أرشيف الوسم: لقاء

حوار صحفي، مع الأديب خوسي مانويل كبايرو بونالد

 

في شهر نوفمبر من عام 2017، نشرت مجالة “ماذا سنقرأ” الاسبانية، لقاءً صحفيًا مع الروائي الشاعر الاسباني (خوسي مانويل كبايرو بونالد)، بعنوان “الرجل الذي عصى الحروف”.

يقول الصحفي في استهلال اللقاء:

أي حوار ولو كان قصيرا، مع حائز على جائزة (سرفانتيس)، كـ(خوسي مانويل كبايرو بونالد)، فهو امتياز ومتعة لا نظير لهما، حتى لو كان حوارا، بل حدث فبالأحرى أن يكون هناك حدثا متمثلا في إعادة طبع رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) عن دار النشر نافونا.

وهنا تنشر لكم ساقية، ترجمة حصرية لهذا اللقاء.

سيادتكم تعتبر من أهم الروائيين باللغة الإسبانية ،كيف يبدو لكم هذا التعريف؟

أحب كثيرا أن أنال الاهتمام كشاعر لأن الشعر هو قاعدة فاعلة في الأدب وأنا أحرص دائما على أن لا أنسى ذلك.

يعتبر الحصول على جائزة (سرفانتيس) كأسمى تتويج في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية، كيف عشتم هذا الحدث؟

أولا برضى، ثم بتوتر، وهذا شيء معتاد في هذا الحالات. هي تجربة مرغوب فيها وفي نفس الوقت مرهقة.

لماذا الآن يعاد نشر رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) التي نالت جائزة (نادي إشبيلية) سنة 1981؟

أفترض ذلك نزوة من نزوات الناشر (بيري سوريدا)، وأظن أنها أسَرَّته شخصية العجوز ليستون Leiston في الرواية ؛ عجوز له اهتمام بقوارب وروائح مدينة خيريز. أنا كذلك أراها شخصية جذابة وأود أن أُشبهها.

في تلك السنة (1981) تحدث الكاتب (تورينتي باييستر) عن الرواية قائلا بأنها تمتاز بقوة شخصياتها وشجاعتهم، ومكتوبة ببراعة سردية وجودة أدبية عالية، مارأيكم في ذلك؟

هذا بالطبع حكم سخي ومجاملة منه بالطبع.

في الرواية هناك الانجليز بالأندلس، الأعمال المالية البحرية، التفسخ المجتمعي، كل هذه الأحداث ماتزال تحافظ على راهنتيها رغم مرور ست وتلاثون سنة عن كتابتها.

لا أظن ذلك فالدينامية التاريخية قد غيرت الأنماط السلوكية للمجتمع، فالمظاهر الاجتماعية داخل المجتمع الأندلسي الذي أعكسه في روايتي كثير منها عفا عنها الزمن، ولكنها كانت آنذاك موجودة منذ أربعين سنة أو خمسين سنة مضت، كما حكيْتُ عنها مزيلا كل الكوابح التي تعيق الانعتاق من الجمود والكاثوليكية الوطنية.

ماهي الإضافة التي قدمها تقديم الناقد (خوان كروس) للإصدار الجديد ؟

(خوان كروس) هو صديق عزيز وعلى هذا النحو دائما يتعامل معي جيدا، وأنا ممتن له بدعمه لهذا الإصدار.

ماهي التغييرات التي ترغبون إدخالها على الرواية، لو أتيح لكم ذلك؟

تغييرات على الأسلوب وتعديلات وصفية أشياء من هذا القبيل.

هل للحياة معنى؟ هل هو تحليل شخصي؟ أم منطق يؤدي بنا إلى العبث؟

فعلا الحياة عبارة عن لعنة مستمرة للعبث، في مثل سني هذا يتعذر عليَّ كل مرة فهم ما يجري ولم يعد يهمني إلا الخروج من هذا اللغط، فأنا عجوز مُرتاب ولكن ما يرعبني هو أن أصير عجوزا سلبيا.

ماهي أهمية الذاكرة في عملك الإبداعي؟ وكذلك عامل الزمن؟

الذاكرة هي العامل الأهم في كل أدبي المكتوب، وبدون هذه الذاكرة لن يكون لي أي مبرر للكتابة وذلك ربما لأن هناك ضعف في مُخيِّلتي.

هل نسير إلى التفاهة والابتذال؟

يبدو لي ذلك، فالابتذال أصبح من الآفات التي نعاني منها بالإضافة الى ثقافة القطيع، الدوغمائية، تمييع العادات، الخضوع والخنوع. ومن حسن الحظ أنه يظهر في بعض الأحيان هنا وهناك من يتمرد على كل هذا.

أنتم تُعَرِّفون الشعر بأنه البذرة الأصلية للأدب، ألا ترون اليوم أن الشعراء يستعملون الموسيقى من أجل أن يجعلوا أشعارهم مُغَنّاةً؟ ما رأيك بصاحب جائزة نوبل للآداب (بوب ديلان).

إن الشعر المُغنّى يختلف عن الشعر التي يتطلب قراءة متأنية، في حين أن الشعر المُوجَّه للغناء يتسم بنبرة أقل حِدّة. (بوب ديلان) يغني في العادة أبياتا شعرية عبارة عن محكيات، ولا يمكن تصنيف هذا شعرا، أظنهم أخطئوا منحه الجائزة.

والآن ماهي أعمالكم القادمة؟

الشهر المقبل سوف يصدر لي كتاب بعنوان (عرض العباقرة)  Examen de Ingenios وهو عبارة عن ِمئات البورتريهات عن كُتاب وفنانين صادفتهم في حياتي، منذ جيل مدرسة 98 إلى جيل مدرسة 50.

دموع ف. س. نابيول، في حوار صحفي

غادرنا مؤخرا، يوم السبت 11 غشت 2018، الروائي البريطاني من أصول هندية الحائز على جائزة نوبل للآداب 2001، عن عمر ناهز 85 سنة. (ف. س. نابيول).

وهذا نص حوار كانت قد أجرته الصحافية (بيرنا كونزاليز هاربور) سنة 2015 وترجمه عن الاسبانية عبد اللطيف شهيد، في ترجمة حصرية لدى ساقية.

العبقري الذي مازَجَ بين الأجناس الأدبية هو اليوم (2015) بالكاد يكتب بعض الشذرات. كثير من القراء حذرونا من الأشياء التي يُمكن أن تُغضب الروائي عند إجراء المقابلة معه، ونصحونا بتلطيف العبارات معه. لكن الكاتب الذي ولِد سنة 1932 بترينداد Trinidad هو أكثر من طفل رهيب للآداب العالمية؛ وصف لنا الاجتثاث بريشة قوية، جعلنا نفكر حول مفهوم الإيمان والعالم، زرك الشك حول شخصية غاندي ورسم بشدة إحباطات الحياة التي لم يختارها، والتي جعلت كل من (بول تروكس) و(باتريك فرنش) يفتِّتون سيرته الذاتية من غير أن يضنوا علينا بالثقوب السوداء التي واجهت الروائي؛ العنف ضد زوجته الأولى، لجوؤه للدعارة، عشيقته، غضبه.

هل تزعجك الصورة التي للناس عنك؟

لا أبدا.

كان هذا أخر رد على آخر سؤال.

ذريعة هذا الحوار مناسِبة، فقد صدر بإسبانيا كتاب (منطقة الظلام) لـ(ف.س.نابيول).

الذي يتحدث فيه عن سفره الأول إلى الهند التي خرج منها أجداده عقودا من قبل باتجاه ترينيداد، في طفولته عاش غريبا ينتمي إلى أقلية هندية وسط المستعمرة البريطانية، كيافع عاش كذلك غريبا كتلميذ هندي وسط زملاء المدرسة البريطانية، وكبالِغ وجد نفسَه في بلد لا يعرفه. هذا الاجتثاث هو صلب أدبياته.

هذا الكتاب الأخير ساعده في التحوّل من الروايات الأولى ذات الطابع الخيالي لوصف ما يراه في هذا العالم والذي لم يكن يريد أن يراه.

سيادتكم في كتابكم الأخير تصفون الهند منقسمة، عديمة التأثير، منغلقة، آلَمتَكَم كثيراً. هل الهند ما تزال تُؤلِمكم؟

نعم، كثير من الناس يسألونني؛ لماذا لا أكتب عن الفظائع التي تحدث الآن في شوارع الهند، هل لأن كل ذلك اختفى؟ أجيب بلا، ولكن لا يمكننا أن أكتب دائما نفس الأشياء. أحاول مسايرة زمن تغيير انطباعاتي. دون أن أنسى ما كتبتُه سابقا. هل تدركين فحوى ما أقول؟

كتبتَموه سنة 1964. هل أعدتم قراءته؟ هل تعيدون ما كتبتم قديما؟

بكل بساطة، لا، هل عليَّ ان أفعل ذلك؟

بعض الكتاب يفعل ذلك. (فيليب روت) ترك الكتابة وخصص وقته لإعادة قراءة كتبه الثلاثون أو أكثر. فهل فكرتم في مراجعة ما كتبتم مُستقبلا؟

لا، فما زال حاضر التجربة في ذهني، فلا داعي لإعادة القراءة.

في تصديركم للكتاب قلتم بأنه ساعدكم على النظر أبعد إلى ما هو خيالي، كنتم كتبتم ثلاث أو أربع روايات خيالية ومع هذا الكتاب قفزتم مما هو خيالي إلى ما هو غير خيالي.

ماذا قلتُ بالضبط؟ أين توجد هذه العبارات التي ذَكَرتِ؟

يوجد في تصدير الكتاب، وكذلك في كتاب (لحظات أدبية) التي تحدثتم فيه عن ظروف تحرير الكتاب المشار إليه.

لا أتذكر ذلك.

كتبتم “خرجتُ مُنهكا من كتابة رواية (منزل للسيد بِزْواس)، كنت أبحث عن كتابة رواية أخرى” وأحد الناشرين اقترح عليكم السفر إلى الهند والكتابة عن التجربة. وكتبتم “ساعدني في النظر إلى أبعد من الكتابة الخيالية. والانفتاح على الأبحاث الأدبية“.

أعتقد أن ما كتبته كان واضحا، لقد فرغت من كتابة رواية خيالية طويلة، أنهكني المجهود الذي بّذَلتُ فيها، كنت أود تجريب شيء جديد، فقط شيء غير خيالي. هل هذا مفهوم؟

واضح، نود منكم مزيدا من التفصيل.

لا يمكنني أن أُوضِّح أكثر، هذا يكفي.

لقد كتبتم في جنسي الخيال واللاخيال، أين يكمن ارتياحكم من عدمه في كل من الجنسيْن؟

سؤال وجيه، حول طريقتي في الكتابة، والذي لا يُمكنني أن أُجيب عنه الآن بجملة بسيطة، هناك أشياء يَصعُب شرحها حول الكتابة وليس من السهل كذلك التحدث عنها، حاولي تغيير السؤال.

لماذا تفضلون أحيانا الكتابة في جنس الخيال وأحيانا أخرى في جنس اللاخيال؟

من الأسباب أنه أحيانا تشعر بالتعب في الكتابة في أحد الأجناس الأدبية وتشعر برغبة في الكتابة في جنس آخر، سبب آخرأن بعض الكتابات هي من تحتم عليك الكتابة في جنس مُعين دون آخر. عندما نواجه مثل هذه التجربة، نقول  “عليّ ان أكتب بهذا الأسلوب” مثلا أم أبتعد عن الخيال.

أنتم تتعمقون كثيرا عندما تكتبون عن شخصيات رواياتكم سواء من الداخل أومن الخارج. وهذا نجده في رواية (لازاريو)، رواية إسبانيّة مجهولة المؤلف، مكتوبة على شكل رسالة يكون فيها الراوي شخصيّة من شخصيّات العمل. أين تجدون الصّعوبة؟

عندما أكتب لا أجعل تقسيما، العمل ينتهي بشكل سلس. هل هذا مفهوم؟

هذا الكتاب هو منطقة مُظلِمة، كان أول سفر لكم للهند. ماذا يعني لكم كل هذا؟

أعتقد انه بالنسبة لي يعني الكثير، لأنه أول مرّة أكتب عن تجربة قاسيّة، ولا أستطيع أن أقول لك أكثر من هذا. أظن أن هذا يكفي. إِلّا إذا…أرى أنك تودّين طرح أسئلة عن الموضوع.

ناديرا، (زوجة الكاتب): حسنا كان كتابا مُهمّاً، ذَهبْتَ إلى الهند لأوّل مرّة، رأيت البلد عن قُرب، وكتبت عن تجربتك التي لم تَرُقْ لكثير من الهنود، لأنها كانت نظرة من الخارج، لأنك من أصول هندية وفي نفس الوقت لست هندي، الكتاب أثار موجة من السخط في الهند، لا زِلْتُ أَتَذَكّرُ أقوالهم: كيف يجرُؤُ أن يحضرَهنا ويكتب عن مجتمعنا، كيف يجرؤ ويتحدث عن الناس التي تتبول وتتغوط بين قضبان السكك الحديدية، كان كتابا مثيرا بالنسبة للكتاب الشباب الهنود، كأميتاف غوش  Amitav Ghosh وغيرهم، لقد علّمتَهم بأن ينظروا إلى الهند بطريقة أخرى…

كل هذا ثانوي بالنسبة لفعل الكتابة، عندما نكون نكتب لا نفكر في الهرج الذي ستحدِثه كتابتنا، أنا يبدو لي فيما أكتب أنه شيء بديهي والناس ستراه وصف لما يقع، لكن كما ترين، أحينا يحدث هذا الذي وقع، مرة تعتقد أنك لم تفعل أي شيء وتكتشف أنك فعلت شيئا مثيرا…

قلتم، مثلا. أن غاندي فشل. بعد مرور ثلاثين سنة على موته، هل ما زِلتم تعتقِدون أنه فَشَلَ؟

بطبيعة الحال.

لماذا؟

لأن أفكاره ورسالته كانت جد عميقة، احتوت كل الجوانب التي كان ينبغي عليها أن تقلب وجه الهند، لكن هذا لم يحدث، لقد فشل.

أيضا إنجلترا الاستعمارية خَيَّبت آمالكم، هل تشعرون بأن إنجلترا تعلَّمت كيف تُقَدِّر مستعمراتها القديمة؟

لم أقل شيئا متطرّفا عن إنجلترا، لا أجرُؤ أبدا على إبداء تصريحات كبيرة على بلدان جد مهمة. إذا كانت بعض الخيبات فلا يمكن أن نخرج بتأكيدات كهذه علينا أن نقبل بكل الأشياء التي تتضمنها هذه البلدان.

صحيح انكم لا تتكلمون عن إنجلترا، لكن في المقابل تتحدثون عن ” أنجلتَرة “. كيف اصطدمت بالهند. قلتم بأن اللقاء بين القوتين لم يكن إيجابيا؟ هل تعتقدون أن موقف إنجلترا اتجاه مستعمراتها السابقة قد تطوّر، تغيّر؟

أود أن أفكر وقتا أكثر للجواب على هذا السؤال.

– قلتم لفظاً “الإمبراطورية البريطانية اختفت من الهند في نفس الوقت التي كانت تغزوها فيه. كانت علاقة استهانة، تجاهل“. هذا ما كتبتموه. فالسؤال هو كالتالي: هل تعلّمت إنجلترا تقدير أهالي مُستعمراتها؟

لا أظن ذلك، ولا أرى أي مبرات لكي تفعل ذلك (يضحك وزوجته). عندما كنتُ أكتب قلت في نفسي انه عليّ ألا أستعمل بعض المصطلحات. كان من بينها “الاستعمار“. أخرى “الإمبريالية“. عندما أقرأ لا أحبذ أن أواجه مثل هذه المفردات. لا أحب أن تُسْتعمل بدل طرح أفكار مناسبة. إذا تصَفَّحت كل كتاباتي لن تعثري على مثل هذه المُفردات.

في الكتاب هناك وصف ذاتي لكم: “في ترينيداد كُنتُ مُختلِفا، في لندن كنت كذلك مُخْتلِفا. إذ ذاك ذهبتُ إلى الهند وهناك كُنتُ مَجهولا لأني كُنتُ هِنديّا“. لدي إحساس أن شعوركم بالإجتثات والتجاهل هو ما دفعكم لكتابة هذا الكتاب. هل هو نفس الشعور الذي نجده طوال مسيرتكم الأدبية؟

نعم، بدون أدنى شك، لم أفكر بذلك أبدا عن وعي. ولحد الساعة لا أفعل ذلك، ولكن في اللاوعي هناك شخص ثاني يُملي علينا أشياء مُختلفة.

كيف تصفون أسلوبكم في الكتابة؟ عميق، جاف، صادق؟ هذه بعض العبارات التي أقترح. أود تعريفات منكم.

هذا مستحيل، عندما نبدأ بنقد ما كتبناه فنحن في اتجاه يوصلنا إلى الجنون.

بدا على زوجته انزعاج، وشجعته للإفصاح أكثر قائلة: صحيح، سيِؤدي إلى الجنون، ولكن أنت دائما كنتَ تقول أنك تحاول الاقتراب من الحقيقة، وكنت تكتب بأسلوب يقربك من الحقيقة وكنت ترى أننا يجب أن نبذل كل جهدنا من أجل ذلك. كان يُراجع ما يكتب مرارا لأنه لم يكن متيقنا مما يكتب.

الكاتب اكتفى بالرد قائلاً: “زوجتي تشرح أفضل منّي“.

نديرا: كان دائما غير واثق من نفسه. مع كل هذا الإشعاع كان دائما يشك، يحب الكمال في أعماله. عندما كتب (بذور سحرية) وكذلك (نصف حياة) كان يكتب جملة ويستغرق وقتا طويلا فيها، عندما يكتب لا يتكلّم ولا يسمع، كنت أنا من يتولّى قراءة الجملة بصوت مُرتفع، كان يردّ: “هذا ليس جيّدا“، أقول له: “بلى، إنها مُتْقَنة” وكان يُصِرُّ: “لا ليست كذلك، ليست لها إيقاعي“. لأنه يملك إيقاعه الشخصي في الكتابة، موسيقى خاصة به في ذهنه. كان فجأة ما يقوم في جوف الليل من الفراش ويتجه نحو الحاسوب ويُعَدِّل كلمَةً، كنتُ اسْمَعه يقول: “الآن…الآن، هذا أفضل“. كان يراجع المفردات باستمرار كان مُهوسا بالوضوح؛ كان يقول إن الكاتب المُتَمَيّز هو من يُعبر عن الأفكار المعقدة بأسلوب بسيط. إذا كنت غامضا في كتابتك فإنك في الطريق لفقد لُغتك، لهذا لم يكن يحب عبارات مثل “الاستعمار” “الإمبريالية” الكاتب يجب أن يغوص في العُمق ليكون أكثرَ وضوحا.

يعلق الكاتب:

لهذا اخترتُ هذه المفردات للتعبير عن الأسلوب: حقيقة، شفافية، صدق…

ناديرا: وَوُضوح.

يوافق الكاتب:

ووُضوح. صِدْق.

نديرا: أقرب ما يكون من الحقيقة، لأن الحقيقة المطلقة لا توجد، لأنها دائما تتغير ومع ذلك يجب بذل اقصى الجهود للاقتراب منها. وكل الكتب التي تحدثت عن الهند التي ذُكِرت سابقا كان فيها زوجي يرجع إلى الهند، يرجع إلى موضوع الهند، يفحصه من كل الجوانب.  India, a Wounded civilization 1977 هو مُغاير لكتاب India, a Million Mutinies Now 1990. ينبغي ان نقول، وأرجو أن تكتبي ذلك، انه عندما أصدر هذه الكتب، حدث اضطراب كبير في الهند. India, a Wounded civilization قد استعملاه الحزبين الكبيرين في الهند وليس فقط في الشق السياسي. فهو مُراجعة لتاريخ الهند. والان الهنود ينتظرون منه كتاب آخر عن الهند، لكنه اعتذر عن ذلك. كتاب India, a Million Mutinies Now لازال معاصرا وليس له الجديد عن الموضوع، لا يريد كتابا جديدا فقط من أجل الكتابة. واظن أن الهنود قد نضجوا بشكل كبير وأصبحوا أقوياء ليقولوا له: “شكرا جزيلا لك، فقد مددتنا بالأدوات اللازمة لنحكم بأنفسنا على مجتمعنا. الآن باستطاعتنا أن نرى ذواتنا في المرآة، فلدينا الأدوات لذلك” لكن هناك بلدان أخرى كتب عنها، لكن يفتقدون الأدوات لكي يطوروا أفكارهم ويحاكموا أنفسهم كما فعلت الهند.

هل ما زِلتم تكتبون؟

لا أدري ما أقول.

نديرا: يكتُب بعض ” الشذرات” ولكن ليس واثقا من إتمامها.

هل تواكبون الحركة الأدبية في العالم؟ ولكن قبل ذلك هل كل كتاب من كتبك كان خطوة إلى الأمام؟ هل تعتقدون أن الأدب العالمي تطور؟ هل تجدون أدبا جديرا بالاهتمام؟

أعتقد أن الناس لا يُفكرون في الأدب بهذه الطريقة.

ولكن هل يوجد أدب يثير الاهتمام. كُتّابا جادّين في الوقت الراهن؟

المسألة معَقّدة. لا يمكن اعتبار ثقافة ما بأن أدبها ديناميكي، فهذا لا يوجد، لا يمكن استخراج خلاصات كبيرة على ذلك. يجب أن نرى الأشياء البسيطة فيما يكتبه الناس.

في وقت ما، صرَّحتم بأنكم لا ترَوْنَ أدباً او فنّاً في الهند. لأنه مثلا لا توجد تقاليد لذلك.

لكن قُلتَ كذلك: “سنصل إلى هذا، فمحرّك الثقافة موجود” فهل هذا ما حدث؟ هل وجدتم كتابا هنديون أو في باقي الدول النامية في المستوى المطلوب؟

هذا موضوع شاسع لكيلا أجيب عليه بسرعة الآن، وربما أدّى ذلك لأجوبة سخيفة ومثيرة، ولا أريد أن يحدث هذا. في الحقيقة لم أعثر بعد على شيء من هذا القبيل. في الحقيقة كان ينتظرون استهاما كبيرا عندما يقرأ المرءُ أعمالا لكتاب من الهند. كُنت قد قرأتُ سنة 1951 كتاب” الهندي المجهول” لـ(شودوري). وقد أبهرني حينذاك، لكن مع مرور الوقت تلاشى هذا الانبهار. ربما لأننا ننتظر الكثير من المحاسن في بلدان بعينها. نعتقد أنهم يملكون الحقيقة أو يقتربون منها أكثر مِنّا. في الحين أن الأمر غير ذلك. حاليا كتاب (شودوري) أجده غير مُحتَمَل.

أنتم لا تعيدون قراءة ما كتبتموه. ولكن زوجتك تقرؤه لكم بصوت مسموع.

نديرا: عندما أقرَأ له وأتعمد أن أمُر على فقرة دون قراءتها، كان يوقِفُني، فأستغرب سائلة: كيف عرفت ذلك؟ فيجيبني: “أعرف موسيقى ما أكتب”. أعترفُ لكم أني لا أقرأ خارج ما يكتبه زوجي، لكي أحافظ على نفس النبض والإيقاع فيما يكتبه. نتلقّى العدد الكثير من الكتب من الهند، فأقرأ بصوت مسموع بعض المقاطع، فيكتفي بالقول:”هذا الشاب يكتب بأسلوب جميل، لكن…” أو يقول:”هذا يكتب جيِّدا وسنرى هل سيداوم على ذلك“، جميل أن نرى كل هؤلاء الكتاب الشباب مثل (أميتاف غوش) الذي يعتبرون (ف.س.نابيول) كاتبا مُهِما تعلّموا منه كيف يكتبون، ويدينون له بذلك. يُصدَر العديد من الكتب في الهند. يَطلب مني قراءة بعض السطور ثم يعرف إن كان صاحب هذه السطور كاتبا جيِّدا أم غير ذلك. لكنه لا يقرأ حتى لا يقع له تشويش في نسق أفكاره الذهني.

لكن هذه طريقة أخرى لإعادة ما كتبتم.

هذا صحيح.

هل تستمتعون بذلك؟

نديرا: يستمتع كثيرا عنما اقرأ له ما كتَب، أنتِ لا تعلمين مدى الاحتراز والدقة التي يكتب بها ومدى المشقة الشديدة في عملية الكتابة. وهذا شيء غريب. ولا اعلم أحدا مثله يستحق جائزة نوبل. فعملية الكتابة عنده مُبرحة يذوب فيها. عندما يكتب تشعر بأن رأسه صار ساخنا ولا يمكن حتى لمسه لشدة الحرارة كأنه رصاصة. لا يهدأ ولا يفعل شيئا آخر غير التفكير والكتابة. هذا عمل خصص له كل حياته ويفعله بطريقة جيِّدة. لكن هذا يأخذ كل وقته. وعليكِ أن تعلمي ويعلم كذلك القراء بشيء؛ كان يقول:” على الإنسان أن تكون لديه ثلاث حيوات، واحدة للعيش، الثانية للقراءة والتجارب والأخيرة للكتابة” كان دائما يقول:” حياتي قصيرة لم يُتَح لي وقت كثير للعيش، لم أفعل شيئا آخر غير الكتابة”. على الإنسان أن يتوفر على ثلاث حيوات.

وحياتكم كلها كانت للكتابة؟

نعم.

هل ندمتَم على ذلك؟

لا أبداً، لم اندم على ذلك، فقد استغرقت الكتابة كل وقتي ولم يبقى لي وقتا للندم.

نديرا: لكن تملكُ مفهوم “الدارْما”، تحَدَّثْ لها عن الدرما التي تُمِدُّك بالقوة.

يعقب الكاتب:

 إنها مفهوم هندي، على كل إنسان أن يتوفر على “دارْما” له، فكرته عن كيف ستكون حياته. أنا شخصيا وجدت صدى لها عند (بروست)، تأمُّلٌ في الزمن والأشياء.

 اغرورقت عينا الكاتب بالدموع، اقتربت منه الزوجة مُهدئة:

لقد أهدى حياته للكتابة، الدارْما دَفَعته إلى ذلك، هذه هي الدارْما تكاد تكون ديناً.

كتبتم عن أبيكم”أبي لم يصل أبدا إلى نقطة كان عليه فيها أن يُراجِعَ ماضيه، في النهاية وجد القليل ليكتب عنه” متى شعرتم بوصول الأب إلى هذه النقطة؟ أبوك لم يصل إلى هذا، لكنكم أنتم وصلتم إلى ذلك. متى كان ذلك؟

كم هي صعبة هذه الأسئلة.

متى بدأتم تثقون في أعمالكم؟ فقد قرأت أنه في بداية كتابتكم، لم تكونوا على ثقة فيما تكتبون.

ناديرا: في الحقيقة إلى الآن ليست لديه كامل الثقة فيما يكتب، يقول عندما يكون الكاتب واثقا فيما يكتب؛ فهذه من علامات السخافة، شعورك بعدم الثقة يحتم عليك فحص ما تكتب بدقة. دائما حين الكتابة يشعر بعدم الثقة، لكن في النهاية يكون واثقا من جودة ما كتبه.

هل الاعتراف كان في مستوى ما قدمتموه؟

نعم، أقول لك أن ما كتبتُه هو طريقة لتوثيق ما فعلته، يعطيك مصداقية لعملك.

كاتب (لازاريو) لم يحصل على هذا الاعتراف.

صحيح، لكن الاعتراف كان خالداً، كثير من الأغنياء الذين يملكون الأموال الطائلة، ماتوا. لكن الكاتب يبقى حيا ما دمنا نقرأ له.

عن طريقة مردوخ في الكتابة

مردوخ

أيريس مردوخ (1919-1999)، هي روائية وفيلسوفة وأستاذة جامعية بريطانية. عُرفت برواياتها السيكولوجية التي تحتوي على عناصر فلسفية مشوبة بنكهة هزلية، وتركّز (آيريس) في أعمالها على جوانب الخير والشر، والعلاقات الجنسية، ونظم الأخلاقيات، وقوة التجربة اللاواعية في حياتنا البشرية. وقد اختيرت روايتها الأولى المعنونة (في المصيدة) في عام 1998 كواحدة من أفضل مئة رواية إنجليزية في القرن العشرين. كما صنّفتها مجلة التايمز في المرتبة الـ(12) من قائمة تضم (50) من أعظم الكاتبات البريطانيات منذ عام 1945. ولا زالت تحظى باهتمام كبيرٍ بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها عام 1999 متأثرة بتداعيات مرض الزهايمر الذي ظهرت أعراضه عليها منذ عام 1994.

نقتبس هنا شيئًا من أجوبتها في اللقاء الصحفي المطوّل الذي أجرته مع مجلة (پاريس ريڤيو) في عام 1990. من ترجمة الأستاذة (لطفية الدليمي)، والذي جعلته في كتابها (فيزياء الرواية).

أخبرينا قليلًا  عن طريقتك في السرد وكيف تفكرين أثناء كتابة رواية.

أعتقد أن من المهم للغاية وضع خطة تفصيلية قبل أن تشرع في كتابة الجملة الأولى. أنا أخطط لكل شيء بالتفصيل قبل أن أشرع في الكتابة، لديّ مخطط عام وكومة ملاحظات، حتى أن ترتيب الفصول أخطط له منذ البدء، وكذلك الحوارات. هذه هي المرحلة أولية وفي غاية الأهمية، ومخيفة بذات الوقت في كتابة أية رواية، لأنك تكون بعدها ملتزمًا تمامًا بمخطط عملك الذي وضعته، أعني بالضبط أن الرواية عمل طويل مجهد وإذا ما كانت نقطة الشروع غير موفقة فستنتهي إلى نهاية غير سعيدة حتمًا. المرحلة الثانية في كتابة الرواية هي أنك ينبغي أن تجلس بهدوء وتدع الأشياء تكتشف نفسها: منطقة في الخيال تقود لأخرى، تفكر مثلًا في حدث ما ثم يقتحم شيء غير متوقع أجواءك، وبعدها ترى أن المسائل الجوهرية التي يحوم حولها العمل تكشف عن نفسها وتترابط مع بعضها. حتى ليمكن القول أن الأفكار تتطاير معًا وتولد أفكارًا جديدة، والشخصيات تولد شخصيات.

ما الذي يلحّ عليكِ أولًا: الشخصيات أم عقدة الرواية؟

أعتقد أن الاثنين يبدءان في الاشتغال معًا: فثمة دومًا اثنان أو ثلاث شخصيات في علاقة من نوع ما، وأن مشكلة من نوع ما تنتابهم، ثم هناك قصة، ومحن، وصراعات، وحراك من الوهم إلى الحقيقة. لا أظن أن لديّ ميول لإسقاط سيرتي الذاتية على ما أكتب.

كيف تختارين أسماء شخصياتك الروائية؟

ينبغي لهم أن يختاروا أسماءهم بأنفسهم، وليس بوسع المرء سوى الانتظار. إذا ما حصل خطأ ما في الاختيار فمن الممكن أن يكون أمرًا خطيرًا. ينبغي للشخصية أن تعلن عن اسمها الشخصي. أعمل في العادة قوائم بالأسماء، ويمكن لي أن أخترع الأسماء أيضًا. حدث مرة أن اخترعت اسمًا لشخصية أسميتها Gavender وظننت أن لا يمكن لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، وبعدها تلقيت رسالة من أحد الأشخاص في الولايات المتحدة يكتب فيها لي: “كيف عرفت ما حدث لعائلتنا؟”. إن اختراع الأسماء لشخصيات روائية عمل مسل للغاية.

ما هي المشكلة التقنية الأكثر صعوبة في العادة التي تعترضك عند كتابة رواية؟

هي ذات المشكلة التي أشرت إليها سابقًا: كيف تبدأ الرواية، ومتى تقوم بهيكلتها، وتحديد السرعة التي تتحرك بها الشخصيات. إنها عملية تماثل الانتقال من حرية كاملة إلى قفص ضيق، إذ عليك أن تقرر بأية سرعة تتحرك، ومتى تقرر ما ستؤول إليه الثيمات الرئيسية في الرواية.

إذا لم تكن شخصياتك الروائية تعود لشخصيات واقعية في معظم الأحيان على عكس الحالة السائدة عند أغلب الروائيين مثل (همنغواي) و(لورنس)، فكيف تخلقينهم إذًا؟

أجلس وأنتظرهم فحسب. أمقت كثيرًا فكرة ضخ شخصيات حقيقة في جسم الرواية، ليس بسبب أن ذلك سيكون موضع تساؤل أخلاقي لكن لكونه سيكون مملًا أيضًا كما أرى. أريد اختراع شخصية لم توجد من قبل، ثم تبدأ سمات الشخصية بالنمو مع تقدم العمل. الصورة الأولى للشخصية تكون في العادة ضبابية: تعلم مثلًا  أن (فلانًا) في الرواية مواطن صالح، أو ذو ميول دينية، وقد يكون بيوريتانيا Puritanical، وينبغي لي منذ البدء أن أملك فكرة ما عن المشكلات التي ستواجهه وعلاقاته مع الشخصيات الأخرى، لكن التفاصيل الخاصة التي تعتمد عليها الرواية، مظهره، سماته الخاصة، خصوصياته، مزاجه، كلها تفاصيل تأتي لاحقًا.

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.١)

بول أوستر
 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
“هذا العالم بكل تأكيد كبيرٌ ومدهشٌ بشكل كافٍ ليُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”، كما يقول (بول أوستر).

منح (بول أوستر) الكثير من المقابلات أكثر مما فعل معظم الكتّاب المعاصرين أمثاله. (أوستر) الذي ظهر لجمهوره بشخصية الفنان الفيلسوف المكتئب الذي كرّس نفسه لفنّه عن طيب خاطر وبعيداً عن هذا العالم.

هذه مقابلة له مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥ كما جمعها (جيمس هاتشسون) مع العديد من المقابلات لبول أوستر وقام بنشرها عام ٢٠١٣ في كتاب بعنوان: Conversations with Paul Auster. ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


(بول أوستر) هو شاعر قبل كل شيء، كاتب ومترجم لكن بعد ظهور رواية (مدينة من زجاج) [١٩٨٥] صار يعرف عموما بأنه الروائي الأكثر وضوحاً وأناقة. تناولت رواياته لوحاتٍ وأغانٍ، آلات فاكس وامرأة بدينة تومئ بطريقة أوبرالية! كما أن معظم أبطال رواياته بما فيها (موسيقى الحظ) و (كتَاب الأوهام) و (ليلة التنبؤ) هم على الأغلب كتّابٌ وفنانون. كان من السهل جداً على معجبي وقراء (أوستر) الشباب التمييز بين الصواب والخطأ بأنفسهم وبرفقة الكاتب نفسه حين يضعهم في مواجهة مباشرة مع الصفحات .

وفي العشرينات من عمري، كنت أشق طريقي ككاتب، حيث كنت من أشد المعجبين بـ(بول أوستر)، بعد سنوات وعندما كنت محظوظاً كفاية، ها أنذا تواتيني الفرصة للتعرف على (بول أوستر)، ولم يخب ظني أبداً.

ـ جوناثان ليثيم


موسيقى الجسد:

ماذا كنت تفعل سابقاً في هذا اليوم قبل أن تجدني أقف على باب منزلك؟

أستيقظت صباحاً، قرأت الصحف، وشربت إبريقاً من الشاي، ثم توجهت إلى شقتي المجاورة للعمل قرابة الست ساعات، كالعادة. وبعد ذلك توجب علي القيام ببعض الأعمال، وكما تعرف فوالدتي توفيت منذ سنتين، لزمني التوقيع على بعض أوراق وسندات التأمين، ثم توجهت الى كاتب العدل كي أقوم بختم الأوراق ثم قمت بإرسالها إلى المحامي. عدت إلى المنزل، قمت بقراءة رسالة وردتني من ابنتي ثم صعدت إلى الطابق العلوي لأقوم بسداد بعض الفواتير. يوم عادي كما أظن، العمل على كتابي وإنجاز بعض المهام الروتينية المملة.

بالنسبة لي، فخمسٌ إلى ست ساعات من الكتابة هي زمن وفير، فحين لا أكتب فإن هذا الوقت نعمة كافية ومرضية لأن أقوم بعمل أشياء ومهام أخرى.

أوه! هذا مريع.

نعم مريع جداً.

لقد تيقنت بأن كتابة الروايات هي نوعاً مّا كتجربة، تستغرق منك جهداً فيزيائياً وعقلياً، فأجدني أمام مواجهة أمر الكتابة يوميا لكي أحافظ على نفس الوتيرة، لأجل أن أحافظ على تركيزي الشديد فيما أكتب، وكذلك في أيام الإجازات إن كان ذلك ممكناً مالم أرتبط بمواعيد عائلية، فعلى الأقل أعمل في الصباح. عندما أسافر، فإنني أنفصل وينقطع حبل أفكاري تماما، فلو نفرض بأنني سافرت لأسبوعين فإن الأمر يستغرق مني أسبوعاً لمعاودة الاتزان على نفس الوتيرة التي كنت عليها.

لقد شد انتباهي وصف الجهد المبذول في الكتابة بأنه فيزيائي وعقلي. لدي نفس متلازمة الاستمرارية، بالرغم من أنني لا ألزم نفسي بعدد معين من الكلمات أو الصفحات أو حتى الساعات، فإن متلازمتي هذه تكمن في كوني يجب أن أكتب كل يوم، فعندما تصل الرواية الى مراحل ازدهارها، قد تلفت نظرك تلك القوة البدنية في المحافظة على التوجه في نفس الخط.

هناك شيء ما في إيقاعات اللغة التي تتوافق مع إيقاعات أجسامنا، فأرى أن  معظم الجهد المبذول في كتابة النصوص النثرية هو بناء جمل تُوائمُ إيقاع موسيقانا الداخلية. تلك الموسيقى هي قوىً فيزيائية، مُضنٍ جداً أن تكتب وتكتب وتكتب حتى تظهرها على نحو يتفق مع هواك. هكذا هي الكتابة بالنسبة لي؛ لطالما شعرت بأنها تخرج من جسدي كله وليس عقلي فقط، ففي كتابتي المعتادة، أستطيع سماع صوت الكلمات بينما يخدش قلمي سطح الورق.

في الحقيقة، أنت لا تكتب بطريقة فيزيائية فقط، بل تقرأ بذات الطريقة أيضاً، بحيث أن القارئ النبيه هو الذي ينقب عن المعاني الخفية في الكتاب، فيتلقاها عبر جسده وروحه، وهذا مايفتقر معظم الناس إليه لفهم الخيال الروائي، فهم أيضاً لا يستشعرون النثر عموماً على هذا النحو، فقد اعتادوا على قراءة الصحافة اليومية، والجمل المركبة بطريقة فنية لنقل المعلومات والحقائق الواقعية. من جهة أخرى توقن بأنه كان لزاماً على الشعر أن يكون موسيقياً.

أعتقد أن ذلك يتعلق بالانزعاج الشديد من الدعاية، الكثير من التركيز على وجوب فهم محتوى العمل، مما ينتج عنه  لا محالة عدم التناغم الموسيقي الذي أشرت إليه من جهة القارئ، كما لو أنه يشبه الارتحال بعيداً بالجسد، ثم رسم مخطط له ومحتوى معين ثم توجيهه.

أنا لا أعرف لمَ تغيرَ العالم إلى هذه الدرجة، انه يحاول نشر فكرة ظهور الكُتّاب للعامة في جولات الكتب من أجل التحدث عن أعمالهم، أمرٌ أجده بالغ الصعوبة. إلى حد مّا، قد يكون دافع الكُتّاب للقيام بهذه الجولات هو الشعور بالمسؤولية تجاه دور النشر والقراء.

حاولت أن أحدد موقفاً، فكنت من الفينة والأخرى أحاول الظهور والبدء بذلك وبدافع من الصدق والأمانة، بعدها أتمنى لو أظل بمفردي في أقرب فرصة مواتية. كمثال، عندما نشرت روايتي الأخيرة تلك (ليلة التنبؤ) رفضت ببساطة الخروج في جولات كتاب، إنني فقط لا أملك القدرة التحملية الكافية لفعل ذلك.

(كازو ايشجورو) يمتلك حساً دعابياً عندما يحين الحديث عن ذلك، يظن كما لو أنه خطأ توافقي عملاق أقدم عليه جميع الكتّاب واتفقوا عموماً عليه، بعد ذلك اقترَح أننا قد نحتاج لإيقاف ذلك يداً واحدة، إنه أمر يشبه إصداراً من لعبة (معضلة السجينين) إن قام أحد منّا بذلك فيتوجب على جميع الكتّاب أن يحذوا حذوه، والأمر ذاته لو رفض أحدهم فعل ذلك.

إنه يتحدث عن تجربة شخصية. لقد فعل مالم يفعله أحد من قبل. في أحد المرات كان في جولة لكتاب، قبل مايقارب السنتين، فقد جال كل بلد نُشر فيها كتابه، وفي نهاية المطاف اكتشف بأنه لأمر مجهد جداً وبلا فائدة.

هل سبق وقرأت The Unconseld؟

لقد وددت ذلك.

أرى أنها من أفضل الروايات بالنسبة للكُتّاب الحاليين، ملحمة كافكائية/ سريالية جمعت عدداً من عازفي البيانو كما لم يحدث قط. أشعر بأن الوصف الممكن هي أنها جاءت بأفضل وأكمل جولة كتاب قام بها كاتب من قبل.

على ذكر (كافاكا)، هناك مدخل جيد ومشابهٌ لجولات الكتاب هذه من يوميات (كافكا) التي كان يتحدث فيها عن كاتب خيالي يقدم قراءاته بصوت عالٍ للجماهير، عدا أن الناس أصبحوا يصابون بالملل والإحباط من ذلك، بينما كان يقنعهم: “قصة أخيرة”، “فقط قصة أخيرة” لكن الناس بدأت تهم بالرحيل، فتسمع خبط الأبواب ، ثم توجه للتوسل: “فقط مرة واحدة، واحدة أخيرة” إلى أن رحلوا جميعاً وبقي يصارع وحدته على المنصة، يقرأ لغرفة فارغة.


أفلام:

بدا عليك مؤخرا بأنك أعدت تشكيل علاقتك مع كتابة الرواية، أعني أستطيع الحكم على ذلك من خلال عمليك الأخيرين، وكذلك الرواية التي قلت بأنك تعمل عليها حالياً  -وهذا خبر سارٌ لجميع قرائك-

نعم وأعمل عليها بشكل عميق جداً .

أجدني في اتفاق تام معك، عندما تتحدث عن الحصرية التي تحتاجها الرواية، يدفعني ذلك للتساؤل عن السنين التي كنت فيها سعيداً بصناعة الأفلام، هل تعتقد بأنك ستتوجه بعمق نحو ذلك؟

لقد علقت شباكي وسط صناعة الأفلام، كنت دائماً شغوفاً بها، لدرجة أني في شبابي – تقريباً سن التاسعة عشر أو العشرين- ظننت بأنني سأصبح مخرج أفلام! السبب في كوني لم أفلح في ذلك الأمر أو بالأحرى ابتعدت عن التفكير في ذلك هو معرفتي بأنني لا أملك الكاريكتار المناسب  لذلك. في ذلك الوقت من حياتي، كنت خجلاً قليلاً، فلم أكن أستطعِ الحديث على منصة مثلاً أمام الجميع، لذا كنت أفكر، إن كنت سأضل ذات الشخص الصامت المتجهم المكفهر، فلن أستطيع التواصل بشكل مؤثر مع الممثلين وفريق التصوير وما إلى ذلك. لذا عزفت عن تلك الفكرة. ومن المفارقات العجيبة هي أنني وبعد أن قمت بنشر روايتي -التي تم تقديمها كفيلم فيما بعد- بدأ الناس يتحدثون معي حيال حقوق الفيلم المحتملة، وسيناريو الفيلم، ثم بعد ذلك وجدتني مُقحَماً في ذلك.

في رواياتك الأخيرة قد لمست تحولاً متقناً لتوجهك من الأفلام نحو الخيال الروائي، فيمكنني القول بأن الكتابين الأخيرين كانا يتمحوران حول قصة فنان مّا، ففي روايتك (كتَاب الأوهام)، الشخصية الرئيسية كانت لصانع أفلام، والقارئ آنذاك يستطيع أن يرسم في مخيلته صوراً لأفلام بهية ورائعة، أيضا في (ليلة التنبؤ) فالشخصية الرئيسية كذلك كانت تتمحور حول كاتب مّا أو روائي على وجه التحديد، كنا معه في خضم تطور روايته واكتمالها. لذا كنت أتساءل هل لذلك علاقة بتحول توجهاتك؟

دعني أفصّل في ذلك قليلاً. خلال سنوات عملي في صناعة الأفلام، لا أصدق أبداً أنني تخليت عن كتابة الروايات. فلميّ المخرج وايان وانق استغرقا عامين من حياتي، وقد كانت تجربة رهيبة. الخروج من غرفتي والعمل مع الناس كانت متعة خالصة بالنسبة لي آنذاك، تُوسّع مجاري تفكيري وتجددها.

وللحديث عن فيلم “Lulu on The Bridge” كتبتُ السيناريو للمخرج (ويم وندرز) قبل أن يحدث خلاف على ذلك، ولم يصبح قادراً على إخراج الفيلم. وفي وسط إلحاحٍ شديد قررت أن أعمل على ذلك بنفسي، وهكذا فجأةً! فقد استهلكَ من عمري سنتين إضافيتين، لكن مجدداً فإنني أود القول بأنها كانت تجربةً لا مثيل لها. ثم بعد ذلك بدأت الحملة الدعائية، التي كانت مجهدة أكثر من صنع الفيلم نفسه، أنت تظن أن تأليف الكتُب أمرٌ صعبٌ وشاقٌ جداً، لكن صناعة الأفلام أكثر من ذلك. أستطيع إلى الآن تذكّر الأربعين مقابلة التي أجريتها، واحدة تلو الأخرى، حتى تعبت، وكنت منهكاً جداً ثم نُقلت الى المشفى. عندها توصلت إلى قرارٍ حاسمٍ بالتوقف عن صناعة الأفلام إلى الأبد. فبقدر ما استمتعت في صناعة الأفلام وبقدر ماشعرت واعتقدت أنني أمسك زمام الأمر وأعتاد عليه إلا أنني أيقنت بأنها وظيفة بدوام كامل، وليست هواية أبداً، فقد أجبرت على التوقف عن الكتابة وقتها على الرغم من أن ذلك لم يكن وارداً ابداً. لم يكن لدي أدنى شك بأنه كان يجب علي أن أكتب الروايات والروايات فقط، لذلك وبكل رضا تام وبدون ندم فقد اعتزلت صناعة الأفلام.

ولكن للعودة للحديث عن رواية (كتاب الأوهام)، وإلى (هيكتور مان) وأفلامه، فإن شخصية (هيكتور) ولدت داخلي ونمت قبل أن أكون داخل دوامة الأفلام من الأساس، جاء الي يوماً من الأيام ربما في أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينات على أقرب تقدير، ببزته البيضاء وشاربه شديد السواد، ولم أعرف ماذا أفعل حينها، ظننت أنه يتوجب علي الجلوس والبدء في كتابة مجموعة قصصية تشرح أفلامه الصامتة. ظل (هيكتور مان) بجانبي طوال سنين قبل أن تلتئم مجموعة القصص لتصبح هذه الرواية الآن، فيقول الناس  بأن هذا نتاج غزو (أوستر) لصناعة الأفلام، لكنها حقاً سبقت كل ذلك بكثير.

آخر ما أود قوله عن هذه المغامرة الصغيرة في صناعة الأفلام، هو أنه من النادر جداً لأحدهم أن يجد الفرصة المناسبة والعمر المناسب ليقحم نفسه في تجربة مّا – أتحدث عني في منتصف الأربعينات- فإنها كانت الفرصة المناسبة لئلّا أمارس كتابة الروايات ولمدة خمس سنوات على التوالي، النص الوحيد الذي كتبته خلال هذه المدة كان مقالاً ذاتياً عن المال.

هذا ما أصارع لأجله الآن، فأنا في منتصف مرحلة كتابة رواية -ليست الأولى بالطبع لأنني بدأت بكتابة الروايات مذ كنت في الثامنة عشر-

وأنا كذلك.

لم تكن بتلك الجودة طبعاً ، لكنني لم أتوقف عن هذا النشاط منذ ذلك الحين، لكن في السنتين الماضيتين، قمت بكميات هائلة من الترويج، وعملت على تجميع مجموعتين كتاباً من القصص وكتاباً من المقالات.

لا تخجل من ذلك أبداً، أعني جودة ماكنت تكتبه في السابق.

شكراً لك. لكن ذلك معناه أن الجسد الذي اعتاد على عشرين عامٍ من الممارسة، كجسد الرياضي مثلاً الذي اعتاد على التواجد في النواد الرياضية يضعُ أربطته ويبدأ الجري، جسدي كتابياً هو…

ضامر قليلا؟

صحيح، ضمور، إنه لأمر مرعب نوعاً ما، لدي صديق، روائي بحس عالٍ من الطموح المبهج الذي لا يخجل منه بصراحة، الأمر كان أشبه بجولة ملاكمة بين (نورمان ميلر) و(تولستوي)، قال لي أمراً ذات مرة: “انظر للسجلات، وستجد بأن أفضل سن للروائي هو من سن الثالثة والخمسين الى الخمسين، انه مفترق الطرق بين الطاقة الشبابية والخبرة“ وها أنذا أودع هاتين السنتين من عمري في طريقي إلى الأربعينات.

فقط لأؤكد لك ، أنا من أشد المؤمنين بأنه لا قاعدة تحكم الفن، فكل مسارٍ يختلف عن الآخر، الناشر الفرنسي الذي أتعاون معه قال لي ذات مرة أن الروائي لا يملك إلا عشرين عاماً، هو ذا عمر الازدهار الروائي، لست بالضرورة أتفق معه على ذلك. المثير في الأمر هو أنه كم يبدو من السهل ألا تقوم بكل أمر الكتابة هذا، لكن، وبالتأكيد فالكتابة هي ضرورة قصوى ومتعة في أغلب الأحيان وفي نفس الوقت قد تكون عبئاً كبيراً وصراعاً رهيباً .

سعيد لأنك قلت ذلك!

في حالتي أنا، فإنني حين أتوجه إلى غرفتي وأجلس على مكتبي أهم بالكتابة، لا أفعل ذلك وكأنني ملاكم مقبلٌ على عشر جولات مع (جو لويس) مثلاً، لا بل على العكس، فإنني أمشي على رؤوس أصابعي، وأماطل وأتأخر، أهتم بكل تلك الأمور التي لا يجب علي الاهتمام بها حينها، أجيء من الجانبين وأنزلق من خلال الأبواب، لا أنفجر وبيدي ستة طلقات جاهزة وإن فعلت فإنني أطلق النار على قدمي أنا.

كيف بدأت الكتابة؟ ماركيز يتحدث

bg

غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) روائى وصحفى كولمبي، يعد من أشهر الروائيين في كولومبيا وفي العالم الأدبي، تميز في كتابة الروايات الواقعية العجائبية وأحد أشهر مؤلفاته (مائة عام من العزلة). سُئل (ماركيز) في إحدى لقاءاته مع “The Paris Review” عن بداياته في الكتابة فكان الجواب كالتالي:

بواسطة الرسم. من خلال الرسم الكرتوني. فقبل أن أتمكن من القراءة أو الكتابة أعتدت على رسم القصص المصورة في المدرسة و بالمنزل. الأمر المضحك هو أنني أدرك الأن أنه عندما كنت في الثانوية أكتسبت سمعة بكوني كاتبًا، على الرغم بأني في الواقع لم أكتب شيء. فإذا كان هناك كتيب يجب أن يكتب أو خطاب إلتماس، لقد كنت من سيفعل ذلك بإفتراضي كاتبًا. عندما دخلت الجامعة صادف بشكل ملحوظ بأن لدي خلفية أدبية بمعدل فوق المتوسط عن أصدقائي. ففي الجامعة بمدينة بوغوتا بدأت بتكوين علاقات مع الأصدقاء والمعارف الجدد الذين عرفوني بالكُتاب المعاصرين.

ذات ليلة، أعرني صديق كتابًا من القصص القصيرة للكاتب (فرانز كافكا). ذهبت راجعًا إلى النزل حيث أقيم وبدأت بقراءة (المسخ). لقد أسقطت من الفراش بعد قراءة السطر الأول، لقد كنت مدهوشًا. يقول في السطر الأول، “وأستيقظ جريغور سامسا في صباح ذلك اليوم من كوابيسه، لقد وجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة …” عندما قرأت هذا السطر قلت لنفسي بأني لا أعرف أي شخص باستطاعته كتابة أشياء كهذه.

لو كنت أعلم، كنت سابدأ بالكتابة منذ وقت طويل. وبالتالي بدأت فورا بكتابة القصص القصيرة. لقد كانت قصص قصيرة معرفية لأني كنت أكتبهم إستنادًا على تجربتي الأدبية ولم أجد بعد حتى الأن ذلك الرابط بين الأدب والحياة.

نُشرت هذه القصص في الملحق الأدبي لصحيفة El Espectador في بوغوتا ولم تلاقي نجاحا في ذلك الوقت، ربما بسبب أن لا أحد في كولومبيا قد كتب قصص قصيرة معرفية. ما تم كتابته في ذلك الحين كان معظمه عن الحياة في الريف والحياة الإجتماعية. وعندما كتبت أولى قصصي القصيرة قِيل لي بأنها تمتلك تأثيرات جويسيان.

Continue Reading →