نوم صغيرة في نهاية الممر حيث مورفين (الفنان والمفعم بالحيوية وصديق الفن المتوفي في عام 1964). يمكن لـ(فونيجت) أن ينظر إلى الحديقة الأمامية من خلال نافذة صغيرة من مكتبه؛ ويوجد خلفه سرير أبيض ذو ستائرمنسدلة. وبجوار الآلة الكاتبة التي فوق المكتب نسخ من مقابلة (آندي وارهول)، ورواية (Zone of the Interior) لـ(كلانسي سيغال) والعديد من علب السجائر الفارغة.

يدخن (فونيجت) باستمرار سيجارة من نوع بول مولز منذ 1936م، وأثناء المقابلة يدخن سيجارة من أفضل مالديه من السجائر، صوته منخفض و أجش، وحينما يتحدث، فإن اشعال السجائر وزفير الدخان يتكرران كأنه علامات الترقيم لحديثه. وهناك بعض الامور التي تقاطعه، مثل رنين الهاتف ونباح كلب صغير أشعث اسمه (Pumpkin)، لكنها لم تؤثر على تصرفات (فونيجت) اللطيفة. في الواقع، قال (دان ويكفيلد) ذات مرة عن زملائه من خريجي مدرسة شورتريدج الثانوية، “كان يضحك كثيراً وكان طيبًا مع الجميع”.


أنت جندي سابق في الحرب العالمية الثانية؟

نعم فعلاً. أريد جنازة عسكرية عندما أموت؛ عازفي موسيقى، علم على النعش، فرقة إطلاق النار، و أرض مجوفة.

لماذا؟

لأنها الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن أن أحقق ما أردته، أكثر من أي شي آخر؛ شيء لم يكن بإمكاني الحصول عليه إلا إذا قتلت أثناء الحرب.

ماهو؟

أن أحظى باستحسان كافة أفراد المجتمع.

ألا تشعر بأنك تحظى به الان؟

يقول أقربائي أنهم سعداء أنني غني، لكنهم ببساطة لا يستطيعون فهمي.

هل كنت من ضمن فرقة المشاة في الحرب؟

نعم، لكني تلقيت تدريباً على مدافع الهاوتزر 240 ملم.

إنه سلاح كبير نوعاً ما.

كان أكبر مدفع متنقل موجود لدى الجيش في ذلك الوقت، حيث يتكون هذا السلاح من ست قطع، تم سحب كل قطعة بواسطة جرارات Caterpillar.  كلما طلب منا أن نطلقه كان يجب علينا تركيبه أولاً. كان علينا أن نكون مبتكرين في ذلك، فنضع كل قطعة فوق الأخرى باستخدام الرافعات، فإن القذيفة نفسها كانت بقطر تسعة ونصف بوصة وتزن ثلاثمائة رطل. لقد بنينا خط سكة حديد صغير يسمح لنا بتوصيل القذيفة من الأرض إلى الجزء الخلفي من المدفع، الذي كان على ارتفاع حوالي ثمانية أقدام من على سطح الأرض. او كما يقولون، إن إغلاق الجزء الخلفي من السلاح كان أشبه بإغلاق باب جمعية القروض والإدخار في البيرو.

لابد أن هناك تأهب عند إطلاق مثل هذا السلاح

ليس تمامًا، نضع القذيفة في المدفع، ثم نضع داخل الفوهة أكياس متفجرة بطيئة للغاية. كانت الأكياس عبارة عن بسكويت رطب خاص بالكلاب على ما أعتقد. ثم نغلق فوهة المدفع، و نطلق المطرقة لتهوي وتصطدم بالغطاء المصنوع من فلمينات الزئبق، والذي بدوره يقذف شعلة من النار على بسكويت الكلاب الرطب. الفكرة الرئيسية، على ما أعتقد، كانت توليد البخار فبعد فترة، كنا نسمع أصوات طهي، أصوات تشبه الى حد كبير أصوات طهي ديك رومي. حتى يمكننا فتح غطاء فوهة المدفع من وقت لآخر بسلامة تامة، لتبريد ظرف القذيفة. في نهاية المطاف، مدافع الهاوتزر دائماً ماتهيج بعد الطلقة و تعود في النهاية بتناغم لآلية الارتداد الخاصة بها على أية حال، ويتعين عليها أن تقذف ظرف القذيفة. ثم يخرج ظرف القذيفة عائماً مثل منطاد Goodyear لو كان لدينا سلالم، لكان بإمكاننا رسم “Fuck Hitler” “على القذيفة أثناء انفصاله عن البندقية. والمروحيات كان من الممكن أن تقلد ذلك وتطلق القذائف ايضا….

هي أقوى الأسلحة الإرهابية

من الحرب الفرنسية البروسية.

ولكن في نهاية المطاف تم إرسالك إلى الخارج، لكن ليس باستخدام هذه الأداة ولكن مع فرقة المشاة 106.

“الغداء في كيس” اعتادوا على توزيع الغداء علينا في أكياس، ساندوتش السلامي و برتقالة.

في المعركة؟

ونحن في الولايات المتحدة 

في الوقت الذي تم تدريبك فيه كجندي مشاة؟

لم أتدرب كجندي مشاة قط. الكتيبة الاستطلاعية كانت من قوات النخبة وتتكون كل كتيبة من 6 أفراد، ولم يكن هناك أي شخص متأكد مما يجب علينا فعله، لذلك كنا نسير إلى غرفة الاستجمام كل صباح، ونلعب بينغ بونغ ونملأ طلبات التقديم لمدرسة تدريب الضباط.

أثناء التدريبات الأساسية لابد أنه كان لديك خلفية عن أسلحة أخرى غير مدافع الهاوتزر.

إذا تعلمت استخدام مدافع هاوتزر التي يبلغ طولها 240 ملمتر، فلن يكون لديك الوقت الكافي حتى لمشاهدة فيلم الأمراض التناسلية.

ماذا حدث عندما وصلت الى الجبهة؟

قلدت جميع أفلام الحرب التي شاهدتها.

هل صوبت نحو أي شخص في الحرب؟

لقد فكرت في ذلك وقمت بتثبيت الحربة مرة استعدادا للتصويب.

هل صوبت؟

لا. لو قام أي شخص آخر بالتصويب لصوبت أيضًا، لكننا لم نرى أحد فقررنا ألا نطلق.

حصل هذا في معركة البلج، أليس كذلك؟ وكانت من أكبر هزائم الأسلحة الأمريكية عبر التاريخ.

على الأرجح. ففي آخر مهمة استطلاعية قمت بها كان علي العثورعلى المدفعيات الخاصة بنا، رغم أن مهمة فرقة الكشافة غالبًا هي البحث عن أسلحة العدو، لكن الأمور كانت سيئة للغاية لدرجة أننا كنا نبحث عن أداوتنا الخاصة. حتى أن الجميع ظن أنه من الرائع إذا استطعت العثور على قائد كتيبتنا.

هل تمانع أن تصف كيف أعتقلك الألمان؟

بكل سرور. كنا بداخل أخدود عميق مثل خنادق الحرب العالمية الأولى، وقد نفذ منا الطعام وتجمع الثلوج من حولنا وقال أحدنا أننا قد نكون في لوكسمبورغ.

من المقصود بـ”كنا”؟

6 افراد من كتيبة الكشافة وحوالي خمسون شخصًا لم نلتق بهم من قبل كما أنه بإمكان الألمان رؤيتنا، فقد تحدثوا إلينا عبر مكبرات الصوت و قالوا إن وضعنا ميؤس منه، وحديث من هذا القبيل. حدث هذا عندما قمنا بتثبيت الحراب، بدا وضعًا خاطئًا لبضع دقائق.

كيف ذلك؟

ستصبح كالنيص محاطاً بهذه الأشواك الحادة في الحقيقة أشفق على أي شخص عليه أن يأتي بعدنا.

لكنهم جاءوا على أي حال ؟

لا. بدلاً من ذلك أرسلوا ثمان وثمانين قذيفة. انفجرت بأعلى الأشجار وكانت أصوات الانفجارات عالية جداً فقد أطلقت فوق رؤسنا مباشرة، وأمطرنا بشظايا صلبة أصابت البعض. مرة أخرى أمرنا الألمان أن نخرج قلنا “حسنًا” و“خذوا الأمور ببساطة” وما إلى ذلك لم نصرخ رفضا، أو أي شيء من هذا القبيل. وعندما أظهر الألمان أنفسهم كانوا يرتدون بدلات بيضاء لتمويهنا لكن لم يكن لدينا أي شي مقارب لهذا اللباس كنا نرتدي الزيتوني الفاتح بغض النظر عن أي فصل من السنة لكننا لم نرتدي غيره.

مالذي قاله الألمان؟

قالوا إن الحرب انتهت بالنسبة لنا، ونحن محظوظون، كوننا واثقين الان بأننا سوف نعيش طيلة أمد الحرب ويبدو أنهم كانوا على يقين تام بذلك. ولكن في الواقع، مع تعقد الأمور ربما أنهم قُتلوا أو أسروا من قبل جيش باتون الثالث في غضون الأيام القليلة المقبلة. 

هل تتحدث الألمانية؟

لقد سمعت والديّ يتحدثناه كثير، لكنهم لم يعلموني إياها، حيث كان هناك غضب ضد كل مايتعلق بالألمان في أمريكا خلال الحرب العالمية الأولى. استخدمت بعض الكلمات التي التقطتها من خاطفينا وسألوني اذا ماكنت ألمانيا فأجبت بنعم، وأرادوا أن يعرفوا لماذا أقف في حرب ضد إخوتي.

وبماذا أجبت؟

وجدت أن السؤال ينم عن جهل وأنه سؤال مضحك بعض الشيء. قام والديَّ بابعادي تماما عن ماضيّ الألماني، إلى درجة أنه لو كان خاطفي بوليفيين او تبتيين لما عرفت الفرق.

بعد أن قبض عليك ،تم ارسالك إلى دريسدن؟ 

العربات التي تم اقتيادنا بها إلى هناك بدت كأنها التي أقلت اليهود والغجر وشهود يهوه وغيرهم إلى معسكرات الإبادة، لكن بالنهاية مازالت عربات نقل. وبالليل هاجمنا البريطانيون عدة مرات بقذائف الموسكيتو، معتقدين أنّنا أحد أنواع الأسلحة الاستراتجية، واستهدفوا حينها سيارة بداخلها معظم ضباط كتيبتنا. وعليّ الاعتراف بأني في كل مرة أقول فيها أنني أكره الضباط، ومازلت أقولها كثيرا، كان علي أن أذكر نفسي أنه لم ينجو أيًا من ضابط من الذين قمت بخدمتهم. كما صادَفنا عيد الميلاد في مكان ما هناك.

وبالنهاية وصلت إلى دريسدن.

أولًا، كنا في سجن جنود ضخم في جنوب دريسدن، وحينها تم فصل الجنود عن ضباط الصف والضباط. بموجب مادة في اتفاقية جنيف، وهي وثيقة إدواردية تقر على أنه يتعين على الجنود العمل بها، كي يحافظوا عليها كان على الجميع أن يقبع في السجن ولأني من الجنود تم إرسالي إلى دريسدن.

ماهو انطباعك عن المدينة قبل القصف؟

أجمل مدينة شاهدتها على الإطلاق. مدينة مليئة بالتماثيل وحدائق الحيوان مثل باريس. كنا نقيم في مسلخ، داخل حظيرة خنازير اسمنتية رديئة وغير مستخدمة. وضعوا لنا أسرة ذو طوابق مفروشة بالقش بداخل الحظيرة، وكنا نذهب كل صباح للعمل في مصنع لشراب الشعير، وهو شراب مخصص للنساء الحوامل. انطلقت حينها صفارات الإنذار اللعينة وكنا قد سمعنا أن هناك مدينة أخرى تشهد نفس الشيء. لكننا لم نتوقع حصول ذلك فعدد ملاجئ الغارات الجوية في المدينة قليل جدًا، و لا توجد مصانع حربية، فقط مصانع السجائر والمستشفيات ومصانع الكلارينيت. و في 13 فبراير 1945 انطلقت صفارات الإنذار ونزلنا حينها طابقين تحت السطح حيث يوجد خزانة لحم كبيرة، الجو كان باردا هناك، والجثث معلقة في كل مكان. وعندما  صعدنا كانت المدينة قد اختفت.

ألم تختنقوا بداخل خزان اللحوم؟

لا، لقد كانت واسعة جدًا، ولم يكن عددنا كبير. والهجوم أيضا لم يبدو كجحيم ففي البداية أسقطوا المتفجرات ليزلولوا كل شيء ثم نشروا المواد الحارقة، وما ان سقطت على درسدن حتى أصبحت عبارة عن حطام؛ اللعنة أحرقوا المدينة بأكملها!

مالذي حصل حينما صعدت للأعلى؟

كان حراسنا من ضباط صف – رقيب، عريف وأربعة جنود؛ بلا قائد ولا مدينة فقد كانوا من مدينة درسدن يقاتلون على جبهتها وأرسلوا إلى أوطانهم من أجل المهمات السهلة. أبقونا تحت الملاحظة لبضع ساعات ولم يكن لديهم علم عمّا يجب عليهم فعله. ذهبوا وتحدثوا مع بعضهم البعض، وأخيرًا، قمنا بشق الطريق عبر الأنقاض وقاموا بإيوائنا في إحدى الضواحي مع بعض الأشخاص من جنوب إفريقيا.

وكتدبير صحي؛ كنا في كل يوم نتجول فيه في المدينة نقوم بحفر الطوابق السفلية والملاجئ لإخراج الجثث. عندما دخلنا لاحدى الملاجئ بدا أنه ملجأ نموذجي وقبو عادي كما هو بالمعتاد، لكن الأمر أشبه بعربة نقل ممتلئة بالأشخاص الذين أصيبوا بسكتة قلبية في آنِ واحد. مجموعة من الأشخاص يجلسون على مقاعدهم وجميعهم فارقوا الحياة. يالها من عاصفة نارية مدهشة، فالقصف لا يأتي بشكل طبيعي بل يتغذى من الأعاصير التي تحدث في وسطه ولا يوجد أي شيء يمكن للشخص استنشاقه.

أخرجنا الجثث الى الخارج، حملناهم في عربات ونقلوا إلى الحدائق، وهي مناطق كبيرة مفتوحة في المدينة لم تكن مليئة بالأنقاض. تم حرق الجثث لمنع انتشار الأمراض والروائح النتنة، و جرت عدة جنائز في المانيا لحرق الجثث. وتم إخفاء مائة وثلاثين ألف جثة تحت الأرض و كانت عملية اخفائهم مروعة.

ذهبنا للعمل ونحن محاطين بجنود ألمان حتى لا يتمكن المدنيون من رؤية مانحن بصدد فعله. فبعد عدة أيام بدأت تنبعث روائح من المدينة وتم افتعال أسلوب جديد، فالحاجة أم الاختراع. كنا نقتحم الملاجئ ونقوم بتجميع الأدوات الثمينة من حضن الأشخاص بدون تحديد هويتهم وتسليمها للحراس. ثم يأتي الجنود ومعهم قذائف اللهب ويقفون أمام الباب ويحرقون الناس بالداخل. وكانت السياسة المتبعة وقتها “اجلب الذهب والمجوهرات ثم احرق جميع من بالداخل”.

يا له من انطباع من شخص يفكر في أن يصبح كاتباً!

كان شيء مروع شي من ضرب الخيال ان أرى كل هذا. كانت لحظة لانكشاف الحقيقة أيضًا، لأن المدنيين الأمريكيين والقوات البرية لم يكن لديهم علم أن القاذفات الأمريكية كانت متورطة كذلك في هذا القصف. لقد ظل سرًا حتى وقت قريب جدًا من نهاية الحرب وكان أحد أسباب إحراقهم درسدن هو أنهم قد أحرقوا بالفعل كل شيء آخر. تعلمون “مالذي سنفعله الليلة؟” وهنا كان الجميع يستعد وألمانيا مازالت تقاتل وهذه كانت الألية المستخدمة لإحراق المدن. كانت آلية سرية لحرق المدن و جعلها تغلي واشعال النار بالعربات. وكان هناك هراء يقال حول جهاز تصويب القنابل في نوردن. ستشاهد في الأخبار مفجر يقف بقرب من أحد النواب حاملا مسدس من نوع دراون 45. هذا هو نوع من الهراء والجحيم الذي كانوا يقومون به. مئات الطائرات تحلق فوق المدن ويسقطون كل شيء عليها.

عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو بعد الحرب ، قام الرجل الذي استجوبني للاعتراف بقصف درسدن. عندما وصل إلى ذلك الجزء من قصة حياتي وقال: “حسنًا، لقد كرهنا أن نفعل ذلك”. لقد علقت هذه الملاحظة في ذهني.

أو رد آخر من ممكن أن يكون “لقد أمرنا بذلك”

كان رده أكثر إنسانية. أظنه شعر أن القصف أمر لابد منه وربما كان كذلك. الشيء الوحيد الذي تعلمه الجميع مدى سرعة إعادة بناء المدينة، قال المهندسون أن إعادة بناء ألمانيا سيستغرق 500 عام لكن في الواقع استغرق الأمر 18 أسبوع.

كونك مررت بهذه التجرية هل تنوي الكتابة عنها؟

عندما تم هدم المدينة لم يكن لدي أي فكرة عن حجم ما حدث. سواءً مالذي يبدو عليه بريمن هامبورغ أو كوفنتري، الأخيرة لم أزرها قط لذلك لم يكن لدي أي تصور سوى الذي شاهدته في التلفاز. عندما عدت إلى الوطن، كنت كاتباً في صحيفة (كورنيل صن)، إلا أنه كان هناك مساحة لكتاباتي ففكرت أن أكتب قصتي عن الحرب. فجميع أصدقائي عادوا إلى مدنهم ولديهم مغامرات رائعة. ذهبت إلى مكتب الصحيفة (Indianapolis News) وقمت بالبحث عما لديهم عن دريسدن. وجدت قطعة بطول نصف بوصة مكتوب عليها عبرت طائراتنا فوق مدينة دريسدن وفقدنا اثنتين منها. استنتجت أن هذه هي أدق التفاصيل التي تم ذكرها عن الحرب العالمية الثانية وكان لدى الأخرين الكثير ليكتبوا. أتذكر و أغبط (آندي روني) الذي هرول سريعًا إلى المطبعة في ذلك الوقت، لم أكن أعرفه ولكن أظن أنه أول شخص قام بنشر قصته عن الحرب بعد انتهاءها تحت مسمى (Air Gunner). 

يا إلهي لم أحظى بمغامرة كلاسيكية كهذه. لكن في كثير من الأحيان أقابل أوروبيًا ونتكلم عن الحرب وعندما أخبره أنني كنت في درسدن تظهر ملامح الدهشة على وجهه ويتحمس لمعرفة المزيد. بعد ذلك، تم نشر كتاب للكاتب (ديفيد إيرفينغ) عن درسدن، يقول فيه أنها كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي. قلت، أقسم بذلك، لقد عاصرت كل شيء! و سأحاول كتابة قصتي الحربية، سواءً كانت ممتعة أم لا، وأحاول أن أقدم شيء ما. بدأت بوصف العملية، بشكل بسيط في مقدمة رواية (المسلخ رقم 5) ورأيت أن يكون أبطالها (فرانك سيناترا) و(جون واين)، لكن بنهاية الأمر قالت فتاة تدعى (ماري أوهير)، زوجة صديقي وكانت متواجدة معي آنذاك: “لقد كنتم مجرد أطفال. ليس من العدل التظاهر بأنكم كنتم رجال مثل (واين) و(سيناترا)، وليس من العدل للأجيال المقبلة كذلك أن تظهر الحرب بصورة جيدة”. لقد كان ذلك استنتاج مهم للغاية بالنسبة لي.

هذه الفكرة قامت بتحويل كامل اهتمامك.

لقد جعلتني أكتب بحرية لكوننا أطفالا حينها: السابعة عشر، الثامنة عشر، التاسعة عشر، العشرون، الحادي والعشرون. كانت وجوهنا طفولية وكسجين لا أذكر أنني حلقت كثيراً وبالحقيقة لم تكن مشكلة.

سؤال آخر عن الحرب: أمازلت تفكر في القنابل الحارقة التي ألقيت على دريسدن؟

كتبت عنه في كتابي (المسلخ رقم 5) الكتاب لايزال في المطبعة. وكوني رجل أعمال، عليّ بين الحين والآخر، أن أفعل شيئًا حيال هذا الأمر. طلب مني (مارسيل أوفلس) أن اشارك في فلمه (ذاكرة العدالة)؛ أن أتحدث عن درسدن باعتباره عملاً وحشيًا. بدلًا من ذلك أخبرته أن يتحدث مع صديقي (برنارد ف. أوهير)، زوج (ماري)، وهذا ما فعله. كان (أوهير) من زملائي في فرقة الكشافة، ثم زميلي أيضا كأسير حرب. و الآن هو محام في ولاية بنسلفانيا .

لماذا لا ترغب بإدلاء شهاتك؟

أحمل اسمًا ألمانيًا. ليس لدي رغبة بأن أدخل في جدال مع أناس يرون أن دريسدن تستحق ماحدث لها. كل ماذكرته في كتابي أن دريسدن تعرضت لقصف حد الجحيم سواءً قبِلنا بذلك أو لا.

كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي، أليس كذلك؟

كانت أسرع عملية قتل لهذا الكم الهائل من الأشخاص؛ حيث قتل 135 ألف في غضون ساعات. بالطبع كانت هناك خطط للقتل بشكل أبطأ.

تعني معسكرات الإبادة.

نعم، لقد قتل الملايين في نهاية المطاف. لكن يرى الكثيرين أن مذبحة دريسدن باعتبار أنها صحيحة، إلا انها كانت محدودة للغاية مقارنة بما قامت به المعسكرات. وكما قلت أنني لا أختلف أبدًا في هذه النقطة، فقد لاحظت مرارًا أن عقوبة الإعدام كانت مطبقة على أي شخص يتواجد في المدن التي تفتقر إلى وسائل دفاعية؛ أطفال، كبار السن، حدائق الحيوانات، والآلاف المؤلفة من النازيين المتطرفين، وبالطبع من ضمنهم أنا وصديقي المقرب (برنارد ف. أوهير). كنا يجب أن نكون ممن تم تصفيتهم جسديًا. فكلما زادت الجثث صح الانتقام.

نشرت مكتبة فرانكلين على ما أعتقد، نسخة ممتازة من كتاب (المسلخ رقم 5).

نعم فقد طلبوا مني كتابة مقدمة جديدة للكتاب.

هل لديك أي أفكار جديدة؟

لقد قلت أن هناك شخص واحد استفاد من هذه الغارة التي كلفت ملايين الدولارات. فالغارة لم تقصر أمد الحرب حتى لنصف ثانية، ولم تضعف الدفاع أو الهجوم الألماني قط، ولم تحرر شخصًا واحدًا من معسكر الإبادة. فقط شخص واحد هو المستفيد ليس اثنان أو خمس او عشرة فقط واحد. 

ومن هو ذلك الشخص؟

أنا. لقد حصلت على 3 دولارات عن كل شخص قتل. هل لك أن تتخيل ذلك؟

ما مدى التقارب الذي تشعر به بينك وبين أقرانك؟

أتقصد إخواني وأخواتي الكتاب؟ هي ودية بالطبع ولكن من الصعب أن أتحدث إليهم لكوننا نحمل اهتمامات مختلفة، هذه معضلة لي لفترة من الزمن لكن بعد ذلك صادقت (شاول شتاينبرغ).

الفنان الجرافيكي؟

بالطبع. قال “أن في جميع الفنون تقريبًا، هناك أشخاص لديهم تأثير واسع في تاريخ الفن، عن طريق نجاحاتهم وإخفاقاتهم وتجاربهم السابقة، وآخرين ممن لم تسنح لهم الفرص لكل هذا”. أضم نفسي مع المجموعة الثانية، فلم أتمكن من ممارسة الأنشطة مع أسلافي الأدباء. لأنني لم أتعلمها بشكل جيد. درست الكيمياء في جامعة كورنيل ثم الأنثروبولوجيا في جامعة شيكاغو. كنت بعمر 35 قبل ان أصبح مهووساً بـ(بليك). وبالاربعين  قبل أن أقرأ عن (مدام بوفاري) وسمعت عن (سيلين) بالخامسة والاربعين. وكنت محظوظا حينما قرأت (Look Homeward, Angel) بالوقت المناسب.

متى؟

في الثامنة عشرة.

لابد أنك كنت تقرأ باستمرار؟

نعم فعلًا. لقد نشأت في منزل مكتظ بالكتب. لكنني لم أضطر أبدًا إلى قراءة كتاب لزيادة محصولي الأكاديمي ،ولا لكتابة مقالة حول موضوع معين، ولم أضطر يومًا لإثبات أنني فهمته ضمن أي مؤتمر. لست بارعًا في مناقشة الكتب وخبرتي في هذا الأمر معدومة.

أي فرد من أفراد عائلتك كان له التأثير الأكبر عليك ككاتب؟

أعتقد أمي، (إديث ليبر فونيجوت). بعد أن خسرت عائلتنا جميع الأموال تقريبًا في فترة الكساد الكبير. اعتقدت والدتي أنه يمكنها أن تجني ثروة جديدة عن طريق الكتابة في المجلات اللامعة، أخذت دورة في كتابة القصص القصيرة بالليل، وقامت بدراسة المجلات كدراسة المقامرين لأوراق اللعب. 

لقد كانت غنية ذات مرة؟

والدي، مهندس معماري بسيط، تزوج واحدة من أغنى الفتيات في المدينة. وكانت هناك ثروة على وشك النهوض مرتكزة على Lieber Lager Beer وبعد ذلك Gold Medal Beer. Lieber Lager Beer أصبحت Gold Medal Beer بعد أن فازت بجائزة في احد معارض باريس.

لابد أنها بيرة جيدة جدا.

لم أتذوقها أبدًا. كان قبيل زماني بوقت طويل. ولكن على حد علمي كانوا يضعون فيه مكون سري لم يسمح أيًا من جدي وخبير الخمور لأي شخص من مشاهدة ما كانوا يضعونه.

هل تعلم ماهو؟

القهوة.

درست والدتك كتابة القصص القصيرة؟

ووالدي يقوم برسم اللوحات في الاستديو الذي أنشأه في الطابق العلوي من المنزل. لم يكن هناك الكثير من العمل للمهندسين المعمارين خلال فترة الكساد الكبير. في الحقيقة لم يتوفرعمل لأي شخص. ومن الغريب رغم ذلك أن أمي كانت على حق؛ فحتى الكتاب في المجلات العادية كانو يجنون كميات وفيرة من المال.

لذا اتخذت والدتك موقفًا فعليًا تجاه الكتابة.

ليس بشكل تام. بالمناسبة كانت امرأة ذكية مثقفة. التحقت بنفس المدرسة الثانوية التي كنت فيها وكانت من القلائل الذين لم يحصلوا سوى على العلامة الكاملة حينما درست هناك. اتجهت بعد ذلك شرقا لاكمال دراستها ثم جالت أوروبا. كانت تتحدث الألمانية والفرنسية بطلاقة، ومازلت أحتفظ بتقاريرها الدراسية في مكان ما “علامة كاملة، علامة كاملة، علامة كاملة”. كانت كاتبة جيدة لكن تبين أنها لم تكن تملك موهبة في الابتذال التي تتطلبها المجلات اللامعة، ومن حسن الحظ أني ولدت محملا بهذه الموهبة، فحينما كبرت تمكنت من تحقيق حلمها كتبت لـ(Saturday Evening Post) ،(Cosmopolitan) وغيرها من المجلات، كان أمرا سهلا بالنسبة لي أسهل من السقوط من على لوح خشبي. تمنيت فقط انها مازالت حية حتى ترى ماكتبت و لكي ترى أحفادها أيضا فقد اصبح لديها عشرة أحفاد، لكن لم تتمكن من رؤية أي أحد منهم. لقد حققت حلمًا اخرًا لها: عشت في كيب كود لسنوات عديدة. كانت دائما ما تريد أن تعيش في كيب كود. من الشائع جدًا أن يحاول الأبناء تحقيق أحلام أمهاتهم المستحيلة. لقد تبنيت أبناء أختي بعد وفاتها، ومن المخيف رؤيتهم وهم يحاولون تحقيق أحلامها المستحيلة.

ماهو حلم شقيقتك؟

أرادت أن تعيش كأنها عضو في العائلة السوسرية روبنسون مع حيوانات أليفة في بيئة منعزلة جدا. ابنها الأكبر جيم يقوم برعي الأغنام بسفوح جبال جامايكا منذ 8 سنوات. بلا هاتف ولا كهرباء.

ارتدت انت ووالداتك ثانوية Indianapolis 

ووالدي ثانوية Shortridge

كانت لديهم صحيفة يومية، على ما أعتقد.

نعم فعلا. The Shortridge Daily Echo. يوجد هناك محل طباعة في المدرسة. بعد المدرسة كان بعض الطلبة يكتبون المقالات واخرون يعدونها للطباعة.

لقد ضحكت للتو على شيء ما.

موقف تافه تذكرته، حصل في الثانوية لا علاقة له بالكتابة.

هل ترغب بأن تشاركه معنا على أية حال؟

أوه! كنت قد تذكرت أمرا حصل في المرحلة الثانوية، في صف التربية المدنية، مادة تتحدث عن كيفية عمل حكوماتنا. طلب منا الأستاذ أن نقف تباعا ونقول مالذي قمنا بعمله بعد المدرسة. كنت أجلس في آخر الفصل، بجوار شخص يدعى (ج. ت. ألبيرغر)، أصبح فيما بعد يعمل كموظف تأمينات في لوس انجلوس، توفي في وقت قريب. على أية حال، كان يشير إلي ويحثني ويتحداني أن أقول الحقيقة. حتى أنه عرض عليا خمسة دولارات لذلك. كان يرغب أن أقف و أقول: “أنا أبني مجسمات الطائرات وأستمني”.

فهمت.

قمت بالعمل أيضا في The Shortridge Daily Echo

هل كان العمل هناك ممتعا؟

ممتع ومريح. وجدت دائما أن الكتابة سهلة. فقد تعلمت أن أكتب لزملائي عوضا عن المعلمين، أغلب الكتاب المبتدئين لم تسنح لهم فرصة الكتابة لأقرانهم، فأنت بذلك تفتح باب الحجيم على نفسك.

إذا بعد الظهيرة دائما ماتذهب إلى مكتب Echo

نعم. وذات مرة بينما كنت أكتب وانا شارد الذهن صادف أن قمت بشم إبطي، وقد شاهدني العديد من الأشخاص وأنا أفعل ذلك ووجدوه أمرًا مضحكا، ومنذ ذلك الحين لقبت بـ“الشمام”.

وفي حفل التخرج السنوي عام 1940, أدرج اسمي كـ(كورت “الشمام” فونيجت، الابن). في الحقيقة لم أكن شمام. فالشمام هو الشخص الذي يحوم حول مقاعد دراجات الفتيات ويستنشقها. ولم اكن افعل ذلك.

“Twerp” أيضا له معنى محدد جدًا ، يعرفه قليل من الناس الآن. نتيجة لقلة تداوله، يعد “Twerp” الآن إهانة عديمة الشكل إلى حد كبير.

ما هو “Twerp” بالمعنى الدقيق للكلمة ، بمعناه الأصلي؟

هو الشخص الذي يقوم بإدخال طقم الأسنان الاصطناعية بين عضلات مؤخرته.

فهمت.

أستسمحك عذرًا بين عضلات مؤخرته أو مؤخرتها. دومًا ما أسيء للنسويات بهذه الطريقة.

لا أفهم لم قد يفعل الشخص شيئا كهذا بأسنانه الاصطناعية.

حتى يقتلعوا الأزرار من مقاعد سيارات الأجرة، هذا ما يثيرهم جنسيًا.

التحقت بجامعة كورنيل بعد جامعة Shortridge؟

أتصور ذلك.

تتصور ذلك؟

كان لي صديق يشرب الكحول بكثرة. وإذا ما سأله أحدهم إذا كان قد شرب في الليلة الماضية، كان يجيب باستمرار وبشكل عابر: “أوه، أتصور ذلك”. لقد أحببت دائما هذه الإجابة. إني أعتبر الحياة كحلم، وكورنل كان حلمًا مزعجًا. جزء منه بسبب الكحول نفسه، والآخر كوني التحقت بمجال لا املك فيها أي موهبة. اتفق أبي وأخي على أنني يجب أن أدرس الكيمياء، كون أخي كان جيدًا في المواد الكيميائية في M.I.T. هو أكبر مني بثماني سنوات. وأكثر مرحًا أيضًا. أهم اكتشافاته الشهيرة هو أن يوديد الفضة يُكوّن في بعض الأحيان المطر أو الثلج.

هل كانت أختك مرحة أيضا؟

أوه. نعم كان لديها طبع قاس غريب فالدعابة التي تمتلكها لم تتناسب مع بقية شخصياتها. كلما سقط أي شخص تراها تضحك بشكل هستيري. وفي إحدى المرات شاهدت امرأة تخرج من الحافلة بشكل أفقي، وضحكت على هذا الأمر لأسابيع .

بشكل أفقي؟

نعم صحيح. يبدو أن حذاء هذه المرأة علق بطريقة ما. على أي حال، فُتح باب الحافلة، وصادف أن أختي كانت تراقب من الرصيف، ثم رأت هذه المرأة تخرج أفقيًا؛ بشكل مستقيم مثل لوح، وجهها للأسفل، وقدماها بعيدتان عن الأرض.

والكوميديا التهريجية؟

بالطبع. أحببنا (لوريل) و(هاردي) هل تعلم ماهي اطرف المواقف التي تحصل في الفيلم؟

لا.

أن يكون لديك شخص يمشي من خلال ما يشبه بركة صغيرة ضحلة، ولكن في الواقع هي بعمق ستة أقدام. أتذكر في الفيلم حينما كان (كاري غرانت) يتجول في المروج الخضراء ليلًا. جاء إلى شجيرة صغيرة، قام بتشذيبها بجمال، الا أنه في الجانب الآخر كان هناك منحدر طوله 25 قدم في الجهة الأخرى. لكن ما أحببته أنا وأختي على وجه الخصوص، هو عندما يغضب شخص على البقية ثم يعصف بغرفة المعاطف، يعود بعدها عاصفًا متشابكًا في العلّاقات والأوشحة.

هل حصلت على شهادة في الكيمياء من جامعة كورنيل؟

رسبت في جميع المواد في منتصف دراستي بالسنة الثالثة. كنت مسرورا لالتحاقي بالجيش والذهاب للحرب. بعد الحرب التحقت بجامعة شيكاغو، سعدتُ بدراستي للانثربولوجيا، وهو علم معظمه من الشعر لا يكاد يوجد فيه أي مادة رياضية. كنت متزوجًا آنذاك، وسرعان ما أنجبت طفلي الأول وهو (مارك). الذي أصيب بالجنون لاحقا ونشر كتاب عظيم عن تلك المرحلة فيما بعد اسمه (The Eden Express)، أنجب للتو طفلا وهو أول حفيد لي، صبي اسمه (زاكاري). ينهي الآن (مارك) سنته الثانية في كلية الطب في جامعة هارفاد، وسيكون الطالب الوحيد من دفعته غير مديون للجامعة عند تخرجه بسبب كتابه. واعتبره تعافٍ جدير بالاحترام بعد هذه النكسة.

هل ساهمت دراستك للانثربولوجيا في تنويع كتاباتك؟

رسخ إلحادي والذي كان معتقد آبائي على كل حال. كان يجري عرض الأديان ودراستها وكأنها من ابتكارات (روب غولدبرغ) مثلما ظننت دائما. لم يسمح لنا باعتبار ثقافة ما متفوقة على أي ثقافة أخرى، وكنا نفتح على أنفسنا أبواب الجحيم في حال ذكرنا للأعراق. كان الوضع مثاليا للغاية.

هل كان أشبه بديانة؟

بالضبط. وهي الديانة الوحيدة، بالنسبة لي، حتى الان.

ماهي أطروحتك العلمية؟

(مهد القطة).

لكنك كتبته بعد أعوام من مغادرتك لشيكاغو، أليس كذلك؟

غادرت شيكاغو وانا لم أكتب رسالتي ولم أحصل على شهادة. جميع الأفكار الذي طرحتها للرسالة رفضت وكنت محبطًا. حصلت على وظيفة موظف علاقات عامة في شركة (جينيرال إلكترونيك) في سكينيكتدي.

بعد 20 عاما تلقيت رسالة من عميد جديد للجامعة والذي كان يبحث في ملفي، أخبرني وفقا لقوانين الجامعة يمكن الاستعاضة عن الأطروحة بنشر عمل عالي الجودة. لذلك كان يحق لي أن أحصل على درجة الماجستير. وقد عرض (مهد القطة) لقسم الانثربولوجيا، وقالوا انه يعتبر عملا انثربولوجياَ بنسبة لا بأس بها. فقاموا بارسال شهادتي عبر البريد الإلكتروني. كنت خريج عام 1972 أو شيء من ذلك.

تهانيا.

ليس شيئًا يستحق الذكر. كان أمرا في غاية السهولة.

بعض الشخصيات في (مهد القطة) كانت لأشخاص تعرفت عليهم في (جينيرال الكتريك)، أليس كذلك؟

الدكتور (فيليكس هونيكر)، أعرف عنه القليل. هو عالم شارد الذهن، كان شخصية كاريكاتورية للدكتور (إيرفينج لانجموير) نجم فريق معمل الأبحاث في (جينيرال الكتريك)، عمل معه شقيقي. كان (لانغموير) شارد الذهن بشكل فضيع. لقد تساءل إحدى المرات بصوت عال: “إذا قامت السلاحف بسحب رأسها للداخل هل عامودها الفقري يلتوي أو يتقلص؟” وقد أضفت هذا في الكتاب. وأضفت عنه أيضا أنه ذات مرة ترك بقشيشا تحت صحنه حينما قامت زوجته بتقديم الفطور له. ومن أهم إسهاماته كانت فكرة اسميتها “ايس-9” هي أحد أشكال المياة المتجمدة في درجة حرارة الغرفة. لم يخبرني عنها مباشرة. لقد كانت خزعبلات حول المختبر، في الوقت الذي جاء فيه (هربرت جورج ويلز) إلى سكينيكتدي. كان ذلك منذة فترة طويلة قبل مجيئي إلى هناك، كنت حينها مجرد طفل أستمع إلى الراديو وأصنع طائرات صغيرة.

حسنا؟

على أية حال، جاء (ويلز) إلى سكنيكتادي، وتم إخبار (لانجمور) بأن يستضيفه. اعتقد (لانجمور) أنه ربما يستطيع أن يسلي (ويلز) بفكرة عن قصة للخيال العلمي؛ حيال نوع من الجليد الذي تجمد ولم يذب في درجة حرارة الغرفة. لم يهتم (ويلز) بالفكرة أو على الأقل لم يستخدمها أبدا. مات (ويلز) وبعده (لانجمور). ثم قلت في نفسي: “من وجد الشي فهو له، فالفكرة ملكي الان”. بالمناسبة (لانجمور) كان أول عالم في القطاع الخاص يفوز بجائزة نوبل.

ما هو شعورك حيال فوز (بيلو) بجائزة نوبل للآداب؟

كان من أفضل الطرق الممكنة لتكريم أدبنا بأكمله

هل كان من السهل عليك التحدث إليه؟

نعم، لقد أتيحت لي ثلاث فرص لمحادثته. كنت في ضيافته في جامعة أيوا، كنت أستاذا وكان محاضرا. سارت الأمور فيما بيننا على مايرام وكانت لدينا أمور مشتركة على كل حال.

ماهي هذه الأمور؟

على حد علمي، أن كلانا من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة شيكاغو. لم يسبق له الذهاب لأي رحلات استكشافية في الأنثروبولوجيا، وأنا كذلك. واختلقنا شعوب لما قبل الصناعة؛ أنا في (مهد القطة) وهو في (هندرسون، ملك المطر).

إذا، هو زميلك العالم.

لست عالمًا، وأنا مسرور بذلك الآن، بعد أن تعرضت للضغوطات من قبل أبي و أخي لأصبح عالمًا. أنا أفهم كيفية الاستدلال العلمي، والعمل المسلي، مع ذلك ليس لدي الموهبة الكافية للانضمام اليه. أستمتع بالعمل في الشركات العلمية، أشعر بالسعادة والحماس حينما يخبروني بما يقومون به. قضيت أوقاتي مع العلماء أكثر بكثير مما قضيته مع الأدباء، وكانوا أغلبهم أصدقاء أخي. أستمتع أيضًا بالسباكة والنجارة ومكانيكا السيارات. لم أتعرف إلى أي شخص أدبي إلا في آخر عشر سنوات ابتداءً من العامين التي قمت فها بالتدريس في أيوا. وبشكل غير متوقع كنت صديق (نيلسون ألغرين) و(خوسيه دونوسو) و(فانس بورخيلي) و(دونالد جوستيس) و(جورج ستاربوك) و(مارفين بيل)، لقد كنت مذهولا حقا. الآن، واستنادًا إلى التقييمات التي تلقاها كتابي الأخير (كوميديا تهريجية)، فإن الناس يرغبون في إخراجي من المؤسسة الأدبية، وإعادتي للمكان الذي أتيت منه. 

كانت هناك بعض التعليقات سيئة؟ 

فقط في (The New York Times)، (Time)، (Newsweek)، (Rolling Stone)، (Village Voice)، (The New York Review of Books)، وأحبوني في (مديسين هات).

إلى ماذا تعزو هذا الحقد؟

(كوميديا تهريجية) كان كتاب سيئًا جدًا، وأنا على استعداد تام لقبول ذلك. الجميع يكتب كتب رديئة فلماذا لا أقوم أنا بذلك؟ ماكان غير اعتياديًا في التعليقات هو أنهم أرادوا من الناس الاعتراف بأني لم أكن جيدًا على الإطلاق. وبالفعل لقد طلب المراجع في صحيفة (صنداي تايمز) من النقاد الذين أشادوا بي في الماضي أن يعترفوا الآن علنًا بمدى خطأهم. حاول ناشر كتابي، (سام لورانس)، أن يريحني بالقول إن المؤلفين يتعرضون لهجوم دائمًا عندما يصبحوا أثرياء.

كنت بحاجة الى نوع من الطمأنينة؟

لم أشعر بشعور أسوأ في حياتي. شعرت أنني عدت مجددًا لأنام وافقا على عربة النقل في ألمانيا.

بهذا السوء؟

لا، ولكنها سيئة كفاية. فالنقاد بشكل مفاجئ أرادوا أن يسحقوني كالحشرة. وليس هذا فحسب، بل فجأة، لم يكن لدي المال أيضا. وهناك شكاوي سرية بأني كنت بربريا، وكتبت الكتاب بدون إجراء دراسة منهجية للأدب العظيم، ولست محترمًا نظرا لأني كنت كاتبًا مأجورًا مسرورٌ للغاية في المجلات اللامعة. ولم أقم بسداد رسومي الدراسية.

ألم تعاني؟

حسنا، لقد عانيت. ولكن كشخص تلقى تعليمًا سيئًا في شركة وتجارة مبتذلة. كان من العيب أن أفسد الفن من أجل المال. وبعد ذلك تجاوزت تلك المعضلة بأن أصبحت فاحش الثراء. كان أمرا سيئا للغاية بالنسبة لي وللجميع، لكن اسمي كان يضج في المطابع لذا جميعنا عالقون بي وبكتبي.

هل تعني بذلك أنك عدت من جديد؟

بطريقة ما. أنا الآن عضو في مجلس ولاية نيويورك للفنون، وكثيرًا ما يتحدث بعض الأعضاء الآخرين عن إرسال إشعارات إلى أقسام اللغة الإنجليزية بالكلية حول بعض الفرص الأدبية، وأقول: “أرسلهم إلى أقسام الكيمياء، وأرسلهم إلى دوائر علم الحيوان، أرسلهم إلى أقسام الأنثروبولوجيا وأقسام علم الفلك والفيزياء، وجميع كليات الطب والقانون. هذا هو المكان المحتمل أن يكون فيه الكتاب”.

كنت تؤمن بذلك؟

أعتقد أنه من الممتع للغاية أن يكون لمؤلف الأدبيات شيء آخر في ذهنه غير تاريخ الأدب. الأدب لا يجب أن يخفى بداخل حماقات خاصة، إن صح التعبير.

دعنا نتحدث عن المرأة في كتبك.

لايوجد أي واحدة. لا نساء، في الواقع، ولا حب.

ألا يستحق الامر تفسيرًا؟

إنها مشكلة آلية. الكثير مما يحدث عند سرد القصص الآلية، له علاقة بالمشاكل الفنية لكيفية عمل القصة. على سبيل المثال؛ قصص رعاة البقر وقصص رجال الشرطة تنتهي بإطلاق النار، لأن عمليات إطلاق النار هي أكثر الآليات موثوقية لإنهاء هذه القصص. لا يمكننا قول شي مثل الموت، يا له من شي مصطنع حينما يتم دائما قول “النهاية”.

أحاول أن أبعد الحب العميق عن قصصي لأنه بمجرد ظهور هذا الموضوع، يكاد يكون من المستحيل التحدث عن أي شيء آخر. لا يريد القراء سماع أي شيء آخر. يصبحون سذجًا إزاء الحب. إذا فاز العاشق في القصة بحبه الحقيقي، فهذه هي نهاية القصة، حتى لو كانت الحرب العالمية الثالثة على وشك أن تبدأ، والسماء مكتظة بالصحون الطائرة.

يعني ذلك أنك ابتعدت عن قصص الحب!

لدي شي أخر أريد أن اتحدث عنه. (رالف إيلسون) فعل الشيء نفسه في كتاب (رجل خفي)، إذ كان البطل في هذا الكتاب الرائع قد وجد شخصا يستحق الحب؛ شخصا أصبح مهووسًا به، لكان هذا الأمر هو نهاية القصة. و(سيلين) كذلك في to (رحلة إلى نهاية الليلة). لقد استبعد إمكانية الحب الحقيقي والأخير، حتى تستمر القصة بشكل أطول.

ليس هناك الكثير من الكتاب تحدثوا عن آلياتهم في الكتابة.

أنا شخص تكنوقراطي متعصب أؤمن أنه يمكنهم أن يعبثوا بها مثل (فورد موديل تي).

مالهدف؟

لأُكسِب للقارئ متعة في القراءة.

هل تظن أنك ستكتب يوما ما قصة حب؟

ربما. إنني أعيش فعلًا حياة مليئة بالحب. حتى حينما أعيش هذه الحياة المحبة ويسير كل شي بشكل جيد، أجد نفسي في بعض الأحيان أقول: “يا الهي ألا نستطيع التحدث عن أمر آخر لفترة؟” هل تعلم ما هو المضحك حقا؟

لا؟

تم رمي كتبي من المكتبات المدرسية في جميع أنحاء البلاد، لأنها ذات محتوى فاحش كما يزعمون. رأيت إحدى المرات رسالة مرسلة الى الصحف في المدن الصغيرة، طلب منهم أن يضعوا كتاب (المسلخ رقم 5) بنفس قسم مجلات (Deep Throat) و(Hustle). كيف يمكن لشخص أن يمارس العادة السرية في كتاب (المسلخ رقم 5)؟

يشمل جميع الأنواع.

حسنا. غير موجود النوع الديني الذي بلا رقابة. يجددوني شخص لايحترم اعتقادهم عن الآلهة. ويعتقدون أن الحكومة يجب أن تحمي اسم الإله. كل ما أقوله لهم هو حظا موفقا لهم وللحكومة وللآلهة.

هل تعلم مالذي قاله (لويس منكن) ذات مرة عن المتدينين؟ قال أنه أسيء فهمه إلى حد كبير. قال إنه لم يكرههم، بل ببساطة يجدهم ممتعين.

حينما سألتك قبل مدة أي شخص من عائلتك أثر عليك ككاتب، قلت والدتك. كنت أتوقع أن تذكر شقيقتك، لكونك تحدثت عنها كثير في (كوميديا تهريجية).

قلت في (كوميديا تهريجية) بأنني كنت أكتب لأجلها؛ كل شخص مبدع ناجح يضع شخصًا واحدًا من الجمهور في ذهنه. هذا سر التماسك الفني. يمكن لأي شخص تحقيق ذلك اذا قرر/قررت وضع شخص واحد في ذهنه. لم أكن اعلم أنها الشخص الذي أكتب من أجله إلا بعد وفاتها.

كانت تحب الأدب؟

كانت تكتب بطريقة رائعة جدًا. لم تكن تقرأ كثيرًا، لكن في السنوات الأخيرة، قرأت لـ(هنري ديفيد ثورو). وكذلك أبي لم يقرأ كثيرًا ولكن كانت كتاباته أشبه بحلم. شعرت بالخجل حينما قارنت النثر المكتوب في هذه الرسائل التي كتبها أبي وأختي مع تلك التي أكتبها. 

هل حاولت شقيقتك أيضا أن تجني المال مقابل الكتابة؟

لا ، فقد كانت أيضا نحاتة بارعة. وبختها ذات مرة لعدم بذلها المزيد من الجهد، رغم امتلاكها للموهبة. أجابت أن امتلاكك للموهبة لا يفرض عليك القيام بشي ما حياله. كانت عبارة مذهلة بالنسبة لي. دائما ماعتقدت أنه من المفترض أن يتمسك الناس بمواهبهم ويهربون معها بأقصى سرعة ممكنة.

ومالذي تعتقده الآن؟

‏حسنًا. إن ما قالته أختي في السابق، يبدو لي الآن نوعًا من الحكمة النسائية الغريبة. لدي ابنتان تتمتعان بموهبة كبيرة كتلك التي كانت تتمتع بها أختي، وستهلكان إن فقدتا توزانهما وحسّهما الفكاهي، من خلال انتزاع موهبتهما والركض بيأس في سبيلها بأسرع ما يمكن، ولأبعد مكان ممكن. لقد شاهداني وأنا أفعل هذا الشيء، ولا بد من أن هذا قد بدا لهما ضربًا من الجنون.

على الآلة الكاتبة؟

نعم. برأس أحمق يستمتع بالتدخين.

هل توقفت يوما عن التدخين؟

مرتين. إحداهما حينما كنت مدمنا وتحولت إلى (سانتا كلوز)؛ أصبحت قصيرًا وممتلئًا وقارب وزني الـ250 باوندًا. توقفت حينها لقرابة عام. وبعد ذلك أحضرتني جامعة هاواي إلى أواهيو لأتحدث عن التجربة. في إحدى الليالي كنت أشرب جوز الهند على سطح فندق Ili Kai، وكل ما كان علي فعله لاستكمال حلقة سعادتي هو أن أدخن سيجارة. وفعلت!

والمرة الثانية؟

في الآونة الأخيرة، في العالم الماضي بالتحديد. دفعت لمنظمة موقفي الدخان مائة وخمسين دولارًا لمساعدتي على الإقلاع، على مدار ستة أسابيع. وقد كان تماما كما وعدوني، سهلًا ومفيدًا. حصلت حينها على شهادة تخرج وشارة تقدير. المشكلة الوحيدة هي أني أصبحت أيضًا مجنونًا. كنت سعيدًا وفخورًا جدًا بنفسي، لكن من حولي وجدوني عنيدًا بشكل لايطاق، فظًا وصاخبًا. كما أنني توقفت عن الكتابة. فلم أكتب أية رسائل بعد ذلك. ومن الواضح أنها كانت صفقة سيئة. لذلك عدت للتدخين مرة أخرى. وكما اعتادت الرابطة الوطنية للمصنعين أن تقول: “لا وجود لما يسمى بالغداء المجاني”.

هل تعتقد أنه من الممكن حقا أن يتم تعليم الكتابة الإبداعية؟

بنفس الطريقة التي يتم فيها تعلم لعبة الغولف. يمكن للمحترفين أن يشيروا إلى أخطاء واضحة في تسديدتك. وأعتقد أني فعلت ذلك بشكل جيد في جامعة أيوا لمدة عامين. كان كلا من (غايل غودوين) و(جون إيرفينج) و(جوناثان بينر) و(بروس دوبلر) و(جون كيسي) و(جين كاسي) من طلاب الجامعة. و منذ ذلك الحين قاموا بنشر أعمال رائعة. درست الكتابة الإبداعية في هارفارد وبشكل سيء بعد ذلك، لأن زواجي كان ينهار، و كنت أتنقل كل أسبوع إلى كامبريدج من نيويورك. وبعد ذلك قمت بالتدريس بشكل أسوأ من سابقه في سيتي كوليدج قبل عامين. فكان لدي العديد من المشاريع الأخرى القائمة في نفس الوقت. فلم يعد لدي الرغبة في التدريس مجددا. لا أعرف سوى الطريقة النظرية.

هل يمكن أن تضع “النظرية” في بضع كلمات ؟

صرح بذلك (بول إنجل)، مؤسس ورشة الكتاب في ولاية أيوا. أخبرني أنه إذا عثرت على ورشة العمل في مبنى خاص بك، فيجب أن تُدرج هذه الكلمات على المدخل: “لا تأخذ الأمر على محمل الجد”.

وكيف سيكون ذلك مفيدًا؟

من شأنه أن يذكر الطلبة بأنهم كانوا يتعلمون أداء دعابات عملية.

دعابات عملية؟

إذا جعلت الناس تضحك أو تبكي من أجل علامات سوداء صغيرة على لوح من الورق الأبيض، أليست هذه دعابة؟ الحبكة لجميع القصص الرائعة هي عبارة عن دعابات عملية عظيمة يقع الناس فيها مرارًا وتكرارًا.

هل لك ان تعطينا مثالا؟

الرواية القوطية. تنشر العشرات من الأشياء كل عام، وتباع جميعها. قام صديقي (بوردن ديل) مؤخرًا بكتابة رواية قوطية من أجل المتعة، وسألته عن ماهية الحبكة، وقال: “امرأة شابة تقبل وظيفة في منزل قديم وتُخيفها السراويل”.

أمثلة أخرى؟

الأمثلة الأخرى ليست ممتعة كثيرا في وصفهم؛ شخص ما يقع في مأزق ثم يخرج منها، شخص ما يفقد شيئًا وثم يسترده، شخص ما ظلم ويحصل على انتقامه، سندريلا. شخص ما ينفصل وتتدهور حالته، يقع الناس في حب بعضهم البعض والكثير من الأشخاص يعترضون طريقهم، الشخص الصالح يتهم زوراً بالرذيلة، والشخص الآثم يعتقد أنه صالح. يواجه الشخص التحدي بشجاعة، وينجح أو يفشل؛ شخص يكذب، شخص يسرق، شخص يقتل، شخص يرتكب الزنا.

أعتذرعما سأقوله، لكن هذه الحبكات تبدو قديمة جدًا

أضمن لك أنه لا يوجد مخطط لتجديد القصص، حتى مع عدم وجود حبكة فلن يشعر القارئ بالرضى الحقيقي طالما لم يتم دس إحدى الحبكات التقليدية في مكان ما بالقصة. لا أشيد بهذا النوع من الأحداث باعتبارها تمثيل واقعي للحياة، ولكن كطريقة لإبقاء القراء يقرؤون. حينما كنت أُدرس الكتابة الإبداعية، كنت أخبر الطلاب أن يجعلوا الشخصيات في القصة ترغب بشيء ما على الفور ولو كان كوب ماء. فحتى الشخصيات التي فقدت قدرتها على الحركة بسبب عبثية الحياة، يشربون الماء بين الفينة والأخرى.

كتب أحد تلاميذي قصة عن راهبة عثرت على جزء من خيط الأسنان عالقة بين أضراسها السفلية اليسرى، ولم تستطع التخلص منه طوال اليوم. كانت قصة رائعة. تناولت قضايا أهم بكثير من خيط تنظيف الأسنان، ولكن ما جعل القراء يستمرون بالقراءة كان لهفتهم للحظة إزالة خيط تنظيف الأسنان. لا يمكن لأحد قراءة هذه القصة من غير أن يمرر إصبعه حول فمه. وهنا دعابة عملية بالنسبة للقارئ. حينما تستبعد الحبكة وتستبعد منها شغف الشخص للعثور على أمر ما، فإنك تستبعد القارئ وهذا تفكير لئيم جدا. يمكنك أيضًا استبعاد القارئ من خلال عدم إخباره على الفور بمكان حدوث القصة، ومن هم الأشخاص.

وما الذي يريدونه..

نعم. ويمكنك أن تجعله ينام وذلك بعدم جعل الشخصيات تواجه بعضها البعض. الطلبة قالوا انهم يفضلون عدم تصادم الشخصيات لأن الناس في الحياة الحديثة تتجنب ذلك. قالوا بأن “حياتنا المعاصرة موحشة جدا”. وهذا بنظري هو الكسل. فمهمة الكاتب تنظيم المواجهات وبذلك فإن الشخصيات تفاجؤنا ،وتكشف لنا عن الخبايا، تعلمنا وتمتعنا كذلك. إذا لم يتمكن الكاتب من فعل هذه الأمور أو لن يفعلها، فعليه أن ينسحب من التجارة.

التجارة؟

التجارة. النجارين يبنون المنازل. الميكانيكيين يصلحون السيارات. و رواة القصص يقتنصون أوقات فراغ القراء بطريقة لايشعر معها القارئ بأنه أضاع وقته. 

الموهبة بالتأكيد مطلوبة ؟

في جميع المجالات. كنت تاجرًا لشركة Saab في شركة Cape Cod لفترة من الوقت، وقد التحقت بمدرستهم الميكانيكة، وطردوني. لاني لا أملك موهبة.

ما مدى شيوع موهبة رواية القصص؟

يتكون فصل الكتابة الإبداعية بأي مكان في هذا البلد من عشرين شخص، ستة منهم موهوبين بشكل مذهل. اثنان منهم قد ينشرون شيئًا ما عما قريب.

ما الذي يميز هاذين الاثنين عن البقية؟

لديهم شيء آخر غير الأدب بحد ذاته في أذهانهم. من المحتمل أن يكونوا محتالين أيضًا. أعني أنهم لا يريدون يجلسوا مكتوفين اليدين حتى يتم اكتشافهم من قبل شخص ما. سوف يصرون عليك لقراءته.

كنت رجل علاقات عامة ورجل إعلانات.

أوه، أتصور ذلك.

هل كان هذا مؤلما؟ أقصد، هل شعرت أن موهبتك تهدر، وتضعف؟

لا. هذه أمور عاطفية والعمل على هذا النحو يدمر روح الكتابة لدى الكاتب. في ولاية أيوا اعتدت أنا و(ديك ييتس) على إلقاء محاضرة كل عام حول الكاتب ونظام المشاريع الحرة. والطلبة يكرهون ذلك. كنا نتحدث عن جميع الطرق الملتوية الذي يلجأ لها الكاتب اذا وجدوا أنفسهم يتضورون جوعا حتى الموت. أو في حالة رغبتهم جمع ما يكفي من رأس المال لتمويل كتابة كتاب. نظرًا لأن الناشرين لا يضعون أموالهم في أولى الروايات بعد الآن، وبما أن المجلات قد انتهى عهدها، ولأن التلفزيون لم يعد يشتري من الشباب العاملين لحسابهم الخاص، وبما أن المؤسسات لا تقدم منحًا إلا للمتمكنين القدامى مثلي، فسيتعين على الكتاب الشباب لكي يدعموا انفسهم ان يسلكوا طرق مخزية وغير شرعية، و قريبًا سنجد أنفسنا بلا أدب معاصر. شيء واحد مروّع تفعله أعمال القرصنة للكاتب، وهو تضييع وقتهم الثمين.

ليست مزحة.

انها مأساة. ما زلت أحاول التفكير في جميع الطرق التي يسلكها الكتاب الصغار حتى لو كانت مروعة، ليتشبثوا بالكتابة بطريقة أو بأخرى.

هل ينبغي دعم الكتاب الشباب؟

يجب القيام بشيء ما حيال هذا الأمر، خاصة بعد أن جعلوا من المستحيل أن يدعم الشباب أنفسهم من خلال الأعمال الحرة. كنت في بداياتي رجل أعمال مذهل، لسبب بسيط هو أن هناك الكثير من الأعمال التي كان من الممكن القيام بها. وحينما عملت لدى شركة (جنرال إلكتريك)، كتبت قصة بعنوان (تقرير عن تأثير بارنهاوس)، وهي أول قصة قمت بكتابتها. أرسلتها بعد ذلك بالبريد الإلكتروني إلى كوليرز. وكان (نوكس برغر) هو رئيس تحرير آن ذاك وأخبرني ما هي الأخطاء وكيفية تصحيحها. ففعلت ما قاله، واشترى القصة بمقابل سبعمائة وخمسين دولارًا، مدة عمل ستة أسابيع في (جنرال إلكتريك) كتبت بعدها  قصة أخرى، ودفع لي تسع مائة وخمسين دولارًا، واقترح علي أنه ربما حان الوقت لكي أترك (جنرال إلكتريك) وهذا مافعلته. انتقلت إلى (بروفينستاون) وأخيراتم تسعير قصتي القصيرة بتسع وعشرين مليون دولارًا كما أعتقد. وجلب لي (نوكس) حينها اثنين من الموظفين الذين كانوا ماهرين في سرد القصص؛ (كينيث ليتور)، الذي كان سلفه في كوليرز، و(ماكس ويلكينسون)، الذي كان محرر القصة في (إم جي إم). ودوِّن هذا الأمر لديك، أن (نوكس برجر) الذي كان في سني، اكتشف وشجع الكتاب الشباب أكثر من أي محرر آخر في وقته. لا أعتقد أنه قد تم تدوين هذا الأمر أي مكان. إنها حقيقة معروفة فقط لدى الكتاب، وهي حقيقة يمكن أن تختفي بسهولة، إذا لم يتم كتابتها في مكان ما.

أين هو (نوكس برجر) الآن؟

إنه وكيل أدبي. وفي الواقع إنه يمثل ابني (مارك) أيضًا.

و(ليتور) و(يلكينسون)؟

توفي (ليتور) قبل عشر سنوات أو نحو ذلك. لقد كان عقيدًا في Lafayette Escadrille، على كل حال، في عمر الـ23 عامًا، كان أول رجل قام بتمشيط خندق و كان مستشاري أيضا. تقاعد (ماكس ويلكينسون) في فلوريدا. لقد أحرجه دائمًا أن يكون وكيلا. إذا سأله شخص غريب عما فعله من أجل لقمة العيش، كان يقول دائما أنه يزرع القطن.

هل قمت بتعيين مستشارًا جديدًا الآن؟

لا .أظنني كبرت كفاية لأعثر على واحد. كل ما أكتبه الآن يتم تحريره دون أي تعليق من الناشر الذي يصغرني سنا، أو من قبل المحرر أو أي شخص. شقيقتي لم تعد موجودة كي تلهمني الكتابة. فشعرت فجأة أن هناك فراغ كبير في حياتي.

هل تشعر كما لو كنت في الفضاء بدون أي وسيلة تواصل؟

وبلا جاذبية الأرض لتساعدني على التوازن، إنه أمر مقلق في بعض الأحيان.

هل يوجد شيء اخر تود إضافته؟

هل تعرف القضيب المعدني الذي يوضع على الأبواب الرئيسية للمدارس والمسارح؟ و حينما تدفعه باتجاه الباب سينفتح ؟

نعم؟

اسم العلامة التجارية لأغلبها هو (فون دوبرين). “فون” من (فونجيت). حوصر أحد اقربائي بداخل حريق مسرح إيروكوا في شيكاغو منذ وقت طويل، واخترع القضيب الحديدي مع اثنين آخرين؛ “برين” من (برينزلر)، ونسيت من هو “دو”.

حسنا.

وأريد أن أقول أيضًا ، الفكاهيين في أسرهم هم غالبا الأطفال الأصغر سنًا. عندما كنت أصغر طفل على مائدة العشاء لدينا، كانت هناك طريقة واحدة فقط لجذب انتباه أي شخص، وهو أن أكون مضحكا. كان عليَّ التخصص في هذا. فقد اعتدت على الاستماع إلى الكوميديين في المذياع باهتمام شديد، حتى أتمكن من معرفة كيفية صنع النكات. وبعد أن أصبحت كبيرًا أصبح هذا ما يدور حوله كتبي الآن؛ النكات الفسيفسائية.

هل لديك أي نكات مفضلة؟

كنا نتجادل انا واختي حول أطرف النكات في العالم؛ طبعا بجوار نكتة الرجل الذي اقتحم خزانة المعطف. حينما عملنا معا أصبحنا أكثر ظرافة من (لوريل) و(هاردي). وهذا بالتحديد مايدور حوله كتاب (كوميديا تهريجية).

هل اتفقتم أخيرًا على أفضل نكتة في العالم؟

اتفقنا على اثنين. ومن الصعب تحديد أي منهما هكذا بكل بساطة.

أخبرنا على أية حال.

حسنا . لن تضحك. لم يضحك عليها احد من قبل. انها طرفة قديمة “الغرابان الأسودان”؛ رجلان أبيضان بوجه أسود يدعيان (موران) و(ماك). قاموا بتسجيل روتينهم الخاص على الة الفونوغراف. وبما انهم اثنان من الرجال السود فمن المفترض أن يتحدثان الى بعضهما بخمول، على أية حال قال أحدهما: “أنا حلمت أنني أتناول كعكات الفانيلا”، رد الآخر: “هل هذا صحيح؟”، قال الأول: “وعندما استيقظت، اختفت البطانية”.

اممم!

أخبرتك أنك لن تضحك عليها. النكتة الأخرى تتطلب تعاونك. سوف أطرح عليك سؤالًا، وعليك أن تقول “لا”.

حسنا.

هل تعرف لماذا القشدة أغلى بكثير من الحليب؟

لا.

لأن الأبقار يكرهون الجلوس على تلك الزجاجات الصغيرة. أرأيت لم تضحك أيضا. ولكن أعطيك كلمة شرف أنها طرفة رائعة جدًا، وتم إخراجها ببراعة.

يبدو أنك تفضل (لوريل) و(هاردي) على (تشابلن)، أليس كذلك؟

أنا مهووس بـ(تشابلن)، لكن هناك مسافة كبيرة بينه وبين جمهوره. من الواضح أنه عبقري جدا. فلديه أسلوبه الخاص، إنه رائع مثل (بيكاسو)، وهذا مخيف بالنسبة لي.

هل ستكتب قصة قصيرة أخرى؟

ربما. كتبت منذ 8 سنوات، واعتقدت أنها ستكون أخر قصة لي. فطلب مني (هارلان إليسون) المساهمة في مجموعة كان يعمل عليها قصة باسم : The Big Space Fuck أو (لعنة الفضاء الواسع)، وأظن أني أول شخص يقوم باستخدم كلمة “اللعنة” كعنوان. كان الأمر يتعلق بإطلاق سفينة فضائية برأس حربي مليء بالسائل المنوي إلى “مجرة أندروميدا”. وهذا يذكرني بصديقي الرائع من إنديانابوليس، وهو صديق الوحيد المتبقي لي من هذه المدينة؛ (ويليام فايلي). عندما خضنا الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض أن يتبرع الجميع بالدم، تساءل (فايلي) عما إذا كان لا يستطيع إعطاء نصف لتر من السائل المنوي بدلاً من ذلك.

إذا لم يخسر والداك كل أموالهما، فماذا كنت ستفعل الآن؟

لشعرت بسعادة عارمة وأصبحت مهندس معماري في إنديانابوليس، مثل والدي وجدتي. ما زلت أتمنى أن ذلك قد حدث. على أي حال هناك شيء أخر أود قوله، أحد أفضل المهندسين المعماريين الشباب هناك يعيش في منزل أنشأه والدي لعائلتنا في العام الذي ولدت فيه، 1922. ويوجد على زجاج النوافذ الثلاث الصغيرة بجانب الباب الأمامي الأحرف الأولى من اسمي واسم أختي وأخي.

لديك ماضي جيد تتوق إليه.

نعم فعلا. عندما أذهب إلى إنديانابوليس ، نفس السؤال يتبادر الى ذهني مرارًا وتكرارًا: “أين سريري، أين سريري؟” وإذا كان أشباح والدي وجدتي يجوبون تلك المدينة، فيجب عليهم أن يتساءلون أين ذهبت كل مبانيهم. تم تحويل وسط المدينة وكانت معظمها مبانيهم إلى مواقف للسيارات. يجب أن يتساءلوا أيضًا أين ذهب كل أقاربهم. لقد نشأوا في عائلة ممتدة وضخمة لم تعد موجودة. لقد تذوقت هذا، الشيء العائلي الكبير. عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو، وسمعت رئيس قسم الأنثروبولوجيا، (روبرت ريدفيلد)، يحاضر عن المجتمع الشعبي، والتي كانت في الأساس أسرة ممتدة ومعزولة ومستقرة، لم يكن عليه أن يوضح كم هو أمر لطيف.

أي شيء اخر؟

حسنًا ، لقد اكتشفت للتو صلاة للكتاب. سمعت عن صلوات البحارة والملوك والجنود وما إلى ذلك، لكنني لم أسمع أي صلاة للكتاب. هل يمكنني أن أضع ذلك هنا؟

بالتأكيد.

كتبه (صموئيل جونسون) في 3 أبريل 1753، وهو اليوم الذي وقع فيه العقد وطلب منه كتابة أول قاموس كامل للغة الإنجليزية. كان يصلي من أجل نفسه. ربما يجب الاحتفال بالثالث من أبريل بـ“يوم الكتّاب”.

على أي حال ، هذه هي الصلاة: “يا الله، الذي يدعمني حتى هذه اللحظة، أن تمكنني من المضي قدماً في هذا العمل والقيام بالمهمة على اكمل وجه بوضعي الراهن؛ و أن أسلمه في اليوم الأخير، كإثبات للكفاءة التي منحتها لي، وحينها قد أتلقى عفواً من اليسوع المسيح. آمين”.

يبدو أنها هذه رغبة لحمل موهبته بأقصى وأبعد سرعة ممكنة.

نعم فعلا. وكان كاتبًا مأجورًا شهيرًا.

وأنت، هل تعتبر نفسك كاتبًا مآجورًا؟

بطريقةٍ ما.

ما هي؟

ابن الكساد العظيم. وربما ينبغي لنا أن نقول شيئًا في هذه المرحلة، وهو كيف تم إجراء هذه المقابلة، إلا إذا كانت الصراحة تفسد كل شيء بطريقة ما.

دع الأمور تأخذ مجراها.

تم تقديم أربع مقابلات مختلفة، أجريت معي إلى (باريس ريفيو)، وقد قاموا بتجميعها معًا لتشكل مقابلة واحدة وعرضوها علي. سارت الخطة بشكل جيد نسبيا، ولذلك اتصلت بمحاور أخر لجعلها مقابلة واحدة. كنت أنا ذلك المحاور. بكل شفافية، نعم لقد قابلت نفسي.

فهمت. سؤالنا الأخير. إذا كنت مفوض للنشر في الولايات المتحدة، فماذا كنت ستفعل لتخفيف الوضع الحالي المؤسف؟

لا يوجد لدينا نقص من ناحية المؤلفين المبدعين. ما نفتقر إليه هو جمهور من القراء يمكن الاعتماد عليه.

وبالتالي؟

أقترح أن يُطلب من كل شخص عاطل آو عاطلة عن العمل، تقديم تقريرعن كتاب قبل أن يحصل/تحصل على الإعانة.

شكرا لك.

شكرا لك.


[المصدر]

لقاء صحفي بعنوان “فن الفكاهة والظرف” مع (وودي آلن)

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كما يعرف سكان نيويورك (وودي آلن) هو أحد أكثر مواطنيها طاغي الحضور وكلي الوجود: في مقعد الأمامي في ملعب ماديسون سكوير غاردن يشاهد مبارة لنيويورك نيكس، في حانة مايكل في مساءات الإثنين يعزف الكلارنيت، وفي المناسبات في مطعم إيلاين جالسًا على طاولته المعتادة. يصعب بالرغم من ذلك اعتباره شخصًا ودودًا منفتحًا: خجلٌ حين لقاء المعارف، مرةً عبر عن رغبة ملحة شديدة بالعودة إلى الرحم “رحم أي أحد”. ومسيرته في حقيقة الأمر جهد استثنائي ومدهش في عددٍ من المجالات: الأدب، المسرح، الأفلام السينمائية. “أعمل مُكرهًا ومُلزمًا” قال مرة، “ما أحب عمله فعلًا بأفضل إمكانياتي هو ما ألا أفعله الآن”.

بدأت مسيرة (آلن) في الكوميديا كمراهق حين قدم بضع نكات لشركة إعلانات. في سنة 1953 بعد ما أسماه “سنة قصيرة مًجهضة في الجامعة” ترك الدراسة ليصبح كاتبًا فكاهيًا لـ(غارّي موور) و(سيد سيزر). في أوائل الستينات أكسبته جولاته الروتينية في النوادي الكوميدية في جيرنويش فيلج اعتبارًا وتقديرًا، ومن ثم أدت إلى الظهور على التلفاز عدة مرات. سنة 1965 مباشرةً بعد إنتاجه لثلاثة أسطوانات كوميدية ناجحة شق طريقه وظهر لأول مرة ككمثل وكاتب نص في فلم (What’s New, Pussycat)، أما فيلمه الصادر سنة 1969 (Take the Money and Run) كان المشروع الأول الذي لم يكتبه فقط و يمثل دور البطولة فيه بل وحتى أخرجه أيضًا. رغم أن عددًا من أفلامه المبكرة (Bananasو(Sleeper) و(Love and Death) اُنتقدت نقدًا لاذعًا، إلا أنه وحتى سنة 1977 وصدور فلم (Annie Hall) الذي ربح أربع جوائز أوسكار حينها حظي (آلن) بالتقدير والاعتراف به كقوة استثنائية في السينما الأمريكية. منذئذٍ بلغت أفلامه الخمسين فيلمًا والتي نجح بجعلها فيلمًا كل سنة. كما كتب أيضًا عدة مسرحيات لمسرح برودواي: الأنجح من بينها (Don’t Drink the Waterو(Play It Again, Sam) والتي حُولت أيضًا إلى أفلام.

كتب آلن ثلاثة مجموعات قصصية ظهر معظمها في مجلة النيويوركر أولًا وهي: (Getting Even) و(Without Feathers) و(Side Effects).

أُنجز القسم الأكبر من هذه المقابلة، معظمها أجرته (ميتشكو كاكوتاني)[1] خلال عشاء في مطعم إلاين، واكتملت سنة 1985. ومنذ ذلك الحين استكملها المراجعون وعدلوها بالمراسلات والمكالمات مع السيد (آلن) لتظهر بهذه الصياغة الحديثة الآن:


هل تعتقد أن الفنان الهزلي يرى العالم رؤية مختلفة بعض الشيء؟

نعم. أعتقد بإنك إن امتلكت منظورًا فكاهيًا، فأي شيء تقريبًا سيحدث سيخضع لمصفاة الفكاهة. هي طريقة للتكيف على الأمد القصير، ولا أثر لها على الأمد الطويل، وتتطلب تجديدًا ونهضةً ثابتة أبدية. ولذلك فالناس تتحدث عن الفكاهيين أو الهزليين أنهم دومًا “ضاحكون ظريفون”. يشبه الأمر أن تخدر حواسك باستمرار لتعيش بقدر أقل من الألم.

هذا نادرٌ جدًا ألا تظن ذلك؟

إنها الطريقة الوحيدة للتعاطي مع الحياة. يعتقد الناس بأنه من الصعب جدًا أن تكون ظرفٍ خفيف الدم لكنه شيءٌ ممتع. إذا كنتَ قادرًا على فعله فهو أمرٌ غير صعب أبدًا. يشبه الأمر كما لو أنني قلت لأحدٍ بارع بالرسم يا إلهي لو أنني أمسكتُ قلم رصاص و ورقة طيلة اليوم لما استطعتُ رسم ذلك الحصان. أنا لا أقدر على فعل ذلك وأنتَ فعلته بإتقان شديد جدًا. ويشعر الآخر بأنه لا شيء.

أنا أفعل هذا منذ كنتُ في الرابعة من عمري. هذا ما أشعر به نحو الكوميديا: إذا كنتَ قادرًا على فعله، فأنت تعرف حقًا بأنه ليس شيئًا مميزًا. لا أعني أن النتيجة النهائية لا شيء وليس مميزة، أعني أن العملية بسيطة. طبعًا هناك بضع أشخاصًا هم ظرافٌ فعلًا، وبضعٌ آخر ليسوا. إنها غرابة الطبيعة.

من هم الكُتاب الذين جعلوك راغبًا في الكتابة؟

أتذكر أن أول شخصٍ ضحكت على كتاباته هو (ماكس شولمان). كنتُ في الخامسة عشر من عمري. أملكُ مجموعة قديمة من كتبه. أكثر كتبه فكاهةً بالنسبة لي كان (The Zebra Derby) .. مضحكٌ بمعنى أشمل، رغم أن عليك أن تقدر السياق الذي كتب فيه، بما إنه يتناول عودة جندي عريق إلى هنا بعد الحرب العالمية الثانية، عودته إلى الأرض الموعودة. ثم اكتشفتُ (روبرت بنشلي) و(سيدني جوزيف بيرلمان)، الكاتبان الآخران الظريفان جدًا واللذان كانا حقًا معلمين عظيمين. التقيتُ (بيرلمان) في مطعم إلاين في إحدى الليالي. كنتُ بصحبة (مارشال بريكمان) وأحضر لي النادل بطاقة. كان على الجزء الخلفي منها جملة من قبيل أتود أن تشاركني شرب تونيك الكرفس. اعتقدتُ -أوه- إنه محض سائح من خارج المدينة وألقيتُ بالبطاقة بعيدًا. لاحقًا بعد مرور ساعة ونصف قال أحدهم أتعلم أنها من (س. ج. بيرلمان)، لذا استعدتُ البطاقة من على الأرض. كان مكتوبًا عليها “س. ج. بيرلمان”، وركضتُ نحو المكان الذي كان فيه في الزاوية وجلسنا برفقته. قابلته قبلًا و كان دومًا بالنسبة لي ودودًا و لطيفًا. قرأتُ أنه يمكن أن يكون عسيرًا، لكني لم أرَ ذلك الجانب منه أبدًا.

متى بدأتَ الكتابة؟

قبل أن أجيد القراءة. كنتُ أرغب دومًا بالكتابة. قبل ذلك كنتُ أخلق الحكايات. كنتُ دومًا أخلق الحكايات لتلاميذ فصلي. لم أكن في الغالب معجبًا أبدًا بكتاب الكوميديا كما كنتُ بالكتاب الجادين. لكني وجدتُ نفسي قادرًا على الكتابة بالمزاج الفكاهي، مقلدًا مباشرةً (شولمان) في بادئ الأمر وأحيانًا (بيرلمان). في سنتي الدراسية القصيرة المجهضة في الجامعة كنتُ أسلم أعمالي كلها مشتقةً اشتقاقًا متقنًا أو سيئًا من أعمال (شولمان). لم أملك أي إحساسٍ بنفسي أو معنى لها مطلقًا.

كيف اكتشفت ذاتك؟ هل حصل ذلك خطوة بخطوة؟

لا، حدث ذلك صدفة نوعًا ما. كنتُ يئستُ من كتابة النثر كليًا واتجهتُ للكتابة التلفزيونية. كنتُ أريد أن أكتب نصوصًا مسرحيًا وكنتُ في ذات الوقت أمثل ككوميدي في ملهى. يومًا ما راسلتني مجلة (بلاي بوي) وطلبتني مني كتابة شيءٍ ما؛ لأني كنتُ كوميديًا صاعدًا وكتبتُ ذلك النص عن الشطرنج.

كنتُ حينها متزوجًا تقريبًا، لكن ليس بعد، بـ(لوزين لاسّر)، قرأتها وقالت: “يا إلهي أظن أن هذا النص جيد”. أيفترض بك أن ترسله للـ(نيويوركر). بالنسبة لي كما بالنسبة لأي أحدٍ من جيلي كانت (النيويوركر) أرضًا مقدسة. بأية حال فعلتُ ذلك كمزحة. صدمتُ حين تلقيتُ ذلك الاتصال الذي يسألني عن إمكانية إجراء بعض التعديلات، وسيطبعونها بعد ذلك. لذا ذهبتُ هناك وعدلت المطلوب، وطبعوها. كانت تلك دفعة كبيرة معززة لثقتي.

لذا اعتقدتُ، حسنًا، أظن أنني سأكتب نصًا آخر لهم. النص الثاني أو الثالث الذي أرسلته للـ(نيويوركر) كان مشابهًا لأسلوب (بيرلمان). طبعوها لكن التعليقات كانت تقول بأنها محاكاة خطرة و واوفقت. لذا تطلع كلانا أنا و(النيويوركر) لتبعات تلك النصوص التي أرسلتها. أخيرًا ابتعدتُ أكثر وأكثر عنه. كان (بيرلمان) طبعًا معقدًا كما يمكن لظرافته الغنية جدًا أن تكون. باستمراري حاولتُ أن أبسطها.

هل كان هذا تطورًا موازٍ لما كنتَ تحاول فعله في أفلامه؟

لا أعدها موازية. كانت تجربتي بالكتابة لمحتوى مختلف منفصلة جدًا عن التزاماتي ومشاريعي. فالكتابة للمسرح مختلفة اختلافًا كليًا عن كتابة فلم وكلاهما مختلف اختلافًا كليًا عن كتابة النثر. والكتابة الأكثر تطلبًا واحتياجًا بينها هي كتابة النثر، كما أعتقد، لأنك حين تنهي الكتابة فإنها هي الناتج النهائي.

أما السيناريو فهو بمثابة الوسيلة والأداة للممثلين والمخرج لتطوير الشخصية. فحين كتابتي لفلم كل ما أفعله هو خربشت بضعة ملاحظات حول المشهد. ليس عليك أن تكتب أي شيء على الإطلاق، أنت تملك فقط ملاحظاتك عن المشهد، المكتوبة بوجود الممثلين والكاميرا في عقلك. الحاجة الحقيقة للسيناريو هي لاختيار الممثلين ووضع الميزانية، لكن الناتج النهائي لا يحمل عادة ذاك التشابه مع السيناريو، على الأقل في حالتي.


إذًا ستتمتع بسيطرة أكبر وأعمق على نص؛ كرواية مثلًا

تلك إحدى مواضع جاذبيتها: أن لك سلطة عليها. أما الموضع الآخر فهو أنك حين انتهائك من كتابتها يمكنك أن تمزقها وتلقي بها بعيدًا. بينما حين تصنع فلمًا فإنك لا تملك هذا الخيار. عليك أن تعرضه للعلن حتى لو لم يعجبك. قد أضيف أيضًا أن الساعات تمضي أفضل حين تكون كاتب نثر.

فحالك حينها سيكون ممتعًا أكثر حين تستيقظ صباحًا وتنحرف مندفعًا إلى الغرفة المجاورة وتكتب وحيدًا، ممتعٌ أكثر من استيقاظك صباحًا والتوجه لتصوير فلم. إذ أن للأفلام متطلبات كبيرة. فهي مهنة جسمانية. عليك أن تكون في مكان محدد، وفقًا لموعد محدد، في وقت محدد. وأنت متكل معتمد على الآخرين. أعلم أن (نورمان ميلر) قال بأنه لو بدأ مسيرته اليوم لاختار أن يكون في مجال صناعة الأفلام لا روائيًا.

أعتقد أن الأفلام مغامرات ومشاريع الأصغر سنًا. فهي في معظمها شاقة مجهدة. ومن بعد حد معين لا أظن أنني أرغب بهذا الشكل من الكد والجهد: أعني أنني لا أود أن أحس أن عليّ طيلة حياتي الاستيقاظ في الساعة السادسة صباحًا، خارج منزلي في السابعة لأكون في شارع متجمد أو مرجة غائمة ومعتمة لأصور مشهدًا. ليس الوضع مشوقًا و لا محمسًا إلى هذا الحد. من الممتع أن تتجول حول البيت، أن تظل في البيت.

قال (تينيسي وليامز) مرةً أن كتابة المسرحيات مزعجة لأن عليك أن تنتجها، فأنت لا تستطيع أن تكتبها وتتركها في الدرج. لأنك حين تكتب سيناريو تكون قد تجاوزته وترغب بالاستمرار والتقدم. باستطاعتك فعل ذلك حال تأليف كتاب. لذا كما يبدو سيكون الدافع دومًا لأن تكون روائيًا. هو أمرٌ مرغوبٌ جدًا. يفكر الواحد بـ(كوليت)[2] جالسةً في شقتها الباريسية، تطل خارج نافذتها وتكتب. هي حياة جذابة ومغرية جدًا. في الحقيقة كتبت مسودة أولى لرواية حين كنتُ في باريس لتصوير فلم (Love and Death). موجودة في منزلي، مكتوبة بأكملها بخط اليد، مستلقية في درجي مكتوبة على ورق الرسم البياني، وهي على هذا الحال منذ سنوات. أحتفظ بها لحين أصبح بلا طاقة وغير قادرٍ على صنع المزيد من الأفلام. لا أرغب بالعمل عليها بينما ما زالت أملك الحيوية الكافية والطاقة للخروج في باكورة الصباح وتصوير الأفلام.

من الجيد التطلع لرواية. أعلم أنهم يومًا ما سيتوقفون عن دعمي في أفلامي ويقولون: “ما عدنا نرغب بفعل هذا بعد الآن”، أو أنني سأتعب من ممارستي هذه. أتمنى أن تكون الرواية جيدة. أعني أنها لن تحدث تلك الهزة العظيمة، لكنها رواية، قصة لا يمكن أن تُروى إلا على ذلك النحو. فكرتُ مرارٍ أن آخذ الفكرة وأحولها لمسرحية أو فلم، لكن و ياللغرابة لم ينجح ذلك. إذا ما كانت ستنجح فذلك سيكون كرواية. ستنجح في النثر.

كيف وُجدت هذه الرواية؟ هل فكرت بكتابتها منذ زمن بعيد؟

ليس تمامًا. بدأت بكتابة الصفحة الأولى. إنها عادة قديمة أمارسها حين كتابتي المسرحية. لا أتخيل نفسي أكتب الدور الثالث قبل الأول، أو حتى الخروج عن الترتيب وكتابة جزء من الدور الثاني. فالأحداث التي ستحصل لاحقًا، التفاعل بين الشخصيات، تطور الحبكة، معتمدة جدًا على الحدث الحاصل في البدء. لا أستطيع تخيل نفسي أكتب دون تسلسل أو ترتيب.

أحب السرد الكلاسيكي في المسرحية. أحبه في الرواية. لا أستمتع بالروايات التي لا تتضمن قصصًا واضحة. فأن تقرأ لـ(بلزاك) أو (تولستوي) بالإضافة إلى كل الآخرين هي متعة عظيمة. حين تُرفع الستائر في المسرحية ويكون الناس جالسين في حاويات معدنية، أعرف أنني سأقدر الفكرة عقليًا، لكنها لن تعني لي كثيرًا. شاهدت مسرحيات (بيكيت)، بالإضافة لغيره الأقل انتماءً للطلائعية، والعديد من المسرحيات المعاصرة، ويمكنني أن أقول أنها نعم ذكية و عميقة لكني لا أكترث بذلك.

لكن حين أشاهد مسرحية لـ(تشيخوف) أو (أونيل)؛ حيث يكون الرجال والنساء بشرًا يمرون بأزمات تقليدية، هذا ما أفضله. أعرف أن قولًا كهذا رجعي في هذا الزمن، لكن الأشياء المعتمدة مثلًا على “اللغة“، تناغم الكلام الذكي، لا أكترث به حقيقةً. أريد أن أسمع الناس يتحدثون بوضوح ومباشرة وأحيانًا شعريًا.

حين تشاهد مسرحية موت بائع متجول أو عربة اسمها الرغبة تكون مهتمًا بالأشخاص وتريد معرفة ما سيحدث لاحقًا. حين راودتني فكرة لمسرحية (The Floating Lightbulb) كتبتها لمركز لينكولن للفنون، كنتُ مصممًا وعازمًا على الكتابة عن أشخاص اعتيادين في حالة بسيطة. حاولتُ بتأنٍ أن أتجنب أي إطالة وتفصيل أكثر من تلك. في الأفلام، وياللغرابة، لا أشعر بهذا الإحساس. أنا في الأفلام أكثر إذعانًا وانقيادًا لتحوير الزمن وتحريف الأفكار التجريدية.


يعاني العديد من الكُتاب صعوبة البدء بمشروع جديد، صعوبة إيجاد الفكرة التي يودون حقًا العمل عليها..

على الأرجح أنهم يزيحون جانبًا الأفكار الجيدة جودة الأفكار التي أعمل عليها. ستخطر ببالي فكرة وأنا أسير في الطريق، وسأدونها مباشرة. وسأرغب دومًا بتحويلها لشيءٍ ما. لم أعاني أبدًا من حبسة. أتحدث عن ذلك ضمن حدود قدراتي. لكني بطريقتي البسيطة، لطالما كان عندي ثروة ممتدة من الأفكار المحيرة. سيكون عندي خمسة أفكار وأنا أتحرق شوقًا لتنفيذها.

يستغرق مني الأمر أسابيعًا أو شهورًا والأفكار تستبد بي وتعذبني لأختار منها مشروعي التالي. أتمنى أحيانًا لو يختار أحدهم فكرة لي. لو أن أحدًا قال نفذ الفكرة الثالثة سيكون ذلك جيدًا. لكني لم أعاني مطلقًا من جفاف الأفكار أو انعدامها.

يسألني الناس دومًا: “هل تعتقد أنك لربما تستيقظ يومًا ولا تعود ظريفًا؟” لم تخطر تلك الفكرة ببالي أبدًا، إنها فكرة بالية وغير واقعية. لأن الفكاهة وأنا غير منفصلين. نحنُ كيانُ واحد. أفضل أوقاتي حين أكون في خض مشروع وأقرر بخصوص مشروع جديد. ذلك لأنه في فترة لم يحدد فيها بعض ماهية الواقع. 

فالفكرة تبدو في عقلك أخاذة، وأنت تتخيلها وتتصورها كاملة في لحظة، تخيل جميل. لكن حين تقرر تنفيذها لا تكون النتيجة كما تخيلتها. تبدأ المشكلة من الإنتاج، حين يبدأ الواقع بالتشكل. كما قلتُ سابقًا المرة التي اقتربتُ فيها من فهم فكرة اقترابًا شديدًا كان في النثر. شعرتُ في معظم ما كتبتُ ونشرتُ بأني نفذت فكرتي الأصلية تطبيقًا مطابقًا مرضيًا. لكني لم أشعر بذلك أبدًا ولا حتى للحظة في أي نصٍ كتبته لفلم أو مسرحية.

شعرتُ دومًا بأني أملك فكرة مبهرة: لكن أين أخطأتُ في تنفيذها؟ أنتَ تخطأ منذ اليوم الأول. في كل شيء تسوية وتنازل. فمثلًا لن تستطيع الوصول لمارلون براندو ليمثل فلمك، سيكون عندك شخصٌ أدنى. الغرفة التي تراها في عقلك وتتصورها ليست الغرفة التي ستصور فيها. هي دومًا مسألة أهداف أسمى، أحلامٍ مبالغٌ فيها، تبجح وثقة عمياء، وشجاعة فائقة على الآلة الكاتبة، وثم حين أكون في خضم إنهاء التصوير ويتحول كل شيء إلى خطأ فادح وأغير وأنقح و أعيد التصوير وأحاول أن أصلح الخطأ، حينها يكون الأمر محض صراع للنجاة. حينها تكون سعيدًا لأنك فقط ما زلتَ حيًا. تتلاشى كل الأهداف السامية، كل المعاني المتعنتة والعنيدة حول العمل الفني المثالي المتقن، وأنت تصارع لئلا ينقض الناس على الممرات بالقطران والريش.

في معظم أفلامي، جميعها تقريبًا، لو استطعتُ أن أصور ما تخيلته لكانت أفضل بكثير. ولحسن حظي لا يعرف الجمهور مدى روعة الفلم المعروض في عقلي ولذا أنجو بفعلتي.

كيف تكتب حقًا؟ ما هي أدواتك؟

كتبتُ في الدفاتر الصفراء المخططة، في دفاتر الفندق، في أي شيء بلغته يداي. لستُ صعب الإرضاء أو دقيقًا في هذه الأمور. أكتب في غرف الفنادق، في منزلي، والآخرون حولي، على علب الكبريت. لا أمانع ذلك حتى بأقل الإمكانيات المتوفرة عندي.

هناك قصص جلستُ فقط واضعًا الآلة الكاتبة وبدأتُ الكتابة من البداية حتى النهاية. بعض ما كتبته للـ(نيويوركر) أنهيته في أربعين دقيقة. وهناك نصوص أخرى صارعتُ وتعذبت لأسابيع وأسابيع لكتابتها. إنه أمرٌ عشوائيٌ جدًا. فلنأخذ فلمين مثلًا أحدهما لم ينجح نقديًا وهو (A Midsummer Night’s Sex Comedy). كتبتُ ذلك العمل في لمح البصر. خطر في ذهني وانساب في ستة أيام، كل شيء فيه في إطار مثالي. أصدرته ولم يلقى ترحيبًا أو استحسانًا.

بينما كانت التغييرات في فلم (Annie Hall) لا نهائية. كانت هناك الكثير من المواد التي لا تُستخدم في المشاهد كتلك التي كانت في النسخة النهائية من الفلم، أعدتُ خمس مرات التصوير. ولاقى الفلم استحسانًا. بينما وفي المقابل حصل النقيض حين عملتُ على أفكارًا خطرت لي ببساطة وسهولة ولاقت استحسانًا وإشادة شديدة. وفيما عانيتُ حال العمل عليه لم يحدث ذلك. لم أجد أبدًا أي رابط. لكن إذا كنتَ قادرًا على فعل الشيء، فهذا يعني أنه ليس صعبًا، وليس إنجازًا مهولًا وعظيمًا كما يظن غير القادر على فعله.

حين كنتُ في السادسة عشر من عمري مثلًا بدأتُ أول وظيفة لي. كانت كاتب كوميدي لوكالة إعلانات في نيويورك. كنتُ أحضر لهذه الوكالة يوميًا بعد المدرسة وأكتب لهم النكات. كانوا يرسلون هذه النكات لعملائهم وينشرونها في أعمدة الصحف. كنتُ أركب قطار الأنفاق، مزدحم جدًا، وواقفًا وممسكًا بالأحزمة المتدلية من أعلى للتشبث بها أخرج قلمي الرصاص وحين أصلهم أكون قد كتبتُ أربعين أو خمسين نكتة … خمسين نكتة يوميًا لسنوات. سيقول لي الناس: “لا أصدق خمسون نكتة يوميًا وتكتبها في القطار”. صدقوني لم يكن أمرًا صعبًا. بينما حين أنظر لشخص يؤلف مقطوعة موسيقية ولا أعرف كيف يبدؤونها أو ينهونها! لكن لأني أعرف دومًا كيف أكتب، فإن الأمر لا شيء بالنسبة لي. أنا قادرٌ دومًا على فعلها ضمن حدود قدراتي. لذا لم تكن صعبة أبدًا.

أظن أنني لو تلقيتُ تعليمًا أفضل، تنشئة أفضل، وكانت شخصيتي على الأرجح مختلفة لكنت ربما كاتبًا مهمًا. هذا ممكن؛ لأني أعتقد أني أتمتع ببعضٍ من الموهبة، لكني لم أهتم بها أبدًا. نشأتُ بلا أي اهتمام علمي بأي شيء. كنتُ قادرًا على الكتابة، لكني لم أكن مهتمًا بالقراءة. كنتُ فقط أتابع الرياضة وأمارسها، أقرأ الكتب الكوميدية، لم أقرأ أبدًا أي رواية بمعنى رواية حتى سن الجامعة. لم أكترث بها إطلاقًا. ربما لو كنتُ تربيتُ تربية مختلفة لربما كنتُ سلكتُ اتجاهًا آخر. أو لو كانت اهتمامات والدايّ، أصدقائي، والبيئة التي كنتُ فيها كانت موجهة توجهًا مباشرًا نحو الأشياء التي أصبحتُ متجاوبًا معها لاحقًا، لربما كان الوضع مختلفًا. ربما كنتُ سأكون روائيًا جادًا. أو ربما لا. ولكن فات الأوان، وأنا الآن سعيدٌ فقط ولا أعاني من التهاب المفاصل.


هل تتذكر أيًا من النكات التي كتبتها وأنت متشبث بالأحزمة المتدلية في القطار؟

هذه النكتة هي من التفاهة التي اعتدتُ تأليفها: “الولد الجالس بجانبي هو ابن مقامر، لم يستعد أبدًا درجاته في الاختبارات، كان يتركها ليزيد الرهان حتى الاختبار القادم”. يمكنكِ الآن أن تعرفي لم كان من السهل كتابة خمسين نكتة يوميًا.

أوافق. لكنك ذكرت هذه الرواية…

لستُ واثقًا بأني أملك الخلفية والفهم الكافي لكتابة رواية. الكتاب الذي كنتُ أعمل عليه، أو أخطط له، هو كتاب ممتع ولكن جاد، وسأرى ما سيحدث بخصوصه. أنا جاهلٌ بحق، ذاتي التعليم جدًا. هذا أمرٌ شائك؛ لأن المتعلم تعلمًا ذاتيًا يعرف في مجالات محددة لكن يضل هناك أيضًا فجوات صادمة. ذلك بسبب فقدان التعليم الممنهج.

يرسل لي الناس سيناريوهات أفلام أو مقالات أو حتى صفحة تضم نكات ويسألونني: “هل يعتد بهذه، هل هذه قصة قصيرة؟ هل هذا مشهد كوميدي؟” ولا يعرفون إذا ما كانت النصوص كذلك أم لا. أشعر إلى حد ما هكذا في عالم النثر. حين أرسلتُ ما كتبتُ إلى (النيويوركر) ما كنتُ أعرف ما بين يداي وما أنا متمسك به. كان يمكن أن تكون ردة فعلهم: “أوه، هذا لا شيء يذكر”. كتبتَ الكثير من الكلمات، لكن هذا في الحقيقة لا شيء يذكر، أو أيها الشاب ما كتبته رائعٌ جدًا. كنتُ سأسعد بقبول حكمهم عليه. إذ أنهم قالوا لي حين حملتُ النصوص لهم “نحنُ آسفون، لكن هذا لا شيء”. كنتُ سأقبل ذلك. كنتُ سأقول لهم “أوه حقًا؟ لا بأس”. كنتُ سألقي بالنصوص بعيدًا و ما كانت عينايّ لترمش أبدًا.

المرة أو المرتين التي رفضوا فيها ما كتبت خلال السنوات كانوا فيها دومًا مترددين و مهذبين، كانوا يقولون دومًا حسنًا ربما سنشر نصً آخر قريبًا من هذا بعض الشيء، أو شيئًا لبقًا كهذا. وكنتُ أحس دومًا بأنني لا أمانع مزقوها. في هذا المعنى لم أشعر يومًا بأن الكتابة مرهفة أو مقدسة. أشعر أن هذا ما سيحدث لو أنني أنهيتُ الرواية. لو أن الأشخاص الذين سلمتهم الرواية قالوا نعتقد أنها لا تستحق، لن يخطر أبدًا ببالي أن أقول لهم يا حمقى. أنا لا أعلم بالقدر الكافي. لا أملك الأحقية التي تخولني لأتحدث كجيمس جويس الذي قرأ كل شيء ويعرف أكثر مما عرف ناقدوه. هناك فقط مجال أو مجالان حيث شعرت أنني أتمتع بذلك الأمان وتلك الثقة، حيث شعرتُ أن حكمي صائب بل وحتى أشد صوابًا من حكم الآخرين. الكوميديا أحدهما. أشعر بالثقة حين أتعامل مع الأشياء المضحكة، مهما كان الوسيط الموجودة فيه. وأعرف الكثير عن موسيقى جاز نيو أورلينز رغم أنني موسيقار ضعيف. ضعيف ولكن مُتفانٍ.

لم بدأت بالكتابة الكوميدية؟ 

كنتُ أستمتع دومًا بالقراءة للكتاب الفكاهيين. لكن حين بدأتُ بالقراءة لكتاب أكثر جدية، بدأتُ أستمتع بالقراءة للكتاب الجادين أكثر. أصبحتُ حينها أقل اهتمامًا بالكوميديا، رغم أنني اكتشفتُ أنني قادرٌ على كتابتها. لستُ مهتمًا هذه الأيام بالكوميديا والفكاهة للغاية. إذا ما كان عليّ أن أعدد خمسة عشر فلمًا أفضلها فعلى الأرجح لن يكون أيٌ منها كوميديًا. هذا حقيقي، هناك بعض الأفلام الهزلية التي أعتقد بأنها رائعة. أعتقد طبعًا بأن فلم (City Lights) عظيم، بعضٌ من أفلام الممثل (باستر كيتون)، والعديد من أفلام (الإخوة ماركس). لكن هذه الأفلام نوعٌ آخر مختلف من الكوميديا، إذ أن ظرف الممثلين في هذه الأفلام هو تسجيل وتمثيل لأعمال الكوميديين. فلربما كانت الأفلام ضعيفة أو سخيفة لكن الحس الهزلي عبقري. أحب أفلام (كيتون) أكثر من (كيتون) وأستمتع بـ(تشابلن) و(الإخوة ماركس) عادةً أكثر من الأفلام. لكني مشاهد مريح. أنا أضحك بسهولة.

ماذا عن فلم (Bringing Up Baby

لا، لم أحبه أبدًا. لم أشعر أبدًا بأن ذلك مضحك أو فكاهي.

حقًا؟

لا، أعجبني فلم (Born Yesterday) رغم أنه مسرحية حُولت لفلم. كلا الفلمين (The Shop Around the Corner) و (Trouble in Paradise) مذهلان. أما الكوميديا غير الصامتة الرائعة فهي فلم فليني (The White Sheik).

ما الذي يمنع فلم مرحًا أو هزليًا من إدراجه في قائمتك؟

لا شيء سوى ذوقي الشخصي. أحدهم لربما ذكر عشرة أفلام كوميدية. أنا ببساطة أستمتع بالأفلام الجادة. حين يكون لي خيار مشاهدة فلم فسأشاهد (Citizen Kane) و(The Bicycle Thiefو(The Grand Illusionو(The Seventh Seal) وهذا النوع من الأفلام.

حين تذهب لمشاهدة الكلاسيكيات مرة أخرى، هل تذهب لمعرفة كيفية صنعها أو تذهب لمشاهدتها للأثر الذي تخلفه فيك شعوريًا؟

عادةً ما أذهب للمتعة. الآخرون الذين يعملون في أفلامي يرون كل الأشياء التقنية وكيفية عملها، أما أنا فلا أقدر على رؤية ذلك. ما زلتُ غير قادرًا على رؤية ظل الميكروفون، أو الاقتصاص غير المتقن أو غيره. أنا مستغرق متعمقٌ في الفلم بذاته.

لمن من العظماء تأثيرٌ عميق على عملك في الأفلام؟

أظن أن أشد تأثير هو لبرغمان و(الإخوة ماركس). لا أندم أيضًا على السرقة من (ستريندبرغ)، (تشيخوف)، (بيرلمان)، (موس هارت)[3]، (جيمي كانون)، (فليني)، وكُتاب (بوب هوب).


هل كنتَ ظريفًا حين كنتَ طفلًا؟

نعم، كنتُ فتى مسلٍ وظريف. وبالمناسبة كان الناس دومًا يربطون ذلك لكوني نشأت تنشئة يهودية. إنها خرافة. الكثير من الفكاهيين الرائعين لم يكونوا يهودًا: (دبيلو سي فيلز)، (جونثان وينترز)، (بوب هوب)، (باستر كيتون) … لم أرى أبدًا أي رابط بين العرق أو الدين أو الأصل وبين الظَرَف. 

هل طُلب منك أن تؤدي أي عرض في المناسبات والنشاطات المدرسية؟

لم أكن أؤدي كثيرًا، لكني كنتً مسليًا في الفصل بين الأصدقاء والمعلمين.

إذًا لم تكن نكاتك من النوع الذي سيزعج المسؤولين؟

كانت أحيانًا تزعجهم، نعم. استدعيت أمي إلى المدرسة كثيرًا؛ لأنني كنتُ أصرخ قائلًا بعض الأشياء في الفصل، أتهكم في الفصل؛ ولأني كنتُ قادرًا على إثبات أن أفكارهم إما سطحية أو جنسية جدًا. العديد والعديد من المرات استدعيت أمي إلى المدرسة.

لِم برأيك بدأت بالكتابة وأنت صبي؟

أظن أنها كانت بسبب متعتها الخالصة الغامرة. يشبه الأمر العزف مع فرقتي الآن. تأليف الموسيقى ممتع، والكتابة ممتعة. خلق الأشياء وتشكيلها متع. سأقول أنني لو عشت في عصر ما قبل الأفلام السينمائية فكنتُ سأصبح كاتبًا. رأيتُ (ألفريد كازن)[4] على التلفاز. كان يطري الرواية ويمجدها على حساب الفلم. لكني لم أوافقه الرأي. إذ لا يمكن مقارنة الأولى بالثاني. كان يتمتع باحترام عالٍ للكلمات المطبوعة. الأفلام الجيدة أفضل من الكتب السيئة، وحين يكون كلاهما رائعًا، فإن كلاهما رائعٌ و قيم بشكله المختلف.

هل تعتقد أن متع الكتابة مرتبطة بالإحساس بالسيطرة والتحكم الذي يمنحك إياه الفن؟

كانت القدرة على خلق عالمك الخاص متى ما شئت بديعة ومدهشة. فالكتابة ممتعة جدًا وسارة، مغوية جدًا وجذابة، علاجية جدًا ومداوية. يمر الوقت سريعًا حين أكتب، سريعٌ جدًا. أرتبك وأحتار بخصوص نصٍ أو ما فيه ويطير الوقتُ سريعًا. هو شعورٌ مبهج منعشٌ. كم يمكن أن تسوء؟ إنها الجلوس صحبة الشخصيات الخيالية. أنت تهرب من العالم بطريقتك الخاصة و لا بأس بذلك. لِم لا؟

إذا كنت تحب جانب الاختلاء بالنفس في الكتابة هل ستفتقد الجانب التعاوني في الأفلام إذا ما كان عليك التخلي عنه؟

إحدى المظاهر الخادعة للخروج من المنزل والتواجد مع الآخرين هو أنه يجرك بعيدًا عن مهنة الكتابة. هو أقل وحدة. لكني أحب الجلوس في المنزل والكتابة. شعرتُ دومًا بأنهم إن أخبروني غدًا بأني ما عدتُ قادرًا على إخراج المزيد من الأفلام، أنهم ما عادوا ليعطوني المزيد من المال، فسيسعدني أن أكتب للمسرح، وإن لم ينتجوا مسرحياتي فسأكون سعيدًا بالكتابة فقط ولو لم ينشروا لي. سأظل سعيدًا بالكتابة تاركًا ما أكتب للأجيال المستقبلية. لأنها لو كانت تتضمن أي قيمة فيها فستحيا، وإن لم توجد فالأفضل أن تندثر.

هذا جانب من الجوانب الممتعة في الكتابة أو أي فن آخر: إذا ما تضمن شيئًا حقيقًا قيمًا فسيحيا ويظل. ولا تهم حقًا كل الضجة الإثارة المصاحبة له، نجاحه أو رفض النقاد له. في النهاية سينجو العمل أو لا مستحقًا ذلك بامتيازاته وخواصه. ولا يعني أن الخلود بالفن أمرٌ مهم. مات (تروفو)، واعترانا الأسى لذلك، وأقيم التأبين المناسب، وستحيا أفلامه المذهلة وتظل. لكن ذلك لا يفيد تروفو. لذا فكر بينك وبين نفسك: سيحيا عملي. كما قلتُ مرات عدة بدل أن أحيا في قلوب وعقول رفاقي وزملائي أفضل العيش في شقتي.

مع ذلك يبذل بعض الفنانون جهدًا لتنال أعمالهم الاحتفاء، ليبتكروا ما سيظل، ويقدمون ذلك على أي شيء آخر. هناك ذلك الاقتباس الذي قاله فوكنر: “قصيدة عن رفات إغريقي تعادل أي عددٍ من المسنات”.

أكره حين يصبح الفن دينًا مقدسًا. أشعر بالنقيض من ذلك. حين تبدأ بمنح الأعمال الفنية قيمة أعلى من الأشخاص حينها تخسر إنسانيتك وتفقدها. توجد نزعة للشعور بأن للفنان امتيازات خاصة، وأن كل شيء مباحٌ متاحٌ خدمة للفن. حاولتُ أن أوصل ذلك في الفلم (Interiors). أشعر دومًا بأن الفنان أكثر توقيرًا، هذا ظلمٌ وقسوة. هو شعور لطيف لكنه منحة عرضية استحقها صدفة: كأن يكون لك صوت جميل أو أن تكون أعسر. قدرتك على الابتكار والخلق هي صدفة لطيفة. يحدث أن يكون لك قيمة وتوقير في المجتمع، لكنها ليست بنبل صفة كالشجاعة.

أحس بسخافة وغرابة الاحاديث الرنانة حول أهمية الذات التي تتناول الفنانين وأنهم لا يهابون الصعاب. الصعاب والمخاطر الفنية هي كمخاطر الأعمال الترفيهية: مضحكة. كاختيار ممثل التبست أدواره بشخصه وأصبح يعرف بها لعمل جديد ياللهول ما أخطره من وضع! الخطر هو حين تكون حياتك على المحك. الأشخاص الذين وقفوا في وجه النازيين وقاوموا أو بعض الشعراء الروس الذي عارضوا الدولة هؤلاء هم الباسلون والشجعان، وهذا ما يعد حقًا إنجازًا.

أن تكون فنانًا هو إنجاز أيضًا، لكن عليك أن تبقي ذلك في نصابه. لا أحاول بخس الفن قيمته. أعتقد بأن الفن قيم، لكني أعتقد أنه ممجد وموقر بإفراط. هو قيمٌ، لكنه ليس أكثر قيمة من كونك معلمًا جيدًا، أو طبيبًا جيدًا. تكمن المشكلة في أن للإبداع سحرًا وجاذبية. يقول العاملون عادةً في مجال الأفلام أريد أن أصبح منتجًا، لكن منتجًا مبدعًا. أو تقول امرأة كنتُ في الجامعة مع المعني، نعم سأتزوجه. هو سباك لكن مبدع جدًا. من المهم للناس جدًا وجود تلك الصفة المعتمدة. كما لو أنه لو لم يكن مبدعًا فهو ناقص.


حين تكتب هل تفكر بجمهورك؟ جون أبدايك مثلًا قال مرة أنه يحب تخيل طفل في بلدة في الغرب الأوسط وجد أحد كتبه على رف في مكتبة عامة.

لطالما شعرتُ بأنني أحاول الارتقاء بهدفي قدر استطاعتي حينها، لا لأبلغ الجميع؛ لأنني أعلم أنني لا أقدر على ذلك، لكن أحاول دومًا بذل الجهد. أحب أن أشعر حين إنهائي لفلم أن البالغين الأذكياء سواء كانوا علماء أم فلاسفة، سيذهبون لمشاهدة الفلم ولن يخرجوا ويشعروا بأنه محض إضاعة للوقت. ألا يقولوا يا للهول ما الذي أقحمت نفسي فيه؟ إذا ذهبت لمشاهدة فلم (رامبو) فإني سأقول “يا إلهي”، ومن ثم بعد عدة دقائق سأغادر. لا يهمني حجم الجمهور. كلما زاد العدد كان أفضل، لكن ليس إذا كنتُ أنوي تغيير أفكاري لأجذبهم.

الأفلام ليست أسهل أنواع الفنون لصناعتها، فهي تتضمن الكثير من الأشخاص، وتتطلب مبالغ كبيرة من المال.

هناك بقع جغرافية معينة كالسويد حيث تدعمك الدولة جزئيًا. لكن في الولايات المتحدة كل شيء ملعون بالغلاء. لا تشبه الأفلام الرسم أو الكتابة. ففي الأفلام عليّ أن أحصل على ملايين الدولارات لأصنع حتى فلمًا رخيصًا. لذا يرتبط بذلك الشعور بأنك غير قادرٍ على المضي والتقدم دون جمهور ضخم. لذلك هي ضرب من ضروب المعاناة، لكني كنتُ محظوظًا، لطالما كنتُ حرًا. أنا مُبارك. أملك حياة كالأحلام في صناعة الأفلام منذ فلمي الأول. ألا وهي أن تكون حرٌ حرية كاملة تامة أكيدة طوال الطريق. لا تسأليني لِم. إذا قررتُ غدًا أن أخرج فلمًا بالأسود والأبيض كمذهب القرن السادس عشر فبإمكاني. 

طبعًا إذا ذهبت إليهم وقلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا عن الكائنات وحيدة الخلية” سيقولون: “حسنًا، سنعطيك هذا القدر من المال لتعمل به”. بينما لو قلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا كوميديًا ضخمًا” فإنهم سيعطونني مبالغ أكبر.

ما التغيرات التي تراها في أعمالك بمرور السنين؟

أطمح بالتطور والازدهار طبعًا. إذا اطلعت على أفلامي الأولى ستجد أنها كانت عامة وأحيانًا مضحكة. أصبحتُ إنسانًا أكثر مع القصص وضحيتُ بجانب مهول من الظرافة، الضحك، لأجل القيم الأخرى التي أشعر شخصيًا بأنه تستحق التضحية بها. لذا لن تتضمن الأفلام مثل (The Purple Rose of Cairo) أو (Manhattan) ذلك القدر من الضحكات. لكني أظن أنها ممتعة أكثر. على الأقل هي كذلك بالنسبة لي. أحب أن أستمر هكذا، وما زلتُ أحوال صنع بعض المحتوى الجاد.

هل كان فلم (Interiors) الذي قررت في حال ضحك أي شخص خلال العمل فإنك ستحذف ذلك الجزء؟ أكان ذلك صحيحًا؟

أوه لا، لا، غير صحيح. قصة جيدة لكنها غير صحيحة أبدًا. لا، ليست هناك أي قصص مرحة مرتبطة بأفلامي. أعني أننا نذهب إلى موقع التصوير ونعمل في جو من التجهم، بيئة عمل ونعمل على الأفلام، سواءً كانت كوميديا أم درامية.

انتقد البعض فلم (Interiors) قائلين بأنه يفتقد حس الفكاهة كليًا. شعرتُ بأن ذلك غير مرتبط أبدًا بالنقد. أيًا يكن الخطأ فيه إلا أنه لم يكن افتقداه للفكاهة. ليس هناك ذلك الحس الفكاهي في (Othello) أو في (Persona). لو كنت سأكتب عدة مسرحيات أو أفلام ذات حس جاد، سأفضل طبعًا أن أعمل على ذلك بدلًا من أنال لقب أفضل فلم كوميدي للسنة. لأن ذلك سيمنحني متعة شخصية، هي المتعة نفسها التي أفضل لأجلها عزف موسيقى جاز نيو أورلينز لا عزف (موزارت). أعشق (موزارت) لكني أفضل عزف موسيقى جاز نيو أورلينز. هذا ما أفضله ببساطة.

لكن حين تكتب سيناريو وتطل منه طرفة أو فكاهة فإنك تتمسك بها بمتعة، أوليس كذلك؟

نعم، إنها ممتعة دومًا. ما حدث عادة هو وجود عددٍ من المفاجآت في الأفلام، وعادة ما تكون هذه المفاجآت هي السلبيات. تظن أن ما بين يديك سيكون مضحكًا في نكتة أو مشهد، ثم تكتشف أنه ليس مضحكًا وتتفاجئ.

وتتمسك به وتبقيه.

أو تزيحه بعيدًا. بينما مرة كل حين تطلع لك مفاجأة لطيفة، وجزءٌ لم يخطر ببالك أبدًا أنه سيكون ممتعًا، جزءٌ يضحك عليه الجمهور أو يصيحون ضاحكين، وهذا شعورٌ رائع.

هل لك أن تذكر مثالًا على ذلك؟

حين أخرجتُ فلم (Bananas) أول مرة منذ سنوات، كنتُ ذاهبًا إلى منزل الديكتاتور: كنتُ مدعوًا إلى العشاء في تلك الدولة في أمريكا اللاتينية. أحضرتُ معي علبة كعك، كعك مزين من إحدى مخابز الحلويات. لم أفكر بالأمر كثيرًا، لكنها دومًا ما تضحك الحضور ضحكًا مزمجرًا. أما ما كانوا يضحكون عليه هو أن شخصيتي حمقاء لدرجة أني أحضرتُ بعض المخبوزات معي إلى عشاء دولة. كان الامر بالنسبة لي عرضيًا كما تكون الأشياء المضحكة الحقيقية تلك التي لا يُخطط لها أحد، أما بالنسبة للحضور فكانت الشيء الأكثر ظرفًا وإضحاكًا.


يظهر أن الفنان حين يُعرف يتوقع منه الآخرون: النقاد، محبيه، أن يظل يمارس الشيء نفسه، بدل أن يتطور بطريقته الخاصة.

لذلك عليك أبدًا ألا تأخذ ما يُكتب عنك على محمل الجد. لم أكتب في حياتي أي نص أو أعمل على أي مشروع لم أرغب حينها بالعمل عليه. عليك أن تنسى فكرة ما يسمونه “أفلام المسيرة”. عليك فقط أن تعمل ما تريد عمله لما يعنيه الإبداع لك في حياتك. إذا لم يرغب أي أحد برؤيته فلا بأس. وإلا فإنك في المجال لتسعد الآخرين وترضيهم. حين عملنا على (Stardust Memories) علمنا جميعًا أن دعاية كبيرة ستعمل. لكن ما كان ذلك ليوقفني ولو لثانية. لم أفكر أبدًا بأن من الأفضل عمل هذا أو ذلك لأن هذا سيضايق الناس.

من الأفضل أن تموت ولا تنخرط في مشروع تشعر بأنك ستتجاوزه بمرور الوقت. انظر لشخص مثل ستريندبرغ -شخصٌ آخر أحببته دومًا- وسترى ردة فعله على أمور معينة… وحشية فقط. حين أخرجتُ فلم (Annie Hall) كثرتُ الاقتراحات التي تدعوني لعمل جزء ثانٍ. لم يخطر ببالي ولو بعد مليون سنة أن أفعل ذلك. كنتُ أخطط للعمل على فلم (Interiors) بعد ذلك، وهو ما فعلته. لا أظن أنه بإمكانك أن تنجو سوى بهذه الطريقة. خطتي هي أن أحوال ألا أحتكم ولا أنقاد لعدد كبير من الناس، لكن أن أفعل أفضل عمل محتمل يمكنني تخيله، وأتمنى أن يكون العمل ببساطة حسنًا، وأن يأتي الناس لمشاهدته.

الفنان الذي أحببته حبًا جمًا لم يكن له جمهور كبير. ما يهم هو فعله وتطبيقه. وما سيحدث لاحقًا كل ما ما ين يديك هو أن تتمنى أنك محظوظ. حتى في أشكال الفن الشائعة والمحبوبة كالأفلام، في الولايات المتحدة لم يشاهد معظم الناس الأفلام (The Bicycle Thief) أو (The Grand Illusion) أو (Persona). يمضي معظم الناس حياته دون أن يشاهدهم. معظم الأجيال الأصغر تدعم الأفلام المعروضة الآن بوفرة ولا يكترثون بـبونويل أو بيرغمان. هم جاهلون بأفضل إنجازات هذا الفن. ومرة كل حين يظهر شيءٌ منها بمحض الصدفة الزمانية والمكانية. اشتهر تشارلي تشابلن في الوقت المناسب. لو أنه اشتهر اليوم لعانى من مشاكل عويصة.

ألا تعتقد أن الكتاب الجاديين الناضجين يستمرون ببساطة بتطوير وتوسيع المواضيع والأفكار الموجودة أصلًا؟

لكل شخص هواجسه التي تستحوذ عليه. في أفلام بيرغمان ترى الشيء نفسه مرة تلو المرة، لكنه عادة ما يُعرض بنفس الحداثة الرائعة كما لو أنها المرة الأولى.

ماذا عن عملك أنت؟

تتكرر الأشياء نفسها مرة تلو المرة. إنها الأشياء الموجودة في عقلي، ويبحث الواحد دومًا عن طرق جديدة للتعبير عن ذلك. يصعب أن تفكر بأن بإمكانك الخروج من المنزل وقول يا إلهي عليّ أن أجد شيئًا جديدًا لأعبر عنه. ما الأشياء التي يمكن أن تتكرر؟ بالنسبة لي طبعًا جاذبية الخيال و قسوة الواقع. كشخص مبدع لم أكن يومًا مهتمًا بالسياسة أو أيٍ مما يمكن حله أو تفسيره. ما جذبني دومًا كان المشاكل التي لا تُحل: محدودية الحياة واللامعنى و اليأس و انعدام القدرة على التواصل. صعوبة الوقوع في الحب والحفاظ عليه. هذه هي الأشياء التي تهمني أكثر من .. لا أعلم.. حق التصويت. في الحياة أتبع السياسة إلى حد معين، أجد ذلك ممتعًا كمواطن لكني لم أفكر أبدًا بالكتابة عنها.

كلمة عن هذه المقابلة: كانت المقابلة صعبة لأني لا أحب تبجيل عملي بمناقشة تأثيره أو أفكاري أو ما يشابه ذلك. ينطبق هذا النوع من الأحاديث أكثر على الأعمال ذات المنزلة الرفيعة. أقول ذلك دون أي تواضع زائف، أقوله وأنا أعرف أنني لم أنجز أي عملٍ مميز، أيًا يكن المجال. أشعر بذلك بوضوح يخلو من أي لبس. أشعر أني ما فعلته حتى اللحظة في حياتي هو مجرد حصى يجب أن ترفعه بعملين أو ثلاثة ممتازة التي أرجو أن أعملها. جلسنا وتحدثن عن فلنقل فوكنر و أبدايك وبيرغمان، أعني أنني لا أقدر على التحدث عن نفسي بالطريقة ذاتها كما هو واضح. أشعر أن ما فعلته حتى اللحظة هو … الخس الذي يجب أن يستلقي فيه البرجر. أشعر بأنني لو استطعت فيما ما بقي من حياتي أن أنجز عملين أو ثلاثة ممتازين – ربما فلم مدهش أو كتابة مسرحية ممتازة أو شيء ما – عندها سيكون كل شيء سبق تلك النقطة هو محض عمل تطوري ممتع. أشعر بأن أعمالي جالسةٌ هناك منتظرة جوهرة لتتوجها. لكن لا وجود لأي جوهرة في الوقت الحالي. لذا بدأت أشعر أن مقابلتي رنانة. أحتاج بعض الجواهر الثقيلة هناك. لكن أتمنى أني بلغت مرحلة من حياتي حيث بعد عشر سنوات أو خمسة عشر يمكنني أن أنجز عملين أو ثلاثة تمنح الاعتماد والقبول لكل ما عملته قبلًا … فلنتمنى.


[المصدر]

هوامش المترجمة:

[1]: ناقدة أدبية أمريكية حازت جائزة البوليتزر عن النقد.
[2]: روائية فرنسية.
[3]: مخرج مسرحي أمريكي.
[4]: كاتب وناقد أدبي أمريكي وهو صديق لـ(حنة أردنت).

 

حوار صحفي، مع الأديب خوسي مانويل كبايرو بونالد

 

في شهر نوفمبر من عام 2017، نشرت مجالة “ماذا سنقرأ” الاسبانية، لقاءً صحفيًا مع الروائي الشاعر الاسباني (خوسي مانويل كبايرو بونالد)، بعنوان “الرجل الذي عصى الحروف”.

يقول الصحفي في استهلال اللقاء:

أي حوار ولو كان قصيرا، مع حائز على جائزة (سرفانتيس)، كـ(خوسي مانويل كبايرو بونالد)، فهو امتياز ومتعة لا نظير لهما، حتى لو كان حوارا، بل حدث فبالأحرى أن يكون هناك حدثا متمثلا في إعادة طبع رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) عن دار النشر نافونا.

وهنا تنشر لكم ساقية، ترجمة حصرية لهذا اللقاء.

سيادتكم تعتبر من أهم الروائيين باللغة الإسبانية ،كيف يبدو لكم هذا التعريف؟

أحب كثيرا أن أنال الاهتمام كشاعر لأن الشعر هو قاعدة فاعلة في الأدب وأنا أحرص دائما على أن لا أنسى ذلك.

يعتبر الحصول على جائزة (سرفانتيس) كأسمى تتويج في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية، كيف عشتم هذا الحدث؟

أولا برضى، ثم بتوتر، وهذا شيء معتاد في هذا الحالات. هي تجربة مرغوب فيها وفي نفس الوقت مرهقة.

لماذا الآن يعاد نشر رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) التي نالت جائزة (نادي إشبيلية) سنة 1981؟

أفترض ذلك نزوة من نزوات الناشر (بيري سوريدا)، وأظن أنها أسَرَّته شخصية العجوز ليستون Leiston في الرواية ؛ عجوز له اهتمام بقوارب وروائح مدينة خيريز. أنا كذلك أراها شخصية جذابة وأود أن أُشبهها.

في تلك السنة (1981) تحدث الكاتب (تورينتي باييستر) عن الرواية قائلا بأنها تمتاز بقوة شخصياتها وشجاعتهم، ومكتوبة ببراعة سردية وجودة أدبية عالية، مارأيكم في ذلك؟

هذا بالطبع حكم سخي ومجاملة منه بالطبع.

في الرواية هناك الانجليز بالأندلس، الأعمال المالية البحرية، التفسخ المجتمعي، كل هذه الأحداث ماتزال تحافظ على راهنتيها رغم مرور ست وتلاثون سنة عن كتابتها.

لا أظن ذلك فالدينامية التاريخية قد غيرت الأنماط السلوكية للمجتمع، فالمظاهر الاجتماعية داخل المجتمع الأندلسي الذي أعكسه في روايتي كثير منها عفا عنها الزمن، ولكنها كانت آنذاك موجودة منذ أربعين سنة أو خمسين سنة مضت، كما حكيْتُ عنها مزيلا كل الكوابح التي تعيق الانعتاق من الجمود والكاثوليكية الوطنية.

ماهي الإضافة التي قدمها تقديم الناقد (خوان كروس) للإصدار الجديد ؟

(خوان كروس) هو صديق عزيز وعلى هذا النحو دائما يتعامل معي جيدا، وأنا ممتن له بدعمه لهذا الإصدار.

ماهي التغييرات التي ترغبون إدخالها على الرواية، لو أتيح لكم ذلك؟

تغييرات على الأسلوب وتعديلات وصفية أشياء من هذا القبيل.

هل للحياة معنى؟ هل هو تحليل شخصي؟ أم منطق يؤدي بنا إلى العبث؟

فعلا الحياة عبارة عن لعنة مستمرة للعبث، في مثل سني هذا يتعذر عليَّ كل مرة فهم ما يجري ولم يعد يهمني إلا الخروج من هذا اللغط، فأنا عجوز مُرتاب ولكن ما يرعبني هو أن أصير عجوزا سلبيا.

ماهي أهمية الذاكرة في عملك الإبداعي؟ وكذلك عامل الزمن؟

الذاكرة هي العامل الأهم في كل أدبي المكتوب، وبدون هذه الذاكرة لن يكون لي أي مبرر للكتابة وذلك ربما لأن هناك ضعف في مُخيِّلتي.

هل نسير إلى التفاهة والابتذال؟

يبدو لي ذلك، فالابتذال أصبح من الآفات التي نعاني منها بالإضافة الى ثقافة القطيع، الدوغمائية، تمييع العادات، الخضوع والخنوع. ومن حسن الحظ أنه يظهر في بعض الأحيان هنا وهناك من يتمرد على كل هذا.

أنتم تُعَرِّفون الشعر بأنه البذرة الأصلية للأدب، ألا ترون اليوم أن الشعراء يستعملون الموسيقى من أجل أن يجعلوا أشعارهم مُغَنّاةً؟ ما رأيك بصاحب جائزة نوبل للآداب (بوب ديلان).

إن الشعر المُغنّى يختلف عن الشعر التي يتطلب قراءة متأنية، في حين أن الشعر المُوجَّه للغناء يتسم بنبرة أقل حِدّة. (بوب ديلان) يغني في العادة أبياتا شعرية عبارة عن محكيات، ولا يمكن تصنيف هذا شعرا، أظنهم أخطئوا منحه الجائزة.

والآن ماهي أعمالكم القادمة؟

الشهر المقبل سوف يصدر لي كتاب بعنوان (عرض العباقرة)  Examen de Ingenios وهو عبارة عن ِمئات البورتريهات عن كُتاب وفنانين صادفتهم في حياتي، منذ جيل مدرسة 98 إلى جيل مدرسة 50.

دموع ف. س. نابيول، في حوار صحفي

غادرنا مؤخرا، يوم السبت 11 غشت 2018، الروائي البريطاني من أصول هندية الحائز على جائزة نوبل للآداب 2001، عن عمر ناهز 85 سنة. (ف. س. نابيول).

وهذا نص حوار كانت قد أجرته الصحافية (بيرنا كونزاليز هاربور) سنة 2015 وترجمه عن الاسبانية عبد اللطيف شهيد، في ترجمة حصرية لدى ساقية.

العبقري الذي مازَجَ بين الأجناس الأدبية هو اليوم (2015) بالكاد يكتب بعض الشذرات. كثير من القراء حذرونا من الأشياء التي يُمكن أن تُغضب الروائي عند إجراء المقابلة معه، ونصحونا بتلطيف العبارات معه. لكن الكاتب الذي ولِد سنة 1932 بترينداد Trinidad هو أكثر من طفل رهيب للآداب العالمية؛ وصف لنا الاجتثاث بريشة قوية، جعلنا نفكر حول مفهوم الإيمان والعالم، زرك الشك حول شخصية غاندي ورسم بشدة إحباطات الحياة التي لم يختارها، والتي جعلت كل من (بول تروكس) و(باتريك فرنش) يفتِّتون سيرته الذاتية من غير أن يضنوا علينا بالثقوب السوداء التي واجهت الروائي؛ العنف ضد زوجته الأولى، لجوؤه للدعارة، عشيقته، غضبه.

هل تزعجك الصورة التي للناس عنك؟

لا أبدا.

كان هذا أخر رد على آخر سؤال.

ذريعة هذا الحوار مناسِبة، فقد صدر بإسبانيا كتاب (منطقة الظلام) لـ(ف.س.نابيول).

الذي يتحدث فيه عن سفره الأول إلى الهند التي خرج منها أجداده عقودا من قبل باتجاه ترينيداد، في طفولته عاش غريبا ينتمي إلى أقلية هندية وسط المستعمرة البريطانية، كيافع عاش كذلك غريبا كتلميذ هندي وسط زملاء المدرسة البريطانية، وكبالِغ وجد نفسَه في بلد لا يعرفه. هذا الاجتثاث هو صلب أدبياته.

هذا الكتاب الأخير ساعده في التحوّل من الروايات الأولى ذات الطابع الخيالي لوصف ما يراه في هذا العالم والذي لم يكن يريد أن يراه.

سيادتكم في كتابكم الأخير تصفون الهند منقسمة، عديمة التأثير، منغلقة، آلَمتَكَم كثيراً. هل الهند ما تزال تُؤلِمكم؟

نعم، كثير من الناس يسألونني؛ لماذا لا أكتب عن الفظائع التي تحدث الآن في شوارع الهند، هل لأن كل ذلك اختفى؟ أجيب بلا، ولكن لا يمكننا أن أكتب دائما نفس الأشياء. أحاول مسايرة زمن تغيير انطباعاتي. دون أن أنسى ما كتبتُه سابقا. هل تدركين فحوى ما أقول؟

كتبتَموه سنة 1964. هل أعدتم قراءته؟ هل تعيدون ما كتبتم قديما؟

بكل بساطة، لا، هل عليَّ ان أفعل ذلك؟

بعض الكتاب يفعل ذلك. (فيليب روت) ترك الكتابة وخصص وقته لإعادة قراءة كتبه الثلاثون أو أكثر. فهل فكرتم في مراجعة ما كتبتم مُستقبلا؟

لا، فما زال حاضر التجربة في ذهني، فلا داعي لإعادة القراءة.

في تصديركم للكتاب قلتم بأنه ساعدكم على النظر أبعد إلى ما هو خيالي، كنتم كتبتم ثلاث أو أربع روايات خيالية ومع هذا الكتاب قفزتم مما هو خيالي إلى ما هو غير خيالي.

ماذا قلتُ بالضبط؟ أين توجد هذه العبارات التي ذَكَرتِ؟

يوجد في تصدير الكتاب، وكذلك في كتاب (لحظات أدبية) التي تحدثتم فيه عن ظروف تحرير الكتاب المشار إليه.

لا أتذكر ذلك.

كتبتم “خرجتُ مُنهكا من كتابة رواية (منزل للسيد بِزْواس)، كنت أبحث عن كتابة رواية أخرى” وأحد الناشرين اقترح عليكم السفر إلى الهند والكتابة عن التجربة. وكتبتم “ساعدني في النظر إلى أبعد من الكتابة الخيالية. والانفتاح على الأبحاث الأدبية“.

أعتقد أن ما كتبته كان واضحا، لقد فرغت من كتابة رواية خيالية طويلة، أنهكني المجهود الذي بّذَلتُ فيها، كنت أود تجريب شيء جديد، فقط شيء غير خيالي. هل هذا مفهوم؟

واضح، نود منكم مزيدا من التفصيل.

لا يمكنني أن أُوضِّح أكثر، هذا يكفي.

لقد كتبتم في جنسي الخيال واللاخيال، أين يكمن ارتياحكم من عدمه في كل من الجنسيْن؟

سؤال وجيه، حول طريقتي في الكتابة، والذي لا يُمكنني أن أُجيب عنه الآن بجملة بسيطة، هناك أشياء يَصعُب شرحها حول الكتابة وليس من السهل كذلك التحدث عنها، حاولي تغيير السؤال.

لماذا تفضلون أحيانا الكتابة في جنس الخيال وأحيانا أخرى في جنس اللاخيال؟

من الأسباب أنه أحيانا تشعر بالتعب في الكتابة في أحد الأجناس الأدبية وتشعر برغبة في الكتابة في جنس آخر، سبب آخرأن بعض الكتابات هي من تحتم عليك الكتابة في جنس مُعين دون آخر. عندما نواجه مثل هذه التجربة، نقول  “عليّ ان أكتب بهذا الأسلوب” مثلا أم أبتعد عن الخيال.

أنتم تتعمقون كثيرا عندما تكتبون عن شخصيات رواياتكم سواء من الداخل أومن الخارج. وهذا نجده في رواية (لازاريو)، رواية إسبانيّة مجهولة المؤلف، مكتوبة على شكل رسالة يكون فيها الراوي شخصيّة من شخصيّات العمل. أين تجدون الصّعوبة؟

عندما أكتب لا أجعل تقسيما، العمل ينتهي بشكل سلس. هل هذا مفهوم؟

هذا الكتاب هو منطقة مُظلِمة، كان أول سفر لكم للهند. ماذا يعني لكم كل هذا؟

أعتقد انه بالنسبة لي يعني الكثير، لأنه أول مرّة أكتب عن تجربة قاسيّة، ولا أستطيع أن أقول لك أكثر من هذا. أظن أن هذا يكفي. إِلّا إذا…أرى أنك تودّين طرح أسئلة عن الموضوع.

ناديرا، (زوجة الكاتب): حسنا كان كتابا مُهمّاً، ذَهبْتَ إلى الهند لأوّل مرّة، رأيت البلد عن قُرب، وكتبت عن تجربتك التي لم تَرُقْ لكثير من الهنود، لأنها كانت نظرة من الخارج، لأنك من أصول هندية وفي نفس الوقت لست هندي، الكتاب أثار موجة من السخط في الهند، لا زِلْتُ أَتَذَكّرُ أقوالهم: كيف يجرُؤُ أن يحضرَهنا ويكتب عن مجتمعنا، كيف يجرؤ ويتحدث عن الناس التي تتبول وتتغوط بين قضبان السكك الحديدية، كان كتابا مثيرا بالنسبة للكتاب الشباب الهنود، كأميتاف غوش  Amitav Ghosh وغيرهم، لقد علّمتَهم بأن ينظروا إلى الهند بطريقة أخرى…

كل هذا ثانوي بالنسبة لفعل الكتابة، عندما نكون نكتب لا نفكر في الهرج الذي ستحدِثه كتابتنا، أنا يبدو لي فيما أكتب أنه شيء بديهي والناس ستراه وصف لما يقع، لكن كما ترين، أحينا يحدث هذا الذي وقع، مرة تعتقد أنك لم تفعل أي شيء وتكتشف أنك فعلت شيئا مثيرا…

قلتم، مثلا. أن غاندي فشل. بعد مرور ثلاثين سنة على موته، هل ما زِلتم تعتقِدون أنه فَشَلَ؟

بطبيعة الحال.

لماذا؟

لأن أفكاره ورسالته كانت جد عميقة، احتوت كل الجوانب التي كان ينبغي عليها أن تقلب وجه الهند، لكن هذا لم يحدث، لقد فشل.

أيضا إنجلترا الاستعمارية خَيَّبت آمالكم، هل تشعرون بأن إنجلترا تعلَّمت كيف تُقَدِّر مستعمراتها القديمة؟

لم أقل شيئا متطرّفا عن إنجلترا، لا أجرُؤ أبدا على إبداء تصريحات كبيرة على بلدان جد مهمة. إذا كانت بعض الخيبات فلا يمكن أن نخرج بتأكيدات كهذه علينا أن نقبل بكل الأشياء التي تتضمنها هذه البلدان.

صحيح انكم لا تتكلمون عن إنجلترا، لكن في المقابل تتحدثون عن ” أنجلتَرة “. كيف اصطدمت بالهند. قلتم بأن اللقاء بين القوتين لم يكن إيجابيا؟ هل تعتقدون أن موقف إنجلترا اتجاه مستعمراتها السابقة قد تطوّر، تغيّر؟

أود أن أفكر وقتا أكثر للجواب على هذا السؤال.

– قلتم لفظاً “الإمبراطورية البريطانية اختفت من الهند في نفس الوقت التي كانت تغزوها فيه. كانت علاقة استهانة، تجاهل“. هذا ما كتبتموه. فالسؤال هو كالتالي: هل تعلّمت إنجلترا تقدير أهالي مُستعمراتها؟

لا أظن ذلك، ولا أرى أي مبرات لكي تفعل ذلك (يضحك وزوجته). عندما كنتُ أكتب قلت في نفسي انه عليّ ألا أستعمل بعض المصطلحات. كان من بينها “الاستعمار“. أخرى “الإمبريالية“. عندما أقرأ لا أحبذ أن أواجه مثل هذه المفردات. لا أحب أن تُسْتعمل بدل طرح أفكار مناسبة. إذا تصَفَّحت كل كتاباتي لن تعثري على مثل هذه المُفردات.

في الكتاب هناك وصف ذاتي لكم: “في ترينيداد كُنتُ مُختلِفا، في لندن كنت كذلك مُخْتلِفا. إذ ذاك ذهبتُ إلى الهند وهناك كُنتُ مَجهولا لأني كُنتُ هِنديّا“. لدي إحساس أن شعوركم بالإجتثات والتجاهل هو ما دفعكم لكتابة هذا الكتاب. هل هو نفس الشعور الذي نجده طوال مسيرتكم الأدبية؟

نعم، بدون أدنى شك، لم أفكر بذلك أبدا عن وعي. ولحد الساعة لا أفعل ذلك، ولكن في اللاوعي هناك شخص ثاني يُملي علينا أشياء مُختلفة.

كيف تصفون أسلوبكم في الكتابة؟ عميق، جاف، صادق؟ هذه بعض العبارات التي أقترح. أود تعريفات منكم.

هذا مستحيل، عندما نبدأ بنقد ما كتبناه فنحن في اتجاه يوصلنا إلى الجنون.

بدا على زوجته انزعاج، وشجعته للإفصاح أكثر قائلة: صحيح، سيِؤدي إلى الجنون، ولكن أنت دائما كنتَ تقول أنك تحاول الاقتراب من الحقيقة، وكنت تكتب بأسلوب يقربك من الحقيقة وكنت ترى أننا يجب أن نبذل كل جهدنا من أجل ذلك. كان يُراجع ما يكتب مرارا لأنه لم يكن متيقنا مما يكتب.

الكاتب اكتفى بالرد قائلاً: “زوجتي تشرح أفضل منّي“.

نديرا: كان دائما غير واثق من نفسه. مع كل هذا الإشعاع كان دائما يشك، يحب الكمال في أعماله. عندما كتب (بذور سحرية) وكذلك (نصف حياة) كان يكتب جملة ويستغرق وقتا طويلا فيها، عندما يكتب لا يتكلّم ولا يسمع، كنت أنا من يتولّى قراءة الجملة بصوت مُرتفع، كان يردّ: “هذا ليس جيّدا“، أقول له: “بلى، إنها مُتْقَنة” وكان يُصِرُّ: “لا ليست كذلك، ليست لها إيقاعي“. لأنه يملك إيقاعه الشخصي في الكتابة، موسيقى خاصة به في ذهنه. كان فجأة ما يقوم في جوف الليل من الفراش ويتجه نحو الحاسوب ويُعَدِّل كلمَةً، كنتُ اسْمَعه يقول: “الآن…الآن، هذا أفضل“. كان يراجع المفردات باستمرار كان مُهوسا بالوضوح؛ كان يقول إن الكاتب المُتَمَيّز هو من يُعبر عن الأفكار المعقدة بأسلوب بسيط. إذا كنت غامضا في كتابتك فإنك في الطريق لفقد لُغتك، لهذا لم يكن يحب عبارات مثل “الاستعمار” “الإمبريالية” الكاتب يجب أن يغوص في العُمق ليكون أكثرَ وضوحا.

يعلق الكاتب:

لهذا اخترتُ هذه المفردات للتعبير عن الأسلوب: حقيقة، شفافية، صدق…

ناديرا: وَوُضوح.

يوافق الكاتب:

ووُضوح. صِدْق.

نديرا: أقرب ما يكون من الحقيقة، لأن الحقيقة المطلقة لا توجد، لأنها دائما تتغير ومع ذلك يجب بذل اقصى الجهود للاقتراب منها. وكل الكتب التي تحدثت عن الهند التي ذُكِرت سابقا كان فيها زوجي يرجع إلى الهند، يرجع إلى موضوع الهند، يفحصه من كل الجوانب.  India, a Wounded civilization 1977 هو مُغاير لكتاب India, a Million Mutinies Now 1990. ينبغي ان نقول، وأرجو أن تكتبي ذلك، انه عندما أصدر هذه الكتب، حدث اضطراب كبير في الهند. India, a Wounded civilization قد استعملاه الحزبين الكبيرين في الهند وليس فقط في الشق السياسي. فهو مُراجعة لتاريخ الهند. والان الهنود ينتظرون منه كتاب آخر عن الهند، لكنه اعتذر عن ذلك. كتاب India, a Million Mutinies Now لازال معاصرا وليس له الجديد عن الموضوع، لا يريد كتابا جديدا فقط من أجل الكتابة. واظن أن الهنود قد نضجوا بشكل كبير وأصبحوا أقوياء ليقولوا له: “شكرا جزيلا لك، فقد مددتنا بالأدوات اللازمة لنحكم بأنفسنا على مجتمعنا. الآن باستطاعتنا أن نرى ذواتنا في المرآة، فلدينا الأدوات لذلك” لكن هناك بلدان أخرى كتب عنها، لكن يفتقدون الأدوات لكي يطوروا أفكارهم ويحاكموا أنفسهم كما فعلت الهند.

هل ما زِلتم تكتبون؟

لا أدري ما أقول.

نديرا: يكتُب بعض ” الشذرات” ولكن ليس واثقا من إتمامها.

هل تواكبون الحركة الأدبية في العالم؟ ولكن قبل ذلك هل كل كتاب من كتبك كان خطوة إلى الأمام؟ هل تعتقدون أن الأدب العالمي تطور؟ هل تجدون أدبا جديرا بالاهتمام؟

أعتقد أن الناس لا يُفكرون في الأدب بهذه الطريقة.

ولكن هل يوجد أدب يثير الاهتمام. كُتّابا جادّين في الوقت الراهن؟

المسألة معَقّدة. لا يمكن اعتبار ثقافة ما بأن أدبها ديناميكي، فهذا لا يوجد، لا يمكن استخراج خلاصات كبيرة على ذلك. يجب أن نرى الأشياء البسيطة فيما يكتبه الناس.

في وقت ما، صرَّحتم بأنكم لا ترَوْنَ أدباً او فنّاً في الهند. لأنه مثلا لا توجد تقاليد لذلك.

لكن قُلتَ كذلك: “سنصل إلى هذا، فمحرّك الثقافة موجود” فهل هذا ما حدث؟ هل وجدتم كتابا هنديون أو في باقي الدول النامية في المستوى المطلوب؟

هذا موضوع شاسع لكيلا أجيب عليه بسرعة الآن، وربما أدّى ذلك لأجوبة سخيفة ومثيرة، ولا أريد أن يحدث هذا. في الحقيقة لم أعثر بعد على شيء من هذا القبيل. في الحقيقة كان ينتظرون استهاما كبيرا عندما يقرأ المرءُ أعمالا لكتاب من الهند. كُنت قد قرأتُ سنة 1951 كتاب” الهندي المجهول” لـ(شودوري). وقد أبهرني حينذاك، لكن مع مرور الوقت تلاشى هذا الانبهار. ربما لأننا ننتظر الكثير من المحاسن في بلدان بعينها. نعتقد أنهم يملكون الحقيقة أو يقتربون منها أكثر مِنّا. في الحين أن الأمر غير ذلك. حاليا كتاب (شودوري) أجده غير مُحتَمَل.

أنتم لا تعيدون قراءة ما كتبتموه. ولكن زوجتك تقرؤه لكم بصوت مسموع.

نديرا: عندما أقرَأ له وأتعمد أن أمُر على فقرة دون قراءتها، كان يوقِفُني، فأستغرب سائلة: كيف عرفت ذلك؟ فيجيبني: “أعرف موسيقى ما أكتب”. أعترفُ لكم أني لا أقرأ خارج ما يكتبه زوجي، لكي أحافظ على نفس النبض والإيقاع فيما يكتبه. نتلقّى العدد الكثير من الكتب من الهند، فأقرأ بصوت مسموع بعض المقاطع، فيكتفي بالقول:”هذا الشاب يكتب بأسلوب جميل، لكن…” أو يقول:”هذا يكتب جيِّدا وسنرى هل سيداوم على ذلك“، جميل أن نرى كل هؤلاء الكتاب الشباب مثل (أميتاف غوش) الذي يعتبرون (ف.س.نابيول) كاتبا مُهِما تعلّموا منه كيف يكتبون، ويدينون له بذلك. يُصدَر العديد من الكتب في الهند. يَطلب مني قراءة بعض السطور ثم يعرف إن كان صاحب هذه السطور كاتبا جيِّدا أم غير ذلك. لكنه لا يقرأ حتى لا يقع له تشويش في نسق أفكاره الذهني.

لكن هذه طريقة أخرى لإعادة ما كتبتم.

هذا صحيح.

هل تستمتعون بذلك؟

نديرا: يستمتع كثيرا عنما اقرأ له ما كتَب، أنتِ لا تعلمين مدى الاحتراز والدقة التي يكتب بها ومدى المشقة الشديدة في عملية الكتابة. وهذا شيء غريب. ولا اعلم أحدا مثله يستحق جائزة نوبل. فعملية الكتابة عنده مُبرحة يذوب فيها. عندما يكتب تشعر بأن رأسه صار ساخنا ولا يمكن حتى لمسه لشدة الحرارة كأنه رصاصة. لا يهدأ ولا يفعل شيئا آخر غير التفكير والكتابة. هذا عمل خصص له كل حياته ويفعله بطريقة جيِّدة. لكن هذا يأخذ كل وقته. وعليكِ أن تعلمي ويعلم كذلك القراء بشيء؛ كان يقول:” على الإنسان أن تكون لديه ثلاث حيوات، واحدة للعيش، الثانية للقراءة والتجارب والأخيرة للكتابة” كان دائما يقول:” حياتي قصيرة لم يُتَح لي وقت كثير للعيش، لم أفعل شيئا آخر غير الكتابة”. على الإنسان أن يتوفر على ثلاث حيوات.

وحياتكم كلها كانت للكتابة؟

نعم.

هل ندمتَم على ذلك؟

لا أبداً، لم اندم على ذلك، فقد استغرقت الكتابة كل وقتي ولم يبقى لي وقتا للندم.

نديرا: لكن تملكُ مفهوم “الدارْما”، تحَدَّثْ لها عن الدرما التي تُمِدُّك بالقوة.

يعقب الكاتب:

 إنها مفهوم هندي، على كل إنسان أن يتوفر على “دارْما” له، فكرته عن كيف ستكون حياته. أنا شخصيا وجدت صدى لها عند (بروست)، تأمُّلٌ في الزمن والأشياء.

 اغرورقت عينا الكاتب بالدموع، اقتربت منه الزوجة مُهدئة:

لقد أهدى حياته للكتابة، الدارْما دَفَعته إلى ذلك، هذه هي الدارْما تكاد تكون ديناً.

كتبتم عن أبيكم”أبي لم يصل أبدا إلى نقطة كان عليه فيها أن يُراجِعَ ماضيه، في النهاية وجد القليل ليكتب عنه” متى شعرتم بوصول الأب إلى هذه النقطة؟ أبوك لم يصل إلى هذا، لكنكم أنتم وصلتم إلى ذلك. متى كان ذلك؟

كم هي صعبة هذه الأسئلة.

متى بدأتم تثقون في أعمالكم؟ فقد قرأت أنه في بداية كتابتكم، لم تكونوا على ثقة فيما تكتبون.

ناديرا: في الحقيقة إلى الآن ليست لديه كامل الثقة فيما يكتب، يقول عندما يكون الكاتب واثقا فيما يكتب؛ فهذه من علامات السخافة، شعورك بعدم الثقة يحتم عليك فحص ما تكتب بدقة. دائما حين الكتابة يشعر بعدم الثقة، لكن في النهاية يكون واثقا من جودة ما كتبه.

هل الاعتراف كان في مستوى ما قدمتموه؟

نعم، أقول لك أن ما كتبتُه هو طريقة لتوثيق ما فعلته، يعطيك مصداقية لعملك.

كاتب (لازاريو) لم يحصل على هذا الاعتراف.

صحيح، لكن الاعتراف كان خالداً، كثير من الأغنياء الذين يملكون الأموال الطائلة، ماتوا. لكن الكاتب يبقى حيا ما دمنا نقرأ له.