أرشيف الوسم: لقاء

دموع ف. س. نابيول، في حوار صحفي

غادرنا مؤخرا، يوم السبت 11 غشت 2018، الروائي البريطاني من أصول هندية الحائز على جائزة نوبل للآداب 2001، عن عمر ناهز 85 سنة. (ف. س. نابيول).

وهذا نص حوار كانت قد أجرته الصحافية (بيرنا كونزاليز هاربور) سنة 2015 وترجمه عن الاسبانية عبد اللطيف شهيد، في ترجمة حصرية لدى ساقية.

العبقري الذي مازَجَ بين الأجناس الأدبية هو اليوم (2015) بالكاد يكتب بعض الشذرات. كثير من القراء حذرونا من الأشياء التي يُمكن أن تُغضب الروائي عند إجراء المقابلة معه، ونصحونا بتلطيف العبارات معه. لكن الكاتب الذي ولِد سنة 1932 بترينداد Trinidad هو أكثر من طفل رهيب للآداب العالمية؛ وصف لنا الاجتثاث بريشة قوية، جعلنا نفكر حول مفهوم الإيمان والعالم، زرك الشك حول شخصية غاندي ورسم بشدة إحباطات الحياة التي لم يختارها، والتي جعلت كل من (بول تروكس) و(باتريك فرنش) يفتِّتون سيرته الذاتية من غير أن يضنوا علينا بالثقوب السوداء التي واجهت الروائي؛ العنف ضد زوجته الأولى، لجوؤه للدعارة، عشيقته، غضبه.

هل تزعجك الصورة التي للناس عنك؟

لا أبدا.

كان هذا أخر رد على آخر سؤال.

ذريعة هذا الحوار مناسِبة، فقد صدر بإسبانيا كتاب (منطقة الظلام) لـ(ف.س.نابيول).

الذي يتحدث فيه عن سفره الأول إلى الهند التي خرج منها أجداده عقودا من قبل باتجاه ترينيداد، في طفولته عاش غريبا ينتمي إلى أقلية هندية وسط المستعمرة البريطانية، كيافع عاش كذلك غريبا كتلميذ هندي وسط زملاء المدرسة البريطانية، وكبالِغ وجد نفسَه في بلد لا يعرفه. هذا الاجتثاث هو صلب أدبياته.

هذا الكتاب الأخير ساعده في التحوّل من الروايات الأولى ذات الطابع الخيالي لوصف ما يراه في هذا العالم والذي لم يكن يريد أن يراه.

سيادتكم في كتابكم الأخير تصفون الهند منقسمة، عديمة التأثير، منغلقة، آلَمتَكَم كثيراً. هل الهند ما تزال تُؤلِمكم؟

نعم، كثير من الناس يسألونني؛ لماذا لا أكتب عن الفظائع التي تحدث الآن في شوارع الهند، هل لأن كل ذلك اختفى؟ أجيب بلا، ولكن لا يمكننا أن أكتب دائما نفس الأشياء. أحاول مسايرة زمن تغيير انطباعاتي. دون أن أنسى ما كتبتُه سابقا. هل تدركين فحوى ما أقول؟

كتبتَموه سنة 1964. هل أعدتم قراءته؟ هل تعيدون ما كتبتم قديما؟

بكل بساطة، لا، هل عليَّ ان أفعل ذلك؟

بعض الكتاب يفعل ذلك. (فيليب روت) ترك الكتابة وخصص وقته لإعادة قراءة كتبه الثلاثون أو أكثر. فهل فكرتم في مراجعة ما كتبتم مُستقبلا؟

لا، فما زال حاضر التجربة في ذهني، فلا داعي لإعادة القراءة.

في تصديركم للكتاب قلتم بأنه ساعدكم على النظر أبعد إلى ما هو خيالي، كنتم كتبتم ثلاث أو أربع روايات خيالية ومع هذا الكتاب قفزتم مما هو خيالي إلى ما هو غير خيالي.

ماذا قلتُ بالضبط؟ أين توجد هذه العبارات التي ذَكَرتِ؟

يوجد في تصدير الكتاب، وكذلك في كتاب (لحظات أدبية) التي تحدثتم فيه عن ظروف تحرير الكتاب المشار إليه.

لا أتذكر ذلك.

كتبتم “خرجتُ مُنهكا من كتابة رواية (منزل للسيد بِزْواس)، كنت أبحث عن كتابة رواية أخرى” وأحد الناشرين اقترح عليكم السفر إلى الهند والكتابة عن التجربة. وكتبتم “ساعدني في النظر إلى أبعد من الكتابة الخيالية. والانفتاح على الأبحاث الأدبية“.

أعتقد أن ما كتبته كان واضحا، لقد فرغت من كتابة رواية خيالية طويلة، أنهكني المجهود الذي بّذَلتُ فيها، كنت أود تجريب شيء جديد، فقط شيء غير خيالي. هل هذا مفهوم؟

واضح، نود منكم مزيدا من التفصيل.

لا يمكنني أن أُوضِّح أكثر، هذا يكفي.

لقد كتبتم في جنسي الخيال واللاخيال، أين يكمن ارتياحكم من عدمه في كل من الجنسيْن؟

سؤال وجيه، حول طريقتي في الكتابة، والذي لا يُمكنني أن أُجيب عنه الآن بجملة بسيطة، هناك أشياء يَصعُب شرحها حول الكتابة وليس من السهل كذلك التحدث عنها، حاولي تغيير السؤال.

لماذا تفضلون أحيانا الكتابة في جنس الخيال وأحيانا أخرى في جنس اللاخيال؟

من الأسباب أنه أحيانا تشعر بالتعب في الكتابة في أحد الأجناس الأدبية وتشعر برغبة في الكتابة في جنس آخر، سبب آخرأن بعض الكتابات هي من تحتم عليك الكتابة في جنس مُعين دون آخر. عندما نواجه مثل هذه التجربة، نقول  “عليّ ان أكتب بهذا الأسلوب” مثلا أم أبتعد عن الخيال.

أنتم تتعمقون كثيرا عندما تكتبون عن شخصيات رواياتكم سواء من الداخل أومن الخارج. وهذا نجده في رواية (لازاريو)، رواية إسبانيّة مجهولة المؤلف، مكتوبة على شكل رسالة يكون فيها الراوي شخصيّة من شخصيّات العمل. أين تجدون الصّعوبة؟

عندما أكتب لا أجعل تقسيما، العمل ينتهي بشكل سلس. هل هذا مفهوم؟

هذا الكتاب هو منطقة مُظلِمة، كان أول سفر لكم للهند. ماذا يعني لكم كل هذا؟

أعتقد انه بالنسبة لي يعني الكثير، لأنه أول مرّة أكتب عن تجربة قاسيّة، ولا أستطيع أن أقول لك أكثر من هذا. أظن أن هذا يكفي. إِلّا إذا…أرى أنك تودّين طرح أسئلة عن الموضوع.

ناديرا، (زوجة الكاتب): حسنا كان كتابا مُهمّاً، ذَهبْتَ إلى الهند لأوّل مرّة، رأيت البلد عن قُرب، وكتبت عن تجربتك التي لم تَرُقْ لكثير من الهنود، لأنها كانت نظرة من الخارج، لأنك من أصول هندية وفي نفس الوقت لست هندي، الكتاب أثار موجة من السخط في الهند، لا زِلْتُ أَتَذَكّرُ أقوالهم: كيف يجرُؤُ أن يحضرَهنا ويكتب عن مجتمعنا، كيف يجرؤ ويتحدث عن الناس التي تتبول وتتغوط بين قضبان السكك الحديدية، كان كتابا مثيرا بالنسبة للكتاب الشباب الهنود، كأميتاف غوش  Amitav Ghosh وغيرهم، لقد علّمتَهم بأن ينظروا إلى الهند بطريقة أخرى…

كل هذا ثانوي بالنسبة لفعل الكتابة، عندما نكون نكتب لا نفكر في الهرج الذي ستحدِثه كتابتنا، أنا يبدو لي فيما أكتب أنه شيء بديهي والناس ستراه وصف لما يقع، لكن كما ترين، أحينا يحدث هذا الذي وقع، مرة تعتقد أنك لم تفعل أي شيء وتكتشف أنك فعلت شيئا مثيرا…

قلتم، مثلا. أن غاندي فشل. بعد مرور ثلاثين سنة على موته، هل ما زِلتم تعتقِدون أنه فَشَلَ؟

بطبيعة الحال.

لماذا؟

لأن أفكاره ورسالته كانت جد عميقة، احتوت كل الجوانب التي كان ينبغي عليها أن تقلب وجه الهند، لكن هذا لم يحدث، لقد فشل.

أيضا إنجلترا الاستعمارية خَيَّبت آمالكم، هل تشعرون بأن إنجلترا تعلَّمت كيف تُقَدِّر مستعمراتها القديمة؟

لم أقل شيئا متطرّفا عن إنجلترا، لا أجرُؤ أبدا على إبداء تصريحات كبيرة على بلدان جد مهمة. إذا كانت بعض الخيبات فلا يمكن أن نخرج بتأكيدات كهذه علينا أن نقبل بكل الأشياء التي تتضمنها هذه البلدان.

صحيح انكم لا تتكلمون عن إنجلترا، لكن في المقابل تتحدثون عن ” أنجلتَرة “. كيف اصطدمت بالهند. قلتم بأن اللقاء بين القوتين لم يكن إيجابيا؟ هل تعتقدون أن موقف إنجلترا اتجاه مستعمراتها السابقة قد تطوّر، تغيّر؟

أود أن أفكر وقتا أكثر للجواب على هذا السؤال.

– قلتم لفظاً “الإمبراطورية البريطانية اختفت من الهند في نفس الوقت التي كانت تغزوها فيه. كانت علاقة استهانة، تجاهل“. هذا ما كتبتموه. فالسؤال هو كالتالي: هل تعلّمت إنجلترا تقدير أهالي مُستعمراتها؟

لا أظن ذلك، ولا أرى أي مبرات لكي تفعل ذلك (يضحك وزوجته). عندما كنتُ أكتب قلت في نفسي انه عليّ ألا أستعمل بعض المصطلحات. كان من بينها “الاستعمار“. أخرى “الإمبريالية“. عندما أقرأ لا أحبذ أن أواجه مثل هذه المفردات. لا أحب أن تُسْتعمل بدل طرح أفكار مناسبة. إذا تصَفَّحت كل كتاباتي لن تعثري على مثل هذه المُفردات.

في الكتاب هناك وصف ذاتي لكم: “في ترينيداد كُنتُ مُختلِفا، في لندن كنت كذلك مُخْتلِفا. إذ ذاك ذهبتُ إلى الهند وهناك كُنتُ مَجهولا لأني كُنتُ هِنديّا“. لدي إحساس أن شعوركم بالإجتثات والتجاهل هو ما دفعكم لكتابة هذا الكتاب. هل هو نفس الشعور الذي نجده طوال مسيرتكم الأدبية؟

نعم، بدون أدنى شك، لم أفكر بذلك أبدا عن وعي. ولحد الساعة لا أفعل ذلك، ولكن في اللاوعي هناك شخص ثاني يُملي علينا أشياء مُختلفة.

كيف تصفون أسلوبكم في الكتابة؟ عميق، جاف، صادق؟ هذه بعض العبارات التي أقترح. أود تعريفات منكم.

هذا مستحيل، عندما نبدأ بنقد ما كتبناه فنحن في اتجاه يوصلنا إلى الجنون.

بدا على زوجته انزعاج، وشجعته للإفصاح أكثر قائلة: صحيح، سيِؤدي إلى الجنون، ولكن أنت دائما كنتَ تقول أنك تحاول الاقتراب من الحقيقة، وكنت تكتب بأسلوب يقربك من الحقيقة وكنت ترى أننا يجب أن نبذل كل جهدنا من أجل ذلك. كان يُراجع ما يكتب مرارا لأنه لم يكن متيقنا مما يكتب.

الكاتب اكتفى بالرد قائلاً: “زوجتي تشرح أفضل منّي“.

نديرا: كان دائما غير واثق من نفسه. مع كل هذا الإشعاع كان دائما يشك، يحب الكمال في أعماله. عندما كتب (بذور سحرية) وكذلك (نصف حياة) كان يكتب جملة ويستغرق وقتا طويلا فيها، عندما يكتب لا يتكلّم ولا يسمع، كنت أنا من يتولّى قراءة الجملة بصوت مُرتفع، كان يردّ: “هذا ليس جيّدا“، أقول له: “بلى، إنها مُتْقَنة” وكان يُصِرُّ: “لا ليست كذلك، ليست لها إيقاعي“. لأنه يملك إيقاعه الشخصي في الكتابة، موسيقى خاصة به في ذهنه. كان فجأة ما يقوم في جوف الليل من الفراش ويتجه نحو الحاسوب ويُعَدِّل كلمَةً، كنتُ اسْمَعه يقول: “الآن…الآن، هذا أفضل“. كان يراجع المفردات باستمرار كان مُهوسا بالوضوح؛ كان يقول إن الكاتب المُتَمَيّز هو من يُعبر عن الأفكار المعقدة بأسلوب بسيط. إذا كنت غامضا في كتابتك فإنك في الطريق لفقد لُغتك، لهذا لم يكن يحب عبارات مثل “الاستعمار” “الإمبريالية” الكاتب يجب أن يغوص في العُمق ليكون أكثرَ وضوحا.

يعلق الكاتب:

لهذا اخترتُ هذه المفردات للتعبير عن الأسلوب: حقيقة، شفافية، صدق…

ناديرا: وَوُضوح.

يوافق الكاتب:

ووُضوح. صِدْق.

نديرا: أقرب ما يكون من الحقيقة، لأن الحقيقة المطلقة لا توجد، لأنها دائما تتغير ومع ذلك يجب بذل اقصى الجهود للاقتراب منها. وكل الكتب التي تحدثت عن الهند التي ذُكِرت سابقا كان فيها زوجي يرجع إلى الهند، يرجع إلى موضوع الهند، يفحصه من كل الجوانب.  India, a Wounded civilization 1977 هو مُغاير لكتاب India, a Million Mutinies Now 1990. ينبغي ان نقول، وأرجو أن تكتبي ذلك، انه عندما أصدر هذه الكتب، حدث اضطراب كبير في الهند. India, a Wounded civilization قد استعملاه الحزبين الكبيرين في الهند وليس فقط في الشق السياسي. فهو مُراجعة لتاريخ الهند. والان الهنود ينتظرون منه كتاب آخر عن الهند، لكنه اعتذر عن ذلك. كتاب India, a Million Mutinies Now لازال معاصرا وليس له الجديد عن الموضوع، لا يريد كتابا جديدا فقط من أجل الكتابة. واظن أن الهنود قد نضجوا بشكل كبير وأصبحوا أقوياء ليقولوا له: “شكرا جزيلا لك، فقد مددتنا بالأدوات اللازمة لنحكم بأنفسنا على مجتمعنا. الآن باستطاعتنا أن نرى ذواتنا في المرآة، فلدينا الأدوات لذلك” لكن هناك بلدان أخرى كتب عنها، لكن يفتقدون الأدوات لكي يطوروا أفكارهم ويحاكموا أنفسهم كما فعلت الهند.

هل ما زِلتم تكتبون؟

لا أدري ما أقول.

نديرا: يكتُب بعض ” الشذرات” ولكن ليس واثقا من إتمامها.

هل تواكبون الحركة الأدبية في العالم؟ ولكن قبل ذلك هل كل كتاب من كتبك كان خطوة إلى الأمام؟ هل تعتقدون أن الأدب العالمي تطور؟ هل تجدون أدبا جديرا بالاهتمام؟

أعتقد أن الناس لا يُفكرون في الأدب بهذه الطريقة.

ولكن هل يوجد أدب يثير الاهتمام. كُتّابا جادّين في الوقت الراهن؟

المسألة معَقّدة. لا يمكن اعتبار ثقافة ما بأن أدبها ديناميكي، فهذا لا يوجد، لا يمكن استخراج خلاصات كبيرة على ذلك. يجب أن نرى الأشياء البسيطة فيما يكتبه الناس.

في وقت ما، صرَّحتم بأنكم لا ترَوْنَ أدباً او فنّاً في الهند. لأنه مثلا لا توجد تقاليد لذلك.

لكن قُلتَ كذلك: “سنصل إلى هذا، فمحرّك الثقافة موجود” فهل هذا ما حدث؟ هل وجدتم كتابا هنديون أو في باقي الدول النامية في المستوى المطلوب؟

هذا موضوع شاسع لكيلا أجيب عليه بسرعة الآن، وربما أدّى ذلك لأجوبة سخيفة ومثيرة، ولا أريد أن يحدث هذا. في الحقيقة لم أعثر بعد على شيء من هذا القبيل. في الحقيقة كان ينتظرون استهاما كبيرا عندما يقرأ المرءُ أعمالا لكتاب من الهند. كُنت قد قرأتُ سنة 1951 كتاب” الهندي المجهول” لـ(شودوري). وقد أبهرني حينذاك، لكن مع مرور الوقت تلاشى هذا الانبهار. ربما لأننا ننتظر الكثير من المحاسن في بلدان بعينها. نعتقد أنهم يملكون الحقيقة أو يقتربون منها أكثر مِنّا. في الحين أن الأمر غير ذلك. حاليا كتاب (شودوري) أجده غير مُحتَمَل.

أنتم لا تعيدون قراءة ما كتبتموه. ولكن زوجتك تقرؤه لكم بصوت مسموع.

نديرا: عندما أقرَأ له وأتعمد أن أمُر على فقرة دون قراءتها، كان يوقِفُني، فأستغرب سائلة: كيف عرفت ذلك؟ فيجيبني: “أعرف موسيقى ما أكتب”. أعترفُ لكم أني لا أقرأ خارج ما يكتبه زوجي، لكي أحافظ على نفس النبض والإيقاع فيما يكتبه. نتلقّى العدد الكثير من الكتب من الهند، فأقرأ بصوت مسموع بعض المقاطع، فيكتفي بالقول:”هذا الشاب يكتب بأسلوب جميل، لكن…” أو يقول:”هذا يكتب جيِّدا وسنرى هل سيداوم على ذلك“، جميل أن نرى كل هؤلاء الكتاب الشباب مثل (أميتاف غوش) الذي يعتبرون (ف.س.نابيول) كاتبا مُهِما تعلّموا منه كيف يكتبون، ويدينون له بذلك. يُصدَر العديد من الكتب في الهند. يَطلب مني قراءة بعض السطور ثم يعرف إن كان صاحب هذه السطور كاتبا جيِّدا أم غير ذلك. لكنه لا يقرأ حتى لا يقع له تشويش في نسق أفكاره الذهني.

لكن هذه طريقة أخرى لإعادة ما كتبتم.

هذا صحيح.

هل تستمتعون بذلك؟

نديرا: يستمتع كثيرا عنما اقرأ له ما كتَب، أنتِ لا تعلمين مدى الاحتراز والدقة التي يكتب بها ومدى المشقة الشديدة في عملية الكتابة. وهذا شيء غريب. ولا اعلم أحدا مثله يستحق جائزة نوبل. فعملية الكتابة عنده مُبرحة يذوب فيها. عندما يكتب تشعر بأن رأسه صار ساخنا ولا يمكن حتى لمسه لشدة الحرارة كأنه رصاصة. لا يهدأ ولا يفعل شيئا آخر غير التفكير والكتابة. هذا عمل خصص له كل حياته ويفعله بطريقة جيِّدة. لكن هذا يأخذ كل وقته. وعليكِ أن تعلمي ويعلم كذلك القراء بشيء؛ كان يقول:” على الإنسان أن تكون لديه ثلاث حيوات، واحدة للعيش، الثانية للقراءة والتجارب والأخيرة للكتابة” كان دائما يقول:” حياتي قصيرة لم يُتَح لي وقت كثير للعيش، لم أفعل شيئا آخر غير الكتابة”. على الإنسان أن يتوفر على ثلاث حيوات.

وحياتكم كلها كانت للكتابة؟

نعم.

هل ندمتَم على ذلك؟

لا أبداً، لم اندم على ذلك، فقد استغرقت الكتابة كل وقتي ولم يبقى لي وقتا للندم.

نديرا: لكن تملكُ مفهوم “الدارْما”، تحَدَّثْ لها عن الدرما التي تُمِدُّك بالقوة.

يعقب الكاتب:

 إنها مفهوم هندي، على كل إنسان أن يتوفر على “دارْما” له، فكرته عن كيف ستكون حياته. أنا شخصيا وجدت صدى لها عند (بروست)، تأمُّلٌ في الزمن والأشياء.

 اغرورقت عينا الكاتب بالدموع، اقتربت منه الزوجة مُهدئة:

لقد أهدى حياته للكتابة، الدارْما دَفَعته إلى ذلك، هذه هي الدارْما تكاد تكون ديناً.

كتبتم عن أبيكم”أبي لم يصل أبدا إلى نقطة كان عليه فيها أن يُراجِعَ ماضيه، في النهاية وجد القليل ليكتب عنه” متى شعرتم بوصول الأب إلى هذه النقطة؟ أبوك لم يصل إلى هذا، لكنكم أنتم وصلتم إلى ذلك. متى كان ذلك؟

كم هي صعبة هذه الأسئلة.

متى بدأتم تثقون في أعمالكم؟ فقد قرأت أنه في بداية كتابتكم، لم تكونوا على ثقة فيما تكتبون.

ناديرا: في الحقيقة إلى الآن ليست لديه كامل الثقة فيما يكتب، يقول عندما يكون الكاتب واثقا فيما يكتب؛ فهذه من علامات السخافة، شعورك بعدم الثقة يحتم عليك فحص ما تكتب بدقة. دائما حين الكتابة يشعر بعدم الثقة، لكن في النهاية يكون واثقا من جودة ما كتبه.

هل الاعتراف كان في مستوى ما قدمتموه؟

نعم، أقول لك أن ما كتبتُه هو طريقة لتوثيق ما فعلته، يعطيك مصداقية لعملك.

كاتب (لازاريو) لم يحصل على هذا الاعتراف.

صحيح، لكن الاعتراف كان خالداً، كثير من الأغنياء الذين يملكون الأموال الطائلة، ماتوا. لكن الكاتب يبقى حيا ما دمنا نقرأ له.

عن طريقة مردوخ في الكتابة

مردوخ

أيريس مردوخ (1919-1999)، هي روائية وفيلسوفة وأستاذة جامعية بريطانية. عُرفت برواياتها السيكولوجية التي تحتوي على عناصر فلسفية مشوبة بنكهة هزلية، وتركّز (آيريس) في أعمالها على جوانب الخير والشر، والعلاقات الجنسية، ونظم الأخلاقيات، وقوة التجربة اللاواعية في حياتنا البشرية. وقد اختيرت روايتها الأولى المعنونة (في المصيدة) في عام 1998 كواحدة من أفضل مئة رواية إنجليزية في القرن العشرين. كما صنّفتها مجلة التايمز في المرتبة الـ(12) من قائمة تضم (50) من أعظم الكاتبات البريطانيات منذ عام 1945. ولا زالت تحظى باهتمام كبيرٍ بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها عام 1999 متأثرة بتداعيات مرض الزهايمر الذي ظهرت أعراضه عليها منذ عام 1994.

نقتبس هنا شيئًا من أجوبتها في اللقاء الصحفي المطوّل الذي أجرته مع مجلة (پاريس ريڤيو) في عام 1990. من ترجمة الأستاذة (لطفية الدليمي)، والذي جعلته في كتابها (فيزياء الرواية).

أخبرينا قليلًا  عن طريقتك في السرد وكيف تفكرين أثناء كتابة رواية.

أعتقد أن من المهم للغاية وضع خطة تفصيلية قبل أن تشرع في كتابة الجملة الأولى. أنا أخطط لكل شيء بالتفصيل قبل أن أشرع في الكتابة، لديّ مخطط عام وكومة ملاحظات، حتى أن ترتيب الفصول أخطط له منذ البدء، وكذلك الحوارات. هذه هي المرحلة أولية وفي غاية الأهمية، ومخيفة بذات الوقت في كتابة أية رواية، لأنك تكون بعدها ملتزمًا تمامًا بمخطط عملك الذي وضعته، أعني بالضبط أن الرواية عمل طويل مجهد وإذا ما كانت نقطة الشروع غير موفقة فستنتهي إلى نهاية غير سعيدة حتمًا. المرحلة الثانية في كتابة الرواية هي أنك ينبغي أن تجلس بهدوء وتدع الأشياء تكتشف نفسها: منطقة في الخيال تقود لأخرى، تفكر مثلًا في حدث ما ثم يقتحم شيء غير متوقع أجواءك، وبعدها ترى أن المسائل الجوهرية التي يحوم حولها العمل تكشف عن نفسها وتترابط مع بعضها. حتى ليمكن القول أن الأفكار تتطاير معًا وتولد أفكارًا جديدة، والشخصيات تولد شخصيات.

ما الذي يلحّ عليكِ أولًا: الشخصيات أم عقدة الرواية؟

أعتقد أن الاثنين يبدءان في الاشتغال معًا: فثمة دومًا اثنان أو ثلاث شخصيات في علاقة من نوع ما، وأن مشكلة من نوع ما تنتابهم، ثم هناك قصة، ومحن، وصراعات، وحراك من الوهم إلى الحقيقة. لا أظن أن لديّ ميول لإسقاط سيرتي الذاتية على ما أكتب.

كيف تختارين أسماء شخصياتك الروائية؟

ينبغي لهم أن يختاروا أسماءهم بأنفسهم، وليس بوسع المرء سوى الانتظار. إذا ما حصل خطأ ما في الاختيار فمن الممكن أن يكون أمرًا خطيرًا. ينبغي للشخصية أن تعلن عن اسمها الشخصي. أعمل في العادة قوائم بالأسماء، ويمكن لي أن أخترع الأسماء أيضًا. حدث مرة أن اخترعت اسمًا لشخصية أسميتها Gavender وظننت أن لا يمكن لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، وبعدها تلقيت رسالة من أحد الأشخاص في الولايات المتحدة يكتب فيها لي: “كيف عرفت ما حدث لعائلتنا؟”. إن اختراع الأسماء لشخصيات روائية عمل مسل للغاية.

ما هي المشكلة التقنية الأكثر صعوبة في العادة التي تعترضك عند كتابة رواية؟

هي ذات المشكلة التي أشرت إليها سابقًا: كيف تبدأ الرواية، ومتى تقوم بهيكلتها، وتحديد السرعة التي تتحرك بها الشخصيات. إنها عملية تماثل الانتقال من حرية كاملة إلى قفص ضيق، إذ عليك أن تقرر بأية سرعة تتحرك، ومتى تقرر ما ستؤول إليه الثيمات الرئيسية في الرواية.

إذا لم تكن شخصياتك الروائية تعود لشخصيات واقعية في معظم الأحيان على عكس الحالة السائدة عند أغلب الروائيين مثل (همنغواي) و(لورنس)، فكيف تخلقينهم إذًا؟

أجلس وأنتظرهم فحسب. أمقت كثيرًا فكرة ضخ شخصيات حقيقة في جسم الرواية، ليس بسبب أن ذلك سيكون موضع تساؤل أخلاقي لكن لكونه سيكون مملًا أيضًا كما أرى. أريد اختراع شخصية لم توجد من قبل، ثم تبدأ سمات الشخصية بالنمو مع تقدم العمل. الصورة الأولى للشخصية تكون في العادة ضبابية: تعلم مثلًا  أن (فلانًا) في الرواية مواطن صالح، أو ذو ميول دينية، وقد يكون بيوريتانيا Puritanical، وينبغي لي منذ البدء أن أملك فكرة ما عن المشكلات التي ستواجهه وعلاقاته مع الشخصيات الأخرى، لكن التفاصيل الخاصة التي تعتمد عليها الرواية، مظهره، سماته الخاصة، خصوصياته، مزاجه، كلها تفاصيل تأتي لاحقًا.

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.١)

بول أوستر
 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
“هذا العالم بكل تأكيد كبيرٌ ومدهشٌ بشكل كافٍ ليُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”، كما يقول (بول أوستر).

منح (بول أوستر) الكثير من المقابلات أكثر مما فعل معظم الكتّاب المعاصرين أمثاله. (أوستر) الذي ظهر لجمهوره بشخصية الفنان الفيلسوف المكتئب الذي كرّس نفسه لفنّه عن طيب خاطر وبعيداً عن هذا العالم.

هذه مقابلة له مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥ كما جمعها (جيمس هاتشسون) مع العديد من المقابلات لبول أوستر وقام بنشرها عام ٢٠١٣ في كتاب بعنوان: Conversations with Paul Auster. ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


(بول أوستر) هو شاعر قبل كل شيء، كاتب ومترجم لكن بعد ظهور رواية (مدينة من زجاج) [١٩٨٥] صار يعرف عموما بأنه الروائي الأكثر وضوحاً وأناقة. تناولت رواياته لوحاتٍ وأغانٍ، آلات فاكس وامرأة بدينة تومئ بطريقة أوبرالية! كما أن معظم أبطال رواياته بما فيها (موسيقى الحظ) و (كتَاب الأوهام) و (ليلة التنبؤ) هم على الأغلب كتّابٌ وفنانون. كان من السهل جداً على معجبي وقراء (أوستر) الشباب التمييز بين الصواب والخطأ بأنفسهم وبرفقة الكاتب نفسه حين يضعهم في مواجهة مباشرة مع الصفحات .

وفي العشرينات من عمري، كنت أشق طريقي ككاتب، حيث كنت من أشد المعجبين بـ(بول أوستر)، بعد سنوات وعندما كنت محظوظاً كفاية، ها أنذا تواتيني الفرصة للتعرف على (بول أوستر)، ولم يخب ظني أبداً.

ـ جوناثان ليثيم


موسيقى الجسد:

ماذا كنت تفعل سابقاً في هذا اليوم قبل أن تجدني أقف على باب منزلك؟

أستيقظت صباحاً، قرأت الصحف، وشربت إبريقاً من الشاي، ثم توجهت إلى شقتي المجاورة للعمل قرابة الست ساعات، كالعادة. وبعد ذلك توجب علي القيام ببعض الأعمال، وكما تعرف فوالدتي توفيت منذ سنتين، لزمني التوقيع على بعض أوراق وسندات التأمين، ثم توجهت الى كاتب العدل كي أقوم بختم الأوراق ثم قمت بإرسالها إلى المحامي. عدت إلى المنزل، قمت بقراءة رسالة وردتني من ابنتي ثم صعدت إلى الطابق العلوي لأقوم بسداد بعض الفواتير. يوم عادي كما أظن، العمل على كتابي وإنجاز بعض المهام الروتينية المملة.

بالنسبة لي، فخمسٌ إلى ست ساعات من الكتابة هي زمن وفير، فحين لا أكتب فإن هذا الوقت نعمة كافية ومرضية لأن أقوم بعمل أشياء ومهام أخرى.

أوه! هذا مريع.

نعم مريع جداً.

لقد تيقنت بأن كتابة الروايات هي نوعاً مّا كتجربة، تستغرق منك جهداً فيزيائياً وعقلياً، فأجدني أمام مواجهة أمر الكتابة يوميا لكي أحافظ على نفس الوتيرة، لأجل أن أحافظ على تركيزي الشديد فيما أكتب، وكذلك في أيام الإجازات إن كان ذلك ممكناً مالم أرتبط بمواعيد عائلية، فعلى الأقل أعمل في الصباح. عندما أسافر، فإنني أنفصل وينقطع حبل أفكاري تماما، فلو نفرض بأنني سافرت لأسبوعين فإن الأمر يستغرق مني أسبوعاً لمعاودة الاتزان على نفس الوتيرة التي كنت عليها.

لقد شد انتباهي وصف الجهد المبذول في الكتابة بأنه فيزيائي وعقلي. لدي نفس متلازمة الاستمرارية، بالرغم من أنني لا ألزم نفسي بعدد معين من الكلمات أو الصفحات أو حتى الساعات، فإن متلازمتي هذه تكمن في كوني يجب أن أكتب كل يوم، فعندما تصل الرواية الى مراحل ازدهارها، قد تلفت نظرك تلك القوة البدنية في المحافظة على التوجه في نفس الخط.

هناك شيء ما في إيقاعات اللغة التي تتوافق مع إيقاعات أجسامنا، فأرى أن  معظم الجهد المبذول في كتابة النصوص النثرية هو بناء جمل تُوائمُ إيقاع موسيقانا الداخلية. تلك الموسيقى هي قوىً فيزيائية، مُضنٍ جداً أن تكتب وتكتب وتكتب حتى تظهرها على نحو يتفق مع هواك. هكذا هي الكتابة بالنسبة لي؛ لطالما شعرت بأنها تخرج من جسدي كله وليس عقلي فقط، ففي كتابتي المعتادة، أستطيع سماع صوت الكلمات بينما يخدش قلمي سطح الورق.

في الحقيقة، أنت لا تكتب بطريقة فيزيائية فقط، بل تقرأ بذات الطريقة أيضاً، بحيث أن القارئ النبيه هو الذي ينقب عن المعاني الخفية في الكتاب، فيتلقاها عبر جسده وروحه، وهذا مايفتقر معظم الناس إليه لفهم الخيال الروائي، فهم أيضاً لا يستشعرون النثر عموماً على هذا النحو، فقد اعتادوا على قراءة الصحافة اليومية، والجمل المركبة بطريقة فنية لنقل المعلومات والحقائق الواقعية. من جهة أخرى توقن بأنه كان لزاماً على الشعر أن يكون موسيقياً.

أعتقد أن ذلك يتعلق بالانزعاج الشديد من الدعاية، الكثير من التركيز على وجوب فهم محتوى العمل، مما ينتج عنه  لا محالة عدم التناغم الموسيقي الذي أشرت إليه من جهة القارئ، كما لو أنه يشبه الارتحال بعيداً بالجسد، ثم رسم مخطط له ومحتوى معين ثم توجيهه.

أنا لا أعرف لمَ تغيرَ العالم إلى هذه الدرجة، انه يحاول نشر فكرة ظهور الكُتّاب للعامة في جولات الكتب من أجل التحدث عن أعمالهم، أمرٌ أجده بالغ الصعوبة. إلى حد مّا، قد يكون دافع الكُتّاب للقيام بهذه الجولات هو الشعور بالمسؤولية تجاه دور النشر والقراء.

حاولت أن أحدد موقفاً، فكنت من الفينة والأخرى أحاول الظهور والبدء بذلك وبدافع من الصدق والأمانة، بعدها أتمنى لو أظل بمفردي في أقرب فرصة مواتية. كمثال، عندما نشرت روايتي الأخيرة تلك (ليلة التنبؤ) رفضت ببساطة الخروج في جولات كتاب، إنني فقط لا أملك القدرة التحملية الكافية لفعل ذلك.

(كازو ايشجورو) يمتلك حساً دعابياً عندما يحين الحديث عن ذلك، يظن كما لو أنه خطأ توافقي عملاق أقدم عليه جميع الكتّاب واتفقوا عموماً عليه، بعد ذلك اقترَح أننا قد نحتاج لإيقاف ذلك يداً واحدة، إنه أمر يشبه إصداراً من لعبة (معضلة السجينين) إن قام أحد منّا بذلك فيتوجب على جميع الكتّاب أن يحذوا حذوه، والأمر ذاته لو رفض أحدهم فعل ذلك.

إنه يتحدث عن تجربة شخصية. لقد فعل مالم يفعله أحد من قبل. في أحد المرات كان في جولة لكتاب، قبل مايقارب السنتين، فقد جال كل بلد نُشر فيها كتابه، وفي نهاية المطاف اكتشف بأنه لأمر مجهد جداً وبلا فائدة.

هل سبق وقرأت The Unconseld؟

لقد وددت ذلك.

أرى أنها من أفضل الروايات بالنسبة للكُتّاب الحاليين، ملحمة كافكائية/ سريالية جمعت عدداً من عازفي البيانو كما لم يحدث قط. أشعر بأن الوصف الممكن هي أنها جاءت بأفضل وأكمل جولة كتاب قام بها كاتب من قبل.

على ذكر (كافاكا)، هناك مدخل جيد ومشابهٌ لجولات الكتاب هذه من يوميات (كافكا) التي كان يتحدث فيها عن كاتب خيالي يقدم قراءاته بصوت عالٍ للجماهير، عدا أن الناس أصبحوا يصابون بالملل والإحباط من ذلك، بينما كان يقنعهم: “قصة أخيرة”، “فقط قصة أخيرة” لكن الناس بدأت تهم بالرحيل، فتسمع خبط الأبواب ، ثم توجه للتوسل: “فقط مرة واحدة، واحدة أخيرة” إلى أن رحلوا جميعاً وبقي يصارع وحدته على المنصة، يقرأ لغرفة فارغة.


أفلام:

بدا عليك مؤخرا بأنك أعدت تشكيل علاقتك مع كتابة الرواية، أعني أستطيع الحكم على ذلك من خلال عمليك الأخيرين، وكذلك الرواية التي قلت بأنك تعمل عليها حالياً  -وهذا خبر سارٌ لجميع قرائك-

نعم وأعمل عليها بشكل عميق جداً .

أجدني في اتفاق تام معك، عندما تتحدث عن الحصرية التي تحتاجها الرواية، يدفعني ذلك للتساؤل عن السنين التي كنت فيها سعيداً بصناعة الأفلام، هل تعتقد بأنك ستتوجه بعمق نحو ذلك؟

لقد علقت شباكي وسط صناعة الأفلام، كنت دائماً شغوفاً بها، لدرجة أني في شبابي – تقريباً سن التاسعة عشر أو العشرين- ظننت بأنني سأصبح مخرج أفلام! السبب في كوني لم أفلح في ذلك الأمر أو بالأحرى ابتعدت عن التفكير في ذلك هو معرفتي بأنني لا أملك الكاريكتار المناسب  لذلك. في ذلك الوقت من حياتي، كنت خجلاً قليلاً، فلم أكن أستطعِ الحديث على منصة مثلاً أمام الجميع، لذا كنت أفكر، إن كنت سأضل ذات الشخص الصامت المتجهم المكفهر، فلن أستطيع التواصل بشكل مؤثر مع الممثلين وفريق التصوير وما إلى ذلك. لذا عزفت عن تلك الفكرة. ومن المفارقات العجيبة هي أنني وبعد أن قمت بنشر روايتي -التي تم تقديمها كفيلم فيما بعد- بدأ الناس يتحدثون معي حيال حقوق الفيلم المحتملة، وسيناريو الفيلم، ثم بعد ذلك وجدتني مُقحَماً في ذلك.

في رواياتك الأخيرة قد لمست تحولاً متقناً لتوجهك من الأفلام نحو الخيال الروائي، فيمكنني القول بأن الكتابين الأخيرين كانا يتمحوران حول قصة فنان مّا، ففي روايتك (كتَاب الأوهام)، الشخصية الرئيسية كانت لصانع أفلام، والقارئ آنذاك يستطيع أن يرسم في مخيلته صوراً لأفلام بهية ورائعة، أيضا في (ليلة التنبؤ) فالشخصية الرئيسية كذلك كانت تتمحور حول كاتب مّا أو روائي على وجه التحديد، كنا معه في خضم تطور روايته واكتمالها. لذا كنت أتساءل هل لذلك علاقة بتحول توجهاتك؟

دعني أفصّل في ذلك قليلاً. خلال سنوات عملي في صناعة الأفلام، لا أصدق أبداً أنني تخليت عن كتابة الروايات. فلميّ المخرج وايان وانق استغرقا عامين من حياتي، وقد كانت تجربة رهيبة. الخروج من غرفتي والعمل مع الناس كانت متعة خالصة بالنسبة لي آنذاك، تُوسّع مجاري تفكيري وتجددها.

وللحديث عن فيلم “Lulu on The Bridge” كتبتُ السيناريو للمخرج (ويم وندرز) قبل أن يحدث خلاف على ذلك، ولم يصبح قادراً على إخراج الفيلم. وفي وسط إلحاحٍ شديد قررت أن أعمل على ذلك بنفسي، وهكذا فجأةً! فقد استهلكَ من عمري سنتين إضافيتين، لكن مجدداً فإنني أود القول بأنها كانت تجربةً لا مثيل لها. ثم بعد ذلك بدأت الحملة الدعائية، التي كانت مجهدة أكثر من صنع الفيلم نفسه، أنت تظن أن تأليف الكتُب أمرٌ صعبٌ وشاقٌ جداً، لكن صناعة الأفلام أكثر من ذلك. أستطيع إلى الآن تذكّر الأربعين مقابلة التي أجريتها، واحدة تلو الأخرى، حتى تعبت، وكنت منهكاً جداً ثم نُقلت الى المشفى. عندها توصلت إلى قرارٍ حاسمٍ بالتوقف عن صناعة الأفلام إلى الأبد. فبقدر ما استمتعت في صناعة الأفلام وبقدر ماشعرت واعتقدت أنني أمسك زمام الأمر وأعتاد عليه إلا أنني أيقنت بأنها وظيفة بدوام كامل، وليست هواية أبداً، فقد أجبرت على التوقف عن الكتابة وقتها على الرغم من أن ذلك لم يكن وارداً ابداً. لم يكن لدي أدنى شك بأنه كان يجب علي أن أكتب الروايات والروايات فقط، لذلك وبكل رضا تام وبدون ندم فقد اعتزلت صناعة الأفلام.

ولكن للعودة للحديث عن رواية (كتاب الأوهام)، وإلى (هيكتور مان) وأفلامه، فإن شخصية (هيكتور) ولدت داخلي ونمت قبل أن أكون داخل دوامة الأفلام من الأساس، جاء الي يوماً من الأيام ربما في أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينات على أقرب تقدير، ببزته البيضاء وشاربه شديد السواد، ولم أعرف ماذا أفعل حينها، ظننت أنه يتوجب علي الجلوس والبدء في كتابة مجموعة قصصية تشرح أفلامه الصامتة. ظل (هيكتور مان) بجانبي طوال سنين قبل أن تلتئم مجموعة القصص لتصبح هذه الرواية الآن، فيقول الناس  بأن هذا نتاج غزو (أوستر) لصناعة الأفلام، لكنها حقاً سبقت كل ذلك بكثير.

آخر ما أود قوله عن هذه المغامرة الصغيرة في صناعة الأفلام، هو أنه من النادر جداً لأحدهم أن يجد الفرصة المناسبة والعمر المناسب ليقحم نفسه في تجربة مّا – أتحدث عني في منتصف الأربعينات- فإنها كانت الفرصة المناسبة لئلّا أمارس كتابة الروايات ولمدة خمس سنوات على التوالي، النص الوحيد الذي كتبته خلال هذه المدة كان مقالاً ذاتياً عن المال.

هذا ما أصارع لأجله الآن، فأنا في منتصف مرحلة كتابة رواية -ليست الأولى بالطبع لأنني بدأت بكتابة الروايات مذ كنت في الثامنة عشر-

وأنا كذلك.

لم تكن بتلك الجودة طبعاً ، لكنني لم أتوقف عن هذا النشاط منذ ذلك الحين، لكن في السنتين الماضيتين، قمت بكميات هائلة من الترويج، وعملت على تجميع مجموعتين كتاباً من القصص وكتاباً من المقالات.

لا تخجل من ذلك أبداً، أعني جودة ماكنت تكتبه في السابق.

شكراً لك. لكن ذلك معناه أن الجسد الذي اعتاد على عشرين عامٍ من الممارسة، كجسد الرياضي مثلاً الذي اعتاد على التواجد في النواد الرياضية يضعُ أربطته ويبدأ الجري، جسدي كتابياً هو…

ضامر قليلا؟

صحيح، ضمور، إنه لأمر مرعب نوعاً ما، لدي صديق، روائي بحس عالٍ من الطموح المبهج الذي لا يخجل منه بصراحة، الأمر كان أشبه بجولة ملاكمة بين (نورمان ميلر) و(تولستوي)، قال لي أمراً ذات مرة: “انظر للسجلات، وستجد بأن أفضل سن للروائي هو من سن الثالثة والخمسين الى الخمسين، انه مفترق الطرق بين الطاقة الشبابية والخبرة“ وها أنذا أودع هاتين السنتين من عمري في طريقي إلى الأربعينات.

فقط لأؤكد لك ، أنا من أشد المؤمنين بأنه لا قاعدة تحكم الفن، فكل مسارٍ يختلف عن الآخر، الناشر الفرنسي الذي أتعاون معه قال لي ذات مرة أن الروائي لا يملك إلا عشرين عاماً، هو ذا عمر الازدهار الروائي، لست بالضرورة أتفق معه على ذلك. المثير في الأمر هو أنه كم يبدو من السهل ألا تقوم بكل أمر الكتابة هذا، لكن، وبالتأكيد فالكتابة هي ضرورة قصوى ومتعة في أغلب الأحيان وفي نفس الوقت قد تكون عبئاً كبيراً وصراعاً رهيباً .

سعيد لأنك قلت ذلك!

في حالتي أنا، فإنني حين أتوجه إلى غرفتي وأجلس على مكتبي أهم بالكتابة، لا أفعل ذلك وكأنني ملاكم مقبلٌ على عشر جولات مع (جو لويس) مثلاً، لا بل على العكس، فإنني أمشي على رؤوس أصابعي، وأماطل وأتأخر، أهتم بكل تلك الأمور التي لا يجب علي الاهتمام بها حينها، أجيء من الجانبين وأنزلق من خلال الأبواب، لا أنفجر وبيدي ستة طلقات جاهزة وإن فعلت فإنني أطلق النار على قدمي أنا.

كيف بدأت الكتابة؟ ماركيز يتحدث

bg

غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) روائى وصحفى كولمبي، يعد من أشهر الروائيين في كولومبيا وفي العالم الأدبي، تميز في كتابة الروايات الواقعية العجائبية وأحد أشهر مؤلفاته (مائة عام من العزلة). سُئل (ماركيز) في إحدى لقاءاته مع “The Paris Review” عن بداياته في الكتابة فكان الجواب كالتالي:

بواسطة الرسم. من خلال الرسم الكرتوني. فقبل أن أتمكن من القراءة أو الكتابة أعتدت على رسم القصص المصورة في المدرسة و بالمنزل. الأمر المضحك هو أنني أدرك الأن أنه عندما كنت في الثانوية أكتسبت سمعة بكوني كاتبًا، على الرغم بأني في الواقع لم أكتب شيء. فإذا كان هناك كتيب يجب أن يكتب أو خطاب إلتماس، لقد كنت من سيفعل ذلك بإفتراضي كاتبًا. عندما دخلت الجامعة صادف بشكل ملحوظ بأن لدي خلفية أدبية بمعدل فوق المتوسط عن أصدقائي. ففي الجامعة بمدينة بوغوتا بدأت بتكوين علاقات مع الأصدقاء والمعارف الجدد الذين عرفوني بالكُتاب المعاصرين.

ذات ليلة، أعرني صديق كتابًا من القصص القصيرة للكاتب (فرانز كافكا). ذهبت راجعًا إلى النزل حيث أقيم وبدأت بقراءة (المسخ). لقد أسقطت من الفراش بعد قراءة السطر الأول، لقد كنت مدهوشًا. يقول في السطر الأول، “وأستيقظ جريغور سامسا في صباح ذلك اليوم من كوابيسه، لقد وجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة …” عندما قرأت هذا السطر قلت لنفسي بأني لا أعرف أي شخص باستطاعته كتابة أشياء كهذه.

لو كنت أعلم، كنت سابدأ بالكتابة منذ وقت طويل. وبالتالي بدأت فورا بكتابة القصص القصيرة. لقد كانت قصص قصيرة معرفية لأني كنت أكتبهم إستنادًا على تجربتي الأدبية ولم أجد بعد حتى الأن ذلك الرابط بين الأدب والحياة.

نُشرت هذه القصص في الملحق الأدبي لصحيفة El Espectador في بوغوتا ولم تلاقي نجاحا في ذلك الوقت، ربما بسبب أن لا أحد في كولومبيا قد كتب قصص قصيرة معرفية. ما تم كتابته في ذلك الحين كان معظمه عن الحياة في الريف والحياة الإجتماعية. وعندما كتبت أولى قصصي القصيرة قِيل لي بأنها تمتلك تأثيرات جويسيان.

Continue Reading →

إبراهيم الكوني في حوار

Ibrahim-Al-Koni.jpg

إبراهيم الكوني روائي ليبي ينتمي إلى قبيلة الطوارق من مواليد ٨ أغسطس ١٩٤٨ في غدامس، ليبيا.
يصنف كأحد أهم خمسون روائيا معاصرا وفقاً لمجلة لير الفرنسية، بلغ عدد مؤلفاته نحو ثمانون كتاباً.
كتب أعماله في عدة مجالات وهي: الرواية، الدراسات الأدبية والنقدية، السياسة، التاريخ. ويقوم عمله الروائي على عالم الصحراء بما فيه من ندرة وقسوة وانفتاح على جوهر الكون، وتدور معظم رواياته حول العلاقة الجوهرية التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية وموجوداتها وعالمها المحكوم بالحتمية والقدر الذي لا يرد.

في لقاء شيّق (في حديث العرب) يبيّن (الكوني) آراءه النقدية ذات البعد الفلسفي عن السياسة والايدلوجيا في العالم العربي والافريقي وأثرهما على الأدب والثقافة، تطرق فيه الحوار أيضاً عن الصحراء وفلسفة الرحيل والحب والعلاقة الانسانية ومفهوم الحرية والتأمل من خلال أعماله الروائية.

تقول ان الطوارق أمة وليست قبيلة ولكن الايدولوجية العربية ألغتهم واختزلتهم في قبيلة، من هم الطوارق في تعريف (ابراهيم الكوني)؟

من المؤسف بعد قرون من مئات السنين على وجود أمة في رحاب أكبر صحراء في العالم وأكثرها تنوعا وغنى وجمالاً كما يقول عنها علماء وخبراء الصحاري أن تظل مسألة هوية هؤلاء القوم -الذين يسكنون ذاك العالم- مجهولة او تحتاج الى تعريف، لأن من يقرأ لابن خلدون وتاريخه يستطيع أن يدرك في جملة واحدة من هم الطوارق ومن هم سكان الصحراء الكبرى بما في ذلك سكان شمال افريقيا حيث يقول: “إنهم أمة عظيمة مثلها مثل العرب والفرس والروم”، فإذا أضفنا الى ذلك أول متن في التاريخ العالمي وهو تاريخ هيرودوت الذي خصص لهم كتابا كاملا عن ليبيا يستطيع أن يَفهم أنّ هذه  الأمة أمة عريقة ذات ثقافة ثرية ولغتهم أثرت ليس فقط في الأمم المجاورة بل في كل اللغات ذات الطابع الديني، وأثرت في تكوين المفاهيم اليونانية القديمة، وكذلك في اللاتينية.
كتبت موسوعة من سبع مجلدات حول هذه القضية ولكنها لم تقرأ أو قرأت وتم تجاهلها!

هل يفضّل (ابراهيم الكوني) القول بأنه يمثل الطوارق أم العرب أم الانسانية؟ بماذا يعرف (ابراهيم) نفسه؟

بالإنسان، يعرفني الغرب والشرق العالمي من اليابان إلى أوروبا بأنني كاتب إنساني، ومن يقرأ أعمالي سوف يدرك ذلك، ولكن أعمالي لا تقرأ، أنا أقرأ كشخص، ولكنني لا أقرأ كنص،  هذه مسألة جدل النص والشخص، مسألة في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، الناس يستهويهم الشخص ولا يستهويهم النص، النص مسألة صعبة، النص يحتاج الى قراءة، يحتاج الى أسلحة أخرى، يحتاج الى فلسفة، معرفة أو قدر محدد من المعرفة وأيضاً إلى بطولة في اقتحام النص، لأن قراءة النص سيّما كان موزعّا بين ثمانين كتاب أصبح في عالمنا المعاصر مخاطرة كما يبدو.
الناس لا يعرفون لأنهم لا يقرأون نصي. والاغلبية الان لا تقرأ لأن العراقيل أمامها تتمثل في التقنية، تقنية المعلومات التي هيمنت على عالم اليوم وغربته عن المعرفة الحقيقية الموجودة في النص وليس في الشخص.

انت حذرتني من أن يتحول هذا الحديث الى حديث سياسي، لماذا لا تحب الخوض في السياسة؟

بالتأكيد لان عالمنا كله مسيّس، انا استنكر تسييس عالمنا، واختزال الوجود في حرف ساكن وميت هو حرف السياسة، أو ربيبتها الأيدولوجيا،لأن عالمنا لم يشهد تسييساً او تزييفاً للروح كما نشهده اليوم بفعل نزعة التسييس ونزعة الأدلجة، عالمنا كله مسيّس بالايدلوجيا سواء كانت دينية، قومية، أممية أو ليبرالية.

هل تخشى من تسييس الأدب أيضا؟

هذا حاصل في واقع الأمر، وهذه أكبر كارثة نعانيها اليوم، بالتأكيد، الأدب اليوم ليس أدباً، الأدب اليوم عبارة عن تقارير، هذه التي يطلق عليها اسم روايات، هي ليست روايات، الروايات أسطرة، لماذا لا نحتكم الى الواقع؟ هل هناك نص يمثل الأدب، ويمثله في البعد السياسي مثل نصوص كافكاً مثلا أو ماركيز، ولكنهم لا يكتبون تقارير سياسية، هم يأسطرون الواقع، لان أسطرة الواقع بطولة، تحتاج الى أدوات وإمكانيات صعبة، ولكن أَهلُ هذا العصر يستسهلون هذه الأشياء ويذهبون الى الأشياء من أقصر طريق، بدلاً من أن يذهبوا لها من أعمق طريق، “الطريق الشرعي”.

تقول: “رؤيتي للعالم غير سياسية، إنها فلسفية أو إنسانية”، لكن أين المفر من السياسة؟

أنا مشاهد، أنا أحيا مشاهدا، أنا لا أشارك في اللعبة، تصلني شظاياها بالتأكيد، وفي عالم اليوم لا يسلم أحداً من هذه الشظايا، إنني طوال الوقت أحيا مشاهدا وأحاول أن أتأمل ما أشاهد، والمشاهد هو أفضل من يُشارك في المسرحية، لأن من يشارك المهزلة أعمى، بينما المشاهد هو من يرى، لا يرى فقط ولكنه يرى بوضوح، أعني هو صاحب الرؤيا الكاملة.

أليس المطلوب من المثقف خاصة في منطقة مثل منطقة العالم العربي، مليئة بالتناقضات والأحداث، ألا يُطالب بأن يلعب دور فيها؟

أنا لا ألعب دورا، ولكن نصي هو من يقوم بذلك، إن النص هو الذي يمثلني، فأنا لا أمثل نصّي، النص هو الحكم وليس الشخص، فلنحتكم الى النصوص والكتب، المقياس هو النص، ولكن الناس يتعبون لأنهم مولعون بالمعلومة وليس بالعلم والمعرفة، فلذلك النصوص الحقيقية مغتربة، وهذه حقيقة واقعة.

أنت ترى أنه لم يعرقل النهضة العربية مثل الشعارات الأيدلوجية، وأيضا لك موقف واضح من الأيدلوجية؟

بطبيعة الحال، لو لم تعترض الأيدلوجيات النهضة العربية التي بدأت مع مطلع القرن العشرين لكان الأمر معها أمراً آخر، وأقصد هنا الأيدلوجيات بفروعها لا أستثني منها أي ركن.

لكن المهيمن على المنطقة في العصر الحالي هي الأيدلوجيا الدينية؟

اليوم الدينية، وبالأمس القومية، وما قبلها كانت الأممية،
هل ترى الناس اليوم سعداء؟ لماذا لا نتسائل عمّا إذا كنّا سعداء؟
نحن أشقياء في واقع الامر بسبب الشعارات، بسبب الأيدلوجيا، الانسان الشعاري هذا إنسان مغترب عن قيمته الانسانية الحقيقية ولهذا هو شقي.

تقول حيثما هيمنت الأيدلوجيا تجد الناس تعساء؟

نعم بالحرف الواحد، لأن الأيدلوجيا تنتج الطاغوت، والميثولوجيا تنتج اللاهوت، مع اللاهوت دائما الامر يختلف، ويجب ان نرجع الى المصدر، من أين أتت الأيدلوجيا؟ ومن أين أتت الميثولوجيا؟ الميثولوجيا أتت من إنسان البرية من الانسان الراحل، عندما كان المجتمع قطبٌ راحل وقطبٌ مستقر، القطب المستقر هو الذي أنجب الأيدلوجيا والسياسة والسلطة، في حين نموذج البرية أنتج الحرية، وأنتج الميثولوجيا، واللاهوت، ولهذا السبب جميع الأديان قَدِمت من البرية، من الصحاري.

لماذا ابراهيم الكوني متعصب للصحراء؟

أنا متعصب للصحراء، ليس لأنني بطبيعة الحال ابن الصحراء، ولكن لأنها الطبيعة الوحيدة المتسامحة والمظلومة والتي تدمر كل يوم، البيئة التي تعاني منذ الازل من التدمير والتهميش والاستعباد والإنكار، بالرغم ان عالم اليوم كله يستمد من الطاقة القادمة من الصحراء ومن الخيرات التي تمدها الصحراء، في بلد مثل ليبيا أضحت الصحراء مصدراً للماء.

تقول أن الأيدلوجيا تزاداد طغيانا، وهذا الموضوع يهم جدا الأوضاع السياسية التي تشهدها المنطقة، كيف أن الأيدلوجيا تزادا طغيانا؟

عندما قامت ثورات الربيع العربي، اعتقدنا أن هذا إيذان بغروب الأيدلوجيا، وفجأة تقفز الى المسرح أيدولوجيا أعتى وأقسى عنفا، وهي الأيدلوجيا الدينية. لقد اعتقدنا أن الثورات العربية ستصنع النهضة المفقودة، التي وأدتها الأيدلوجيات السابقة، سواء الاممية أو القومية فإذا بِنَا نتفاجأ بأننا عدنا إلى الوراء تماما، وهذا ليس فقط بسبب هيمنة الأيدلوجيات بل أيضا بسبب جنونها.

تقول: “إن إنسان العمران متوتر دائما بسبب الاحتكاك المستمر”، وتشير الى مثل طوارقي قربّوا قلوبكم وباعدوا بيوتكم، كيف نشرح هذه الفكرة؟

في غاية البساطة، لقد قلت وأقول دائما أن الحلقة المفقودة في التاريخ البشري هي اليوم الذي انفصل فيه المجتمع البشري كله الذي كان راحلاً في البداية إلى قطبين أساسيين، قطب راحل وقطب مستقر، القطب الذي اختار الاستقرار أنتج في بداية الامر حرفة، كالزراعة مثلاً، والحرفة أنتجت الملكية، الملكية أنتجت الصفقة التجارية، والصفقة التجارية أنتجت السلطة والسلطة أنتجت الأيدلوجيا من خلال السياسية أو -ما نسميه سياسة-، والأيدلوجيا هي التي أنتجت الطاغوت. في المقابل أن إنسان البرية الذي يحيى على اقتصاد شحيح تهبه الطبيعة بالدرجة الأولى، ويسمى رعوي إلتباساً، لأنه في واقع الامر ليس رعوياً، وإنما يرعى مبدأ أعظم وأنبل وهو الحرية، مبدأه الرئيسي هو الحرية، هذه الحرية هي التي أنتجت الميثولوجيا، لأن هذا الانسان ذو طابع وجداني ورومانسي ولأنه قريب للطبيعة، فلهذا السبب كانت هناك الفنون، وكانت هناك التمائم التي ولدت بعد الفنون، وهناك وُلد الدين بالمعنى الميثولوجي في بادئ الأمر، هذه الميثولوجيا هي التي أنجبت اللاهوت، فإذاً كل الديانات وكل الأفكار الكبرى قادمة من البرية.

كيف لإبن المدينة اليوم أن يجمع بين الحداثة وبين ثقافة الصحراء؟

هناك تقنية العزلة، الكثيرون يستعينون بها في سبيل استعادة الحرية المفقودة، وفي سبيل استعادة البعد المفقود في الوجود، لأن الانسان بطبيعته حالم وباحث عن الله، باحث عن فردوسه المفقود، والفردوس لو لم يكن مفقودا لما كان فردوساً، ولو وضعنا هذا الانسان في الفردوس لخرج منه كما حدث مع آدم بالضبط، إذاً هو بطبيعة الحال مبدأ مفقود، ولكنه يعيننا على أن نحيا وأن نعبر جحيم هذا الوجود، هذا الحلم بالحرية أو بالبعد المفقود أو بالفردوس المفقود هو ما يهب الانسان قيمة أخلاقية، لهذا الروح الاخلاقية قوية جداً لدى هذا الانسان الراحل البسيط العفوي، لأنه عفوي.

تقول: “دين الرحيل هو دين الحرية”، كيف يكون الرحيل دينٌ وحرية؟

الرحيل كما قلنا هو استجابة لنداء وجودي لدى كل إنسان في هذا الوجود هو الحلم بوجود معنى للوجود، ونستطيع أن نقوله بصيغة أخرى وهي البحث عن مثال، البحث عن الله، البحث عن الحقيقة، البحث عن الفردوس المفقود، كلها أسماء متعددة لمبدأٍ واحد، إذا هو حرية لأنه لا يعترف بالواقع، واقع الإنسان الراحل، واقع اللا واقع، لأنه لا وجود للعلاقة هناك، العلاقة موجودة فقط في مجتمع العمران -المكتظ، المكان الذي يسميه الانسان الراحل بـ”الحبوس“، المدن هذه حبوس، فإنسان الرحيل متحرر من العلاقة، قد يلتقي أو يجتمع مع الآخر، لكن إجتماعه لا يدوم إلا ليفترق، وحتى لو اجتمعوا، اجتمعوا متباعدين، أخبية متباعدة متناثرة في الخلاء في الطبيعة.

هل هذا يفسر إرتحالك الدائم؟ لديك رؤية وفلسفة حول ترحالك بل ذكرت أنك تؤمن بحرق السفن في مشوار الترحال، لماذا هذا الرحيل الذي لا يتوقف، عشت في مدن كثيرة جدّاً وخمساً وأربعين سنة وأنت تُمارس الترحال؟

الترحال أيضا نداء، أو استجابة لنداء ولكنه نداء يحتاج إلى شجاعة لكي تنفذه بأرض الواقع.

ما هو هذا النداء؟

نداء الحرية الذي اتحدث عنه، نداء الحقيقة، نداء الوجود نداء شيء ما وراء الأفق، وراء الوجود، إنسان لا يبحث عن حقيقته، عن هويته الإلهية خارج هذه الحدود المرئية إنسان فاشل ولن يكون سعيداً على الإطلاق، لأن السعادة موجودة في الطلب كما يقول أهل التصوف، السعادة موجودة في البحث عن السعادة، عن الله أو عن فكرة نبيلة إنسانية كبرى، ولهذا السبب أصبح الرحيل بالنسبة لي يحيى بالجينات. ولإنني إبن الصحراء يقيناً، ولكن لا يزيدها الهم الوجودي إلا تأججاً، يغذيها. لا بد أن يوجد شيء ما نسميه: “الهم بالكينونة”، إذا لا بد أن أبحث عن نفسي في الآخرين، في الأمم، في المسافات، إلى الأبد.
لا بد أيضاً أن نأخذ بوصايا الحكماء الذين يقولون: يجب أن نجعل النصف الآخر من حياتنا أو من رحلتنا هذه أجمل من النصف الاول، وعندما تأتي رحلة الوداع، علينا أن نفرح لأننا وصلنا إلى نهاية المطاف.

كتبت عن الصحراء كثيرا وما زلت، البعض يقول أن (إبراهيم الكوني) لم يعش الصحراء حقيقةً، ولكنه يتخيل الصحراء أو يحلم بالصحراء؟

لقد عشت الصحراء كما لم يحياها الذين يعيشون في الصحراء.

كيف؟

بالوجدان أو بسلطة الوجدان، أنا ولدت بالصحراء، وحبل السُرّة موجود هناك، الوتد الأصلي هناك، السر الأول موجود هناك، الكنز الأصلي موجود هناك، صحيح أَنِّي لم أعشْ في الصحراء فترة طويلة ولكنها في اللا وعي وهنا تصبح المسألة ملتبسة وأقوى عندما تسكن اللا وعي، في حين أنني أعود الصحراء وأزورها بشكل مستمر، عندما كنت أُقيم في الاتحاد السوفييتي في نهاية الستينات وبداية السبعينات، كنت أزور الصحراء كل ستة أشهر رغم الصعوبات، نوعٌ من الحج إلى الحرم، لأن الصحراء وأقولها دائماً هي حرم، وإلا لما ورد في الكتب المقدسة الأمر الإلهي الموجه إلى فرعون في سفر الخروج والذي يقول : أطلق شعبي ليعبدني في البرية، لم يقل له أطلق شعبي ليذهب إلى أرض الميعاد، وهذا يعني أن البرية هي المسجد أو المعبد، هي الحرم.
لماذا قَبِلَ الرب قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل؟
هابيل يمثل الإنسان الراحل، فهو راعي، أما قابيل فيمثل الإنسان المستقر لأنه فلاح، إذاً الرب رفض قربان الإنسان المستقر وقبل قربان الانسان الراحل لأنه هو إبن الحرية، لهذا السبب كان القديس اوغستين يقول: “القبيلة الإلهية هي القبيلة الراحلة والقبيلة الدنيوية هي القبيلة المستقرة -قبيلة قابيل-، ولهذا السبب أيضاً حدثت أول جريمة في التاريخ بسبب الغيرة والحسد”.

تقول: “إن عالم الصحراء عالم صارم جداً، الأخلاق هي من تحكمه وهناك أيضا ثنائية العرف والقانون”؟

هذه بالنسبة لمسألة المقارنة بين المجتمع الراحل والمجتمع المستقر، المجتمع الراحل قانونه العرف أو الناموس الأخلاقي، والمجتمع المستقر قانونه القوانين، فهو اضطر إلى أن يسن القوانين ليضع حدًّا لاعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، في حين أن طبيعة العلاقات في الصحراء طبيعة غير نفعية بالتالي تصبح غير عدوانية ولهذا السبب استطاع أهل الصحراء أن يؤسسوا لأنفسهم ناموس آخر، كما يرد في الكتب المقدسة النص القائل: “هؤلاء الذين ليس لديهم الناموس وعملوا ما في الناموس، هم في الواقع ناموسٌ لأنفسهم!”.
فهؤلاء أسسوا ناموس إلهى بالعلاقة الفعلية ولم يضطروا إلى تأليف قوانين كما هو الحال لدى الانسان المستقر.
هذه ليست مفاضلة بين القطبين ولكن هذا الواقع.

الصحراء هي مرحلة من عمر المجتمعات والشعوب كما نلاحظ، لا يمكن أن تعيش المجتمعات إلى الأبد بهذا النظام القبلي معتمدة على العرف. أليس من سنة الحياة أن تتحول المجتمعات من البدائية إلى الحداثة؟

قد يحدث تلاقح، أو الهجرة من هنا إلى هناك أو العكس، وللأسف أن إنسان البرية -في الغالب- هو الذي تلتهمه المدنية ويفقد هويته وروحه وحريته.

في رواية (عشب الليل) تقول: “ما إن يعلم الإنسان بأن له أخاً يحيى في الرقعة المجهولة حتى يصبح لا بد من أن يحتال ويبدع ويركب الريح ليصل إليه، يصل إليه يرتمي بين ذراعيه، يحتضنه بحرارة ويبكي بدموع الحنين بين يديه ثم يستغفله في الظهر الطعنة المميتة، هذا هو الإنسان!”
هل تحاول قول : أن الإنسان غدار بطبعه؟

الذي يحدث هنا هو بسبب العلاقة، والعلاقة دائما عداء!
ولهذا يُقال الجحيم هو الآخر.
عندما يقول (أرسطو): “الإنسان كائن اجتماعي” فهو لم يخطئ، لأنه كائن إجتماعي وإجتماعي شقي.
عندما يصبح الانسان اجتماعياً يصبح شريراً، وهذا أشبه ما يكون بالدراما، حين لا نستطيع ان نستغني عن الانسان فـ نهرع له ونرتمي بين يديه كالطفل ولكن لا نلبث قليلا بحكم العلاقة ألا ويحدث الصراع، كصراع قابيل وهابيل.

من مقولاتك في رواية (رسول السماوات السبع): “نحن لا نُميت إلا من نحب”.

هذه دراما الحب،
الحب علاقة تريد أن تأله المحبوب، والمحبوب لا يستطيع أن يتأله أبدا فتقتله، لكي تتماهى معه،
لكي تحبه كما ينبغي يجب أن تحبه في الموت، وفي الواقع لا حب إلا في الموت،
ما هو الموت؟ الموت هو الحرية في بعدها الأقصى.

من مقولات “الناموس” : “يتلذذ الانسان في الاجتماع الى الناس، ويجد أشد الصعوبات في الاجتماع الى نفسه”!
هل يحب الاستاذ ابراهيم العزلة؟

بالتأكيد، بدون عزلة لا إبداع، ولا نبوءة.
من هو النبي الذي خرج إلى العالم بدون عزلة، ألا تذكرنا العشرون عاما بـ غار حِراء، الثمن الذي يدفعه كل نبي؟
ألا يذكرنا تيه الأربعون عاماً في صحراء سيناء بذلك؟
في الحقيقة، كل الأفكار الكبرى نتجت عن التأمل، والتأمل لا يحدث إلا بعزلة.