أرشيف الوسم: لقاء

فن الكتابة، وحياة الكتّاب. حوار مع الكاتب البريطاني؛ آيان ماك إيوان

أجرى الحوار: لاين روزن. لصحيفة (ذه انكوايرر)

ترجمة: دلال الرمضان

حوارنا اليوم مع الكاتب البريطاني (آيان ماك إيوان)، الذي تم تصنيفه من قبل صحيفة التايمز البريطانية واحدًا من أفضل خمسين كاتب بريطاني منذ عام 1945. والذي استحوذت رواياته على اهتمام شريحة واسعة من القراء حول العالم. كان من بينها رواية (أمستردام) الحائزة على جائزة مان بوكر لعام 1998، و رواية (الكفارة) الصادرة في عام 2001، والتي تم تحويلها إلى فيلم حاز على جائزة الأوسكار في 2007.

جرى الحوار في مكتبة لندن الأربعاء الماضي. حيث حدثنا (آيان ماك إيوان) عن روايته الجديدة (قشرة الجوزة) المقتبسة عن مسرحية (هاملت) لـ(وليم شكسبير)، والتي تُروى أحداثها من قبل جنين في رحم أمه. عن هذه الرواية، وعن حياته ككاتب، كان لنا معه الحوار التالي:


أظن أن هذا هو كتابك السابع عشر، إن لم أكن مخطئاً؟

إنه عملي القصصي السابع عشر، والروائي الخامس عشر. فأول كتابين لي كانا عبارة عن مجموعة قصصية .

تندرج كتاباتك ضمن العديد من الأجناس الأدبية، بما في ذلك السيناريو السينمائي، والأفلام التلفزيونية، أليس كذلك؟

أجل. لقد وجدت نفسي، مؤخراً، منغمساً في كتابة السيناريو السينمائي بشكل كبير. إذ لدي عملان قيد الإنتاج. وهما مقتبسان من كتابيّ (قانون الطفل) و(على شاطئ تشيسل). حيث ستكون الممثلة الإيرلندية (سيرشا رونان) البطلة في أحدهما .

هل بمقدورك إخبارنا عن الحالة التي تمر بها في غضون ولادة أي عمل أدبي لك؟ كيف تعمل؟ وبأية سرعة تكتب؟ وما هو الأسلوب الذي تتبعه؟

حالما أبدأ في الكتابة فإنها تستحوذ على تفكيري تمامًا. ما يجعلني أصب جُل أفكاري في الموضوع الذي أكتب عنه. وإن حدث أن وصلت حصيلة كتابتي إلى ما يقارب 450 إلى 500 كلمة في اليوم الواحد، حينها سأكون في ذروة سعادتي. يبدأ عملي في التاسعة والنصف صباحاً من كل يوم. و لا أجد أي مبرر للتوقف عن العمل. لأنني أعلم جيداً أنني سأصل إلى تلك اللحظة التي ينتابني فيها التردد، فأتوقف عن العمل ليوم كامل، أو ربما لأسبوع، لأعاود العمل من جديد فيما بعد .

أحياناً، أعمل في وقت متأخر من الليل. وفي أحايين أخرى، إذا سارت الأمور على ما يرام، أعمل في الساعات الأولى من الصباح. غالباً ما أستهل يومي بمراجعة ما كتبته بالأمس. لقد كنت من أوائل من تبنوا فكرة معالجة النصوص في أوائل الثمانينات. إنه لأمر حسن أن يكون الكاتب قادراً على تصحيح ما كتب باستمرار. وفي هذه الحالة، أظن أن عليه أن ينفصل عن النص الخاص به بشكل تام، ليعود للنظر إليه بطريقة حيادية، وكأنه عملٌ لكاتب آخر.

هل سبق لك أن قمت بالتدريس؟

لقد أدرت العديد من النقاشات في عدة حلقات بحثية، مع طلاب عدة، بما في ذلك طلاب كلية الفنون الجميلة، حيث جرت العادة أن أحاورهم بعد إعطائهم الحصة المقررة كل صباح. وحتى قبل أن أقوم بنشر كتابي الأول بمدة طويلة، كنت ألقي محاضرات في ورش تعليم الكتابة في جامعة آيوا. لقد استمتعت كثيراً بعملي. وأظن أن الطالب المجدّ هو من يأتي بفائدة و يغادر بأخرى. إذ لا بد له أن يستفيد من حضوره تلك الورشات. بيد أن أكثر فائدة يمكن أن تجنيها من تلك الورش هي وجود من يترقب أعمالك. أنت بذلك تكسب القارئ. وهذا يعني أنك تكتسب جمهوراً جديداً. إذ ثمة فرق هائل بين وجود ثلة من الناس ممن يقرؤون أعمالك، وبين عدم وجودهم .

ثمة عدد كبير من القراء ممن يستخدمون كلمة واحدة لوصف أعمالك، ألا وهي “محطِّمة” فهل تظن أن بإمكان هذه الكلمة أن تصف القصص التي تكتبها بدقة؟ وهل تحاول، متعمداً، ترك ذلك الأثر العاطفي العميق في نفوس قرائك؟

لا أنوي تحطيم قلوب قرائي بالضرورة. بيد أنني آمل أن يقعوا تحت تأثير ذلك السحر الذي يوقد لديهم فضولاً تجاه النص. ذلك لأن فعل قراءة الرواية التي تخلو من ذلك الإحساس بالترقب، هو فعل باهت يفتقر لأي معنى. يمكن لهذا الإحساس أن يكون ترقباً فكرياً أو عاطفياً، أو مزيجاً منهما معاً. هو شيء يحثك على متابعة القراءة. إذ يرى الكاتب البريطاني (هنري جيمس) أن الوظيفة الأولى للروائي هي أن يحقق المتعة للقارئ. وربما أعي تماماً ما يعنيه بذلك. أما بالنسبة لي، فلا شك أنني سأضع الرواية جانباً، إذا لم تُثر فضولي. أود أن أُحدث شيئاً ما. ولا يجب أن يتعلق ذلك الشيء بتلك الأدوات التي أشتهر بها. آمل، فقط، أن يشعر قرائي بصعوبة ترك الرواية دون الرغبة بالعودة لقراءتها مجدداً.

في روايتك الجديدة (قشرة الجوزة) كيف اخترت صوت الراوي؟ و ما الذي جعلك تحاكي “هاملت“؟ 

لقد أتى ذلك من اتجاهات مختلفة. فبينما كنت أحضر اجتماعاً مملاً، تبادر إلى ذهني السطر الأول من الرواية، والذي يقول: “هأنذا، أقف رأساً على عقب داخل جسد امرأة “ حيث قمت بتدوين بعض الملاحظات. ثم غادرت ذلك الاجتماع .

حين يتعلق الأمر بكتابة الرواية، غالباً ما تتسم البدايات بالبطء. فأية فكرة يمكن أن تبدو فكرة رائعة في يوم بعينه، بيد أنها قد تصبح بخلاف ذلك، بمجرد مضي شهرين من الزمن .

في تلك الأثناء، كنت أشاهد مسرحية (هاملت) إذ بدأت الفكرتان بالتناغم مع أفكاري. وبمجرد أن يأخذ صوت الراوي مكانه المناسب، كما هو حال الخطة التي رسمتها لسير أحداث الرواية، والتي تركز على حث القارئ على التخلي عن شكه، فإن كل الأحداث، بعد ذلك، تسير وفقاً لتسلسلها المنطقي .

تكمن الصعوبة الحقيقية في بداية الرواية. أي في اختيار الأسلوب المتبع في قص الحكاية، على وجه التحديد. وبما أن القصة كانت مرحة، فلا عجب أن أختار أسلوباً مرحاً لسرد أحداثها بلغة شعرية تغلب عليها قافية التفعيلة الخماسية التي كانت بمثابة اعتراف بكون (شكسبير) المصدر الأول لإلهامنا. فلغتنا متشبعة بكلمات ذلك المبدع. فلم يؤثر بنا (شكسبير) بآلاف الأمثلة، والشخوص، والأفكار التي تبناها فقط، بل وصل تأثير كلماته إلى أولئك الذين يرددونها دون معرفتهم به. فحين يرددون العبارة التالية: “كن كل شيء، أو لا شيء” هم يقتبسون عبارة (شكسبير) الشهيرة دون علمهم بذلك. (شكسبير) هو المصدر الذي أعاود اللجوء إليه باستمرار. وهذا نوع من الإجلال للخط الذي سار عليه ذلك المبدع.

كيف يبدو يوم الكاتب (إيان ماك إيوان)؟ وهل بإمكانك الخروج دون أن يتعرف عليك المارة؟ وكيف يتصرف الناس عند معرفة هويتك؟

نعيش أنا وزوجتي في الريف، حيث لا يوجد أحد. إن شهرة الأديب تختلف كل الاختلاف عن شهرة مشاهير الغناء، أو الرياضة، أو التلفاز. فلن تصادف معجباً يحاول أن يشد قميصك، على سبيل المثال. فالقارئ الشغوف بنتاجي الأدبي، إن حدث وتعرف علي، فربما لن يحرك ساكناً. ولعله سيكتفي بالاقتراب مني بكل احترام، وبالقول: “تعجبني تلك الرواية” ومن ثم ينصرف بكل هدوء. حياتي تسير كحياة باقي البشر. قد يختلس المارة النظر إلي في الشارع أحياناً. بيد أن ذلك لا يحدث سوى في الفترات التي أصدر فيها رواية جديدة.

ما الذي تعنيه لك فرصة اللقاء بقرائك، والتفاعل معهم؟

عندما تلتقي بقرائك، فإنك تقابل مجموعة من الناس انتقيتها بنفسك. حذارِ أن يخطر ببالك أن العالم كله يقرأ كتاباتك، وأن الجميع معجب بك. إن لقاء القراء تجربة ممتعة للغاية. لقد صادفت قراءً بأعمار متفاوتة؛ بدءًا من عمر السابعة عشر، وحتى عمر الثمانين سنة، أو حتى التسعين، ممن قرأوا أعمالي طوال حياتهم. حين زرت حديقة ذات يوم، برفقة ابني، في وسط لندن -حيث كنا نسكن – كان الناس يتنزهون في وقت الغداء. جلبت رزمة من الكتب التي كان من بينها كتبي، وأخرى لكتاب آخرين. ثم قمت بتوزيعها على المارة. كانت كل امرأة تطلب مني ثلاث كتب، في حين كان الرجال يردون بالقول: “لا، شكراً لك”

أيقنت حينها صدق شعوري بأن “فن الرواية سيؤول للتلاشي، لولا جمهوره من القارئات” 


[المصدر]

لقاء مجلة (الثقافي) الاسبانية، مع الروائي أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة.

ننقل لكم، ترجمة حصرية لنص الحوار الذي نشرته مجلة ” الثقافي (El cultural) مع الكاتب اللبناني (أمين معلوف)، والتي قابله فيها الصحفي (أندريس سيوان).

خلاص البشرية يمر عبر استعادة أيديولوجية عالمة.


نشر الكاتب اللبناني (أمين معلوف) (غرق الحضارات)، وهو دراسة دقيقة وواضحة، يبدأ من غروب العالم العربي، ليصل إلى نهاية أيديولوجيات القرن العشرين والانزلاق المدمر الذي وصل إليه في كل جهات وثقافات الكوكب.

بعدد مرور كل عقد من الزمن، و لمدة 30 عام، يطل الكاتب والأكاديمي (أمين معلوف) على هاوية الذاكرة وعلى المقاطع المأساوية للتاريخ الحديث للخوض في قراءة مريرة للماضي في محاولة لفهم التأسفات على الحاضر وخصوصا تحديات المستقبل. إذا كان الكاتب اللبناني في عام 1998 توقّع في كتاب سابق (الهويات القاتلة) وجود قومية فاعلة سياسية بارزة اليوم، وفي عام 2009 توقف عند اضطراب العالم من خلال فقدان القيم اليوم بلا منازع، فهي الآن تعتبر مواضيع الساعة مثل الآلية، الذكاء الاصطناعي، التدهور البيئي، التطرف الإسلامي والخطر الذي يتربص بالمشروع الأوروبي وهذا ما يملأ صفحات (غرق الحضارات) الصادر عن دار النشر Alianza.

انطلاقًا من ذكريات طفولته وعائلته، والتي تبدأ عند نهاية العالم العربي الاستعماري، والتي أثارها الأدب السكندري العالمي  لـ(قسطنطين كفافيس)، أعظم شعراء اليونان المعاصرين، و(أونغاريتي)، الشاعر الإيطالي المولود بالإسكندرية 1888، يتتبع الحائز على جائزة أمير أستورياس (2010) رحلة مثيرة وعاطفية عبر “التاريخ الكارثي للعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين”. انطلاقا من  حلم لبنان المجهض في شبابه، إلى الجهادية اليوم، مرورا عبر مصر العربية الناصرية أو الثورة الخمينية الإسلامية، التي كان شاهدا عليها، يحلل (معلوف) العواقب المأساوية للصدام الحضاري الذي تنبأ به (صموئيل هنتنغتون) الذي نشهده اليوم. دون أن يغفل تحديات المستقبل: “رغم أن غرق مجتمعاتنا هو شيء واقع لا محالة، البشرية لن تسمح بزوال كل الإنجازات التي تحققت”.


في منتصف القرن العشرين، تبنت العديد من الدول العربية، بقيادة مصر (جمال عبدالناصر) قومية اشتراكية أو شيوعية، لماذا فشل هذا النموذج ومعه مفهوم العروبة؟

إنها قضية معقده، ولكن بشكل عام، فشلت النزعة القومية العربية من وجهتين. السبب الأول هو أنه بنت نفسها على المعركة ضد الغرب، وهذا شيء طبيعي تماما، لأن المستعمرين كانوا الغربيين، ولكن ذلك دمر التعايش. السبب الثاني أنها اعتمدت على النموذج السوفياتي، والذي، كما راينا في وقت لاحق في U.R.S.S. نفسها، لا يمكن إلا ان تفشل. فقد أفلست سياسيا لأنها كانت تقوم علي السلطوية وتقييد الحريات، واقتصاديا لأنها كانت تقوم علي شكل مركزي وبيروقراطي للغاية على اشتراكية غير فعاله للغاية. واضطرت قوى التغيير في العالم العربي إلى اعتماد نموذج معطل، فعانت من عواقب هذا الاختيار.

ومع ذلك، فان هذا النموذج لم يكن هو السبيل الوحيد. تتذكرون في كتابك (لبنان) عندما كنت شابا، و الذي كان مثالا على تعايش متعدد الأعراق والطوائف، لماذا فشل هذا النموذج في وقت كان بإمكانه أن يكون منارا في المنطقة؟ هل كانت قوة هذا التكامل هي سبب ضعفه؟

إن فشل التجربة اللبنانية يرجع إلى عوامل مختلفة تماما، وكذلك مضادة. وما كان كارثيا بالنسبة للبلاد هو انها أرادت تنظيم علاقات بين مجتمعاتها العديدة بطريقه مشروعة فقط علي الورق، ولكنها في الواقع كانت مضرة تماما. كان النموذج يريد الاعتراف بوجود مختلف المجتمعات المحلية، وأعتقد أن ذلك لا غنى عنه، ولكن الطريقة التي تم بها ذلك، مع نظام التحصيص، في دولة مركزية ضعيفة عانت بشكل متزايد من ضغوط قوية من طرف كل الجماعات، كل ذلك أدّى إلى الفشل بعدم القدرة علي بناء شعور حقيقي من الانتماء، والولاء الوطني. وبعد عقود من الحرب، نشهد اليوم ظاهرة في شوارع بيروت، وهي ثورة ضد هذا الوضع الراهن. يحتج الناس علي انهم انقسموا إلى مجتمعات محليه وتم استغلالهم، وآملُ ان يؤدي ذلك إلى تغيير كان ينبغي أن يحدث قبل 40 سنة.

في 1967، كانت بداية نهاية العالم العربي ذو الاتجاهات التحديثية، ماذا كان دور الحرب مع إسرائيل والهزيمة التي تلتها؟

كانت حرب 67 بداية لنهاية قومية عربية سعت رغم انها ليست علمانية بحتة، إلى تحقيق المساواة بين جميع الطوائف وفصل الدين عن الحياة السياسية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النزعة القومية تستند أساسا إلى الدين، وكان الصراع بين العرب والإسرائيليين عاملا حاسما في هذا التطور، لأنه كان ذريعة لجميع أولئك الذين لا يريدون تغييرا حقيقيا. ولكن الأخطر من الصراع نفسه هو السبيل للرد عليه. في كتابي أتحدث عن حالات مثل كوريا الجنوبية، والتي لما يقرب من 70 تواجِه تقسيم البلاد مع ديكتاتورية شيوعية محطمة في الشمال والتي تجعلهم في خطر الحرب الدائمة. ولكن هذا لم يمنعهم من الحسم بأن الأولوية هي التنمية والتعليم والتقدم … مشكلة العالم العربي هي اننا لم نقل في اية لحظة سنحرز تقدما و سنري كيف نحل هذا الأمر. كان هناك هاجس مشلول للغاية و مُفقرٌ مستمر حتى اليوم.

منذ تلك السنوات بدأ العالم العربي ينجرف تدريجيا نحو الأصولية، ولكن كيف وصل مِن “زمن الخليفة الحكم” – تعبير لـ(جمال عبد الناصر)- إلى هذا العالم العربي التقليدي والراديكالي الذي نراه اليوم ؟

حتى الستينات من القرن العشرين، كانت الحركات الإسلامية تقريبا غير موجودة وبدون أدني تأثير علي الحياة السياسية والاجتماعية. كان النجم اللامع هو (عبد الناصر) والأيديولوجية المسيطرة هي القومية العربية. الحقيقة أن (عبدالناصر) كان ذو نفوذ كبير في المنطقة، ولقرون، عانت المنطقة من فشل يوازي هزيمة 67، كل ذلك أدى لتشويه العروبة كرد فعل، وعادت المصداقية للحركات التي عانت كثيرا من (عبدالناصر).

وفي رأي (معلوف)، منذ 1977/1978 هذه الإسلاموية أضحت من الصعب إيقافها، عندما جاءت تلك الحركة إلى السلطة في بلد كبير وقوي مثل إيران وعندما اندلعت الحرب الافغانية الأولي، حيث ولدت الجهادية التي كانت في ذلك الوقت  ضد الاتحاد السوفيتي ومن ثم ، قليلا قليلا، أصبحت “ضد الغرب”. دورة من الأحداث التي كان يمكن التنبؤ بها والتي  يوجه فيها الكاتب اللوم لجميع الأطراف علي قدم المساواة. “ساهم السوفييت في تدخلهم الأخرق وغير المنتظم في أفغانستان، وكذلك الغربيين، وخاصه الأميركيين، من خلال تشجيع الجهاد لمواجهة الاتحاد السوفياتي”.

حول الجهاد الحالي، يرى (أمين معلوف) أنه رغم هزيمة الدولة الإسلامية  “يمكن بزوغ حركات جديدة من نفس النوع، فهذه الجماعات المتطرفة، غالبا ما تكون مستعملة من أطراف أخرى لأهداف سياسية”. لكن يعتقد الكاتب الأكاديمي أن الغرب أعطى أهمية مبالغ فيها لهذه المجموعة.

“لقد سقط الغرب في فخ الوهم الذي أوجدته تلك الحركة، التي اتخذت اسما مزيّفا جدا، كما لو كانت خلافة أو دولة، وهذا أمر سخيف. انها ببساطة جماعة راديكالية، شبيهة بتنظيم القاعدة، والتي بسبب عدم استقرار العراق وسوريا استقرت في أحد أقاليم البلدين. وأعتقد ان الغرب قد أعطاها الكثير من الأهمية ليتكون قادرة علي إعلان انتصار ما في يوم من الأيام “.

سنة 1979، سنة لها أهمية داخل كتابك، السنة التي تُسمي بالثورة المُحافِظة. ماذا يمثل لك أشخاص كـ(آية الله الخميني) أو (مارغريت تاتشير)؟ وأي عالَم ظهر حينئذ؟  

ظهر العالم الذي ما زلنا نعيشه الآن، والذي تشكلت احداثه منذ 40 سنه مضت، تزايد التطرف الإسلامي وادعاءات الهوية، كما تجلي منذ ذلك العام، وخاصة بعد الثورة الإيرانية، أصبحت يوما بعد يوم عاملا رئيسيا في راس المال السياسي. وعلاوة علي ذلك، ننظر إلى (تاتشر)، ومن ثم (ريغان) في الولايات المتحدة ، وصعود الليبرالية اقتصاديا وسياسيا والحركات المحافظة والقومية التي بدأت منذ ذلك الحين حيث لا يمكن وقفها، والآن نفس الدور يظهر في الهند والبرازيل وإيطاليا والمملكة المملكة المتحدة ، الولايات المتحدة…

كما تشير إلى ذلك، وخارج العالم العربي، فإن الغرب أيضا قلق. علي سبيل المثال، كنتَ قد حذَرتَ منذ سنوات، مع الجبهة الوطنية، أن الشعوبية السياسية الأوروبية ليست أمرا عابرا، لماذا تجذَّرَت إلى هذا الحد؟

أعتقد ان العامل الحاسم في ظهور الحركات الشعوبية وديمومتها هو تصور وجود تهديد. تهديد اقتصادي واجتماعي، وخاصة خطر قادم من العالم العربي. التهديد الذي يمكن ترجمته في أعمال العنف الإرهابية، والهجرة الجماعية، وهذا هو الشيء الأول الذي يغذي صعود السياسيين الشعبويين. وبما ان هذه ليست ظواهر عابرة، حيث ان الوضع في العالم العربي لا يبدو انه سيستقر في العقود المقبلة، فإن غذاء الشعبوية الغربية سيظل موجودا لفتره طويلة.

الوجه الأكثر مرارة لهذه المشكلة هو أزمه اللاجئين. كنتَ مهاجرا من دولة عربيه كانت تعيش في حرب أهلية، هل خانت أوروبا قيّمَها ؟

بمعنى آخر، صحيح انه في هذا العصر الذي حققت فيه الإنجازات التقنية تحسينات لا يمكن تصورها، أصبح العالم أكثر انغلاقا مما مضي. وهذا نتيجة للشعور السالف الذكر بالتهديد، وأيضا لسقوط نعمة القيم التقليدية لليسار الغربي، وخاصه الاوروبي، التي هو بالتأكيد في أزمة. فكرة العالمية واحترام تنوع الثقافات التي جعلت من أوروبا بوتقة انصهار الأجناس التي كانت في العقود الأخير، قد اختفت لصالح الرأسمالية التي بعد اختفاء الشيوعية أبانت عن أسوأ وجه لها، والأكثر استغلالا للإنسانية، وهذا أمر يحتاج إلى تغيير ولا يمكن أن يحصل إلا من خلال الضغط الداخلي للراي العام.

الاتحاد الأوروبي نفسه، مفهوم أوروبا، معرض للخطر، كما نراه الآن بخروج  بريطانيا من “البريكست”، لماذا يتجه العالم بأسره نحو التجزؤ، لماذا نعود إلى القبيلة ؟

إن هذه ظاهرة عالمية، واعتقد ان السبب الرئيسي يكمن في اختفاء النقاش الفكري بين الرأسمالية والشيوعية الذي حدد جزءا كبيرا من القرن العشرين. وقد اُستعيض عن ذلك بادعاءات الهوية الساخطة والعنيفة في كثير من الأحيان والتي تُجزِّئ جميع المجتمعات، وهذا تراجع أخلاقي وفكري. وفي أوروبا فإِن ما تحقق بعد الحرب العالمية الثانية، كان أكثر دراماتيكية، بحيث كان مشروع الاتحاد الأوروبي هو الأكثر جمالا الذي أنتجه العالم في القرن الماضي. ويجب أن ينتصر. من أجل ذلك ينبغي اتخاد قرارات حاسمة، مثل المدى الذي ستُدمج فيه البلدان ودورها في العالم. وقد يدرك الناس والقادة ذلك ويسعون إلى تحويل المؤسسات، لكنها ستكون عمليه طويلة ومعقدة.

تختتم الكتاب بالتحذير، وان كان مع لهجة من الأمل، فالأخطار المختلفة هي أكثر في الحاضر من تلك المستقبلية، مثل الآلية، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي… هل مازال ممكنا العودة إلى الطريق الصحيح ؟

أرى أنه من المستحيل تجنب فترة من الاضطرابات، والتي اسميها غرقاً. سيحدث، نعم، ولكن بعدها يجب البناء، لن يكون ذلك نهاية العالم. إذا فكرتُ في شعوري العميق، أود ان أقول اننا سنمضي فترة صعبة للغاية ولكننا سنستعيد عافيتنا وسنحاول بناء الأشياء علي أسس أفضل. نحن بحاجه إلى البقاء هادئين، لأنه يتعين علينا بناء عالم قادر علي العمل. ليس ثمة حلول إعجازية، لكن ينبغي التفكير في طرق جديدة للتعايش، وهو أمر مُلزم لنا. ليست هناك عوالم أخرى من غير عالمنا هذا لنتقاسمها، لذا ينبغي تنظيم العيش بيننا. وهذا ليس سهلا، ذلك يتطلب الاحترام المتبادل ورؤية للإنسانية والهوية تحتاج إلى عمل أكثر. كما يتوجب علينا ان نحاول استعادة أيديولوجية عالمية، شيء يضم جميع الحضارات كما فعلت في السابق الاشتراكية والشيوعية، دون السقوط في مطابتهما. انه عمل هائل ينتظرنا، وقبل كل شيء، مفتوح للأجيال الشابة، التي ستعيش في السنوات  الأربعون أو الخمسون المقبلة.


[المصدر]

 

لقاء باريس ريفيو مع كورت فونيجت، بعنوان “فن الخيال”

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

أجرى المقابلة كلا من: (ديفيد هايمان)، (ديفيد ميكايليس)، (جورج بيمبتون)، و(ريتشارد رودس).

نُشرت هذه المقابلة في مجلة (باريس ريفيو)، العدد 69، في ربيع عام 1977م. 

هذه المقابلة مع (كورت فونيجت) هي في الأصل تجميع لأربع مقابلات أجريت مع المؤلف على مدى العشر السنوات الماضية. تجميع هذه المقابلات مرت على نطاق عمل واسع ومكثف قام بها المؤلف نفسه، والذي ينظر إلى حديثه بقلق بالغ. يمكن اعتبار ما سيأتي مقابلة أجراها مع نفسه.

مقدمة أول مقابلة، والتي أجريت في ويست بارنستابل، ماساتشوستس، عندما كان (فونيجت) في الرابعة والأربعين، تضمنت على ما يلي: 

رجل عائلي من المحاربين القدامى، محنك ذو عظام عريضة ومفاصل ضعيفة، جلس على الكرسي مرتديا سترة شعثاء بنسيج صوفي خشن، وبدلة كامبريدج رمادية وقميص بروكس بروذر ازرق منسدل للأسفل واضعاً يداه في جيبه. يعصف المقابلة بالسعال والعطاس، الناتج من نزلة برد الخريف والتدخين طوال حياته. صوته غرب أوسطي جهور رنان مع نبرات صوتية ساخرة.

من وقت لآخر يقوم بتوشح الابتسامة الواعية للرجل الذي رأى واحتوى بداخله كل شيء تقريبا: الاكتئاب، الحرب، احتمالية أن يموت بعنف، تفاهة شركة العلاقات العامة، 6 أطفال، دخل غير منتظم، وتقدير متأخر.

آخر هذه المقابلات أجريت خلال صيف 1976 بعد سنوات من أول مقابلة. تم وصفه في ذلك الوقت “… يتحرك بوداعة ككلب العائلة العجوز”

بشكل عام كان مظهره أشعث؛ شعر طويل مجعد،و شارب، وابتسامة مملؤة بالعاطفة، توحي بأنه رجل يحزنه ويسعده ما يجري من حوله، استأجر منزل جيرالد ميرفي لفصل الصيف كان يعمل في غرفة نوم صغيرة في نهاية الممر حيث مورفين (الفنان والمفعم بالحيوية وصديق الفن المتوفي في عام 1964). يمكن لـ(فونيجت) أن ينظر إلى الحديقة الأمامية من خلال نافذة صغيرة من مكتبه؛ ويوجد خلفه سرير أبيض ذو ستائرمنسدلة. وبجوار الآلة الكاتبة التي فوق المكتب نسخ من مقابلة (آندي وارهول)، ورواية (Zone of the Interior) لـ(كلانسي سيغال) والعديد من علب السجائر الفارغة.

يدخن (فونيجت) باستمرار سيجارة من نوع بول مولز منذ 1936م، وأثناء المقابلة يدخن سيجارة من أفضل مالديه من السجائر، صوته منخفض و أجش، وحينما يتحدث، فإن اشعال السجائر وزفير الدخان يتكرران كأنه علامات الترقيم لحديثه. وهناك بعض الامور التي تقاطعه، مثل رنين الهاتف ونباح كلب صغير أشعث اسمه (Pumpkin)، لكنها لم تؤثر على تصرفات (فونيجت) اللطيفة. في الواقع، قال (دان ويكفيلد) ذات مرة عن زملائه من خريجي مدرسة شورتريدج الثانوية، “كان يضحك كثيراً وكان طيبًا مع الجميع”.


أنت جندي سابق في الحرب العالمية الثانية؟

نعم فعلاً. أريد جنازة عسكرية عندما أموت؛ عازفي موسيقى، علم على النعش، فرقة إطلاق النار، و أرض مجوفة.

لماذا؟

لأنها الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن أن أحقق ما أردته، أكثر من أي شي آخر؛ شيء لم يكن بإمكاني الحصول عليه إلا إذا قتلت أثناء الحرب.

ماهو؟

أن أحظى باستحسان كافة أفراد المجتمع.

ألا تشعر بأنك تحظى به الان؟

يقول أقربائي أنهم سعداء أنني غني، لكنهم ببساطة لا يستطيعون فهمي.

هل كنت من ضمن فرقة المشاة في الحرب؟

نعم، لكني تلقيت تدريباً على مدافع الهاوتزر 240 ملم.

إنه سلاح كبير نوعاً ما.

كان أكبر مدفع متنقل موجود لدى الجيش في ذلك الوقت، حيث يتكون هذا السلاح من ست قطع، تم سحب كل قطعة بواسطة جرارات Caterpillar.  كلما طلب منا أن نطلقه كان يجب علينا تركيبه أولاً. كان علينا أن نكون مبتكرين في ذلك، فنضع كل قطعة فوق الأخرى باستخدام الرافعات، فإن القذيفة نفسها كانت بقطر تسعة ونصف بوصة وتزن ثلاثمائة رطل. لقد بنينا خط سكة حديد صغير يسمح لنا بتوصيل القذيفة من الأرض إلى الجزء الخلفي من المدفع، الذي كان على ارتفاع حوالي ثمانية أقدام من على سطح الأرض. او كما يقولون، إن إغلاق الجزء الخلفي من السلاح كان أشبه بإغلاق باب جمعية القروض والإدخار في البيرو.

لابد أن هناك تأهب عند إطلاق مثل هذا السلاح

ليس تمامًا، نضع القذيفة في المدفع، ثم نضع داخل الفوهة أكياس متفجرة بطيئة للغاية. كانت الأكياس عبارة عن بسكويت رطب خاص بالكلاب على ما أعتقد. ثم نغلق فوهة المدفع، و نطلق المطرقة لتهوي وتصطدم بالغطاء المصنوع من فلمينات الزئبق، والذي بدوره يقذف شعلة من النار على بسكويت الكلاب الرطب. الفكرة الرئيسية، على ما أعتقد، كانت توليد البخار فبعد فترة، كنا نسمع أصوات طهي، أصوات تشبه الى حد كبير أصوات طهي ديك رومي. حتى يمكننا فتح غطاء فوهة المدفع من وقت لآخر بسلامة تامة، لتبريد ظرف القذيفة. في نهاية المطاف، مدافع الهاوتزر دائماً ماتهيج بعد الطلقة و تعود في النهاية بتناغم لآلية الارتداد الخاصة بها على أية حال، ويتعين عليها أن تقذف ظرف القذيفة. ثم يخرج ظرف القذيفة عائماً مثل منطاد Goodyear لو كان لدينا سلالم، لكان بإمكاننا رسم “Fuck Hitler” “على القذيفة أثناء انفصاله عن البندقية. والمروحيات كان من الممكن أن تقلد ذلك وتطلق القذائف ايضا….

هي أقوى الأسلحة الإرهابية

من الحرب الفرنسية البروسية.

ولكن في نهاية المطاف تم إرسالك إلى الخارج، لكن ليس باستخدام هذه الأداة ولكن مع فرقة المشاة 106.

“الغداء في كيس” اعتادوا على توزيع الغداء علينا في أكياس، ساندوتش السلامي و برتقالة.

في المعركة؟

ونحن في الولايات المتحدة 

في الوقت الذي تم تدريبك فيه كجندي مشاة؟

لم أتدرب كجندي مشاة قط. الكتيبة الاستطلاعية كانت من قوات النخبة وتتكون كل كتيبة من 6 أفراد، ولم يكن هناك أي شخص متأكد مما يجب علينا فعله، لذلك كنا نسير إلى غرفة الاستجمام كل صباح، ونلعب بينغ بونغ ونملأ طلبات التقديم لمدرسة تدريب الضباط.

أثناء التدريبات الأساسية لابد أنه كان لديك خلفية عن أسلحة أخرى غير مدافع الهاوتزر.

إذا تعلمت استخدام مدافع هاوتزر التي يبلغ طولها 240 ملمتر، فلن يكون لديك الوقت الكافي حتى لمشاهدة فيلم الأمراض التناسلية.

ماذا حدث عندما وصلت الى الجبهة؟

قلدت جميع أفلام الحرب التي شاهدتها.

هل صوبت نحو أي شخص في الحرب؟

لقد فكرت في ذلك وقمت بتثبيت الحربة مرة استعدادا للتصويب.

هل صوبت؟

لا. لو قام أي شخص آخر بالتصويب لصوبت أيضًا، لكننا لم نرى أحد فقررنا ألا نطلق.

حصل هذا في معركة البلج، أليس كذلك؟ وكانت من أكبر هزائم الأسلحة الأمريكية عبر التاريخ.

على الأرجح. ففي آخر مهمة استطلاعية قمت بها كان علي العثورعلى المدفعيات الخاصة بنا، رغم أن مهمة فرقة الكشافة غالبًا هي البحث عن أسلحة العدو، لكن الأمور كانت سيئة للغاية لدرجة أننا كنا نبحث عن أداوتنا الخاصة. حتى أن الجميع ظن أنه من الرائع إذا استطعت العثور على قائد كتيبتنا.

هل تمانع أن تصف كيف أعتقلك الألمان؟

بكل سرور. كنا بداخل أخدود عميق مثل خنادق الحرب العالمية الأولى، وقد نفذ منا الطعام وتجمع الثلوج من حولنا وقال أحدنا أننا قد نكون في لوكسمبورغ.

من المقصود بـ”كنا”؟

6 افراد من كتيبة الكشافة وحوالي خمسون شخصًا لم نلتق بهم من قبل كما أنه بإمكان الألمان رؤيتنا، فقد تحدثوا إلينا عبر مكبرات الصوت و قالوا إن وضعنا ميؤس منه، وحديث من هذا القبيل. حدث هذا عندما قمنا بتثبيت الحراب، بدا وضعًا خاطئًا لبضع دقائق.

كيف ذلك؟

ستصبح كالنيص محاطاً بهذه الأشواك الحادة في الحقيقة أشفق على أي شخص عليه أن يأتي بعدنا.

لكنهم جاءوا على أي حال ؟

لا. بدلاً من ذلك أرسلوا ثمان وثمانين قذيفة. انفجرت بأعلى الأشجار وكانت أصوات الانفجارات عالية جداً فقد أطلقت فوق رؤسنا مباشرة، وأمطرنا بشظايا صلبة أصابت البعض. مرة أخرى أمرنا الألمان أن نخرج قلنا “حسنًا” و“خذوا الأمور ببساطة” وما إلى ذلك لم نصرخ رفضا، أو أي شيء من هذا القبيل. وعندما أظهر الألمان أنفسهم كانوا يرتدون بدلات بيضاء لتمويهنا لكن لم يكن لدينا أي شي مقارب لهذا اللباس كنا نرتدي الزيتوني الفاتح بغض النظر عن أي فصل من السنة لكننا لم نرتدي غيره.

مالذي قاله الألمان؟

قالوا إن الحرب انتهت بالنسبة لنا، ونحن محظوظون، كوننا واثقين الان بأننا سوف نعيش طيلة أمد الحرب ويبدو أنهم كانوا على يقين تام بذلك. ولكن في الواقع، مع تعقد الأمور ربما أنهم قُتلوا أو أسروا من قبل جيش باتون الثالث في غضون الأيام القليلة المقبلة. 

هل تتحدث الألمانية؟

لقد سمعت والديّ يتحدثناه كثير، لكنهم لم يعلموني إياها، حيث كان هناك غضب ضد كل مايتعلق بالألمان في أمريكا خلال الحرب العالمية الأولى. استخدمت بعض الكلمات التي التقطتها من خاطفينا وسألوني اذا ماكنت ألمانيا فأجبت بنعم، وأرادوا أن يعرفوا لماذا أقف في حرب ضد إخوتي.

وبماذا أجبت؟

وجدت أن السؤال ينم عن جهل وأنه سؤال مضحك بعض الشيء. قام والديَّ بابعادي تماما عن ماضيّ الألماني، إلى درجة أنه لو كان خاطفي بوليفيين او تبتيين لما عرفت الفرق.

بعد أن قبض عليك ،تم ارسالك إلى دريسدن؟ 

العربات التي تم اقتيادنا بها إلى هناك بدت كأنها التي أقلت اليهود والغجر وشهود يهوه وغيرهم إلى معسكرات الإبادة، لكن بالنهاية مازالت عربات نقل. وبالليل هاجمنا البريطانيون عدة مرات بقذائف الموسكيتو، معتقدين أنّنا أحد أنواع الأسلحة الاستراتجية، واستهدفوا حينها سيارة بداخلها معظم ضباط كتيبتنا. وعليّ الاعتراف بأني في كل مرة أقول فيها أنني أكره الضباط، ومازلت أقولها كثيرا، كان علي أن أذكر نفسي أنه لم ينجو أيًا من ضابط من الذين قمت بخدمتهم. كما صادَفنا عيد الميلاد في مكان ما هناك.

وبالنهاية وصلت إلى دريسدن.

أولًا، كنا في سجن جنود ضخم في جنوب دريسدن، وحينها تم فصل الجنود عن ضباط الصف والضباط. بموجب مادة في اتفاقية جنيف، وهي وثيقة إدواردية تقر على أنه يتعين على الجنود العمل بها، كي يحافظوا عليها كان على الجميع أن يقبع في السجن ولأني من الجنود تم إرسالي إلى دريسدن.

ماهو انطباعك عن المدينة قبل القصف؟

أجمل مدينة شاهدتها على الإطلاق. مدينة مليئة بالتماثيل وحدائق الحيوان مثل باريس. كنا نقيم في مسلخ، داخل حظيرة خنازير اسمنتية رديئة وغير مستخدمة. وضعوا لنا أسرة ذو طوابق مفروشة بالقش بداخل الحظيرة، وكنا نذهب كل صباح للعمل في مصنع لشراب الشعير، وهو شراب مخصص للنساء الحوامل. انطلقت حينها صفارات الإنذار اللعينة وكنا قد سمعنا أن هناك مدينة أخرى تشهد نفس الشيء. لكننا لم نتوقع حصول ذلك فعدد ملاجئ الغارات الجوية في المدينة قليل جدًا، و لا توجد مصانع حربية، فقط مصانع السجائر والمستشفيات ومصانع الكلارينيت. و في 13 فبراير 1945 انطلقت صفارات الإنذار ونزلنا حينها طابقين تحت السطح حيث يوجد خزانة لحم كبيرة، الجو كان باردا هناك، والجثث معلقة في كل مكان. وعندما  صعدنا كانت المدينة قد اختفت.

ألم تختنقوا بداخل خزان اللحوم؟

لا، لقد كانت واسعة جدًا، ولم يكن عددنا كبير. والهجوم أيضا لم يبدو كجحيم ففي البداية أسقطوا المتفجرات ليزلولوا كل شيء ثم نشروا المواد الحارقة، وما ان سقطت على درسدن حتى أصبحت عبارة عن حطام؛ اللعنة أحرقوا المدينة بأكملها!

مالذي حصل حينما صعدت للأعلى؟

كان حراسنا من ضباط صف – رقيب، عريف وأربعة جنود؛ بلا قائد ولا مدينة فقد كانوا من مدينة درسدن يقاتلون على جبهتها وأرسلوا إلى أوطانهم من أجل المهمات السهلة. أبقونا تحت الملاحظة لبضع ساعات ولم يكن لديهم علم عمّا يجب عليهم فعله. ذهبوا وتحدثوا مع بعضهم البعض، وأخيرًا، قمنا بشق الطريق عبر الأنقاض وقاموا بإيوائنا في إحدى الضواحي مع بعض الأشخاص من جنوب إفريقيا.

وكتدبير صحي؛ كنا في كل يوم نتجول فيه في المدينة نقوم بحفر الطوابق السفلية والملاجئ لإخراج الجثث. عندما دخلنا لاحدى الملاجئ بدا أنه ملجأ نموذجي وقبو عادي كما هو بالمعتاد، لكن الأمر أشبه بعربة نقل ممتلئة بالأشخاص الذين أصيبوا بسكتة قلبية في آنِ واحد. مجموعة من الأشخاص يجلسون على مقاعدهم وجميعهم فارقوا الحياة. يالها من عاصفة نارية مدهشة، فالقصف لا يأتي بشكل طبيعي بل يتغذى من الأعاصير التي تحدث في وسطه ولا يوجد أي شيء يمكن للشخص استنشاقه.

أخرجنا الجثث الى الخارج، حملناهم في عربات ونقلوا إلى الحدائق، وهي مناطق كبيرة مفتوحة في المدينة لم تكن مليئة بالأنقاض. تم حرق الجثث لمنع انتشار الأمراض والروائح النتنة، و جرت عدة جنائز في المانيا لحرق الجثث. وتم إخفاء مائة وثلاثين ألف جثة تحت الأرض و كانت عملية اخفائهم مروعة.

ذهبنا للعمل ونحن محاطين بجنود ألمان حتى لا يتمكن المدنيون من رؤية مانحن بصدد فعله. فبعد عدة أيام بدأت تنبعث روائح من المدينة وتم افتعال أسلوب جديد، فالحاجة أم الاختراع. كنا نقتحم الملاجئ ونقوم بتجميع الأدوات الثمينة من حضن الأشخاص بدون تحديد هويتهم وتسليمها للحراس. ثم يأتي الجنود ومعهم قذائف اللهب ويقفون أمام الباب ويحرقون الناس بالداخل. وكانت السياسة المتبعة وقتها “اجلب الذهب والمجوهرات ثم احرق جميع من بالداخل”.

يا له من انطباع من شخص يفكر في أن يصبح كاتباً!

كان شيء مروع شي من ضرب الخيال ان أرى كل هذا. كانت لحظة لانكشاف الحقيقة أيضًا، لأن المدنيين الأمريكيين والقوات البرية لم يكن لديهم علم أن القاذفات الأمريكية كانت متورطة كذلك في هذا القصف. لقد ظل سرًا حتى وقت قريب جدًا من نهاية الحرب وكان أحد أسباب إحراقهم درسدن هو أنهم قد أحرقوا بالفعل كل شيء آخر. تعلمون “مالذي سنفعله الليلة؟” وهنا كان الجميع يستعد وألمانيا مازالت تقاتل وهذه كانت الألية المستخدمة لإحراق المدن. كانت آلية سرية لحرق المدن و جعلها تغلي واشعال النار بالعربات. وكان هناك هراء يقال حول جهاز تصويب القنابل في نوردن. ستشاهد في الأخبار مفجر يقف بقرب من أحد النواب حاملا مسدس من نوع دراون 45. هذا هو نوع من الهراء والجحيم الذي كانوا يقومون به. مئات الطائرات تحلق فوق المدن ويسقطون كل شيء عليها.

عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو بعد الحرب ، قام الرجل الذي استجوبني للاعتراف بقصف درسدن. عندما وصل إلى ذلك الجزء من قصة حياتي وقال: “حسنًا، لقد كرهنا أن نفعل ذلك”. لقد علقت هذه الملاحظة في ذهني.

أو رد آخر من ممكن أن يكون “لقد أمرنا بذلك”

كان رده أكثر إنسانية. أظنه شعر أن القصف أمر لابد منه وربما كان كذلك. الشيء الوحيد الذي تعلمه الجميع مدى سرعة إعادة بناء المدينة، قال المهندسون أن إعادة بناء ألمانيا سيستغرق 500 عام لكن في الواقع استغرق الأمر 18 أسبوع.

كونك مررت بهذه التجرية هل تنوي الكتابة عنها؟

عندما تم هدم المدينة لم يكن لدي أي فكرة عن حجم ما حدث. سواءً مالذي يبدو عليه بريمن هامبورغ أو كوفنتري، الأخيرة لم أزرها قط لذلك لم يكن لدي أي تصور سوى الذي شاهدته في التلفاز. عندما عدت إلى الوطن، كنت كاتباً في صحيفة (كورنيل صن)، إلا أنه كان هناك مساحة لكتاباتي ففكرت أن أكتب قصتي عن الحرب. فجميع أصدقائي عادوا إلى مدنهم ولديهم مغامرات رائعة. ذهبت إلى مكتب الصحيفة (Indianapolis News) وقمت بالبحث عما لديهم عن دريسدن. وجدت قطعة بطول نصف بوصة مكتوب عليها عبرت طائراتنا فوق مدينة دريسدن وفقدنا اثنتين منها. استنتجت أن هذه هي أدق التفاصيل التي تم ذكرها عن الحرب العالمية الثانية وكان لدى الأخرين الكثير ليكتبوا. أتذكر و أغبط (آندي روني) الذي هرول سريعًا إلى المطبعة في ذلك الوقت، لم أكن أعرفه ولكن أظن أنه أول شخص قام بنشر قصته عن الحرب بعد انتهاءها تحت مسمى (Air Gunner). 

يا إلهي لم أحظى بمغامرة كلاسيكية كهذه. لكن في كثير من الأحيان أقابل أوروبيًا ونتكلم عن الحرب وعندما أخبره أنني كنت في درسدن تظهر ملامح الدهشة على وجهه ويتحمس لمعرفة المزيد. بعد ذلك، تم نشر كتاب للكاتب (ديفيد إيرفينغ) عن درسدن، يقول فيه أنها كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي. قلت، أقسم بذلك، لقد عاصرت كل شيء! و سأحاول كتابة قصتي الحربية، سواءً كانت ممتعة أم لا، وأحاول أن أقدم شيء ما. بدأت بوصف العملية، بشكل بسيط في مقدمة رواية (المسلخ رقم 5) ورأيت أن يكون أبطالها (فرانك سيناترا) و(جون واين)، لكن بنهاية الأمر قالت فتاة تدعى (ماري أوهير)، زوجة صديقي وكانت متواجدة معي آنذاك: “لقد كنتم مجرد أطفال. ليس من العدل التظاهر بأنكم كنتم رجال مثل (واين) و(سيناترا)، وليس من العدل للأجيال المقبلة كذلك أن تظهر الحرب بصورة جيدة”. لقد كان ذلك استنتاج مهم للغاية بالنسبة لي.

هذه الفكرة قامت بتحويل كامل اهتمامك.

لقد جعلتني أكتب بحرية لكوننا أطفالا حينها: السابعة عشر، الثامنة عشر، التاسعة عشر، العشرون، الحادي والعشرون. كانت وجوهنا طفولية وكسجين لا أذكر أنني حلقت كثيراً وبالحقيقة لم تكن مشكلة.

سؤال آخر عن الحرب: أمازلت تفكر في القنابل الحارقة التي ألقيت على دريسدن؟

كتبت عنه في كتابي (المسلخ رقم 5) الكتاب لايزال في المطبعة. وكوني رجل أعمال، عليّ بين الحين والآخر، أن أفعل شيئًا حيال هذا الأمر. طلب مني (مارسيل أوفلس) أن اشارك في فلمه (ذاكرة العدالة)؛ أن أتحدث عن درسدن باعتباره عملاً وحشيًا. بدلًا من ذلك أخبرته أن يتحدث مع صديقي (برنارد ف. أوهير)، زوج (ماري)، وهذا ما فعله. كان (أوهير) من زملائي في فرقة الكشافة، ثم زميلي أيضا كأسير حرب. و الآن هو محام في ولاية بنسلفانيا .

لماذا لا ترغب بإدلاء شهاتك؟

أحمل اسمًا ألمانيًا. ليس لدي رغبة بأن أدخل في جدال مع أناس يرون أن دريسدن تستحق ماحدث لها. كل ماذكرته في كتابي أن دريسدن تعرضت لقصف حد الجحيم سواءً قبِلنا بذلك أو لا.

كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي، أليس كذلك؟

كانت أسرع عملية قتل لهذا الكم الهائل من الأشخاص؛ حيث قتل 135 ألف في غضون ساعات. بالطبع كانت هناك خطط للقتل بشكل أبطأ.

تعني معسكرات الإبادة.

نعم، لقد قتل الملايين في نهاية المطاف. لكن يرى الكثيرين أن مذبحة دريسدن باعتبار أنها صحيحة، إلا انها كانت محدودة للغاية مقارنة بما قامت به المعسكرات. وكما قلت أنني لا أختلف أبدًا في هذه النقطة، فقد لاحظت مرارًا أن عقوبة الإعدام كانت مطبقة على أي شخص يتواجد في المدن التي تفتقر إلى وسائل دفاعية؛ أطفال، كبار السن، حدائق الحيوانات، والآلاف المؤلفة من النازيين المتطرفين، وبالطبع من ضمنهم أنا وصديقي المقرب (برنارد ف. أوهير). كنا يجب أن نكون ممن تم تصفيتهم جسديًا. فكلما زادت الجثث صح الانتقام.

نشرت مكتبة فرانكلين على ما أعتقد، نسخة ممتازة من كتاب (المسلخ رقم 5).

نعم فقد طلبوا مني كتابة مقدمة جديدة للكتاب.

هل لديك أي أفكار جديدة؟

لقد قلت أن هناك شخص واحد استفاد من هذه الغارة التي كلفت ملايين الدولارات. فالغارة لم تقصر أمد الحرب حتى لنصف ثانية، ولم تضعف الدفاع أو الهجوم الألماني قط، ولم تحرر شخصًا واحدًا من معسكر الإبادة. فقط شخص واحد هو المستفيد ليس اثنان أو خمس او عشرة فقط واحد. 

ومن هو ذلك الشخص؟

أنا. لقد حصلت على 3 دولارات عن كل شخص قتل. هل لك أن تتخيل ذلك؟

ما مدى التقارب الذي تشعر به بينك وبين أقرانك؟

أتقصد إخواني وأخواتي الكتاب؟ هي ودية بالطبع ولكن من الصعب أن أتحدث إليهم لكوننا نحمل اهتمامات مختلفة، هذه معضلة لي لفترة من الزمن لكن بعد ذلك صادقت (شاول شتاينبرغ).

الفنان الجرافيكي؟

بالطبع. قال “أن في جميع الفنون تقريبًا، هناك أشخاص لديهم تأثير واسع في تاريخ الفن، عن طريق نجاحاتهم وإخفاقاتهم وتجاربهم السابقة، وآخرين ممن لم تسنح لهم الفرص لكل هذا”. أضم نفسي مع المجموعة الثانية، فلم أتمكن من ممارسة الأنشطة مع أسلافي الأدباء. لأنني لم أتعلمها بشكل جيد. درست الكيمياء في جامعة كورنيل ثم الأنثروبولوجيا في جامعة شيكاغو. كنت بعمر 35 قبل ان أصبح مهووساً بـ(بليك). وبالاربعين  قبل أن أقرأ عن (مدام بوفاري) وسمعت عن (سيلين) بالخامسة والاربعين. وكنت محظوظا حينما قرأت (Look Homeward, Angel) بالوقت المناسب.

متى؟

في الثامنة عشرة.

لابد أنك كنت تقرأ باستمرار؟

نعم فعلًا. لقد نشأت في منزل مكتظ بالكتب. لكنني لم أضطر أبدًا إلى قراءة كتاب لزيادة محصولي الأكاديمي ،ولا لكتابة مقالة حول موضوع معين، ولم أضطر يومًا لإثبات أنني فهمته ضمن أي مؤتمر. لست بارعًا في مناقشة الكتب وخبرتي في هذا الأمر معدومة.

أي فرد من أفراد عائلتك كان له التأثير الأكبر عليك ككاتب؟

أعتقد أمي، (إديث ليبر فونيجوت). بعد أن خسرت عائلتنا جميع الأموال تقريبًا في فترة الكساد الكبير. اعتقدت والدتي أنه يمكنها أن تجني ثروة جديدة عن طريق الكتابة في المجلات اللامعة، أخذت دورة في كتابة القصص القصيرة بالليل، وقامت بدراسة المجلات كدراسة المقامرين لأوراق اللعب. 

لقد كانت غنية ذات مرة؟

والدي، مهندس معماري بسيط، تزوج واحدة من أغنى الفتيات في المدينة. وكانت هناك ثروة على وشك النهوض مرتكزة على Lieber Lager Beer وبعد ذلك Gold Medal Beer. Lieber Lager Beer أصبحت Gold Medal Beer بعد أن فازت بجائزة في احد معارض باريس.

لابد أنها بيرة جيدة جدا.

لم أتذوقها أبدًا. كان قبيل زماني بوقت طويل. ولكن على حد علمي كانوا يضعون فيه مكون سري لم يسمح أيًا من جدي وخبير الخمور لأي شخص من مشاهدة ما كانوا يضعونه.

هل تعلم ماهو؟

القهوة.

درست والدتك كتابة القصص القصيرة؟

ووالدي يقوم برسم اللوحات في الاستديو الذي أنشأه في الطابق العلوي من المنزل. لم يكن هناك الكثير من العمل للمهندسين المعمارين خلال فترة الكساد الكبير. في الحقيقة لم يتوفرعمل لأي شخص. ومن الغريب رغم ذلك أن أمي كانت على حق؛ فحتى الكتاب في المجلات العادية كانو يجنون كميات وفيرة من المال.

لذا اتخذت والدتك موقفًا فعليًا تجاه الكتابة.

ليس بشكل تام. بالمناسبة كانت امرأة ذكية مثقفة. التحقت بنفس المدرسة الثانوية التي كنت فيها وكانت من القلائل الذين لم يحصلوا سوى على العلامة الكاملة حينما درست هناك. اتجهت بعد ذلك شرقا لاكمال دراستها ثم جالت أوروبا. كانت تتحدث الألمانية والفرنسية بطلاقة، ومازلت أحتفظ بتقاريرها الدراسية في مكان ما “علامة كاملة، علامة كاملة، علامة كاملة”. كانت كاتبة جيدة لكن تبين أنها لم تكن تملك موهبة في الابتذال التي تتطلبها المجلات اللامعة، ومن حسن الحظ أني ولدت محملا بهذه الموهبة، فحينما كبرت تمكنت من تحقيق حلمها كتبت لـ(Saturday Evening Post) ،(Cosmopolitan) وغيرها من المجلات، كان أمرا سهلا بالنسبة لي أسهل من السقوط من على لوح خشبي. تمنيت فقط انها مازالت حية حتى ترى ماكتبت و لكي ترى أحفادها أيضا فقد اصبح لديها عشرة أحفاد، لكن لم تتمكن من رؤية أي أحد منهم. لقد حققت حلمًا اخرًا لها: عشت في كيب كود لسنوات عديدة. كانت دائما ما تريد أن تعيش في كيب كود. من الشائع جدًا أن يحاول الأبناء تحقيق أحلام أمهاتهم المستحيلة. لقد تبنيت أبناء أختي بعد وفاتها، ومن المخيف رؤيتهم وهم يحاولون تحقيق أحلامها المستحيلة.

ماهو حلم شقيقتك؟

أرادت أن تعيش كأنها عضو في العائلة السوسرية روبنسون مع حيوانات أليفة في بيئة منعزلة جدا. ابنها الأكبر جيم يقوم برعي الأغنام بسفوح جبال جامايكا منذ 8 سنوات. بلا هاتف ولا كهرباء.

ارتدت انت ووالداتك ثانوية Indianapolis 

ووالدي ثانوية Shortridge

كانت لديهم صحيفة يومية، على ما أعتقد.

نعم فعلا. The Shortridge Daily Echo. يوجد هناك محل طباعة في المدرسة. بعد المدرسة كان بعض الطلبة يكتبون المقالات واخرون يعدونها للطباعة.

لقد ضحكت للتو على شيء ما.

موقف تافه تذكرته، حصل في الثانوية لا علاقة له بالكتابة.

هل ترغب بأن تشاركه معنا على أية حال؟

أوه! كنت قد تذكرت أمرا حصل في المرحلة الثانوية، في صف التربية المدنية، مادة تتحدث عن كيفية عمل حكوماتنا. طلب منا الأستاذ أن نقف تباعا ونقول مالذي قمنا بعمله بعد المدرسة. كنت أجلس في آخر الفصل، بجوار شخص يدعى (ج. ت. ألبيرغر)، أصبح فيما بعد يعمل كموظف تأمينات في لوس انجلوس، توفي في وقت قريب. على أية حال، كان يشير إلي ويحثني ويتحداني أن أقول الحقيقة. حتى أنه عرض عليا خمسة دولارات لذلك. كان يرغب أن أقف و أقول: “أنا أبني مجسمات الطائرات وأستمني”.

فهمت.

قمت بالعمل أيضا في The Shortridge Daily Echo

هل كان العمل هناك ممتعا؟

ممتع ومريح. وجدت دائما أن الكتابة سهلة. فقد تعلمت أن أكتب لزملائي عوضا عن المعلمين، أغلب الكتاب المبتدئين لم تسنح لهم فرصة الكتابة لأقرانهم، فأنت بذلك تفتح باب الحجيم على نفسك.

إذا بعد الظهيرة دائما ماتذهب إلى مكتب Echo

نعم. وذات مرة بينما كنت أكتب وانا شارد الذهن صادف أن قمت بشم إبطي، وقد شاهدني العديد من الأشخاص وأنا أفعل ذلك ووجدوه أمرًا مضحكا، ومنذ ذلك الحين لقبت بـ“الشمام”.

وفي حفل التخرج السنوي عام 1940, أدرج اسمي كـ(كورت “الشمام” فونيجت، الابن). في الحقيقة لم أكن شمام. فالشمام هو الشخص الذي يحوم حول مقاعد دراجات الفتيات ويستنشقها. ولم اكن افعل ذلك.

“Twerp” أيضا له معنى محدد جدًا ، يعرفه قليل من الناس الآن. نتيجة لقلة تداوله، يعد “Twerp” الآن إهانة عديمة الشكل إلى حد كبير.

ما هو “Twerp” بالمعنى الدقيق للكلمة ، بمعناه الأصلي؟

هو الشخص الذي يقوم بإدخال طقم الأسنان الاصطناعية بين عضلات مؤخرته.

فهمت.

أستسمحك عذرًا بين عضلات مؤخرته أو مؤخرتها. دومًا ما أسيء للنسويات بهذه الطريقة.

لا أفهم لم قد يفعل الشخص شيئا كهذا بأسنانه الاصطناعية.

حتى يقتلعوا الأزرار من مقاعد سيارات الأجرة، هذا ما يثيرهم جنسيًا.

التحقت بجامعة كورنيل بعد جامعة Shortridge؟

أتصور ذلك.

تتصور ذلك؟

كان لي صديق يشرب الكحول بكثرة. وإذا ما سأله أحدهم إذا كان قد شرب في الليلة الماضية، كان يجيب باستمرار وبشكل عابر: “أوه، أتصور ذلك”. لقد أحببت دائما هذه الإجابة. إني أعتبر الحياة كحلم، وكورنل كان حلمًا مزعجًا. جزء منه بسبب الكحول نفسه، والآخر كوني التحقت بمجال لا املك فيها أي موهبة. اتفق أبي وأخي على أنني يجب أن أدرس الكيمياء، كون أخي كان جيدًا في المواد الكيميائية في M.I.T. هو أكبر مني بثماني سنوات. وأكثر مرحًا أيضًا. أهم اكتشافاته الشهيرة هو أن يوديد الفضة يُكوّن في بعض الأحيان المطر أو الثلج.

هل كانت أختك مرحة أيضا؟

أوه. نعم كان لديها طبع قاس غريب فالدعابة التي تمتلكها لم تتناسب مع بقية شخصياتها. كلما سقط أي شخص تراها تضحك بشكل هستيري. وفي إحدى المرات شاهدت امرأة تخرج من الحافلة بشكل أفقي، وضحكت على هذا الأمر لأسابيع .

بشكل أفقي؟

نعم صحيح. يبدو أن حذاء هذه المرأة علق بطريقة ما. على أي حال، فُتح باب الحافلة، وصادف أن أختي كانت تراقب من الرصيف، ثم رأت هذه المرأة تخرج أفقيًا؛ بشكل مستقيم مثل لوح، وجهها للأسفل، وقدماها بعيدتان عن الأرض.

والكوميديا التهريجية؟

بالطبع. أحببنا (لوريل) و(هاردي) هل تعلم ماهي اطرف المواقف التي تحصل في الفيلم؟

لا.

أن يكون لديك شخص يمشي من خلال ما يشبه بركة صغيرة ضحلة، ولكن في الواقع هي بعمق ستة أقدام. أتذكر في الفيلم حينما كان (كاري غرانت) يتجول في المروج الخضراء ليلًا. جاء إلى شجيرة صغيرة، قام بتشذيبها بجمال، الا أنه في الجانب الآخر كان هناك منحدر طوله 25 قدم في الجهة الأخرى. لكن ما أحببته أنا وأختي على وجه الخصوص، هو عندما يغضب شخص على البقية ثم يعصف بغرفة المعاطف، يعود بعدها عاصفًا متشابكًا في العلّاقات والأوشحة.

هل حصلت على شهادة في الكيمياء من جامعة كورنيل؟

رسبت في جميع المواد في منتصف دراستي بالسنة الثالثة. كنت مسرورا لالتحاقي بالجيش والذهاب للحرب. بعد الحرب التحقت بجامعة شيكاغو، سعدتُ بدراستي للانثربولوجيا، وهو علم معظمه من الشعر لا يكاد يوجد فيه أي مادة رياضية. كنت متزوجًا آنذاك، وسرعان ما أنجبت طفلي الأول وهو (مارك). الذي أصيب بالجنون لاحقا ونشر كتاب عظيم عن تلك المرحلة فيما بعد اسمه (The Eden Express)، أنجب للتو طفلا وهو أول حفيد لي، صبي اسمه (زاكاري). ينهي الآن (مارك) سنته الثانية في كلية الطب في جامعة هارفاد، وسيكون الطالب الوحيد من دفعته غير مديون للجامعة عند تخرجه بسبب كتابه. واعتبره تعافٍ جدير بالاحترام بعد هذه النكسة.

هل ساهمت دراستك للانثربولوجيا في تنويع كتاباتك؟

رسخ إلحادي والذي كان معتقد آبائي على كل حال. كان يجري عرض الأديان ودراستها وكأنها من ابتكارات (روب غولدبرغ) مثلما ظننت دائما. لم يسمح لنا باعتبار ثقافة ما متفوقة على أي ثقافة أخرى، وكنا نفتح على أنفسنا أبواب الجحيم في حال ذكرنا للأعراق. كان الوضع مثاليا للغاية.

هل كان أشبه بديانة؟

بالضبط. وهي الديانة الوحيدة، بالنسبة لي، حتى الان.

ماهي أطروحتك العلمية؟

(مهد القطة).

لكنك كتبته بعد أعوام من مغادرتك لشيكاغو، أليس كذلك؟

غادرت شيكاغو وانا لم أكتب رسالتي ولم أحصل على شهادة. جميع الأفكار الذي طرحتها للرسالة رفضت وكنت محبطًا. حصلت على وظيفة موظف علاقات عامة في شركة (جينيرال إلكترونيك) في سكينيكتدي.

بعد 20 عاما تلقيت رسالة من عميد جديد للجامعة والذي كان يبحث في ملفي، أخبرني وفقا لقوانين الجامعة يمكن الاستعاضة عن الأطروحة بنشر عمل عالي الجودة. لذلك كان يحق لي أن أحصل على درجة الماجستير. وقد عرض (مهد القطة) لقسم الانثربولوجيا، وقالوا انه يعتبر عملا انثربولوجياَ بنسبة لا بأس بها. فقاموا بارسال شهادتي عبر البريد الإلكتروني. كنت خريج عام 1972 أو شيء من ذلك.

تهانيا.

ليس شيئًا يستحق الذكر. كان أمرا في غاية السهولة.

بعض الشخصيات في (مهد القطة) كانت لأشخاص تعرفت عليهم في (جينيرال الكتريك)، أليس كذلك؟

الدكتور (فيليكس هونيكر)، أعرف عنه القليل. هو عالم شارد الذهن، كان شخصية كاريكاتورية للدكتور (إيرفينج لانجموير) نجم فريق معمل الأبحاث في (جينيرال الكتريك)، عمل معه شقيقي. كان (لانغموير) شارد الذهن بشكل فضيع. لقد تساءل إحدى المرات بصوت عال: “إذا قامت السلاحف بسحب رأسها للداخل هل عامودها الفقري يلتوي أو يتقلص؟” وقد أضفت هذا في الكتاب. وأضفت عنه أيضا أنه ذات مرة ترك بقشيشا تحت صحنه حينما قامت زوجته بتقديم الفطور له. ومن أهم إسهاماته كانت فكرة اسميتها “ايس-9” هي أحد أشكال المياة المتجمدة في درجة حرارة الغرفة. لم يخبرني عنها مباشرة. لقد كانت خزعبلات حول المختبر، في الوقت الذي جاء فيه (هربرت جورج ويلز) إلى سكينيكتدي. كان ذلك منذة فترة طويلة قبل مجيئي إلى هناك، كنت حينها مجرد طفل أستمع إلى الراديو وأصنع طائرات صغيرة.

حسنا؟

على أية حال، جاء (ويلز) إلى سكنيكتادي، وتم إخبار (لانجمور) بأن يستضيفه. اعتقد (لانجمور) أنه ربما يستطيع أن يسلي (ويلز) بفكرة عن قصة للخيال العلمي؛ حيال نوع من الجليد الذي تجمد ولم يذب في درجة حرارة الغرفة. لم يهتم (ويلز) بالفكرة أو على الأقل لم يستخدمها أبدا. مات (ويلز) وبعده (لانجمور). ثم قلت في نفسي: “من وجد الشي فهو له، فالفكرة ملكي الان”. بالمناسبة (لانجمور) كان أول عالم في القطاع الخاص يفوز بجائزة نوبل.

ما هو شعورك حيال فوز (بيلو) بجائزة نوبل للآداب؟

كان من أفضل الطرق الممكنة لتكريم أدبنا بأكمله

هل كان من السهل عليك التحدث إليه؟

نعم، لقد أتيحت لي ثلاث فرص لمحادثته. كنت في ضيافته في جامعة أيوا، كنت أستاذا وكان محاضرا. سارت الأمور فيما بيننا على مايرام وكانت لدينا أمور مشتركة على كل حال.

ماهي هذه الأمور؟

على حد علمي، أن كلانا من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة شيكاغو. لم يسبق له الذهاب لأي رحلات استكشافية في الأنثروبولوجيا، وأنا كذلك. واختلقنا شعوب لما قبل الصناعة؛ أنا في (مهد القطة) وهو في (هندرسون، ملك المطر).

إذا، هو زميلك العالم.

لست عالمًا، وأنا مسرور بذلك الآن، بعد أن تعرضت للضغوطات من قبل أبي و أخي لأصبح عالمًا. أنا أفهم كيفية الاستدلال العلمي، والعمل المسلي، مع ذلك ليس لدي الموهبة الكافية للانضمام اليه. أستمتع بالعمل في الشركات العلمية، أشعر بالسعادة والحماس حينما يخبروني بما يقومون به. قضيت أوقاتي مع العلماء أكثر بكثير مما قضيته مع الأدباء، وكانوا أغلبهم أصدقاء أخي. أستمتع أيضًا بالسباكة والنجارة ومكانيكا السيارات. لم أتعرف إلى أي شخص أدبي إلا في آخر عشر سنوات ابتداءً من العامين التي قمت فها بالتدريس في أيوا. وبشكل غير متوقع كنت صديق (نيلسون ألغرين) و(خوسيه دونوسو) و(فانس بورخيلي) و(دونالد جوستيس) و(جورج ستاربوك) و(مارفين بيل)، لقد كنت مذهولا حقا. الآن، واستنادًا إلى التقييمات التي تلقاها كتابي الأخير (كوميديا تهريجية)، فإن الناس يرغبون في إخراجي من المؤسسة الأدبية، وإعادتي للمكان الذي أتيت منه. 

كانت هناك بعض التعليقات سيئة؟ 

فقط في (The New York Times)، (Time)، (Newsweek)، (Rolling Stone)، (Village Voice)، (The New York Review of Books)، وأحبوني في (مديسين هات).

إلى ماذا تعزو هذا الحقد؟

(كوميديا تهريجية) كان كتاب سيئًا جدًا، وأنا على استعداد تام لقبول ذلك. الجميع يكتب كتب رديئة فلماذا لا أقوم أنا بذلك؟ ماكان غير اعتياديًا في التعليقات هو أنهم أرادوا من الناس الاعتراف بأني لم أكن جيدًا على الإطلاق. وبالفعل لقد طلب المراجع في صحيفة (صنداي تايمز) من النقاد الذين أشادوا بي في الماضي أن يعترفوا الآن علنًا بمدى خطأهم. حاول ناشر كتابي، (سام لورانس)، أن يريحني بالقول إن المؤلفين يتعرضون لهجوم دائمًا عندما يصبحوا أثرياء.

كنت بحاجة الى نوع من الطمأنينة؟

لم أشعر بشعور أسوأ في حياتي. شعرت أنني عدت مجددًا لأنام وافقا على عربة النقل في ألمانيا.

بهذا السوء؟

لا، ولكنها سيئة كفاية. فالنقاد بشكل مفاجئ أرادوا أن يسحقوني كالحشرة. وليس هذا فحسب، بل فجأة، لم يكن لدي المال أيضا. وهناك شكاوي سرية بأني كنت بربريا، وكتبت الكتاب بدون إجراء دراسة منهجية للأدب العظيم، ولست محترمًا نظرا لأني كنت كاتبًا مأجورًا مسرورٌ للغاية في المجلات اللامعة. ولم أقم بسداد رسومي الدراسية.

ألم تعاني؟

حسنا، لقد عانيت. ولكن كشخص تلقى تعليمًا سيئًا في شركة وتجارة مبتذلة. كان من العيب أن أفسد الفن من أجل المال. وبعد ذلك تجاوزت تلك المعضلة بأن أصبحت فاحش الثراء. كان أمرا سيئا للغاية بالنسبة لي وللجميع، لكن اسمي كان يضج في المطابع لذا جميعنا عالقون بي وبكتبي.

هل تعني بذلك أنك عدت من جديد؟

بطريقة ما. أنا الآن عضو في مجلس ولاية نيويورك للفنون، وكثيرًا ما يتحدث بعض الأعضاء الآخرين عن إرسال إشعارات إلى أقسام اللغة الإنجليزية بالكلية حول بعض الفرص الأدبية، وأقول: “أرسلهم إلى أقسام الكيمياء، وأرسلهم إلى دوائر علم الحيوان، أرسلهم إلى أقسام الأنثروبولوجيا وأقسام علم الفلك والفيزياء، وجميع كليات الطب والقانون. هذا هو المكان المحتمل أن يكون فيه الكتاب”.

كنت تؤمن بذلك؟

أعتقد أنه من الممتع للغاية أن يكون لمؤلف الأدبيات شيء آخر في ذهنه غير تاريخ الأدب. الأدب لا يجب أن يخفى بداخل حماقات خاصة، إن صح التعبير.

دعنا نتحدث عن المرأة في كتبك.

لايوجد أي واحدة. لا نساء، في الواقع، ولا حب.

ألا يستحق الامر تفسيرًا؟

إنها مشكلة آلية. الكثير مما يحدث عند سرد القصص الآلية، له علاقة بالمشاكل الفنية لكيفية عمل القصة. على سبيل المثال؛ قصص رعاة البقر وقصص رجال الشرطة تنتهي بإطلاق النار، لأن عمليات إطلاق النار هي أكثر الآليات موثوقية لإنهاء هذه القصص. لا يمكننا قول شي مثل الموت، يا له من شي مصطنع حينما يتم دائما قول “النهاية”.

أحاول أن أبعد الحب العميق عن قصصي لأنه بمجرد ظهور هذا الموضوع، يكاد يكون من المستحيل التحدث عن أي شيء آخر. لا يريد القراء سماع أي شيء آخر. يصبحون سذجًا إزاء الحب. إذا فاز العاشق في القصة بحبه الحقيقي، فهذه هي نهاية القصة، حتى لو كانت الحرب العالمية الثالثة على وشك أن تبدأ، والسماء مكتظة بالصحون الطائرة.

يعني ذلك أنك ابتعدت عن قصص الحب!

لدي شي أخر أريد أن اتحدث عنه. (رالف إيلسون) فعل الشيء نفسه في كتاب (رجل خفي)، إذ كان البطل في هذا الكتاب الرائع قد وجد شخصا يستحق الحب؛ شخصا أصبح مهووسًا به، لكان هذا الأمر هو نهاية القصة. و(سيلين) كذلك في to (رحلة إلى نهاية الليلة). لقد استبعد إمكانية الحب الحقيقي والأخير، حتى تستمر القصة بشكل أطول.

ليس هناك الكثير من الكتاب تحدثوا عن آلياتهم في الكتابة.

أنا شخص تكنوقراطي متعصب أؤمن أنه يمكنهم أن يعبثوا بها مثل (فورد موديل تي).

مالهدف؟

لأُكسِب للقارئ متعة في القراءة.

هل تظن أنك ستكتب يوما ما قصة حب؟

ربما. إنني أعيش فعلًا حياة مليئة بالحب. حتى حينما أعيش هذه الحياة المحبة ويسير كل شي بشكل جيد، أجد نفسي في بعض الأحيان أقول: “يا الهي ألا نستطيع التحدث عن أمر آخر لفترة؟” هل تعلم ما هو المضحك حقا؟

لا؟

تم رمي كتبي من المكتبات المدرسية في جميع أنحاء البلاد، لأنها ذات محتوى فاحش كما يزعمون. رأيت إحدى المرات رسالة مرسلة الى الصحف في المدن الصغيرة، طلب منهم أن يضعوا كتاب (المسلخ رقم 5) بنفس قسم مجلات (Deep Throat) و(Hustle). كيف يمكن لشخص أن يمارس العادة السرية في كتاب (المسلخ رقم 5)؟

يشمل جميع الأنواع.

حسنا. غير موجود النوع الديني الذي بلا رقابة. يجددوني شخص لايحترم اعتقادهم عن الآلهة. ويعتقدون أن الحكومة يجب أن تحمي اسم الإله. كل ما أقوله لهم هو حظا موفقا لهم وللحكومة وللآلهة.

هل تعلم مالذي قاله (لويس منكن) ذات مرة عن المتدينين؟ قال أنه أسيء فهمه إلى حد كبير. قال إنه لم يكرههم، بل ببساطة يجدهم ممتعين.

حينما سألتك قبل مدة أي شخص من عائلتك أثر عليك ككاتب، قلت والدتك. كنت أتوقع أن تذكر شقيقتك، لكونك تحدثت عنها كثير في (كوميديا تهريجية).

قلت في (كوميديا تهريجية) بأنني كنت أكتب لأجلها؛ كل شخص مبدع ناجح يضع شخصًا واحدًا من الجمهور في ذهنه. هذا سر التماسك الفني. يمكن لأي شخص تحقيق ذلك اذا قرر/قررت وضع شخص واحد في ذهنه. لم أكن اعلم أنها الشخص الذي أكتب من أجله إلا بعد وفاتها.

كانت تحب الأدب؟

كانت تكتب بطريقة رائعة جدًا. لم تكن تقرأ كثيرًا، لكن في السنوات الأخيرة، قرأت لـ(هنري ديفيد ثورو). وكذلك أبي لم يقرأ كثيرًا ولكن كانت كتاباته أشبه بحلم. شعرت بالخجل حينما قارنت النثر المكتوب في هذه الرسائل التي كتبها أبي وأختي مع تلك التي أكتبها. 

هل حاولت شقيقتك أيضا أن تجني المال مقابل الكتابة؟

لا ، فقد كانت أيضا نحاتة بارعة. وبختها ذات مرة لعدم بذلها المزيد من الجهد، رغم امتلاكها للموهبة. أجابت أن امتلاكك للموهبة لا يفرض عليك القيام بشي ما حياله. كانت عبارة مذهلة بالنسبة لي. دائما ماعتقدت أنه من المفترض أن يتمسك الناس بمواهبهم ويهربون معها بأقصى سرعة ممكنة.

ومالذي تعتقده الآن؟

‏حسنًا. إن ما قالته أختي في السابق، يبدو لي الآن نوعًا من الحكمة النسائية الغريبة. لدي ابنتان تتمتعان بموهبة كبيرة كتلك التي كانت تتمتع بها أختي، وستهلكان إن فقدتا توزانهما وحسّهما الفكاهي، من خلال انتزاع موهبتهما والركض بيأس في سبيلها بأسرع ما يمكن، ولأبعد مكان ممكن. لقد شاهداني وأنا أفعل هذا الشيء، ولا بد من أن هذا قد بدا لهما ضربًا من الجنون.

على الآلة الكاتبة؟

نعم. برأس أحمق يستمتع بالتدخين.

هل توقفت يوما عن التدخين؟

مرتين. إحداهما حينما كنت مدمنا وتحولت إلى (سانتا كلوز)؛ أصبحت قصيرًا وممتلئًا وقارب وزني الـ250 باوندًا. توقفت حينها لقرابة عام. وبعد ذلك أحضرتني جامعة هاواي إلى أواهيو لأتحدث عن التجربة. في إحدى الليالي كنت أشرب جوز الهند على سطح فندق Ili Kai، وكل ما كان علي فعله لاستكمال حلقة سعادتي هو أن أدخن سيجارة. وفعلت!

والمرة الثانية؟

في الآونة الأخيرة، في العالم الماضي بالتحديد. دفعت لمنظمة موقفي الدخان مائة وخمسين دولارًا لمساعدتي على الإقلاع، على مدار ستة أسابيع. وقد كان تماما كما وعدوني، سهلًا ومفيدًا. حصلت حينها على شهادة تخرج وشارة تقدير. المشكلة الوحيدة هي أني أصبحت أيضًا مجنونًا. كنت سعيدًا وفخورًا جدًا بنفسي، لكن من حولي وجدوني عنيدًا بشكل لايطاق، فظًا وصاخبًا. كما أنني توقفت عن الكتابة. فلم أكتب أية رسائل بعد ذلك. ومن الواضح أنها كانت صفقة سيئة. لذلك عدت للتدخين مرة أخرى. وكما اعتادت الرابطة الوطنية للمصنعين أن تقول: “لا وجود لما يسمى بالغداء المجاني”.

هل تعتقد أنه من الممكن حقا أن يتم تعليم الكتابة الإبداعية؟

بنفس الطريقة التي يتم فيها تعلم لعبة الغولف. يمكن للمحترفين أن يشيروا إلى أخطاء واضحة في تسديدتك. وأعتقد أني فعلت ذلك بشكل جيد في جامعة أيوا لمدة عامين. كان كلا من (غايل غودوين) و(جون إيرفينج) و(جوناثان بينر) و(بروس دوبلر) و(جون كيسي) و(جين كاسي) من طلاب الجامعة. و منذ ذلك الحين قاموا بنشر أعمال رائعة. درست الكتابة الإبداعية في هارفارد وبشكل سيء بعد ذلك، لأن زواجي كان ينهار، و كنت أتنقل كل أسبوع إلى كامبريدج من نيويورك. وبعد ذلك قمت بالتدريس بشكل أسوأ من سابقه في سيتي كوليدج قبل عامين. فكان لدي العديد من المشاريع الأخرى القائمة في نفس الوقت. فلم يعد لدي الرغبة في التدريس مجددا. لا أعرف سوى الطريقة النظرية.

هل يمكن أن تضع “النظرية” في بضع كلمات ؟

صرح بذلك (بول إنجل)، مؤسس ورشة الكتاب في ولاية أيوا. أخبرني أنه إذا عثرت على ورشة العمل في مبنى خاص بك، فيجب أن تُدرج هذه الكلمات على المدخل: “لا تأخذ الأمر على محمل الجد”.

وكيف سيكون ذلك مفيدًا؟

من شأنه أن يذكر الطلبة بأنهم كانوا يتعلمون أداء دعابات عملية.

دعابات عملية؟

إذا جعلت الناس تضحك أو تبكي من أجل علامات سوداء صغيرة على لوح من الورق الأبيض، أليست هذه دعابة؟ الحبكة لجميع القصص الرائعة هي عبارة عن دعابات عملية عظيمة يقع الناس فيها مرارًا وتكرارًا.

هل لك ان تعطينا مثالا؟

الرواية القوطية. تنشر العشرات من الأشياء كل عام، وتباع جميعها. قام صديقي (بوردن ديل) مؤخرًا بكتابة رواية قوطية من أجل المتعة، وسألته عن ماهية الحبكة، وقال: “امرأة شابة تقبل وظيفة في منزل قديم وتُخيفها السراويل”.

أمثلة أخرى؟

الأمثلة الأخرى ليست ممتعة كثيرا في وصفهم؛ شخص ما يقع في مأزق ثم يخرج منها، شخص ما يفقد شيئًا وثم يسترده، شخص ما ظلم ويحصل على انتقامه، سندريلا. شخص ما ينفصل وتتدهور حالته، يقع الناس في حب بعضهم البعض والكثير من الأشخاص يعترضون طريقهم، الشخص الصالح يتهم زوراً بالرذيلة، والشخص الآثم يعتقد أنه صالح. يواجه الشخص التحدي بشجاعة، وينجح أو يفشل؛ شخص يكذب، شخص يسرق، شخص يقتل، شخص يرتكب الزنا.

أعتذرعما سأقوله، لكن هذه الحبكات تبدو قديمة جدًا

أضمن لك أنه لا يوجد مخطط لتجديد القصص، حتى مع عدم وجود حبكة فلن يشعر القارئ بالرضى الحقيقي طالما لم يتم دس إحدى الحبكات التقليدية في مكان ما بالقصة. لا أشيد بهذا النوع من الأحداث باعتبارها تمثيل واقعي للحياة، ولكن كطريقة لإبقاء القراء يقرؤون. حينما كنت أُدرس الكتابة الإبداعية، كنت أخبر الطلاب أن يجعلوا الشخصيات في القصة ترغب بشيء ما على الفور ولو كان كوب ماء. فحتى الشخصيات التي فقدت قدرتها على الحركة بسبب عبثية الحياة، يشربون الماء بين الفينة والأخرى.

كتب أحد تلاميذي قصة عن راهبة عثرت على جزء من خيط الأسنان عالقة بين أضراسها السفلية اليسرى، ولم تستطع التخلص منه طوال اليوم. كانت قصة رائعة. تناولت قضايا أهم بكثير من خيط تنظيف الأسنان، ولكن ما جعل القراء يستمرون بالقراءة كان لهفتهم للحظة إزالة خيط تنظيف الأسنان. لا يمكن لأحد قراءة هذه القصة من غير أن يمرر إصبعه حول فمه. وهنا دعابة عملية بالنسبة للقارئ. حينما تستبعد الحبكة وتستبعد منها شغف الشخص للعثور على أمر ما، فإنك تستبعد القارئ وهذا تفكير لئيم جدا. يمكنك أيضًا استبعاد القارئ من خلال عدم إخباره على الفور بمكان حدوث القصة، ومن هم الأشخاص.

وما الذي يريدونه..

نعم. ويمكنك أن تجعله ينام وذلك بعدم جعل الشخصيات تواجه بعضها البعض. الطلبة قالوا انهم يفضلون عدم تصادم الشخصيات لأن الناس في الحياة الحديثة تتجنب ذلك. قالوا بأن “حياتنا المعاصرة موحشة جدا”. وهذا بنظري هو الكسل. فمهمة الكاتب تنظيم المواجهات وبذلك فإن الشخصيات تفاجؤنا ،وتكشف لنا عن الخبايا، تعلمنا وتمتعنا كذلك. إذا لم يتمكن الكاتب من فعل هذه الأمور أو لن يفعلها، فعليه أن ينسحب من التجارة.

التجارة؟

التجارة. النجارين يبنون المنازل. الميكانيكيين يصلحون السيارات. و رواة القصص يقتنصون أوقات فراغ القراء بطريقة لايشعر معها القارئ بأنه أضاع وقته. 

الموهبة بالتأكيد مطلوبة ؟

في جميع المجالات. كنت تاجرًا لشركة Saab في شركة Cape Cod لفترة من الوقت، وقد التحقت بمدرستهم الميكانيكة، وطردوني. لاني لا أملك موهبة.

ما مدى شيوع موهبة رواية القصص؟

يتكون فصل الكتابة الإبداعية بأي مكان في هذا البلد من عشرين شخص، ستة منهم موهوبين بشكل مذهل. اثنان منهم قد ينشرون شيئًا ما عما قريب.

ما الذي يميز هاذين الاثنين عن البقية؟

لديهم شيء آخر غير الأدب بحد ذاته في أذهانهم. من المحتمل أن يكونوا محتالين أيضًا. أعني أنهم لا يريدون يجلسوا مكتوفين اليدين حتى يتم اكتشافهم من قبل شخص ما. سوف يصرون عليك لقراءته.

كنت رجل علاقات عامة ورجل إعلانات.

أوه، أتصور ذلك.

هل كان هذا مؤلما؟ أقصد، هل شعرت أن موهبتك تهدر، وتضعف؟

لا. هذه أمور عاطفية والعمل على هذا النحو يدمر روح الكتابة لدى الكاتب. في ولاية أيوا اعتدت أنا و(ديك ييتس) على إلقاء محاضرة كل عام حول الكاتب ونظام المشاريع الحرة. والطلبة يكرهون ذلك. كنا نتحدث عن جميع الطرق الملتوية الذي يلجأ لها الكاتب اذا وجدوا أنفسهم يتضورون جوعا حتى الموت. أو في حالة رغبتهم جمع ما يكفي من رأس المال لتمويل كتابة كتاب. نظرًا لأن الناشرين لا يضعون أموالهم في أولى الروايات بعد الآن، وبما أن المجلات قد انتهى عهدها، ولأن التلفزيون لم يعد يشتري من الشباب العاملين لحسابهم الخاص، وبما أن المؤسسات لا تقدم منحًا إلا للمتمكنين القدامى مثلي، فسيتعين على الكتاب الشباب لكي يدعموا انفسهم ان يسلكوا طرق مخزية وغير شرعية، و قريبًا سنجد أنفسنا بلا أدب معاصر. شيء واحد مروّع تفعله أعمال القرصنة للكاتب، وهو تضييع وقتهم الثمين.

ليست مزحة.

انها مأساة. ما زلت أحاول التفكير في جميع الطرق التي يسلكها الكتاب الصغار حتى لو كانت مروعة، ليتشبثوا بالكتابة بطريقة أو بأخرى.

هل ينبغي دعم الكتاب الشباب؟

يجب القيام بشيء ما حيال هذا الأمر، خاصة بعد أن جعلوا من المستحيل أن يدعم الشباب أنفسهم من خلال الأعمال الحرة. كنت في بداياتي رجل أعمال مذهل، لسبب بسيط هو أن هناك الكثير من الأعمال التي كان من الممكن القيام بها. وحينما عملت لدى شركة (جنرال إلكتريك)، كتبت قصة بعنوان (تقرير عن تأثير بارنهاوس)، وهي أول قصة قمت بكتابتها. أرسلتها بعد ذلك بالبريد الإلكتروني إلى كوليرز. وكان (نوكس برغر) هو رئيس تحرير آن ذاك وأخبرني ما هي الأخطاء وكيفية تصحيحها. ففعلت ما قاله، واشترى القصة بمقابل سبعمائة وخمسين دولارًا، مدة عمل ستة أسابيع في (جنرال إلكتريك) كتبت بعدها  قصة أخرى، ودفع لي تسع مائة وخمسين دولارًا، واقترح علي أنه ربما حان الوقت لكي أترك (جنرال إلكتريك) وهذا مافعلته. انتقلت إلى (بروفينستاون) وأخيراتم تسعير قصتي القصيرة بتسع وعشرين مليون دولارًا كما أعتقد. وجلب لي (نوكس) حينها اثنين من الموظفين الذين كانوا ماهرين في سرد القصص؛ (كينيث ليتور)، الذي كان سلفه في كوليرز، و(ماكس ويلكينسون)، الذي كان محرر القصة في (إم جي إم). ودوِّن هذا الأمر لديك، أن (نوكس برجر) الذي كان في سني، اكتشف وشجع الكتاب الشباب أكثر من أي محرر آخر في وقته. لا أعتقد أنه قد تم تدوين هذا الأمر أي مكان. إنها حقيقة معروفة فقط لدى الكتاب، وهي حقيقة يمكن أن تختفي بسهولة، إذا لم يتم كتابتها في مكان ما.

أين هو (نوكس برجر) الآن؟

إنه وكيل أدبي. وفي الواقع إنه يمثل ابني (مارك) أيضًا.

و(ليتور) و(يلكينسون)؟

توفي (ليتور) قبل عشر سنوات أو نحو ذلك. لقد كان عقيدًا في Lafayette Escadrille، على كل حال، في عمر الـ23 عامًا، كان أول رجل قام بتمشيط خندق و كان مستشاري أيضا. تقاعد (ماكس ويلكينسون) في فلوريدا. لقد أحرجه دائمًا أن يكون وكيلا. إذا سأله شخص غريب عما فعله من أجل لقمة العيش، كان يقول دائما أنه يزرع القطن.

هل قمت بتعيين مستشارًا جديدًا الآن؟

لا .أظنني كبرت كفاية لأعثر على واحد. كل ما أكتبه الآن يتم تحريره دون أي تعليق من الناشر الذي يصغرني سنا، أو من قبل المحرر أو أي شخص. شقيقتي لم تعد موجودة كي تلهمني الكتابة. فشعرت فجأة أن هناك فراغ كبير في حياتي.

هل تشعر كما لو كنت في الفضاء بدون أي وسيلة تواصل؟

وبلا جاذبية الأرض لتساعدني على التوازن، إنه أمر مقلق في بعض الأحيان.

هل يوجد شيء اخر تود إضافته؟

هل تعرف القضيب المعدني الذي يوضع على الأبواب الرئيسية للمدارس والمسارح؟ و حينما تدفعه باتجاه الباب سينفتح ؟

نعم؟

اسم العلامة التجارية لأغلبها هو (فون دوبرين). “فون” من (فونجيت). حوصر أحد اقربائي بداخل حريق مسرح إيروكوا في شيكاغو منذ وقت طويل، واخترع القضيب الحديدي مع اثنين آخرين؛ “برين” من (برينزلر)، ونسيت من هو “دو”.

حسنا.

وأريد أن أقول أيضًا ، الفكاهيين في أسرهم هم غالبا الأطفال الأصغر سنًا. عندما كنت أصغر طفل على مائدة العشاء لدينا، كانت هناك طريقة واحدة فقط لجذب انتباه أي شخص، وهو أن أكون مضحكا. كان عليَّ التخصص في هذا. فقد اعتدت على الاستماع إلى الكوميديين في المذياع باهتمام شديد، حتى أتمكن من معرفة كيفية صنع النكات. وبعد أن أصبحت كبيرًا أصبح هذا ما يدور حوله كتبي الآن؛ النكات الفسيفسائية.

هل لديك أي نكات مفضلة؟

كنا نتجادل انا واختي حول أطرف النكات في العالم؛ طبعا بجوار نكتة الرجل الذي اقتحم خزانة المعطف. حينما عملنا معا أصبحنا أكثر ظرافة من (لوريل) و(هاردي). وهذا بالتحديد مايدور حوله كتاب (كوميديا تهريجية).

هل اتفقتم أخيرًا على أفضل نكتة في العالم؟

اتفقنا على اثنين. ومن الصعب تحديد أي منهما هكذا بكل بساطة.

أخبرنا على أية حال.

حسنا . لن تضحك. لم يضحك عليها احد من قبل. انها طرفة قديمة “الغرابان الأسودان”؛ رجلان أبيضان بوجه أسود يدعيان (موران) و(ماك). قاموا بتسجيل روتينهم الخاص على الة الفونوغراف. وبما انهم اثنان من الرجال السود فمن المفترض أن يتحدثان الى بعضهما بخمول، على أية حال قال أحدهما: “أنا حلمت أنني أتناول كعكات الفانيلا”، رد الآخر: “هل هذا صحيح؟”، قال الأول: “وعندما استيقظت، اختفت البطانية”.

اممم!

أخبرتك أنك لن تضحك عليها. النكتة الأخرى تتطلب تعاونك. سوف أطرح عليك سؤالًا، وعليك أن تقول “لا”.

حسنا.

هل تعرف لماذا القشدة أغلى بكثير من الحليب؟

لا.

لأن الأبقار يكرهون الجلوس على تلك الزجاجات الصغيرة. أرأيت لم تضحك أيضا. ولكن أعطيك كلمة شرف أنها طرفة رائعة جدًا، وتم إخراجها ببراعة.

يبدو أنك تفضل (لوريل) و(هاردي) على (تشابلن)، أليس كذلك؟

أنا مهووس بـ(تشابلن)، لكن هناك مسافة كبيرة بينه وبين جمهوره. من الواضح أنه عبقري جدا. فلديه أسلوبه الخاص، إنه رائع مثل (بيكاسو)، وهذا مخيف بالنسبة لي.

هل ستكتب قصة قصيرة أخرى؟

ربما. كتبت منذ 8 سنوات، واعتقدت أنها ستكون أخر قصة لي. فطلب مني (هارلان إليسون) المساهمة في مجموعة كان يعمل عليها قصة باسم : The Big Space Fuck أو (لعنة الفضاء الواسع)، وأظن أني أول شخص يقوم باستخدم كلمة “اللعنة” كعنوان. كان الأمر يتعلق بإطلاق سفينة فضائية برأس حربي مليء بالسائل المنوي إلى “مجرة أندروميدا”. وهذا يذكرني بصديقي الرائع من إنديانابوليس، وهو صديق الوحيد المتبقي لي من هذه المدينة؛ (ويليام فايلي). عندما خضنا الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض أن يتبرع الجميع بالدم، تساءل (فايلي) عما إذا كان لا يستطيع إعطاء نصف لتر من السائل المنوي بدلاً من ذلك.

إذا لم يخسر والداك كل أموالهما، فماذا كنت ستفعل الآن؟

لشعرت بسعادة عارمة وأصبحت مهندس معماري في إنديانابوليس، مثل والدي وجدتي. ما زلت أتمنى أن ذلك قد حدث. على أي حال هناك شيء أخر أود قوله، أحد أفضل المهندسين المعماريين الشباب هناك يعيش في منزل أنشأه والدي لعائلتنا في العام الذي ولدت فيه، 1922. ويوجد على زجاج النوافذ الثلاث الصغيرة بجانب الباب الأمامي الأحرف الأولى من اسمي واسم أختي وأخي.

لديك ماضي جيد تتوق إليه.

نعم فعلا. عندما أذهب إلى إنديانابوليس ، نفس السؤال يتبادر الى ذهني مرارًا وتكرارًا: “أين سريري، أين سريري؟” وإذا كان أشباح والدي وجدتي يجوبون تلك المدينة، فيجب عليهم أن يتساءلون أين ذهبت كل مبانيهم. تم تحويل وسط المدينة وكانت معظمها مبانيهم إلى مواقف للسيارات. يجب أن يتساءلوا أيضًا أين ذهب كل أقاربهم. لقد نشأوا في عائلة ممتدة وضخمة لم تعد موجودة. لقد تذوقت هذا، الشيء العائلي الكبير. عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو، وسمعت رئيس قسم الأنثروبولوجيا، (روبرت ريدفيلد)، يحاضر عن المجتمع الشعبي، والتي كانت في الأساس أسرة ممتدة ومعزولة ومستقرة، لم يكن عليه أن يوضح كم هو أمر لطيف.

أي شيء اخر؟

حسنًا ، لقد اكتشفت للتو صلاة للكتاب. سمعت عن صلوات البحارة والملوك والجنود وما إلى ذلك، لكنني لم أسمع أي صلاة للكتاب. هل يمكنني أن أضع ذلك هنا؟

بالتأكيد.

كتبه (صموئيل جونسون) في 3 أبريل 1753، وهو اليوم الذي وقع فيه العقد وطلب منه كتابة أول قاموس كامل للغة الإنجليزية. كان يصلي من أجل نفسه. ربما يجب الاحتفال بالثالث من أبريل بـ“يوم الكتّاب”.

على أي حال ، هذه هي الصلاة: “يا الله، الذي يدعمني حتى هذه اللحظة، أن تمكنني من المضي قدماً في هذا العمل والقيام بالمهمة على اكمل وجه بوضعي الراهن؛ و أن أسلمه في اليوم الأخير، كإثبات للكفاءة التي منحتها لي، وحينها قد أتلقى عفواً من اليسوع المسيح. آمين”.

يبدو أنها هذه رغبة لحمل موهبته بأقصى وأبعد سرعة ممكنة.

نعم فعلا. وكان كاتبًا مأجورًا شهيرًا.

وأنت، هل تعتبر نفسك كاتبًا مآجورًا؟

بطريقةٍ ما.

ما هي؟

ابن الكساد العظيم. وربما ينبغي لنا أن نقول شيئًا في هذه المرحلة، وهو كيف تم إجراء هذه المقابلة، إلا إذا كانت الصراحة تفسد كل شيء بطريقة ما.

دع الأمور تأخذ مجراها.

تم تقديم أربع مقابلات مختلفة، أجريت معي إلى (باريس ريفيو)، وقد قاموا بتجميعها معًا لتشكل مقابلة واحدة وعرضوها علي. سارت الخطة بشكل جيد نسبيا، ولذلك اتصلت بمحاور أخر لجعلها مقابلة واحدة. كنت أنا ذلك المحاور. بكل شفافية، نعم لقد قابلت نفسي.

فهمت. سؤالنا الأخير. إذا كنت مفوض للنشر في الولايات المتحدة، فماذا كنت ستفعل لتخفيف الوضع الحالي المؤسف؟

لا يوجد لدينا نقص من ناحية المؤلفين المبدعين. ما نفتقر إليه هو جمهور من القراء يمكن الاعتماد عليه.

وبالتالي؟

أقترح أن يُطلب من كل شخص عاطل آو عاطلة عن العمل، تقديم تقريرعن كتاب قبل أن يحصل/تحصل على الإعانة.

شكرا لك.

شكرا لك.


[المصدر]

لقاء صحفي بعنوان “فن الفكاهة والظرف” مع (وودي آلن)

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كما يعرف سكان نيويورك (وودي آلن) هو أحد أكثر مواطنيها طاغي الحضور وكلي الوجود: في مقعد الأمامي في ملعب ماديسون سكوير غاردن يشاهد مبارة لنيويورك نيكس، في حانة مايكل في مساءات الإثنين يعزف الكلارنيت، وفي المناسبات في مطعم إيلاين جالسًا على طاولته المعتادة. يصعب بالرغم من ذلك اعتباره شخصًا ودودًا منفتحًا: خجلٌ حين لقاء المعارف، مرةً عبر عن رغبة ملحة شديدة بالعودة إلى الرحم “رحم أي أحد”. ومسيرته في حقيقة الأمر جهد استثنائي ومدهش في عددٍ من المجالات: الأدب، المسرح، الأفلام السينمائية. “أعمل مُكرهًا ومُلزمًا” قال مرة، “ما أحب عمله فعلًا بأفضل إمكانياتي هو ما ألا أفعله الآن”.

بدأت مسيرة (آلن) في الكوميديا كمراهق حين قدم بضع نكات لشركة إعلانات. في سنة 1953 بعد ما أسماه “سنة قصيرة مًجهضة في الجامعة” ترك الدراسة ليصبح كاتبًا فكاهيًا لـ(غارّي موور) و(سيد سيزر). في أوائل الستينات أكسبته جولاته الروتينية في النوادي الكوميدية في جيرنويش فيلج اعتبارًا وتقديرًا، ومن ثم أدت إلى الظهور على التلفاز عدة مرات. سنة 1965 مباشرةً بعد إنتاجه لثلاثة أسطوانات كوميدية ناجحة شق طريقه وظهر لأول مرة ككمثل وكاتب نص في فلم (What’s New, Pussycat)، أما فيلمه الصادر سنة 1969 (Take the Money and Run) كان المشروع الأول الذي لم يكتبه فقط و يمثل دور البطولة فيه بل وحتى أخرجه أيضًا. رغم أن عددًا من أفلامه المبكرة (Bananasو(Sleeper) و(Love and Death) اُنتقدت نقدًا لاذعًا، إلا أنه وحتى سنة 1977 وصدور فلم (Annie Hall) الذي ربح أربع جوائز أوسكار حينها حظي (آلن) بالتقدير والاعتراف به كقوة استثنائية في السينما الأمريكية. منذئذٍ بلغت أفلامه الخمسين فيلمًا والتي نجح بجعلها فيلمًا كل سنة. كما كتب أيضًا عدة مسرحيات لمسرح برودواي: الأنجح من بينها (Don’t Drink the Waterو(Play It Again, Sam) والتي حُولت أيضًا إلى أفلام.

كتب آلن ثلاثة مجموعات قصصية ظهر معظمها في مجلة النيويوركر أولًا وهي: (Getting Even) و(Without Feathers) و(Side Effects).

أُنجز القسم الأكبر من هذه المقابلة، معظمها أجرته (ميتشكو كاكوتاني)[1] خلال عشاء في مطعم إلاين، واكتملت سنة 1985. ومنذ ذلك الحين استكملها المراجعون وعدلوها بالمراسلات والمكالمات مع السيد (آلن) لتظهر بهذه الصياغة الحديثة الآن:


هل تعتقد أن الفنان الهزلي يرى العالم رؤية مختلفة بعض الشيء؟

نعم. أعتقد بإنك إن امتلكت منظورًا فكاهيًا، فأي شيء تقريبًا سيحدث سيخضع لمصفاة الفكاهة. هي طريقة للتكيف على الأمد القصير، ولا أثر لها على الأمد الطويل، وتتطلب تجديدًا ونهضةً ثابتة أبدية. ولذلك فالناس تتحدث عن الفكاهيين أو الهزليين أنهم دومًا “ضاحكون ظريفون”. يشبه الأمر أن تخدر حواسك باستمرار لتعيش بقدر أقل من الألم.

هذا نادرٌ جدًا ألا تظن ذلك؟

إنها الطريقة الوحيدة للتعاطي مع الحياة. يعتقد الناس بأنه من الصعب جدًا أن تكون ظرفٍ خفيف الدم لكنه شيءٌ ممتع. إذا كنتَ قادرًا على فعله فهو أمرٌ غير صعب أبدًا. يشبه الأمر كما لو أنني قلت لأحدٍ بارع بالرسم يا إلهي لو أنني أمسكتُ قلم رصاص و ورقة طيلة اليوم لما استطعتُ رسم ذلك الحصان. أنا لا أقدر على فعل ذلك وأنتَ فعلته بإتقان شديد جدًا. ويشعر الآخر بأنه لا شيء.

أنا أفعل هذا منذ كنتُ في الرابعة من عمري. هذا ما أشعر به نحو الكوميديا: إذا كنتَ قادرًا على فعله، فأنت تعرف حقًا بأنه ليس شيئًا مميزًا. لا أعني أن النتيجة النهائية لا شيء وليس مميزة، أعني أن العملية بسيطة. طبعًا هناك بضع أشخاصًا هم ظرافٌ فعلًا، وبضعٌ آخر ليسوا. إنها غرابة الطبيعة.

من هم الكُتاب الذين جعلوك راغبًا في الكتابة؟

أتذكر أن أول شخصٍ ضحكت على كتاباته هو (ماكس شولمان). كنتُ في الخامسة عشر من عمري. أملكُ مجموعة قديمة من كتبه. أكثر كتبه فكاهةً بالنسبة لي كان (The Zebra Derby) .. مضحكٌ بمعنى أشمل، رغم أن عليك أن تقدر السياق الذي كتب فيه، بما إنه يتناول عودة جندي عريق إلى هنا بعد الحرب العالمية الثانية، عودته إلى الأرض الموعودة. ثم اكتشفتُ (روبرت بنشلي) و(سيدني جوزيف بيرلمان)، الكاتبان الآخران الظريفان جدًا واللذان كانا حقًا معلمين عظيمين. التقيتُ (بيرلمان) في مطعم إلاين في إحدى الليالي. كنتُ بصحبة (مارشال بريكمان) وأحضر لي النادل بطاقة. كان على الجزء الخلفي منها جملة من قبيل أتود أن تشاركني شرب تونيك الكرفس. اعتقدتُ -أوه- إنه محض سائح من خارج المدينة وألقيتُ بالبطاقة بعيدًا. لاحقًا بعد مرور ساعة ونصف قال أحدهم أتعلم أنها من (س. ج. بيرلمان)، لذا استعدتُ البطاقة من على الأرض. كان مكتوبًا عليها “س. ج. بيرلمان”، وركضتُ نحو المكان الذي كان فيه في الزاوية وجلسنا برفقته. قابلته قبلًا و كان دومًا بالنسبة لي ودودًا و لطيفًا. قرأتُ أنه يمكن أن يكون عسيرًا، لكني لم أرَ ذلك الجانب منه أبدًا.

متى بدأتَ الكتابة؟

قبل أن أجيد القراءة. كنتُ أرغب دومًا بالكتابة. قبل ذلك كنتُ أخلق الحكايات. كنتُ دومًا أخلق الحكايات لتلاميذ فصلي. لم أكن في الغالب معجبًا أبدًا بكتاب الكوميديا كما كنتُ بالكتاب الجادين. لكني وجدتُ نفسي قادرًا على الكتابة بالمزاج الفكاهي، مقلدًا مباشرةً (شولمان) في بادئ الأمر وأحيانًا (بيرلمان). في سنتي الدراسية القصيرة المجهضة في الجامعة كنتُ أسلم أعمالي كلها مشتقةً اشتقاقًا متقنًا أو سيئًا من أعمال (شولمان). لم أملك أي إحساسٍ بنفسي أو معنى لها مطلقًا.

كيف اكتشفت ذاتك؟ هل حصل ذلك خطوة بخطوة؟

لا، حدث ذلك صدفة نوعًا ما. كنتُ يئستُ من كتابة النثر كليًا واتجهتُ للكتابة التلفزيونية. كنتُ أريد أن أكتب نصوصًا مسرحيًا وكنتُ في ذات الوقت أمثل ككوميدي في ملهى. يومًا ما راسلتني مجلة (بلاي بوي) وطلبتني مني كتابة شيءٍ ما؛ لأني كنتُ كوميديًا صاعدًا وكتبتُ ذلك النص عن الشطرنج.

كنتُ حينها متزوجًا تقريبًا، لكن ليس بعد، بـ(لوزين لاسّر)، قرأتها وقالت: “يا إلهي أظن أن هذا النص جيد”. أيفترض بك أن ترسله للـ(نيويوركر). بالنسبة لي كما بالنسبة لأي أحدٍ من جيلي كانت (النيويوركر) أرضًا مقدسة. بأية حال فعلتُ ذلك كمزحة. صدمتُ حين تلقيتُ ذلك الاتصال الذي يسألني عن إمكانية إجراء بعض التعديلات، وسيطبعونها بعد ذلك. لذا ذهبتُ هناك وعدلت المطلوب، وطبعوها. كانت تلك دفعة كبيرة معززة لثقتي.

لذا اعتقدتُ، حسنًا، أظن أنني سأكتب نصًا آخر لهم. النص الثاني أو الثالث الذي أرسلته للـ(نيويوركر) كان مشابهًا لأسلوب (بيرلمان). طبعوها لكن التعليقات كانت تقول بأنها محاكاة خطرة و واوفقت. لذا تطلع كلانا أنا و(النيويوركر) لتبعات تلك النصوص التي أرسلتها. أخيرًا ابتعدتُ أكثر وأكثر عنه. كان (بيرلمان) طبعًا معقدًا كما يمكن لظرافته الغنية جدًا أن تكون. باستمراري حاولتُ أن أبسطها.

هل كان هذا تطورًا موازٍ لما كنتَ تحاول فعله في أفلامه؟

لا أعدها موازية. كانت تجربتي بالكتابة لمحتوى مختلف منفصلة جدًا عن التزاماتي ومشاريعي. فالكتابة للمسرح مختلفة اختلافًا كليًا عن كتابة فلم وكلاهما مختلف اختلافًا كليًا عن كتابة النثر. والكتابة الأكثر تطلبًا واحتياجًا بينها هي كتابة النثر، كما أعتقد، لأنك حين تنهي الكتابة فإنها هي الناتج النهائي.

أما السيناريو فهو بمثابة الوسيلة والأداة للممثلين والمخرج لتطوير الشخصية. فحين كتابتي لفلم كل ما أفعله هو خربشت بضعة ملاحظات حول المشهد. ليس عليك أن تكتب أي شيء على الإطلاق، أنت تملك فقط ملاحظاتك عن المشهد، المكتوبة بوجود الممثلين والكاميرا في عقلك. الحاجة الحقيقة للسيناريو هي لاختيار الممثلين ووضع الميزانية، لكن الناتج النهائي لا يحمل عادة ذاك التشابه مع السيناريو، على الأقل في حالتي.


إذًا ستتمتع بسيطرة أكبر وأعمق على نص؛ كرواية مثلًا

تلك إحدى مواضع جاذبيتها: أن لك سلطة عليها. أما الموضع الآخر فهو أنك حين انتهائك من كتابتها يمكنك أن تمزقها وتلقي بها بعيدًا. بينما حين تصنع فلمًا فإنك لا تملك هذا الخيار. عليك أن تعرضه للعلن حتى لو لم يعجبك. قد أضيف أيضًا أن الساعات تمضي أفضل حين تكون كاتب نثر.

فحالك حينها سيكون ممتعًا أكثر حين تستيقظ صباحًا وتنحرف مندفعًا إلى الغرفة المجاورة وتكتب وحيدًا، ممتعٌ أكثر من استيقاظك صباحًا والتوجه لتصوير فلم. إذ أن للأفلام متطلبات كبيرة. فهي مهنة جسمانية. عليك أن تكون في مكان محدد، وفقًا لموعد محدد، في وقت محدد. وأنت متكل معتمد على الآخرين. أعلم أن (نورمان ميلر) قال بأنه لو بدأ مسيرته اليوم لاختار أن يكون في مجال صناعة الأفلام لا روائيًا.

أعتقد أن الأفلام مغامرات ومشاريع الأصغر سنًا. فهي في معظمها شاقة مجهدة. ومن بعد حد معين لا أظن أنني أرغب بهذا الشكل من الكد والجهد: أعني أنني لا أود أن أحس أن عليّ طيلة حياتي الاستيقاظ في الساعة السادسة صباحًا، خارج منزلي في السابعة لأكون في شارع متجمد أو مرجة غائمة ومعتمة لأصور مشهدًا. ليس الوضع مشوقًا و لا محمسًا إلى هذا الحد. من الممتع أن تتجول حول البيت، أن تظل في البيت.

قال (تينيسي وليامز) مرةً أن كتابة المسرحيات مزعجة لأن عليك أن تنتجها، فأنت لا تستطيع أن تكتبها وتتركها في الدرج. لأنك حين تكتب سيناريو تكون قد تجاوزته وترغب بالاستمرار والتقدم. باستطاعتك فعل ذلك حال تأليف كتاب. لذا كما يبدو سيكون الدافع دومًا لأن تكون روائيًا. هو أمرٌ مرغوبٌ جدًا. يفكر الواحد بـ(كوليت)[2] جالسةً في شقتها الباريسية، تطل خارج نافذتها وتكتب. هي حياة جذابة ومغرية جدًا. في الحقيقة كتبت مسودة أولى لرواية حين كنتُ في باريس لتصوير فلم (Love and Death). موجودة في منزلي، مكتوبة بأكملها بخط اليد، مستلقية في درجي مكتوبة على ورق الرسم البياني، وهي على هذا الحال منذ سنوات. أحتفظ بها لحين أصبح بلا طاقة وغير قادرٍ على صنع المزيد من الأفلام. لا أرغب بالعمل عليها بينما ما زالت أملك الحيوية الكافية والطاقة للخروج في باكورة الصباح وتصوير الأفلام.

من الجيد التطلع لرواية. أعلم أنهم يومًا ما سيتوقفون عن دعمي في أفلامي ويقولون: “ما عدنا نرغب بفعل هذا بعد الآن”، أو أنني سأتعب من ممارستي هذه. أتمنى أن تكون الرواية جيدة. أعني أنها لن تحدث تلك الهزة العظيمة، لكنها رواية، قصة لا يمكن أن تُروى إلا على ذلك النحو. فكرتُ مرارٍ أن آخذ الفكرة وأحولها لمسرحية أو فلم، لكن و ياللغرابة لم ينجح ذلك. إذا ما كانت ستنجح فذلك سيكون كرواية. ستنجح في النثر.

كيف وُجدت هذه الرواية؟ هل فكرت بكتابتها منذ زمن بعيد؟

ليس تمامًا. بدأت بكتابة الصفحة الأولى. إنها عادة قديمة أمارسها حين كتابتي المسرحية. لا أتخيل نفسي أكتب الدور الثالث قبل الأول، أو حتى الخروج عن الترتيب وكتابة جزء من الدور الثاني. فالأحداث التي ستحصل لاحقًا، التفاعل بين الشخصيات، تطور الحبكة، معتمدة جدًا على الحدث الحاصل في البدء. لا أستطيع تخيل نفسي أكتب دون تسلسل أو ترتيب.

أحب السرد الكلاسيكي في المسرحية. أحبه في الرواية. لا أستمتع بالروايات التي لا تتضمن قصصًا واضحة. فأن تقرأ لـ(بلزاك) أو (تولستوي) بالإضافة إلى كل الآخرين هي متعة عظيمة. حين تُرفع الستائر في المسرحية ويكون الناس جالسين في حاويات معدنية، أعرف أنني سأقدر الفكرة عقليًا، لكنها لن تعني لي كثيرًا. شاهدت مسرحيات (بيكيت)، بالإضافة لغيره الأقل انتماءً للطلائعية، والعديد من المسرحيات المعاصرة، ويمكنني أن أقول أنها نعم ذكية و عميقة لكني لا أكترث بذلك.

لكن حين أشاهد مسرحية لـ(تشيخوف) أو (أونيل)؛ حيث يكون الرجال والنساء بشرًا يمرون بأزمات تقليدية، هذا ما أفضله. أعرف أن قولًا كهذا رجعي في هذا الزمن، لكن الأشياء المعتمدة مثلًا على “اللغة“، تناغم الكلام الذكي، لا أكترث به حقيقةً. أريد أن أسمع الناس يتحدثون بوضوح ومباشرة وأحيانًا شعريًا.

حين تشاهد مسرحية موت بائع متجول أو عربة اسمها الرغبة تكون مهتمًا بالأشخاص وتريد معرفة ما سيحدث لاحقًا. حين راودتني فكرة لمسرحية (The Floating Lightbulb) كتبتها لمركز لينكولن للفنون، كنتُ مصممًا وعازمًا على الكتابة عن أشخاص اعتيادين في حالة بسيطة. حاولتُ بتأنٍ أن أتجنب أي إطالة وتفصيل أكثر من تلك. في الأفلام، وياللغرابة، لا أشعر بهذا الإحساس. أنا في الأفلام أكثر إذعانًا وانقيادًا لتحوير الزمن وتحريف الأفكار التجريدية.


يعاني العديد من الكُتاب صعوبة البدء بمشروع جديد، صعوبة إيجاد الفكرة التي يودون حقًا العمل عليها..

على الأرجح أنهم يزيحون جانبًا الأفكار الجيدة جودة الأفكار التي أعمل عليها. ستخطر ببالي فكرة وأنا أسير في الطريق، وسأدونها مباشرة. وسأرغب دومًا بتحويلها لشيءٍ ما. لم أعاني أبدًا من حبسة. أتحدث عن ذلك ضمن حدود قدراتي. لكني بطريقتي البسيطة، لطالما كان عندي ثروة ممتدة من الأفكار المحيرة. سيكون عندي خمسة أفكار وأنا أتحرق شوقًا لتنفيذها.

يستغرق مني الأمر أسابيعًا أو شهورًا والأفكار تستبد بي وتعذبني لأختار منها مشروعي التالي. أتمنى أحيانًا لو يختار أحدهم فكرة لي. لو أن أحدًا قال نفذ الفكرة الثالثة سيكون ذلك جيدًا. لكني لم أعاني مطلقًا من جفاف الأفكار أو انعدامها.

يسألني الناس دومًا: “هل تعتقد أنك لربما تستيقظ يومًا ولا تعود ظريفًا؟” لم تخطر تلك الفكرة ببالي أبدًا، إنها فكرة بالية وغير واقعية. لأن الفكاهة وأنا غير منفصلين. نحنُ كيانُ واحد. أفضل أوقاتي حين أكون في خض مشروع وأقرر بخصوص مشروع جديد. ذلك لأنه في فترة لم يحدد فيها بعض ماهية الواقع. 

فالفكرة تبدو في عقلك أخاذة، وأنت تتخيلها وتتصورها كاملة في لحظة، تخيل جميل. لكن حين تقرر تنفيذها لا تكون النتيجة كما تخيلتها. تبدأ المشكلة من الإنتاج، حين يبدأ الواقع بالتشكل. كما قلتُ سابقًا المرة التي اقتربتُ فيها من فهم فكرة اقترابًا شديدًا كان في النثر. شعرتُ في معظم ما كتبتُ ونشرتُ بأني نفذت فكرتي الأصلية تطبيقًا مطابقًا مرضيًا. لكني لم أشعر بذلك أبدًا ولا حتى للحظة في أي نصٍ كتبته لفلم أو مسرحية.

شعرتُ دومًا بأني أملك فكرة مبهرة: لكن أين أخطأتُ في تنفيذها؟ أنتَ تخطأ منذ اليوم الأول. في كل شيء تسوية وتنازل. فمثلًا لن تستطيع الوصول لمارلون براندو ليمثل فلمك، سيكون عندك شخصٌ أدنى. الغرفة التي تراها في عقلك وتتصورها ليست الغرفة التي ستصور فيها. هي دومًا مسألة أهداف أسمى، أحلامٍ مبالغٌ فيها، تبجح وثقة عمياء، وشجاعة فائقة على الآلة الكاتبة، وثم حين أكون في خضم إنهاء التصوير ويتحول كل شيء إلى خطأ فادح وأغير وأنقح و أعيد التصوير وأحاول أن أصلح الخطأ، حينها يكون الأمر محض صراع للنجاة. حينها تكون سعيدًا لأنك فقط ما زلتَ حيًا. تتلاشى كل الأهداف السامية، كل المعاني المتعنتة والعنيدة حول العمل الفني المثالي المتقن، وأنت تصارع لئلا ينقض الناس على الممرات بالقطران والريش.

في معظم أفلامي، جميعها تقريبًا، لو استطعتُ أن أصور ما تخيلته لكانت أفضل بكثير. ولحسن حظي لا يعرف الجمهور مدى روعة الفلم المعروض في عقلي ولذا أنجو بفعلتي.

كيف تكتب حقًا؟ ما هي أدواتك؟

كتبتُ في الدفاتر الصفراء المخططة، في دفاتر الفندق، في أي شيء بلغته يداي. لستُ صعب الإرضاء أو دقيقًا في هذه الأمور. أكتب في غرف الفنادق، في منزلي، والآخرون حولي، على علب الكبريت. لا أمانع ذلك حتى بأقل الإمكانيات المتوفرة عندي.

هناك قصص جلستُ فقط واضعًا الآلة الكاتبة وبدأتُ الكتابة من البداية حتى النهاية. بعض ما كتبته للـ(نيويوركر) أنهيته في أربعين دقيقة. وهناك نصوص أخرى صارعتُ وتعذبت لأسابيع وأسابيع لكتابتها. إنه أمرٌ عشوائيٌ جدًا. فلنأخذ فلمين مثلًا أحدهما لم ينجح نقديًا وهو (A Midsummer Night’s Sex Comedy). كتبتُ ذلك العمل في لمح البصر. خطر في ذهني وانساب في ستة أيام، كل شيء فيه في إطار مثالي. أصدرته ولم يلقى ترحيبًا أو استحسانًا.

بينما كانت التغييرات في فلم (Annie Hall) لا نهائية. كانت هناك الكثير من المواد التي لا تُستخدم في المشاهد كتلك التي كانت في النسخة النهائية من الفلم، أعدتُ خمس مرات التصوير. ولاقى الفلم استحسانًا. بينما وفي المقابل حصل النقيض حين عملتُ على أفكارًا خطرت لي ببساطة وسهولة ولاقت استحسانًا وإشادة شديدة. وفيما عانيتُ حال العمل عليه لم يحدث ذلك. لم أجد أبدًا أي رابط. لكن إذا كنتَ قادرًا على فعل الشيء، فهذا يعني أنه ليس صعبًا، وليس إنجازًا مهولًا وعظيمًا كما يظن غير القادر على فعله.

حين كنتُ في السادسة عشر من عمري مثلًا بدأتُ أول وظيفة لي. كانت كاتب كوميدي لوكالة إعلانات في نيويورك. كنتُ أحضر لهذه الوكالة يوميًا بعد المدرسة وأكتب لهم النكات. كانوا يرسلون هذه النكات لعملائهم وينشرونها في أعمدة الصحف. كنتُ أركب قطار الأنفاق، مزدحم جدًا، وواقفًا وممسكًا بالأحزمة المتدلية من أعلى للتشبث بها أخرج قلمي الرصاص وحين أصلهم أكون قد كتبتُ أربعين أو خمسين نكتة … خمسين نكتة يوميًا لسنوات. سيقول لي الناس: “لا أصدق خمسون نكتة يوميًا وتكتبها في القطار”. صدقوني لم يكن أمرًا صعبًا. بينما حين أنظر لشخص يؤلف مقطوعة موسيقية ولا أعرف كيف يبدؤونها أو ينهونها! لكن لأني أعرف دومًا كيف أكتب، فإن الأمر لا شيء بالنسبة لي. أنا قادرٌ دومًا على فعلها ضمن حدود قدراتي. لذا لم تكن صعبة أبدًا.

أظن أنني لو تلقيتُ تعليمًا أفضل، تنشئة أفضل، وكانت شخصيتي على الأرجح مختلفة لكنت ربما كاتبًا مهمًا. هذا ممكن؛ لأني أعتقد أني أتمتع ببعضٍ من الموهبة، لكني لم أهتم بها أبدًا. نشأتُ بلا أي اهتمام علمي بأي شيء. كنتُ قادرًا على الكتابة، لكني لم أكن مهتمًا بالقراءة. كنتُ فقط أتابع الرياضة وأمارسها، أقرأ الكتب الكوميدية، لم أقرأ أبدًا أي رواية بمعنى رواية حتى سن الجامعة. لم أكترث بها إطلاقًا. ربما لو كنتُ تربيتُ تربية مختلفة لربما كنتُ سلكتُ اتجاهًا آخر. أو لو كانت اهتمامات والدايّ، أصدقائي، والبيئة التي كنتُ فيها كانت موجهة توجهًا مباشرًا نحو الأشياء التي أصبحتُ متجاوبًا معها لاحقًا، لربما كان الوضع مختلفًا. ربما كنتُ سأكون روائيًا جادًا. أو ربما لا. ولكن فات الأوان، وأنا الآن سعيدٌ فقط ولا أعاني من التهاب المفاصل.


هل تتذكر أيًا من النكات التي كتبتها وأنت متشبث بالأحزمة المتدلية في القطار؟

هذه النكتة هي من التفاهة التي اعتدتُ تأليفها: “الولد الجالس بجانبي هو ابن مقامر، لم يستعد أبدًا درجاته في الاختبارات، كان يتركها ليزيد الرهان حتى الاختبار القادم”. يمكنكِ الآن أن تعرفي لم كان من السهل كتابة خمسين نكتة يوميًا.

أوافق. لكنك ذكرت هذه الرواية…

لستُ واثقًا بأني أملك الخلفية والفهم الكافي لكتابة رواية. الكتاب الذي كنتُ أعمل عليه، أو أخطط له، هو كتاب ممتع ولكن جاد، وسأرى ما سيحدث بخصوصه. أنا جاهلٌ بحق، ذاتي التعليم جدًا. هذا أمرٌ شائك؛ لأن المتعلم تعلمًا ذاتيًا يعرف في مجالات محددة لكن يضل هناك أيضًا فجوات صادمة. ذلك بسبب فقدان التعليم الممنهج.

يرسل لي الناس سيناريوهات أفلام أو مقالات أو حتى صفحة تضم نكات ويسألونني: “هل يعتد بهذه، هل هذه قصة قصيرة؟ هل هذا مشهد كوميدي؟” ولا يعرفون إذا ما كانت النصوص كذلك أم لا. أشعر إلى حد ما هكذا في عالم النثر. حين أرسلتُ ما كتبتُ إلى (النيويوركر) ما كنتُ أعرف ما بين يداي وما أنا متمسك به. كان يمكن أن تكون ردة فعلهم: “أوه، هذا لا شيء يذكر”. كتبتَ الكثير من الكلمات، لكن هذا في الحقيقة لا شيء يذكر، أو أيها الشاب ما كتبته رائعٌ جدًا. كنتُ سأسعد بقبول حكمهم عليه. إذ أنهم قالوا لي حين حملتُ النصوص لهم “نحنُ آسفون، لكن هذا لا شيء”. كنتُ سأقبل ذلك. كنتُ سأقول لهم “أوه حقًا؟ لا بأس”. كنتُ سألقي بالنصوص بعيدًا و ما كانت عينايّ لترمش أبدًا.

المرة أو المرتين التي رفضوا فيها ما كتبت خلال السنوات كانوا فيها دومًا مترددين و مهذبين، كانوا يقولون دومًا حسنًا ربما سنشر نصً آخر قريبًا من هذا بعض الشيء، أو شيئًا لبقًا كهذا. وكنتُ أحس دومًا بأنني لا أمانع مزقوها. في هذا المعنى لم أشعر يومًا بأن الكتابة مرهفة أو مقدسة. أشعر أن هذا ما سيحدث لو أنني أنهيتُ الرواية. لو أن الأشخاص الذين سلمتهم الرواية قالوا نعتقد أنها لا تستحق، لن يخطر أبدًا ببالي أن أقول لهم يا حمقى. أنا لا أعلم بالقدر الكافي. لا أملك الأحقية التي تخولني لأتحدث كجيمس جويس الذي قرأ كل شيء ويعرف أكثر مما عرف ناقدوه. هناك فقط مجال أو مجالان حيث شعرت أنني أتمتع بذلك الأمان وتلك الثقة، حيث شعرتُ أن حكمي صائب بل وحتى أشد صوابًا من حكم الآخرين. الكوميديا أحدهما. أشعر بالثقة حين أتعامل مع الأشياء المضحكة، مهما كان الوسيط الموجودة فيه. وأعرف الكثير عن موسيقى جاز نيو أورلينز رغم أنني موسيقار ضعيف. ضعيف ولكن مُتفانٍ.

لم بدأت بالكتابة الكوميدية؟ 

كنتُ أستمتع دومًا بالقراءة للكتاب الفكاهيين. لكن حين بدأتُ بالقراءة لكتاب أكثر جدية، بدأتُ أستمتع بالقراءة للكتاب الجادين أكثر. أصبحتُ حينها أقل اهتمامًا بالكوميديا، رغم أنني اكتشفتُ أنني قادرٌ على كتابتها. لستُ مهتمًا هذه الأيام بالكوميديا والفكاهة للغاية. إذا ما كان عليّ أن أعدد خمسة عشر فلمًا أفضلها فعلى الأرجح لن يكون أيٌ منها كوميديًا. هذا حقيقي، هناك بعض الأفلام الهزلية التي أعتقد بأنها رائعة. أعتقد طبعًا بأن فلم (City Lights) عظيم، بعضٌ من أفلام الممثل (باستر كيتون)، والعديد من أفلام (الإخوة ماركس). لكن هذه الأفلام نوعٌ آخر مختلف من الكوميديا، إذ أن ظرف الممثلين في هذه الأفلام هو تسجيل وتمثيل لأعمال الكوميديين. فلربما كانت الأفلام ضعيفة أو سخيفة لكن الحس الهزلي عبقري. أحب أفلام (كيتون) أكثر من (كيتون) وأستمتع بـ(تشابلن) و(الإخوة ماركس) عادةً أكثر من الأفلام. لكني مشاهد مريح. أنا أضحك بسهولة.

ماذا عن فلم (Bringing Up Baby

لا، لم أحبه أبدًا. لم أشعر أبدًا بأن ذلك مضحك أو فكاهي.

حقًا؟

لا، أعجبني فلم (Born Yesterday) رغم أنه مسرحية حُولت لفلم. كلا الفلمين (The Shop Around the Corner) و (Trouble in Paradise) مذهلان. أما الكوميديا غير الصامتة الرائعة فهي فلم فليني (The White Sheik).

ما الذي يمنع فلم مرحًا أو هزليًا من إدراجه في قائمتك؟

لا شيء سوى ذوقي الشخصي. أحدهم لربما ذكر عشرة أفلام كوميدية. أنا ببساطة أستمتع بالأفلام الجادة. حين يكون لي خيار مشاهدة فلم فسأشاهد (Citizen Kane) و(The Bicycle Thiefو(The Grand Illusionو(The Seventh Seal) وهذا النوع من الأفلام.

حين تذهب لمشاهدة الكلاسيكيات مرة أخرى، هل تذهب لمعرفة كيفية صنعها أو تذهب لمشاهدتها للأثر الذي تخلفه فيك شعوريًا؟

عادةً ما أذهب للمتعة. الآخرون الذين يعملون في أفلامي يرون كل الأشياء التقنية وكيفية عملها، أما أنا فلا أقدر على رؤية ذلك. ما زلتُ غير قادرًا على رؤية ظل الميكروفون، أو الاقتصاص غير المتقن أو غيره. أنا مستغرق متعمقٌ في الفلم بذاته.

لمن من العظماء تأثيرٌ عميق على عملك في الأفلام؟

أظن أن أشد تأثير هو لبرغمان و(الإخوة ماركس). لا أندم أيضًا على السرقة من (ستريندبرغ)، (تشيخوف)، (بيرلمان)، (موس هارت)[3]، (جيمي كانون)، (فليني)، وكُتاب (بوب هوب).


هل كنتَ ظريفًا حين كنتَ طفلًا؟

نعم، كنتُ فتى مسلٍ وظريف. وبالمناسبة كان الناس دومًا يربطون ذلك لكوني نشأت تنشئة يهودية. إنها خرافة. الكثير من الفكاهيين الرائعين لم يكونوا يهودًا: (دبيلو سي فيلز)، (جونثان وينترز)، (بوب هوب)، (باستر كيتون) … لم أرى أبدًا أي رابط بين العرق أو الدين أو الأصل وبين الظَرَف. 

هل طُلب منك أن تؤدي أي عرض في المناسبات والنشاطات المدرسية؟

لم أكن أؤدي كثيرًا، لكني كنتً مسليًا في الفصل بين الأصدقاء والمعلمين.

إذًا لم تكن نكاتك من النوع الذي سيزعج المسؤولين؟

كانت أحيانًا تزعجهم، نعم. استدعيت أمي إلى المدرسة كثيرًا؛ لأنني كنتُ أصرخ قائلًا بعض الأشياء في الفصل، أتهكم في الفصل؛ ولأني كنتُ قادرًا على إثبات أن أفكارهم إما سطحية أو جنسية جدًا. العديد والعديد من المرات استدعيت أمي إلى المدرسة.

لِم برأيك بدأت بالكتابة وأنت صبي؟

أظن أنها كانت بسبب متعتها الخالصة الغامرة. يشبه الأمر العزف مع فرقتي الآن. تأليف الموسيقى ممتع، والكتابة ممتعة. خلق الأشياء وتشكيلها متع. سأقول أنني لو عشت في عصر ما قبل الأفلام السينمائية فكنتُ سأصبح كاتبًا. رأيتُ (ألفريد كازن)[4] على التلفاز. كان يطري الرواية ويمجدها على حساب الفلم. لكني لم أوافقه الرأي. إذ لا يمكن مقارنة الأولى بالثاني. كان يتمتع باحترام عالٍ للكلمات المطبوعة. الأفلام الجيدة أفضل من الكتب السيئة، وحين يكون كلاهما رائعًا، فإن كلاهما رائعٌ و قيم بشكله المختلف.

هل تعتقد أن متع الكتابة مرتبطة بالإحساس بالسيطرة والتحكم الذي يمنحك إياه الفن؟

كانت القدرة على خلق عالمك الخاص متى ما شئت بديعة ومدهشة. فالكتابة ممتعة جدًا وسارة، مغوية جدًا وجذابة، علاجية جدًا ومداوية. يمر الوقت سريعًا حين أكتب، سريعٌ جدًا. أرتبك وأحتار بخصوص نصٍ أو ما فيه ويطير الوقتُ سريعًا. هو شعورٌ مبهج منعشٌ. كم يمكن أن تسوء؟ إنها الجلوس صحبة الشخصيات الخيالية. أنت تهرب من العالم بطريقتك الخاصة و لا بأس بذلك. لِم لا؟

إذا كنت تحب جانب الاختلاء بالنفس في الكتابة هل ستفتقد الجانب التعاوني في الأفلام إذا ما كان عليك التخلي عنه؟

إحدى المظاهر الخادعة للخروج من المنزل والتواجد مع الآخرين هو أنه يجرك بعيدًا عن مهنة الكتابة. هو أقل وحدة. لكني أحب الجلوس في المنزل والكتابة. شعرتُ دومًا بأنهم إن أخبروني غدًا بأني ما عدتُ قادرًا على إخراج المزيد من الأفلام، أنهم ما عادوا ليعطوني المزيد من المال، فسيسعدني أن أكتب للمسرح، وإن لم ينتجوا مسرحياتي فسأكون سعيدًا بالكتابة فقط ولو لم ينشروا لي. سأظل سعيدًا بالكتابة تاركًا ما أكتب للأجيال المستقبلية. لأنها لو كانت تتضمن أي قيمة فيها فستحيا، وإن لم توجد فالأفضل أن تندثر.

هذا جانب من الجوانب الممتعة في الكتابة أو أي فن آخر: إذا ما تضمن شيئًا حقيقًا قيمًا فسيحيا ويظل. ولا تهم حقًا كل الضجة الإثارة المصاحبة له، نجاحه أو رفض النقاد له. في النهاية سينجو العمل أو لا مستحقًا ذلك بامتيازاته وخواصه. ولا يعني أن الخلود بالفن أمرٌ مهم. مات (تروفو)، واعترانا الأسى لذلك، وأقيم التأبين المناسب، وستحيا أفلامه المذهلة وتظل. لكن ذلك لا يفيد تروفو. لذا فكر بينك وبين نفسك: سيحيا عملي. كما قلتُ مرات عدة بدل أن أحيا في قلوب وعقول رفاقي وزملائي أفضل العيش في شقتي.

مع ذلك يبذل بعض الفنانون جهدًا لتنال أعمالهم الاحتفاء، ليبتكروا ما سيظل، ويقدمون ذلك على أي شيء آخر. هناك ذلك الاقتباس الذي قاله فوكنر: “قصيدة عن رفات إغريقي تعادل أي عددٍ من المسنات”.

أكره حين يصبح الفن دينًا مقدسًا. أشعر بالنقيض من ذلك. حين تبدأ بمنح الأعمال الفنية قيمة أعلى من الأشخاص حينها تخسر إنسانيتك وتفقدها. توجد نزعة للشعور بأن للفنان امتيازات خاصة، وأن كل شيء مباحٌ متاحٌ خدمة للفن. حاولتُ أن أوصل ذلك في الفلم (Interiors). أشعر دومًا بأن الفنان أكثر توقيرًا، هذا ظلمٌ وقسوة. هو شعور لطيف لكنه منحة عرضية استحقها صدفة: كأن يكون لك صوت جميل أو أن تكون أعسر. قدرتك على الابتكار والخلق هي صدفة لطيفة. يحدث أن يكون لك قيمة وتوقير في المجتمع، لكنها ليست بنبل صفة كالشجاعة.

أحس بسخافة وغرابة الاحاديث الرنانة حول أهمية الذات التي تتناول الفنانين وأنهم لا يهابون الصعاب. الصعاب والمخاطر الفنية هي كمخاطر الأعمال الترفيهية: مضحكة. كاختيار ممثل التبست أدواره بشخصه وأصبح يعرف بها لعمل جديد ياللهول ما أخطره من وضع! الخطر هو حين تكون حياتك على المحك. الأشخاص الذين وقفوا في وجه النازيين وقاوموا أو بعض الشعراء الروس الذي عارضوا الدولة هؤلاء هم الباسلون والشجعان، وهذا ما يعد حقًا إنجازًا.

أن تكون فنانًا هو إنجاز أيضًا، لكن عليك أن تبقي ذلك في نصابه. لا أحاول بخس الفن قيمته. أعتقد بأن الفن قيم، لكني أعتقد أنه ممجد وموقر بإفراط. هو قيمٌ، لكنه ليس أكثر قيمة من كونك معلمًا جيدًا، أو طبيبًا جيدًا. تكمن المشكلة في أن للإبداع سحرًا وجاذبية. يقول العاملون عادةً في مجال الأفلام أريد أن أصبح منتجًا، لكن منتجًا مبدعًا. أو تقول امرأة كنتُ في الجامعة مع المعني، نعم سأتزوجه. هو سباك لكن مبدع جدًا. من المهم للناس جدًا وجود تلك الصفة المعتمدة. كما لو أنه لو لم يكن مبدعًا فهو ناقص.


حين تكتب هل تفكر بجمهورك؟ جون أبدايك مثلًا قال مرة أنه يحب تخيل طفل في بلدة في الغرب الأوسط وجد أحد كتبه على رف في مكتبة عامة.

لطالما شعرتُ بأنني أحاول الارتقاء بهدفي قدر استطاعتي حينها، لا لأبلغ الجميع؛ لأنني أعلم أنني لا أقدر على ذلك، لكن أحاول دومًا بذل الجهد. أحب أن أشعر حين إنهائي لفلم أن البالغين الأذكياء سواء كانوا علماء أم فلاسفة، سيذهبون لمشاهدة الفلم ولن يخرجوا ويشعروا بأنه محض إضاعة للوقت. ألا يقولوا يا للهول ما الذي أقحمت نفسي فيه؟ إذا ذهبت لمشاهدة فلم (رامبو) فإني سأقول “يا إلهي”، ومن ثم بعد عدة دقائق سأغادر. لا يهمني حجم الجمهور. كلما زاد العدد كان أفضل، لكن ليس إذا كنتُ أنوي تغيير أفكاري لأجذبهم.

الأفلام ليست أسهل أنواع الفنون لصناعتها، فهي تتضمن الكثير من الأشخاص، وتتطلب مبالغ كبيرة من المال.

هناك بقع جغرافية معينة كالسويد حيث تدعمك الدولة جزئيًا. لكن في الولايات المتحدة كل شيء ملعون بالغلاء. لا تشبه الأفلام الرسم أو الكتابة. ففي الأفلام عليّ أن أحصل على ملايين الدولارات لأصنع حتى فلمًا رخيصًا. لذا يرتبط بذلك الشعور بأنك غير قادرٍ على المضي والتقدم دون جمهور ضخم. لذلك هي ضرب من ضروب المعاناة، لكني كنتُ محظوظًا، لطالما كنتُ حرًا. أنا مُبارك. أملك حياة كالأحلام في صناعة الأفلام منذ فلمي الأول. ألا وهي أن تكون حرٌ حرية كاملة تامة أكيدة طوال الطريق. لا تسأليني لِم. إذا قررتُ غدًا أن أخرج فلمًا بالأسود والأبيض كمذهب القرن السادس عشر فبإمكاني. 

طبعًا إذا ذهبت إليهم وقلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا عن الكائنات وحيدة الخلية” سيقولون: “حسنًا، سنعطيك هذا القدر من المال لتعمل به”. بينما لو قلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا كوميديًا ضخمًا” فإنهم سيعطونني مبالغ أكبر.

ما التغيرات التي تراها في أعمالك بمرور السنين؟

أطمح بالتطور والازدهار طبعًا. إذا اطلعت على أفلامي الأولى ستجد أنها كانت عامة وأحيانًا مضحكة. أصبحتُ إنسانًا أكثر مع القصص وضحيتُ بجانب مهول من الظرافة، الضحك، لأجل القيم الأخرى التي أشعر شخصيًا بأنه تستحق التضحية بها. لذا لن تتضمن الأفلام مثل (The Purple Rose of Cairo) أو (Manhattan) ذلك القدر من الضحكات. لكني أظن أنها ممتعة أكثر. على الأقل هي كذلك بالنسبة لي. أحب أن أستمر هكذا، وما زلتُ أحوال صنع بعض المحتوى الجاد.

هل كان فلم (Interiors) الذي قررت في حال ضحك أي شخص خلال العمل فإنك ستحذف ذلك الجزء؟ أكان ذلك صحيحًا؟

أوه لا، لا، غير صحيح. قصة جيدة لكنها غير صحيحة أبدًا. لا، ليست هناك أي قصص مرحة مرتبطة بأفلامي. أعني أننا نذهب إلى موقع التصوير ونعمل في جو من التجهم، بيئة عمل ونعمل على الأفلام، سواءً كانت كوميديا أم درامية.

انتقد البعض فلم (Interiors) قائلين بأنه يفتقد حس الفكاهة كليًا. شعرتُ بأن ذلك غير مرتبط أبدًا بالنقد. أيًا يكن الخطأ فيه إلا أنه لم يكن افتقداه للفكاهة. ليس هناك ذلك الحس الفكاهي في (Othello) أو في (Persona). لو كنت سأكتب عدة مسرحيات أو أفلام ذات حس جاد، سأفضل طبعًا أن أعمل على ذلك بدلًا من أنال لقب أفضل فلم كوميدي للسنة. لأن ذلك سيمنحني متعة شخصية، هي المتعة نفسها التي أفضل لأجلها عزف موسيقى جاز نيو أورلينز لا عزف (موزارت). أعشق (موزارت) لكني أفضل عزف موسيقى جاز نيو أورلينز. هذا ما أفضله ببساطة.

لكن حين تكتب سيناريو وتطل منه طرفة أو فكاهة فإنك تتمسك بها بمتعة، أوليس كذلك؟

نعم، إنها ممتعة دومًا. ما حدث عادة هو وجود عددٍ من المفاجآت في الأفلام، وعادة ما تكون هذه المفاجآت هي السلبيات. تظن أن ما بين يديك سيكون مضحكًا في نكتة أو مشهد، ثم تكتشف أنه ليس مضحكًا وتتفاجئ.

وتتمسك به وتبقيه.

أو تزيحه بعيدًا. بينما مرة كل حين تطلع لك مفاجأة لطيفة، وجزءٌ لم يخطر ببالك أبدًا أنه سيكون ممتعًا، جزءٌ يضحك عليه الجمهور أو يصيحون ضاحكين، وهذا شعورٌ رائع.

هل لك أن تذكر مثالًا على ذلك؟

حين أخرجتُ فلم (Bananas) أول مرة منذ سنوات، كنتُ ذاهبًا إلى منزل الديكتاتور: كنتُ مدعوًا إلى العشاء في تلك الدولة في أمريكا اللاتينية. أحضرتُ معي علبة كعك، كعك مزين من إحدى مخابز الحلويات. لم أفكر بالأمر كثيرًا، لكنها دومًا ما تضحك الحضور ضحكًا مزمجرًا. أما ما كانوا يضحكون عليه هو أن شخصيتي حمقاء لدرجة أني أحضرتُ بعض المخبوزات معي إلى عشاء دولة. كان الامر بالنسبة لي عرضيًا كما تكون الأشياء المضحكة الحقيقية تلك التي لا يُخطط لها أحد، أما بالنسبة للحضور فكانت الشيء الأكثر ظرفًا وإضحاكًا.


يظهر أن الفنان حين يُعرف يتوقع منه الآخرون: النقاد، محبيه، أن يظل يمارس الشيء نفسه، بدل أن يتطور بطريقته الخاصة.

لذلك عليك أبدًا ألا تأخذ ما يُكتب عنك على محمل الجد. لم أكتب في حياتي أي نص أو أعمل على أي مشروع لم أرغب حينها بالعمل عليه. عليك أن تنسى فكرة ما يسمونه “أفلام المسيرة”. عليك فقط أن تعمل ما تريد عمله لما يعنيه الإبداع لك في حياتك. إذا لم يرغب أي أحد برؤيته فلا بأس. وإلا فإنك في المجال لتسعد الآخرين وترضيهم. حين عملنا على (Stardust Memories) علمنا جميعًا أن دعاية كبيرة ستعمل. لكن ما كان ذلك ليوقفني ولو لثانية. لم أفكر أبدًا بأن من الأفضل عمل هذا أو ذلك لأن هذا سيضايق الناس.

من الأفضل أن تموت ولا تنخرط في مشروع تشعر بأنك ستتجاوزه بمرور الوقت. انظر لشخص مثل ستريندبرغ -شخصٌ آخر أحببته دومًا- وسترى ردة فعله على أمور معينة… وحشية فقط. حين أخرجتُ فلم (Annie Hall) كثرتُ الاقتراحات التي تدعوني لعمل جزء ثانٍ. لم يخطر ببالي ولو بعد مليون سنة أن أفعل ذلك. كنتُ أخطط للعمل على فلم (Interiors) بعد ذلك، وهو ما فعلته. لا أظن أنه بإمكانك أن تنجو سوى بهذه الطريقة. خطتي هي أن أحوال ألا أحتكم ولا أنقاد لعدد كبير من الناس، لكن أن أفعل أفضل عمل محتمل يمكنني تخيله، وأتمنى أن يكون العمل ببساطة حسنًا، وأن يأتي الناس لمشاهدته.

الفنان الذي أحببته حبًا جمًا لم يكن له جمهور كبير. ما يهم هو فعله وتطبيقه. وما سيحدث لاحقًا كل ما ما ين يديك هو أن تتمنى أنك محظوظ. حتى في أشكال الفن الشائعة والمحبوبة كالأفلام، في الولايات المتحدة لم يشاهد معظم الناس الأفلام (The Bicycle Thief) أو (The Grand Illusion) أو (Persona). يمضي معظم الناس حياته دون أن يشاهدهم. معظم الأجيال الأصغر تدعم الأفلام المعروضة الآن بوفرة ولا يكترثون بـبونويل أو بيرغمان. هم جاهلون بأفضل إنجازات هذا الفن. ومرة كل حين يظهر شيءٌ منها بمحض الصدفة الزمانية والمكانية. اشتهر تشارلي تشابلن في الوقت المناسب. لو أنه اشتهر اليوم لعانى من مشاكل عويصة.

ألا تعتقد أن الكتاب الجاديين الناضجين يستمرون ببساطة بتطوير وتوسيع المواضيع والأفكار الموجودة أصلًا؟

لكل شخص هواجسه التي تستحوذ عليه. في أفلام بيرغمان ترى الشيء نفسه مرة تلو المرة، لكنه عادة ما يُعرض بنفس الحداثة الرائعة كما لو أنها المرة الأولى.

ماذا عن عملك أنت؟

تتكرر الأشياء نفسها مرة تلو المرة. إنها الأشياء الموجودة في عقلي، ويبحث الواحد دومًا عن طرق جديدة للتعبير عن ذلك. يصعب أن تفكر بأن بإمكانك الخروج من المنزل وقول يا إلهي عليّ أن أجد شيئًا جديدًا لأعبر عنه. ما الأشياء التي يمكن أن تتكرر؟ بالنسبة لي طبعًا جاذبية الخيال و قسوة الواقع. كشخص مبدع لم أكن يومًا مهتمًا بالسياسة أو أيٍ مما يمكن حله أو تفسيره. ما جذبني دومًا كان المشاكل التي لا تُحل: محدودية الحياة واللامعنى و اليأس و انعدام القدرة على التواصل. صعوبة الوقوع في الحب والحفاظ عليه. هذه هي الأشياء التي تهمني أكثر من .. لا أعلم.. حق التصويت. في الحياة أتبع السياسة إلى حد معين، أجد ذلك ممتعًا كمواطن لكني لم أفكر أبدًا بالكتابة عنها.

كلمة عن هذه المقابلة: كانت المقابلة صعبة لأني لا أحب تبجيل عملي بمناقشة تأثيره أو أفكاري أو ما يشابه ذلك. ينطبق هذا النوع من الأحاديث أكثر على الأعمال ذات المنزلة الرفيعة. أقول ذلك دون أي تواضع زائف، أقوله وأنا أعرف أنني لم أنجز أي عملٍ مميز، أيًا يكن المجال. أشعر بذلك بوضوح يخلو من أي لبس. أشعر أني ما فعلته حتى اللحظة في حياتي هو مجرد حصى يجب أن ترفعه بعملين أو ثلاثة ممتازة التي أرجو أن أعملها. جلسنا وتحدثن عن فلنقل فوكنر و أبدايك وبيرغمان، أعني أنني لا أقدر على التحدث عن نفسي بالطريقة ذاتها كما هو واضح. أشعر أن ما فعلته حتى اللحظة هو … الخس الذي يجب أن يستلقي فيه البرجر. أشعر بأنني لو استطعت فيما ما بقي من حياتي أن أنجز عملين أو ثلاثة ممتازين – ربما فلم مدهش أو كتابة مسرحية ممتازة أو شيء ما – عندها سيكون كل شيء سبق تلك النقطة هو محض عمل تطوري ممتع. أشعر بأن أعمالي جالسةٌ هناك منتظرة جوهرة لتتوجها. لكن لا وجود لأي جوهرة في الوقت الحالي. لذا بدأت أشعر أن مقابلتي رنانة. أحتاج بعض الجواهر الثقيلة هناك. لكن أتمنى أني بلغت مرحلة من حياتي حيث بعد عشر سنوات أو خمسة عشر يمكنني أن أنجز عملين أو ثلاثة تمنح الاعتماد والقبول لكل ما عملته قبلًا … فلنتمنى.


[المصدر]

هوامش المترجمة:

[1]: ناقدة أدبية أمريكية حازت جائزة البوليتزر عن النقد.
[2]: روائية فرنسية.
[3]: مخرج مسرحي أمريكي.
[4]: كاتب وناقد أدبي أمريكي وهو صديق لـ(حنة أردنت).

 

حوار صحفي، مع الأديب خوسي مانويل كبايرو بونالد

 

في شهر نوفمبر من عام 2017، نشرت مجالة “ماذا سنقرأ” الاسبانية، لقاءً صحفيًا مع الروائي الشاعر الاسباني (خوسي مانويل كبايرو بونالد)، بعنوان “الرجل الذي عصى الحروف”.

يقول الصحفي في استهلال اللقاء:

أي حوار ولو كان قصيرا، مع حائز على جائزة (سرفانتيس)، كـ(خوسي مانويل كبايرو بونالد)، فهو امتياز ومتعة لا نظير لهما، حتى لو كان حوارا، بل حدث فبالأحرى أن يكون هناك حدثا متمثلا في إعادة طبع رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) عن دار النشر نافونا.

وهنا تنشر لكم ساقية، ترجمة حصرية لهذا اللقاء.

سيادتكم تعتبر من أهم الروائيين باللغة الإسبانية ،كيف يبدو لكم هذا التعريف؟

أحب كثيرا أن أنال الاهتمام كشاعر لأن الشعر هو قاعدة فاعلة في الأدب وأنا أحرص دائما على أن لا أنسى ذلك.

يعتبر الحصول على جائزة (سرفانتيس) كأسمى تتويج في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية، كيف عشتم هذا الحدث؟

أولا برضى، ثم بتوتر، وهذا شيء معتاد في هذا الحالات. هي تجربة مرغوب فيها وفي نفس الوقت مرهقة.

لماذا الآن يعاد نشر رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) التي نالت جائزة (نادي إشبيلية) سنة 1981؟

أفترض ذلك نزوة من نزوات الناشر (بيري سوريدا)، وأظن أنها أسَرَّته شخصية العجوز ليستون Leiston في الرواية ؛ عجوز له اهتمام بقوارب وروائح مدينة خيريز. أنا كذلك أراها شخصية جذابة وأود أن أُشبهها.

في تلك السنة (1981) تحدث الكاتب (تورينتي باييستر) عن الرواية قائلا بأنها تمتاز بقوة شخصياتها وشجاعتهم، ومكتوبة ببراعة سردية وجودة أدبية عالية، مارأيكم في ذلك؟

هذا بالطبع حكم سخي ومجاملة منه بالطبع.

في الرواية هناك الانجليز بالأندلس، الأعمال المالية البحرية، التفسخ المجتمعي، كل هذه الأحداث ماتزال تحافظ على راهنتيها رغم مرور ست وتلاثون سنة عن كتابتها.

لا أظن ذلك فالدينامية التاريخية قد غيرت الأنماط السلوكية للمجتمع، فالمظاهر الاجتماعية داخل المجتمع الأندلسي الذي أعكسه في روايتي كثير منها عفا عنها الزمن، ولكنها كانت آنذاك موجودة منذ أربعين سنة أو خمسين سنة مضت، كما حكيْتُ عنها مزيلا كل الكوابح التي تعيق الانعتاق من الجمود والكاثوليكية الوطنية.

ماهي الإضافة التي قدمها تقديم الناقد (خوان كروس) للإصدار الجديد ؟

(خوان كروس) هو صديق عزيز وعلى هذا النحو دائما يتعامل معي جيدا، وأنا ممتن له بدعمه لهذا الإصدار.

ماهي التغييرات التي ترغبون إدخالها على الرواية، لو أتيح لكم ذلك؟

تغييرات على الأسلوب وتعديلات وصفية أشياء من هذا القبيل.

هل للحياة معنى؟ هل هو تحليل شخصي؟ أم منطق يؤدي بنا إلى العبث؟

فعلا الحياة عبارة عن لعنة مستمرة للعبث، في مثل سني هذا يتعذر عليَّ كل مرة فهم ما يجري ولم يعد يهمني إلا الخروج من هذا اللغط، فأنا عجوز مُرتاب ولكن ما يرعبني هو أن أصير عجوزا سلبيا.

ماهي أهمية الذاكرة في عملك الإبداعي؟ وكذلك عامل الزمن؟

الذاكرة هي العامل الأهم في كل أدبي المكتوب، وبدون هذه الذاكرة لن يكون لي أي مبرر للكتابة وذلك ربما لأن هناك ضعف في مُخيِّلتي.

هل نسير إلى التفاهة والابتذال؟

يبدو لي ذلك، فالابتذال أصبح من الآفات التي نعاني منها بالإضافة الى ثقافة القطيع، الدوغمائية، تمييع العادات، الخضوع والخنوع. ومن حسن الحظ أنه يظهر في بعض الأحيان هنا وهناك من يتمرد على كل هذا.

أنتم تُعَرِّفون الشعر بأنه البذرة الأصلية للأدب، ألا ترون اليوم أن الشعراء يستعملون الموسيقى من أجل أن يجعلوا أشعارهم مُغَنّاةً؟ ما رأيك بصاحب جائزة نوبل للآداب (بوب ديلان).

إن الشعر المُغنّى يختلف عن الشعر التي يتطلب قراءة متأنية، في حين أن الشعر المُوجَّه للغناء يتسم بنبرة أقل حِدّة. (بوب ديلان) يغني في العادة أبياتا شعرية عبارة عن محكيات، ولا يمكن تصنيف هذا شعرا، أظنهم أخطئوا منحه الجائزة.

والآن ماهي أعمالكم القادمة؟

الشهر المقبل سوف يصدر لي كتاب بعنوان (عرض العباقرة)  Examen de Ingenios وهو عبارة عن ِمئات البورتريهات عن كُتاب وفنانين صادفتهم في حياتي، منذ جيل مدرسة 98 إلى جيل مدرسة 50.