أرشيف الوسم: لقاء

إبراهيم الكوني في حوار

Ibrahim-Al-Koni.jpg

إبراهيم الكوني روائي ليبي ينتمي إلى قبيلة الطوارق من مواليد ٨ أغسطس ١٩٤٨ في غدامس، ليبيا.
يصنف كأحد أهم خمسون روائيا معاصرا وفقاً لمجلة لير الفرنسية، بلغ عدد مؤلفاته نحو ثمانون كتاباً.
كتب أعماله في عدة مجالات وهي: الرواية، الدراسات الأدبية والنقدية، السياسة، التاريخ. ويقوم عمله الروائي على عالم الصحراء بما فيه من ندرة وقسوة وانفتاح على جوهر الكون، وتدور معظم رواياته حول العلاقة الجوهرية التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية وموجوداتها وعالمها المحكوم بالحتمية والقدر الذي لا يرد.

في لقاء شيّق (في حديث العرب) يبيّن (الكوني) آراءه النقدية ذات البعد الفلسفي عن السياسة والايدلوجيا في العالم العربي والافريقي وأثرهما على الأدب والثقافة، تطرق فيه الحوار أيضاً عن الصحراء وفلسفة الرحيل والحب والعلاقة الانسانية ومفهوم الحرية والتأمل من خلال أعماله الروائية.

تقول ان الطوارق أمة وليست قبيلة ولكن الايدولوجية العربية ألغتهم واختزلتهم في قبيلة، من هم الطوارق في تعريف (ابراهيم الكوني)؟

من المؤسف بعد قرون من مئات السنين على وجود أمة في رحاب أكبر صحراء في العالم وأكثرها تنوعا وغنى وجمالاً كما يقول عنها علماء وخبراء الصحاري أن تظل مسألة هوية هؤلاء القوم -الذين يسكنون ذاك العالم- مجهولة او تحتاج الى تعريف، لأن من يقرأ لابن خلدون وتاريخه يستطيع أن يدرك في جملة واحدة من هم الطوارق ومن هم سكان الصحراء الكبرى بما في ذلك سكان شمال افريقيا حيث يقول: “إنهم أمة عظيمة مثلها مثل العرب والفرس والروم”، فإذا أضفنا الى ذلك أول متن في التاريخ العالمي وهو تاريخ هيرودوت الذي خصص لهم كتابا كاملا عن ليبيا يستطيع أن يَفهم أنّ هذه  الأمة أمة عريقة ذات ثقافة ثرية ولغتهم أثرت ليس فقط في الأمم المجاورة بل في كل اللغات ذات الطابع الديني، وأثرت في تكوين المفاهيم اليونانية القديمة، وكذلك في اللاتينية.
كتبت موسوعة من سبع مجلدات حول هذه القضية ولكنها لم تقرأ أو قرأت وتم تجاهلها!

هل يفضّل (ابراهيم الكوني) القول بأنه يمثل الطوارق أم العرب أم الانسانية؟ بماذا يعرف (ابراهيم) نفسه؟

بالإنسان، يعرفني الغرب والشرق العالمي من اليابان إلى أوروبا بأنني كاتب إنساني، ومن يقرأ أعمالي سوف يدرك ذلك، ولكن أعمالي لا تقرأ، أنا أقرأ كشخص، ولكنني لا أقرأ كنص،  هذه مسألة جدل النص والشخص، مسألة في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، الناس يستهويهم الشخص ولا يستهويهم النص، النص مسألة صعبة، النص يحتاج الى قراءة، يحتاج الى أسلحة أخرى، يحتاج الى فلسفة، معرفة أو قدر محدد من المعرفة وأيضاً إلى بطولة في اقتحام النص، لأن قراءة النص سيّما كان موزعّا بين ثمانين كتاب أصبح في عالمنا المعاصر مخاطرة كما يبدو.
الناس لا يعرفون لأنهم لا يقرأون نصي. والاغلبية الان لا تقرأ لأن العراقيل أمامها تتمثل في التقنية، تقنية المعلومات التي هيمنت على عالم اليوم وغربته عن المعرفة الحقيقية الموجودة في النص وليس في الشخص.

انت حذرتني من أن يتحول هذا الحديث الى حديث سياسي، لماذا لا تحب الخوض في السياسة؟

بالتأكيد لان عالمنا كله مسيّس، انا استنكر تسييس عالمنا، واختزال الوجود في حرف ساكن وميت هو حرف السياسة، أو ربيبتها الأيدولوجيا،لأن عالمنا لم يشهد تسييساً او تزييفاً للروح كما نشهده اليوم بفعل نزعة التسييس ونزعة الأدلجة، عالمنا كله مسيّس بالايدلوجيا سواء كانت دينية، قومية، أممية أو ليبرالية.

هل تخشى من تسييس الأدب أيضا؟

هذا حاصل في واقع الأمر، وهذه أكبر كارثة نعانيها اليوم، بالتأكيد، الأدب اليوم ليس أدباً، الأدب اليوم عبارة عن تقارير، هذه التي يطلق عليها اسم روايات، هي ليست روايات، الروايات أسطرة، لماذا لا نحتكم الى الواقع؟ هل هناك نص يمثل الأدب، ويمثله في البعد السياسي مثل نصوص كافكاً مثلا أو ماركيز، ولكنهم لا يكتبون تقارير سياسية، هم يأسطرون الواقع، لان أسطرة الواقع بطولة، تحتاج الى أدوات وإمكانيات صعبة، ولكن أَهلُ هذا العصر يستسهلون هذه الأشياء ويذهبون الى الأشياء من أقصر طريق، بدلاً من أن يذهبوا لها من أعمق طريق، “الطريق الشرعي”.

تقول: “رؤيتي للعالم غير سياسية، إنها فلسفية أو إنسانية”، لكن أين المفر من السياسة؟

أنا مشاهد، أنا أحيا مشاهدا، أنا لا أشارك في اللعبة، تصلني شظاياها بالتأكيد، وفي عالم اليوم لا يسلم أحداً من هذه الشظايا، إنني طوال الوقت أحيا مشاهدا وأحاول أن أتأمل ما أشاهد، والمشاهد هو أفضل من يُشارك في المسرحية، لأن من يشارك المهزلة أعمى، بينما المشاهد هو من يرى، لا يرى فقط ولكنه يرى بوضوح، أعني هو صاحب الرؤيا الكاملة.

أليس المطلوب من المثقف خاصة في منطقة مثل منطقة العالم العربي، مليئة بالتناقضات والأحداث، ألا يُطالب بأن يلعب دور فيها؟

أنا لا ألعب دورا، ولكن نصي هو من يقوم بذلك، إن النص هو الذي يمثلني، فأنا لا أمثل نصّي، النص هو الحكم وليس الشخص، فلنحتكم الى النصوص والكتب، المقياس هو النص، ولكن الناس يتعبون لأنهم مولعون بالمعلومة وليس بالعلم والمعرفة، فلذلك النصوص الحقيقية مغتربة، وهذه حقيقة واقعة.

أنت ترى أنه لم يعرقل النهضة العربية مثل الشعارات الأيدلوجية، وأيضا لك موقف واضح من الأيدلوجية؟

بطبيعة الحال، لو لم تعترض الأيدلوجيات النهضة العربية التي بدأت مع مطلع القرن العشرين لكان الأمر معها أمراً آخر، وأقصد هنا الأيدلوجيات بفروعها لا أستثني منها أي ركن.

لكن المهيمن على المنطقة في العصر الحالي هي الأيدلوجيا الدينية؟

اليوم الدينية، وبالأمس القومية، وما قبلها كانت الأممية،
هل ترى الناس اليوم سعداء؟ لماذا لا نتسائل عمّا إذا كنّا سعداء؟
نحن أشقياء في واقع الامر بسبب الشعارات، بسبب الأيدلوجيا، الانسان الشعاري هذا إنسان مغترب عن قيمته الانسانية الحقيقية ولهذا هو شقي.

تقول حيثما هيمنت الأيدلوجيا تجد الناس تعساء؟

نعم بالحرف الواحد، لأن الأيدلوجيا تنتج الطاغوت، والميثولوجيا تنتج اللاهوت، مع اللاهوت دائما الامر يختلف، ويجب ان نرجع الى المصدر، من أين أتت الأيدلوجيا؟ ومن أين أتت الميثولوجيا؟ الميثولوجيا أتت من إنسان البرية من الانسان الراحل، عندما كان المجتمع قطبٌ راحل وقطبٌ مستقر، القطب المستقر هو الذي أنجب الأيدلوجيا والسياسة والسلطة، في حين نموذج البرية أنتج الحرية، وأنتج الميثولوجيا، واللاهوت، ولهذا السبب جميع الأديان قَدِمت من البرية، من الصحاري.

لماذا ابراهيم الكوني متعصب للصحراء؟

أنا متعصب للصحراء، ليس لأنني بطبيعة الحال ابن الصحراء، ولكن لأنها الطبيعة الوحيدة المتسامحة والمظلومة والتي تدمر كل يوم، البيئة التي تعاني منذ الازل من التدمير والتهميش والاستعباد والإنكار، بالرغم ان عالم اليوم كله يستمد من الطاقة القادمة من الصحراء ومن الخيرات التي تمدها الصحراء، في بلد مثل ليبيا أضحت الصحراء مصدراً للماء.

تقول أن الأيدلوجيا تزاداد طغيانا، وهذا الموضوع يهم جدا الأوضاع السياسية التي تشهدها المنطقة، كيف أن الأيدلوجيا تزادا طغيانا؟

عندما قامت ثورات الربيع العربي، اعتقدنا أن هذا إيذان بغروب الأيدلوجيا، وفجأة تقفز الى المسرح أيدولوجيا أعتى وأقسى عنفا، وهي الأيدلوجيا الدينية. لقد اعتقدنا أن الثورات العربية ستصنع النهضة المفقودة، التي وأدتها الأيدلوجيات السابقة، سواء الاممية أو القومية فإذا بِنَا نتفاجأ بأننا عدنا إلى الوراء تماما، وهذا ليس فقط بسبب هيمنة الأيدلوجيات بل أيضا بسبب جنونها.

تقول: “إن إنسان العمران متوتر دائما بسبب الاحتكاك المستمر”، وتشير الى مثل طوارقي قربّوا قلوبكم وباعدوا بيوتكم، كيف نشرح هذه الفكرة؟

في غاية البساطة، لقد قلت وأقول دائما أن الحلقة المفقودة في التاريخ البشري هي اليوم الذي انفصل فيه المجتمع البشري كله الذي كان راحلاً في البداية إلى قطبين أساسيين، قطب راحل وقطب مستقر، القطب الذي اختار الاستقرار أنتج في بداية الامر حرفة، كالزراعة مثلاً، والحرفة أنتجت الملكية، الملكية أنتجت الصفقة التجارية، والصفقة التجارية أنتجت السلطة والسلطة أنتجت الأيدلوجيا من خلال السياسية أو -ما نسميه سياسة-، والأيدلوجيا هي التي أنتجت الطاغوت. في المقابل أن إنسان البرية الذي يحيى على اقتصاد شحيح تهبه الطبيعة بالدرجة الأولى، ويسمى رعوي إلتباساً، لأنه في واقع الامر ليس رعوياً، وإنما يرعى مبدأ أعظم وأنبل وهو الحرية، مبدأه الرئيسي هو الحرية، هذه الحرية هي التي أنتجت الميثولوجيا، لأن هذا الانسان ذو طابع وجداني ورومانسي ولأنه قريب للطبيعة، فلهذا السبب كانت هناك الفنون، وكانت هناك التمائم التي ولدت بعد الفنون، وهناك وُلد الدين بالمعنى الميثولوجي في بادئ الأمر، هذه الميثولوجيا هي التي أنجبت اللاهوت، فإذاً كل الديانات وكل الأفكار الكبرى قادمة من البرية.

كيف لإبن المدينة اليوم أن يجمع بين الحداثة وبين ثقافة الصحراء؟

هناك تقنية العزلة، الكثيرون يستعينون بها في سبيل استعادة الحرية المفقودة، وفي سبيل استعادة البعد المفقود في الوجود، لأن الانسان بطبيعته حالم وباحث عن الله، باحث عن فردوسه المفقود، والفردوس لو لم يكن مفقودا لما كان فردوساً، ولو وضعنا هذا الانسان في الفردوس لخرج منه كما حدث مع آدم بالضبط، إذاً هو بطبيعة الحال مبدأ مفقود، ولكنه يعيننا على أن نحيا وأن نعبر جحيم هذا الوجود، هذا الحلم بالحرية أو بالبعد المفقود أو بالفردوس المفقود هو ما يهب الانسان قيمة أخلاقية، لهذا الروح الاخلاقية قوية جداً لدى هذا الانسان الراحل البسيط العفوي، لأنه عفوي.

تقول: “دين الرحيل هو دين الحرية”، كيف يكون الرحيل دينٌ وحرية؟

الرحيل كما قلنا هو استجابة لنداء وجودي لدى كل إنسان في هذا الوجود هو الحلم بوجود معنى للوجود، ونستطيع أن نقوله بصيغة أخرى وهي البحث عن مثال، البحث عن الله، البحث عن الحقيقة، البحث عن الفردوس المفقود، كلها أسماء متعددة لمبدأٍ واحد، إذا هو حرية لأنه لا يعترف بالواقع، واقع الإنسان الراحل، واقع اللا واقع، لأنه لا وجود للعلاقة هناك، العلاقة موجودة فقط في مجتمع العمران -المكتظ، المكان الذي يسميه الانسان الراحل بـ”الحبوس“، المدن هذه حبوس، فإنسان الرحيل متحرر من العلاقة، قد يلتقي أو يجتمع مع الآخر، لكن إجتماعه لا يدوم إلا ليفترق، وحتى لو اجتمعوا، اجتمعوا متباعدين، أخبية متباعدة متناثرة في الخلاء في الطبيعة.

هل هذا يفسر إرتحالك الدائم؟ لديك رؤية وفلسفة حول ترحالك بل ذكرت أنك تؤمن بحرق السفن في مشوار الترحال، لماذا هذا الرحيل الذي لا يتوقف، عشت في مدن كثيرة جدّاً وخمساً وأربعين سنة وأنت تُمارس الترحال؟

الترحال أيضا نداء، أو استجابة لنداء ولكنه نداء يحتاج إلى شجاعة لكي تنفذه بأرض الواقع.

ما هو هذا النداء؟

نداء الحرية الذي اتحدث عنه، نداء الحقيقة، نداء الوجود نداء شيء ما وراء الأفق، وراء الوجود، إنسان لا يبحث عن حقيقته، عن هويته الإلهية خارج هذه الحدود المرئية إنسان فاشل ولن يكون سعيداً على الإطلاق، لأن السعادة موجودة في الطلب كما يقول أهل التصوف، السعادة موجودة في البحث عن السعادة، عن الله أو عن فكرة نبيلة إنسانية كبرى، ولهذا السبب أصبح الرحيل بالنسبة لي يحيى بالجينات. ولإنني إبن الصحراء يقيناً، ولكن لا يزيدها الهم الوجودي إلا تأججاً، يغذيها. لا بد أن يوجد شيء ما نسميه: “الهم بالكينونة”، إذا لا بد أن أبحث عن نفسي في الآخرين، في الأمم، في المسافات، إلى الأبد.
لا بد أيضاً أن نأخذ بوصايا الحكماء الذين يقولون: يجب أن نجعل النصف الآخر من حياتنا أو من رحلتنا هذه أجمل من النصف الاول، وعندما تأتي رحلة الوداع، علينا أن نفرح لأننا وصلنا إلى نهاية المطاف.

كتبت عن الصحراء كثيرا وما زلت، البعض يقول أن (إبراهيم الكوني) لم يعش الصحراء حقيقةً، ولكنه يتخيل الصحراء أو يحلم بالصحراء؟

لقد عشت الصحراء كما لم يحياها الذين يعيشون في الصحراء.

كيف؟

بالوجدان أو بسلطة الوجدان، أنا ولدت بالصحراء، وحبل السُرّة موجود هناك، الوتد الأصلي هناك، السر الأول موجود هناك، الكنز الأصلي موجود هناك، صحيح أَنِّي لم أعشْ في الصحراء فترة طويلة ولكنها في اللا وعي وهنا تصبح المسألة ملتبسة وأقوى عندما تسكن اللا وعي، في حين أنني أعود الصحراء وأزورها بشكل مستمر، عندما كنت أُقيم في الاتحاد السوفييتي في نهاية الستينات وبداية السبعينات، كنت أزور الصحراء كل ستة أشهر رغم الصعوبات، نوعٌ من الحج إلى الحرم، لأن الصحراء وأقولها دائماً هي حرم، وإلا لما ورد في الكتب المقدسة الأمر الإلهي الموجه إلى فرعون في سفر الخروج والذي يقول : أطلق شعبي ليعبدني في البرية، لم يقل له أطلق شعبي ليذهب إلى أرض الميعاد، وهذا يعني أن البرية هي المسجد أو المعبد، هي الحرم.
لماذا قَبِلَ الرب قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل؟
هابيل يمثل الإنسان الراحل، فهو راعي، أما قابيل فيمثل الإنسان المستقر لأنه فلاح، إذاً الرب رفض قربان الإنسان المستقر وقبل قربان الانسان الراحل لأنه هو إبن الحرية، لهذا السبب كان القديس اوغستين يقول: “القبيلة الإلهية هي القبيلة الراحلة والقبيلة الدنيوية هي القبيلة المستقرة -قبيلة قابيل-، ولهذا السبب أيضاً حدثت أول جريمة في التاريخ بسبب الغيرة والحسد”.

تقول: “إن عالم الصحراء عالم صارم جداً، الأخلاق هي من تحكمه وهناك أيضا ثنائية العرف والقانون”؟

هذه بالنسبة لمسألة المقارنة بين المجتمع الراحل والمجتمع المستقر، المجتمع الراحل قانونه العرف أو الناموس الأخلاقي، والمجتمع المستقر قانونه القوانين، فهو اضطر إلى أن يسن القوانين ليضع حدًّا لاعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، في حين أن طبيعة العلاقات في الصحراء طبيعة غير نفعية بالتالي تصبح غير عدوانية ولهذا السبب استطاع أهل الصحراء أن يؤسسوا لأنفسهم ناموس آخر، كما يرد في الكتب المقدسة النص القائل: “هؤلاء الذين ليس لديهم الناموس وعملوا ما في الناموس، هم في الواقع ناموسٌ لأنفسهم!”.
فهؤلاء أسسوا ناموس إلهى بالعلاقة الفعلية ولم يضطروا إلى تأليف قوانين كما هو الحال لدى الانسان المستقر.
هذه ليست مفاضلة بين القطبين ولكن هذا الواقع.

الصحراء هي مرحلة من عمر المجتمعات والشعوب كما نلاحظ، لا يمكن أن تعيش المجتمعات إلى الأبد بهذا النظام القبلي معتمدة على العرف. أليس من سنة الحياة أن تتحول المجتمعات من البدائية إلى الحداثة؟

قد يحدث تلاقح، أو الهجرة من هنا إلى هناك أو العكس، وللأسف أن إنسان البرية -في الغالب- هو الذي تلتهمه المدنية ويفقد هويته وروحه وحريته.

في رواية (عشب الليل) تقول: “ما إن يعلم الإنسان بأن له أخاً يحيى في الرقعة المجهولة حتى يصبح لا بد من أن يحتال ويبدع ويركب الريح ليصل إليه، يصل إليه يرتمي بين ذراعيه، يحتضنه بحرارة ويبكي بدموع الحنين بين يديه ثم يستغفله في الظهر الطعنة المميتة، هذا هو الإنسان!”
هل تحاول قول : أن الإنسان غدار بطبعه؟

الذي يحدث هنا هو بسبب العلاقة، والعلاقة دائما عداء!
ولهذا يُقال الجحيم هو الآخر.
عندما يقول (أرسطو): “الإنسان كائن اجتماعي” فهو لم يخطئ، لأنه كائن إجتماعي وإجتماعي شقي.
عندما يصبح الانسان اجتماعياً يصبح شريراً، وهذا أشبه ما يكون بالدراما، حين لا نستطيع ان نستغني عن الانسان فـ نهرع له ونرتمي بين يديه كالطفل ولكن لا نلبث قليلا بحكم العلاقة ألا ويحدث الصراع، كصراع قابيل وهابيل.

من مقولاتك في رواية (رسول السماوات السبع): “نحن لا نُميت إلا من نحب”.

هذه دراما الحب،
الحب علاقة تريد أن تأله المحبوب، والمحبوب لا يستطيع أن يتأله أبدا فتقتله، لكي تتماهى معه،
لكي تحبه كما ينبغي يجب أن تحبه في الموت، وفي الواقع لا حب إلا في الموت،
ما هو الموت؟ الموت هو الحرية في بعدها الأقصى.

من مقولات “الناموس” : “يتلذذ الانسان في الاجتماع الى الناس، ويجد أشد الصعوبات في الاجتماع الى نفسه”!
هل يحب الاستاذ ابراهيم العزلة؟

بالتأكيد، بدون عزلة لا إبداع، ولا نبوءة.
من هو النبي الذي خرج إلى العالم بدون عزلة، ألا تذكرنا العشرون عاما بـ غار حِراء، الثمن الذي يدفعه كل نبي؟
ألا يذكرنا تيه الأربعون عاماً في صحراء سيناء بذلك؟
في الحقيقة، كل الأفكار الكبرى نتجت عن التأمل، والتأمل لا يحدث إلا بعزلة.

حوار مع بول أوستر

بول أوستر

بول أوستر، كاتب ومخرج أمريكي مولود في 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية. هنا نقدم لكم حوارًا صحفيًا معه، أقامته السيدة (هيلينا دي بيرتودانو)، ليُنشر في صحيفة التليجراف في شهر نوفمبر من 2010، ومن ثم قام (أمير زكي) بترجمتها [المصدر]، ونشرها في صحيفة (أخبار الأدب) العربية.

تفتتح الصحفية مقالتها فتقول:

روايات (بول أوستر) محتفى بها فى أوروبا، ولكن الأمر ليس كذلك فى وطنه أمريكا. لحسن الحظ هو يعتبر هذا إطراء.

تقول إحدى شخصيات رواية (بول أوستر) الأخيرة (سانست بارك): “ليس من المفترض أن يتحدث الكتاب إلى الصحفيين“. هذا أمر محبط، أقرأ هذا وأنا فى طريقي لأحاور (أوستر). تكمل الشخصية: “الحوار هو شكل أدبي وضيع لا يهدف إلا لتبسيط ما لا يجب تبسيطه“. هذا سيكون مثيرًا للسخرية.

أثناء توجهي نحو منزله، المبنى الضخم الواقع فى شارع محفوف بالأشجار ببروكلين- نيويورك، شعرت بالاضطراب، لأننى رأيت (أوستر) ينظر إليّ من النافذة بوجه حجرى، كأحد الشخصيات الكئيبة فى رواياته وأفلامه.

ولكن الانطباع الأول كان خاطئًا، فـ(أوستر) رحب بي بشدة عندما وصلت وأنا أحمل حقائبي؛ فلم يكن لديّ وقت لأمر على الفندق قبل ذلك.

قال وهو يتقدم ليساعدنى: “تبدين كأنك جئت لتبقي .. مرحبًا بك لو أحببت أن تبقي هنا“.

تبدأ بعد ذلك حوارها فتقول:

(أوستر)، 63 عاما، يجلس على كرسى مخملى لونه كاكي، تبرز منه أشغال خشبية لامعة، روائع من الفن الحديث على الجدران، كتب ومجلات ملقاة بلطف هنا وهناك، آنيات زهور مرتبة.

يعيش هنا مع زوجته الثانية الروائية (سيرى هاستفيت)، أما ابنته (صوفي)، 23 عاما، الممثلة والمغنية، فتعيش بالقرب منه فى مانهاتن. وبينما كان يشعل أولى سجائره الصغيرة سألته لماذا ينزعج من الحوارات.

قال باهتمام: “اسمعى.. أنا مخلص للناشرين، ولا أريد أن أكون منفرًا، أريد أن أكون ذو روح حلوة، لذلك فأنا أجري حوارًا من آن لآخر، ولكنى أعتقد أن الفن لا يمكن إيجازه أبدا وبأى شكل، يمكن تحليله ومناقشته، ولكنى لا أعرف إن كان على الفنان أن يفعل ذلك“.

يختلف الأمر باختلاف من تستمع إليه، فربما يكون (أوستر) هو أعظم كاتب فى جيله، أو هو تجريبي وغامض جدًا لدرجة أنه لا يُقرأ. يتنهد ويقول: “نحن جميعا نتلقى الضربات.. على مر السنوات تلقيت انتقادات فظيعة وتلقيت مديحًا مبالغًا فيه، ونادرًا ما تلقيت شيئا فيما بينهما“.

أرجأت قراءة كتبه “الصعبة” لسنوات، وفوجئت حينما وجدتها ليست كذلك. (سانست بارك) روايته السادسة عشر المنشورة للتو تدور أحداثها فى بروكلين، المكان الذى يعرفه جيدا.

إنها تدور حول قصة تحول تقليدية نسبيًا، عن شاب يتسلط عليه ضميره ويهرب من عائلته، وينفق على نفسه عن طريق تنظيف المنازل التى أخليت لتوها. ولكن نحن نقرأ رواية لـ(أوستر)، فلا يوجد شيء يسير بالضبط كما نتوقع، ولكنها قصة جذابة.

سألته إن كان يزعجه قول الناس إن كتبه غير مفهومة. “لا.. هذا لا يزعجني، ولكن الشيء الطريف هو أننى أعتقد أنها سهلة الفهم، فكتبي عن العالم الواقعي، أنا لا أكتب عن أخيلة وهمية، اسمعي…” قال هذه الكلمة التى يستخدمها مرارا ليعطي إحساسًا بالأهمية: “ما أكافح من أجله هو الوضوح فى كل جملة“.

كان يرتدي قميصًا أزرق غاليًا، وبنطلون بدلة أسود، وحذاء جلديًا لامعًا. بدا (أوستر) كسياسي أنيق وشديد التهذيب. كان يكرر مشجعا: “هذا سؤال رائع“.

لماذا أصبح كاتبا؟ قال أوستر: “هذا هو السؤال غالبًا؟ اسمعي، أعتقد أن الكتابة تأتي من إحساس شديد بالوحدة، إحساس بالعزلة“. ولكن أليست الكتابة تزيد من هذا الإحساس؟ “لا.. أنا لم أشعر أبدًا بذلك.. وإنما كنت أشعر أنني مبتهج وأنا أكتب. بدأت بكتابة أشعار بشعة للغاية وأنا فى التاسعة أو العاشرة تقريبًا، وارتقيت إلى القصة القصيرة وأنا فى الحادية أو الثانية عشر“.

نشأ فى ساوث أورانج- نيوجيرسى، كابن ليهوديين مهاجرين من بولندا؛ (صمويل) و(كويني)، كانا غير متفاهمين وانفصلا فى النهاية. كان أبوه بائع أثاث، ثم سمسار عقارات، وتتضح فى كتاب أوستر الأول (اختراع العزلة) طبيعة علاقتهما الصعبة.

لم تكن هناك كتب كثيرة فى المنزل، حتى سافر عمه المترجم وترك مكتبته لأسرة (أوستر). “عندما كنت فى الثالثة عشر من العمر ذهلت من (الحارس فى حقل الشوفان)، لم يكن هناك شىء يشبه هذا الصوت“. ولكن الصاعقة الحقيقية جاءت عندما قرأ (الجريمة والعقاب)، “هذا الكتاب غيرني، أذكر أننى كنت أفكر: لو كانت هذه هى الرواية فهذا هو ما أود أن أفعله. كنت أقرأه وأنا مضطرب جدًا“.

ذهب إلى جامعة كولومبيا، ثم بدأ يعمل على ناقلة بترول: “أردت أن أقوم بمغامرة؛ كنت قد حصلت على البكالوريوس والماجستير، وأردت أن أفعل شيئا مختلفًا“.

فى سن الثالثة والعشرين توجه إلى فرنسا ليحصل على عيشه ككاتب. يقول (أوستر): “ما كنت أفعله هو أن أحصل على الطعام.. عندما عدت من باريس، كنت فى السابعة والعشرين، وكل ما كان معي هو تسعة دولارات. كنت قد نشرت كتابًا واحدًا فى الشعر، وربما كتابًا أو اثنين فى الترجمة. بقيت مع أبي حتى أجد مكانا لأعيش فيه. كان مرتبكًا، لم يكن يدري ماذا يصنع بي، ولكننى أتعاطف معه، فقد كنت مجنونًا“.

كان كلامه منطقيًا، قال لي: أنا لا أفهمك.. ستموت إذا لم تفعل شيئًا، هذا غير مقبول. لأول وهلة أثر فىّ رأيه، وفكرت في أن أكون أستاذًا جامعيًا، ولكني في النهاية ظللت أكتب“.

مات الأب قبل أن يصبح (أوستر) مشهورًا، “الآن أستطيع كسب عيشي من كل هذا، وفى الحقيقة أنا أحيا بشكل أفضل مما توقعت على الإطلاق.. كان سيصبح سعيدًا جدًا“. أما عن أمه: “هي تضع كتبي بفخر على أرفف مكتبتها، ولكني لا أعتقد أنها قرأتها، كانت دائمًا مهتمة أكثر بالأفلام التي صنعتها، الأفلام هي التى استطاعت التواصل معها.. وليس الكتب“.

رواياته التى لفتت الانتباه هي (ثلاثية نيويورك)، تلك الروايات البوليسية الثلاث المنفصلة المتصلة التي يستكشف فيها مسائل الهوية واللغة. الروايات اللاحقة أكدت على صوته المتميز، حتى أصبح شهيرًا خاصة في أوروبا؛ حيث حصل على الجائزة الثقافية الفرنسية للأدب الأجنبي، وجائزة أمير أستورياس بأسبانيا.

“فى فرنسا يشعرون أنني مثلهم، كوني أتحدث الفرنسية يساعدني على ذلك، فأنا لست عدوًا أمريكيًا”.

فى الولايات المتحدة يقدر (أوستر) بشكل أقل: “كل قصصي عن أمريكا، كلها متشربة بالتاريخ الأمريكي والأدب الأمريكي، ولكن.. الناس لا يهتمون كثيرًا بالكتب، لا توجد ثقافة كتاب هنا“.

ومع ذلك فقد تأثر بالاحتفاء بجوناثان فرانزن الذى جعلته روايته الأخيرة يتصدر غلاف التايم. يقول (أوستر) بحماس: “هذا رائع، لم أر شيئا مثل هذا من عقود.. أنا سعيد أن أحدًا جاد إلى حد ما يحصل على هذا الاهتمام“.

سألته إن كان يغار من ذلك، هل كان يحب أن يكون على غلاف التايم؟ يضحك: “أعتقد أن فرصة حدوث ذلك معدومة، أنا لا أفكر فى ذلك، فما أفعله بعيد جدًا عن الذائقة الأمريكية، ولم أقل أبدا لنفسى: أريد أن أكتب كتابا عن الأزمة الاقتصادية فى أمريكا، أو عن مؤسسة الزواج“.

أنا لا أعرف حتى ما يمكن أن أفعله، أنا فقط أكتب ما أكتبه، لدىّ دافع هائل للتواصل، أريد أن أتغلغل تحت جلد القارئ وداخل عقله وقلبه، أن أتحداه وأحركه، وأفتح عينيه على أشياء ربما لم يفكر فيها من قبل“.

هو يزعم أنه لا يقرأ المقالات التى تكتب عن أعماله: “هي إما ستحبطنى أو ستطريني بشكل غير مقبول. فى مرة كنت أقرأ جريدة ساعة الإفطار وتصادف أن رأيت مقالا عني وأخذني الفضول“.

كان يقول: “(بول أوستر) لا يؤمن بقيم الرواية التقليدية. هذا بدا كأنه هجومًا سياسيًا، لو بدلت جملة قيم أسرية بجملة قيم روائية. هذا يعبر بشكل كبير عما يعتقده النقاد الأمريكيون عن عملي“.

مثل العديد من الكتاب ينزعج (أوستر) من أمريكا: “ربما تأتي اللحظة التى سأنزعج فيها بالقدر الذى سيضطرني للرحيل“. قال ذلك مازحًا إلى حد ما. “أشعر بتعاطف شديد مع أوباما، أنا لا أعتقد أنني رأيت مثل هذا الصراع فى الحكومة، الجمهوريون يسعون عمليًا على إفشال أوباما، سيشعرون بسعادة كبيرة إذا مات، وأعتقد أنه أظهر حلمًا كبيرًا بتحكمه في نفسه“.

و(أوستر) يعرف كيف يكون حليمًا، ففي مرة قُدّم إليه ناقد كان يهاجم كتبه، هذا فى الوقت الذى كان لا يزال يقرأ فيه النقاد: “عندما سمع الناقد اسمي شحب وجهه، توقع أن ألكمه، والحقيقة أنني كنت أريد ذلك لأن ما كتبه أغضبني جدًا“.

بعد ذلك قلت لنفسي: أن أفضل طريقة للتعامل مع الأمر هو التظاهر بأنني لا أعرفه، لذلك قلت له: أنا سعيد جدًا بلقائك“. يضحك ويقول: “لحظته يتنفس الصعداء من رئتيه، ولكنه لا يزال ينتقدني، لذلك أشعر الآن أنه كان عليّ أن ألكمه“.

أبطال روايات (أوستر) غالبًا ما يكونوا قد تعرضوا لخسارة كبيرة قبل بداية القصة: “أنا مهتم بأن أبدأ قصصي بأزمة ما لأرى كيف ستتعامل الشخصية معها“. هل تعرض لخسائر مشابهة فى حياته؟ “العديد من الناس ماتوا أمامي فجأة، فهذا الشعور ليس غريبا عليّ“.

أكثر من أى شىء آخر تمتلئ روايات (أوستر) بالحوادث والصدف؛ عندما كان فى الرابعة عشر رأى (أوستر) صبيًا يموت مصعوقًا حينما كانوا فى رحلة بمعسكر صيفي. يقول: “ربما تكون تلك التجربة هي أكثر شيء أثر على رؤيتى للعالم“.

يستعيد القصة كأنه يستعيد رعب تلك اللحظة: “كنا تائهين فى الغابات، وهبت فوقنا عاصفة رعدية شديدة، وكانت تلقى بصواعقها على الأرض، كان الأمر أشبه بقذف القنابل“.

أحد الصبية قال إنه من الأفضل أن نتوجه بعيدا عن الأشجار، تحركنا فى صف واحد تحت سياج من الأسلاك الشائكة، الصبي الذى كان أمامى كان تحت السياج مباشرة عندما ضربته الصاعقة، مات فى التو، ولكننا لم ندر ذلك“.

جذبناه واستلقينا على الأرض معه طوال العاصفة، أتذكر أننى كنت أمسك لسانه حتى لا يبتلعه، وشاهدت لون جسمه يشحب. عندما ترى ذلك وأنت فى الرابعة عشر، تبدأ فى إدراك أن العالم أقل استقرارًا بكثير مما كنت تعتقد“.

الحياة ليست مرتبة بعناية، فأنت تذهب إلى العمل فى يوم ما، فتصطدم طائرة بالمبنى وتجد نفسك احترقت“.

هل وعيه الدائم بهذه التبدلات يجعل الحياة صعبة العيش؟ “اسمعي، الأمر لا يعني أنني أسعى باحثًا عن هذه الأشياء، أنا مثل الجميع، لديّ أحلام وأهداف، وأشعر بالإحباط عندما لا تتم. إنما الفكرة أن هناك العديد من الأشياء ليست فى قدراتنا. لقد قابلت (سيري) بالصدفة، الحظ جعلنا نعيش سويًا لثلاثين عامًا حتى الآن“.

تقابلا فى أمسية شعرية بنيويورك، (أوستر) كان قد تزوج من قبل (بليديا ديفيز)، كاتبة قصة قصيرة، ولديه منها ابن؛ (دانييل). مؤخرا وصفت (سيرى) اللقاء كالتالي: “ذهبت إلى الردهة ورأيت هذا الرجل الوسيم، قدمت إليه ووقعت في حبه فى ظرف عشر ثوان“.

يقول (أوستر): “لو لم يظهر أحدنا لما تقابلنا أبدًا، كانت فرصة وحيدة“. وبالصدفة أيضا فُتح الباب لأرى امرأة شقراء طويلة. ابتسمنا جميعا. قال: “ها هى (سيرى)” وكان يبدو هو نفسه متفاجئًا.

يكتب (أوستر) رواياته فى شقة قريبة، “أذهب إلى هذا المكان المتقشف، لا شيء هناك سوى العمل، أكتب فى دفتر، أحيانا أمزق كل ما كتبت، لو استطعت كتابة صفحة واحدة أرى أنني أنجزت فى اليوم، أتوجه بعد ذلك لأكتبها على آلتي الكاتبة“.

لا يملك بريدًا إلكترونيًا ولا كمبيوتر، “ليس لديّ موقف فلسفي من ذلك، أنا فقط أشعر بنفسي أكثر حرية وانطلاقًا بدون أن تكبلني هذه الأشياء”.

مؤخرا بدأ فى العمل على رواية جديدة، ولكنه يقول إنه فى الأعوام الأخيرة أصبح من الصعب عليه إيجاد الأفكار.

كنت معتادًا على أن أحتفظ بقصص غير مكتملة، ولكن من أعوام مضت وجدت الأدراج خاوية، أعتقد أننى وصلت للوقت الذى أخبر فيه نفسي أننى لو لم أكتب كتابًا آخر فتلك ليست مأساة، هل يعنى كثيرًا أن أنشر 16 أو 17 رواية؟ لو لم يكن هذا مُلحًا، فلا معنى للكتابة“.

ساراماغو، في مديح التشاؤم، ودوره في التغيير

saramago

جوزيه ساراماغو (1922 – 2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

في كتاب (صحبة لصوص النار)، قامت الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد) بحوار مع (ساراماغو)، نقتبس منه شيئًا متعلقًا بمديح التشاؤم، الذي اشتهر به الأخير. وعن دور هذا التشاؤم في إحداث التغيير الحياتي الذي نصبو إليه. ونبدأ بسؤال الصحفية:

هل تعتقد أن الحضارة الجديدة التي توشك على الظهور، والتي سوف يكون عنوانها العريض على الأرجح حضارة العولمة الاقتصادية، سوف تسدد ضربة قاضية للإنسان في إنسانيته؟

كيف لا والعولمة الاقتصادية وحقوق الإنسان عنصران غير منسجمين، بل متنافران إلى أقصى الحدود. هرّ العولمة سوف يلتهم فأر حقوق الإنسان، نقطة على السطر. نحن نعيش في عصر تبدو فيه حقوق الإنسان، من وجهة النظر الرسمية، راسخة ومحترمة ومطالبًا بها ومدافعًا عنها، لكن الواقع غير ذلك؛ وهذا قد يحملنا إلى ديكتاتورية من نوع جديد، مختلفة عن سابقتها في أنها ليست مثلها بيّنة وواضحة، سهلة الرصد مما يتيح لنا الكفاح ضدها، بل هي مستترة كسرطان خبيث لن نستطيع أن نرصد هول خرابه إلا بعد فوات الأوان.

تبدو رؤيتك متشائمة للغاية…

تعرفين، يقولون لي دائمًا: “يا لك إنسانًا متشائمًا يا (جوزيه ساراماغو)”، فأجيبهم: “لا، بل هو عالمنا المشؤوم“. في أي حال أرى التشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة، وأن التفاؤل شكل من أشكال الغباء. أن يتفاءل المرء في أوقات كهذه ينمّ إما عن انعدام أي إحساس أو عن بلاهة فظيعة.

ولكن ألا تعتقد أن هذه السلبية تحرض على مزيد من السلبية؟

لست أقول إن كل شيء سلبي وقاتم، لكني أعني أن الأمور السلبية في العالم هي أكثر من أن نتجاهلها أو أن نغض الطرف عنها. يبدو لي خطأً جسيمًا أن نحتمل وجود الأمور السلبية بسبب بعض الإيجابيات المقابلة لها. هذه لا تشفع بتلك.

إلا أن بعض التفاؤل نابع من الشجاعة. ألا يعني التشاؤم نوعًا من الخضوع والاستسلام وعدم الرغبة في الكفاح؟

بلى، أحيانًا، ولكن لنكن منطقيين بعض الشيء؛ المتفائل يظن أن العالم في حال جيدة، أو أنه في حال سيئة لكنه سوف يتحسن لا محالة. أما المتشائم، فيرى من جهته أن العالم في حال يرثى لها، لكن ذلك لا يعني إنكاره الإيجابيات الموجودة في هذا العالم. ربما ثمة كما تقولين نوع من التشاؤم يحث على اليأس وعلى الجمود، ولكن ليس كل متشائم مرشحًا لكي يطلق النار على نفسه. ثمة تشاؤم من نوع آخر، وهو تشاؤمي أنا. تشاؤم قائم على هذه الفكرة؛ “لأن الواقع بهذا السوء، سأحاول ضمن قدراتيو تغييره”. وإذا لم أكن قادرًا على تغييره، أقله أشير بإصبعي وأقول: “انظروا، هذا سيء”، مثلما أفعل الآن مع الديموقراطية مثلًا. إنه لتعميم أن نقول إن كل متشائم شخص يائس.

إنه لتعميم آخر أن نقول إن كل متفائل شخص غبي. فمثلما هناك المتشائمون الجيدون والمتشائمون السيئون، يصح تطبيق التمييز نفسه على جماعة المتفائلين، أليس كذلك؟

(يبتسم) حسنًا، سوف أرضح لعنادك وأسلّم بأن المتفائلين غير الأغبياء جيدون بقدر المتشائمين غير اليائسين، وبأن هاتين الفئتين يجب أن تتكاثفا وتعملا معًا لكي تحاولا الذهاب بواقعنا إلى مكان أرقى وأفضل. وذلك ما أسعى إليه في كتاباتي.

أن تكون متشائمًا لا يعني أن رواياتك يجب أن تكون بالضرورة متشائمة.

طبعًا لا. لقد حكى الكثير عن أعمالي بأنها مفرطة التشاؤم، وأنا لا أوافق على هذا التصنيف، صحيح بأنها أعمال تواجه قسوة الواقع بقسوة تعادلها، لكنها تهدف إلى تحسين العلاقة التي نقيمها مع الحياة المعاصرة، وإلى تغييرها.

وهل تعتبر أن المفكرين يملكون الدور الأكبر في عملية التغيير هذه؟

سوف أسرّ لك بشيء؛ أنا ضد التمييز بين المفكّر وغير المفكّر؛ كلنا مفكرون، كلنا نتصرف بناءً على ما يمليه علينا فكرنا، ولا يمكننا أن نزيح شعرة واحدة من مكانها من دون استخدام عقلنا، ولذلك يبدو لي هذا التصنيف نوعًا من التمييز المهين.

ولكن أليس ثمة ضرورة أن تؤدي فئة معينة من الناس تحديدًا دور المحرّك والمحفز في مجتمع يزداد جمودًا يومًا بعد يوم؟

بلى، ولكن لا أحد يفعل شيئًا، لا أحد يحتج أو يثور، أو يتدخل أو يناقش. لقد أدركنا درجة استيعاب مرعبة للفظاعات التي تدور حولنا. ثمة خمول وبلادة خطيران، لا بل ثمة خدر شامل. الناس تتململ أحينًا إثر بعض الصدمات العنيفة، لكنها تعبّر عن ردود فعلها في شكل مؤقت، وبعد يوم أو أسبوع على الأكثر تعود إلى روتينها الأعمى واالأصم والأبكم.

كما لو أننا فقدنا القدرة على أن يثور سخطنا…

صحيح، في حين أن مبررات السخطلا تنقص من حولنا. في زمن الفاشية، عانى الناس من الاضطهاد والتعذيب والسجن بغية الكفاح من أجل ولادة زمن جديد؛ زمن الحرية والديموقراطية. والمذهل في الأمر أنه زمن هاتين الحرية والديموقراطية بالذات، بات الناس أقل ميلًا إلى الاعتراض والتظاهر والاستنكار من ذي قبل. عندما أصبح في وسعنا أن ننتقد ونجادل، أدرنا ظهورنا وانحنينا على أنانيتنا المفترسة.

اعترافات ميشل فوكو في الكتابة

ميشال فوكو (1926 – 1984) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، تأثر بالبنيويين ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه (تاريخ الجنون)، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون في كتابه (المراقبة و المعافبة). ابتكر مصطلح “أركيولوجية المعرفة”. أرّخ للجنس أيضاً من “حب الغلمان عند اليونان” وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في (تاريخ الجنسانية).

في كتاب (حوارات و نصوص) قدّم ميشال فوكو  اعترافات ثمينة عن تكوينه الفكري وأهدافه ومسيرته، وذلك عبر الحوار الذي أجراه معه روجيه بول دروا الباحث المعروف في أنماط تفكير البوذية والبرابرة.

و اقتبست من الحوار الأوّل ما يختص باعترافاته حول الكتابة :

لماذا تقول أنك لست كاتباً ؟ 
الأمر بسيط. أعتقد بضرورة امتلاك وعي حِرفيّ في هذا الميدان. و بقدر ما يجب صنع القبقاب يجب كذلك صنع الكتاب.
و ينطبق هذا الأمر كذلك على أي كتلة من الجمل المطبوعة سواءً في جريدة أو مجلة و لاتعدو الكتابة أن تكون كذلك.
يجب أن تصلح الكتابة للكتاب. و ليس الكتاب هو الي يكون في خدمة هذا الكيان المهم و المقدّس جداً الآن و الذي ستصنعه الكتابة.

قلت لي إني غالباً مّا أستعمل الالتواءات الأسلوبية التي يبدو أنها تبرهن على أني أحبّذ الأسلوب الجميل. ألا فقد صدقت، هناك دائماً نوع من أنواع المتعة التي قد تكون شبقية بشكل متدنَّ، في العثور على جملة جميلة، عندما يضجر المرء ذات صباح من كتابة أشياء عادية. و يتهيّج المرء بعض الشيء عندما يستغرق بالأحلام و فجأة يجد الجملة التي ينتظرها. فيحس بالسعادة و يعطي ذلك دفعاً للذهاب إلى ماهو أبعد. يوجد شيء من هذا كله بطبيعة الحال.

لكن هناك أمر آخر – إذا أردنا أن يصبح الكتاب أداة يمكن أن يفيد منها الآخرون – وهو ضرورة أن يوفر المتعة للقراء الذين يطالعونه. يبدو لي أن هذا الأمر يمثّل واجباً أولياً بالنسبة لمن يقدم هذه البضاعة أو هذا الشيء الحرفيّ: يجب أن يوفّر هذا الشيء المتعة!
هناك متعتان إذاً : متعة الكاتب و متعة القارئ ..
 بكل تأكيد. كم من اكتشافات و مهارات أسلوبية توفر المتعة لمن يكتب و لمن يقرأ! إنني أحبذ جداً هذا الأمر. لا أجد أي مبرّر لإقصاء هذه المتعة كما أنني لا أجد مبرّراً لفرض الضجر على أناس أتمنى أن يُقدموا على قراءة كتابي. يتعلق الأمر بالتوصل إلى شيء يكون في منتهى الشفاقية على مستوى مايُقال مع وجود نوع من السطح البرّاق في الوقت نفسه. يجعلنا نجد متعة في مداعبة النص واستخدامه و تأمّله و إعادة تناوله. هذا هو مغزى الكتاب بالنسبة لي.
و لكن مرة أخرى لبس ذلك بالكتابة. أنا لا أحب الكتابة. أن يكون المرء كاتباً أمر يثير السخرية حقاً في نظري.
لو كان لي أن أعرّف نفسي و أن أقدمها بصورة مدّعية، و لو كان لي أن أصف تلك الصورة التي تصاحب كل شخص منا و التي تضحك باستهزاء ثم تقودك في نفس الوقت، فإنني سأقول بأنني حرفيّ و سأكرر القول بأنني صانع أسهم نارية. و أعتبر كتبي بمثابة ألغام و كتل من المتفجرات .. ذلك ما أتمنى لها أن تكون.
على هذه الكتب في اعتقادي أن تخلّف أثراً مّا، و لذلك لا بد من أن يبذل المرء مافي وسعه. لكن على الكِتاب أن يختفي عن طريق تأثيره نفسه و داخل تأثيره، لاتعدو  الكتابة أن تكون وسيلة و ليست الهدف. كما أن ” الأثر المكتوب ” ليس الهدف في حد ذاته! بحيث أن تعديل أي كتاب من كتبي قصد إدماجه في وحدة الأثر حتى يشبهني أو يشبه الكتب التي ستأتي فيما بعد، لا يحمل أي دلالة بالنسبة لي.
– أليست الكتابة بالنسبة إليك ضرورة رغم كل شيء؟
كلا، ليست ضرورة على الإطلاق. و لم أعتبر أبداً أن الكتابة شرف أو عمل خارق. أقول عادةً: متى سيأتي اليوم الذي أنقطع فيه عن الكتابة! لا لأنني أحلم بالذهاب إلى الصحراء أو إلى مجرد الشاطئ بل لأنني أحلم بالقيام بشيء آخر باستثناء الكتابة.
كما أنني أقول ذلك بمعنى أكثر دقة ألا وهو : متى أشرع في الكتابة دون أن يحيل فعل الكتابة إلى ” الكتابة ” ؟ دون الجوء إلى هذا النوع من الاحتفالية التي تتطلب جهداً كبيراً .
الأشياء التي أنشرها، هي أشياء مكتوبة بالمعنى السلبي للكلمة: لها رائحة الكتابة. و عندما أشرع في العمل يكون الأمر متعلقاً بالكتابة ليفرض ضمنياً طقوسا كاملة و صعوبة معينة. أدخل في نفق، لا أريد رؤية أحد بينما أرغب على العكس في أن تكون كتابتي سهلة من أول مرة، و لكنني لا أصل أبداً إلى هذا المبتغى. و من الضروري التصريح بالأمر، لأننا لا نحتاج إلى إقامة خطابات طويلة ضد ” الكتابة ” إذا لم نعرف أنني أواجه أشد العذاب بسبب عدم ” الكتابة ” عندما أشرع في الكتابة. أريد أن أتخلص من هذا النشاط المنغلق الاحتفالي، المنطوي على نفسه و المتمثل بالنسبة إلي في وضع كلمات الورق.
لكنك تجد في هذا العمل عمل الورق و الحبر متعة حقيقية ” ؟
 المتعة التي أجدها تعارض في الحقيقة المفهوم الذي أريده عن الكتابة. فأنا أريدها أمراً عابراً يخرج هكذا تلقائياً يُكتب في زاوية طاولة، يقدم للآخرين يُتداول، قد يكون منشوراً أو مُلصقاً أو مقتطفاً من فيلم أو خطاباً عاماً أو أي شيء آخر ..
و أقول مرةً أخرى إنني لا أتوصل إلى الكتابة على هذا النحو، أجد في هذا الأمر بالطبع مايوفر لي المتعة. و أكتشف بعض الأشياء الصغرى لكن هذه المتعة لا تسعدني.
إنني أحس إزاء الكتابة بحالة من القلق، لأنني أحلم بنوع آخر من المتعة يختلف اختلافاً كلياً عن نوع المتعة المألوفة التي يحس بها كل الناس الذين يكتبون. ننزوي أمام ورق أبيض، الذهن خالٍ من الأفكار ثم تصبح جملة من الأشياء حاضرة شيئاً فشيئاً، بعد ساعتين أو يومين أو أسبوعين، داخل عملية الكتابة نفسها.
النص موجود و نعرف عنه أكثر بكثير من ذي قبل. كان الذهن خالياً ثم أصبح ملآنا، ذلك أن الكتابة ليست إفراغاً بل هي ملء. و بفراغها الخاص بها نصنع الوفرة ( الزخم ). الكل يعلم ذلك. هذا الأمر لا يسليني!
فبماذا تحلم إذن؟ بأي نوع من الكتابة ؟
– بكتابة غير متصلة، لا تتبيّن أنها كتابة، تسخدم الورق الأبيض أو الآلة أو مقبض القلم أو ملامس الآلة، وهكذا وسط جملة من الأشياء الأخرى قد تكون الفرشاة أو الكاميرا. ويبث كل ذلك – وهو ينتقل من هذا إلى ذاك – نوعاً من العصبية و التشوش.
و هل لديك رغبة في التجربة.؟
نعم، لكن ينقضي ذلك النوع ممّا لا أعرف كيف أسميه من العصبية إلى الموهبة.
وفي النهاية أعود دائماً إلى الكتابة، فأحلم بنصوص موجزة. لكن ذلك دائماً يفضي إلى كتب ضخمة!
و رغم كل شيء فإني أحلم دائماً أن أكتب كتاباً خاصاً بحيث لا يكون لسؤال مثل: ” من أين تنبع هذه الأشياء ” ؟ من معنى.
أحلم بفكر أداتي حقاً. لا يهم أن نعرف منبعه، فهو يأتي هكذا . الأساس هو أن نجد بين أيدينا أداة سيُتاح لنا بواسطتها تناول طب الأمراض النفسية أو مسألة السجون.

 

لقاء مع الروائي ميلان كونديرا

ميلان كونديرا

 

ميلان كونديرا، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. من مواليد عام 1929 في تشيكوسلوفاكيا. وهذا لقاء مترجم بشكل حصري لدى ساقية (المصدر)، يشرفنا أن ننقله لكم، وقد قام بهذا اللقاء الصحفي (كريستيان سلمون). يقول الصحفي في تقديمه للقاء:

هذا اللقاء كان نتاجًا لبضعة لقاءات مع (ميلان كونديرا) بخريف 1983 في باريس. وقد أقيمت هذه اللقاءات في شقة علوية بالقرب من برج مونبارناس، اتخذها (كونديرا) كمكتب له. بأرففها المليئة بكتب الفلسفة والموسيقى، الطابعة قديمة الطراز على الطاولة هناك، مما يعطيها طابعًا أقرب لغرف دراسة الطلاب، أكثر منها غرفة دراسية لكاتب مشهور عالميًا. على أحد الجدران، صورتان معلقتان جنبًا إلى جنب؛ الأولى لوالده عازف البيانو، والأخرى لـ(ليوش ياناتشيك) الملحن التشيكي، الذي ينال تقديرًا كبيرًا من (كونديرا).

أجريت هذه المقابلة بعد فترة قريبة من نشر رواية (كائن لا تحتمل خفته) لـ(ميلان كونديرا)، وبعد أن أضحت الأكثر مبيعًا فور نشرها. لم يستقبل (كونديرا) هذه الشهرة المفاجئة بصدر رحب، ولم يكن مرتاحًا لها أبدًا، ولعله يتفق مع (مالكوم لوري) في مقولته: “النجاح هو كارثة عظيمة، أشد سوءًا من اشتعال النيران في بيت أحدهم، الشهرة تستحوذ على البيت وعلى روح البيت”. سألته مرة عن بعض تعليقات الصحافة على رواياته، فأجاب بأنه “يأخذ جرعات زائدة من نفسي”.

رغبة (كونديرا) في عدم التحدث عن نفسه تبدو كردة فعل غريزية ضد ميل النقاد لدراسة الكاتب، وشخصية الكاتب، وسياساته وحياته الخاصة، عوضًا عن التركيز على عمل الكاتب. “الاشمئزاز من وجوب التحدث عن ذواتنا هو ما يفرّق بين موهبة الكاتب الروائي وموهبة كاتب القصائد الغنائية”، هكذا قال (كونديرا) لأحد الصحف المحلية، فرفض التحدث عن ذواتنا إذًا، هي الطريقة المثلى لأن تضع أعمالك الأدبية كموضع الاهتمام المباشر، ومكمن التركيز. وهذا هو الهدف من هذا اللقاء، فن التكثيف، البُنْية والتراكيب.

 

kundera_milan

 

صرّحت سابقًا بأن أقرب الروائيين إليك هما (روبيرت موزيل) و(هيرمان بروخ) من فيينا، أكثر من أي روائي آخر في الأدب المعاصر. (بروخ) يعتقد، كما تعتقد أنت أيضًا، أن عصر الروايات السيكلوجية – المهتمة بتحليل النفس البشرية – قد شارف على الانتهاء. عوضًا عن ذلك، آمن بما أطلق عليه روايات الـ”بوليـهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة.

(موزيل) و(بروخ) أثقلوا الروايات بمسؤوليات هائلة. يرونها كتأليف فكري متعمق، يرونها كآخر الأمكنة التي يمكن التساؤل فيها عن الكون ككُل. كانوا مقتنعين بأن قوة التأليف عظيمة في الرواية، مما يُمكّنها من أن تكون أشبه بالشعر، الخيال، الفلسفة، الحكمة، ومقالة، وكل ذلك معًا. وقد تعمّق (بروخ) في هذا الموضوع في أحد رسائله. ولكن يبدو لي بأنه لم يحسن اختياره لمصطلح “بوليهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة. في الحقيقة أن هذا المصطلح تم تأليفه من قِبل (ادالبيرت ستيفتر) الروائي النمساوي الكلاسيكي، وقد اخترع هذا المصطلح في روايته (الصيف الهندي)، والتي نُشرت في عام 1857. الرواية مشهورة، حتى أن (نيتشه) قد اعتبرها من أفضل أربعة أعمال في الأدب الألماني. ولكنها حاليًا غير قابلة للقراءة، فهي محشيّة بمعلومات عن الجيولوجيا، علم النباتات، علم الحيوان، الحِرَف، الرسم، الطلاء، الفنون البنائية. لكن هذه الموسوعة الهائلة، قادرة على إسعادك، لكنها لن تتركك تدخل عالمها. بالضبط لأنها متعددة الأزمنة، (الصيف الهندي) تفتقد تمامًا لما يجعلها رواية مميزة. لكن هذه ليست الحالة مع (بروخ). بالعكس! إنه يندفع حتى يكتشف، فالموضوع الوحيد الذي يحب (بروخ) أن يطلق عليه “معرفة روائية” هو “الوجود”. في نظري أن مصطلح “الأزمنة المتعددة” ينبغي أن يُعرّف  بأنه “ما يأتي بالنصائح وأشكال المعرفة بغرض أن يشع نورًا على الوجود”. نعم، إني أحس بالقرب من هكذا منهج.

 نشرت سابقًا مقالة مطولة في أحد المجلات الفرنسية، وكانت السبب في أن الفرنسيين أعادوا اكتشاف (بروخ) مرة أخرى. تحدثت عنه بتقدير كبير، ومع ذلك قمت بانتقاده أيضًا. فكتبت في نهاية المقالة: “كل الأعمال العظيمة، تكمن عظمتها في أننا علِمنا مسبقًا بأنها عظيمة، ومع ذلك فهي نوعًا ما غير مكتملة”.

(بروخ) هو إلهام لنا جميعًا، ليس بسبب إنجازاته فحسب، وإنما لكل أهدافه التي لم يحققها أيضًا. يمكن للا كمال في أعماله أو يمكن للنقص في أعماله أن تساعدنا على فهم الحاجة لأشكال فنية مختلفة، مما يشمل: [1] التجريد الجذري من كل ما هو غير ضروري، لأجل الحصول على تعقيد الوجود دون فقدان النقاء البنائي في الرواية، [2] التناغم الروائي، من خلال توحيد الفلسفة والسرد والحلم في معزوفة واحدة، [3] المقالة بأسلوب روائي، فبدلًا عن الإدعاء بنشر وتضمين رسائل معينة، تبقى في النهاية افتراضية، ساخرة وغير حقيقية، لا تلامس حياتنا البشرية.

يبدو بأن هذه النقاط الثلاث تختصر كل برنامجك الفني.

 من أجل أن تكون رواياتنا “متعددة الأزمنة”، وبمسحة وجودية، يجب أن نتقن مهارة الانتقال المفاجئ، فن التكاثف، وإلا، سقطت في فخ طويل بلا نهاية. رواية (موزيل) مثلًا، (رجل بلا صفات)، واحدة من أكثر ثلاث روايات أحبها. لكن لا تطلب مني أن أقدِّر تمددها الكبير والغير متناهي! أتخيلها قلعة كبيرة جدًا، للدرجة التي تعجز العين أن تحصرها بنظرة واحدة. أتخيلها سلسلة رباعية طالت لتسع ساعات. هناك حدود أنثروبولوجية، وأبعاد إنسانية، لا يجب أن تُخترق، حدود الذاكرة مثلًا. عندما تنتهي من القراءة، يجب أن تكون قادرًا على تذكر البداية. إن لم تتمكن من ذلك فقدت من روايتك شكلها، ويصبح وضوحها البنائي مشوبًا أيضًا.

 

Milan-Kundera-006

 

 (كتاب الضحك والنسيان) مكوّن من سبعة أجزاء. لكن الملاحظ عليها بأن كل جزء منها يمكن أن يكون رواية مختلفة إن تخليت أنت عن الانتقال المفاجئ الذي تحدثت عنه.

لكني إذا ما كتبت سبعة روايات مختلفة، فقدت تبعًا لذلك الشيء الأكثر أهمية، لم أكن لأحكِم صورة “التعقيد في وجودية الإنسان في العصر الحديث” في كتاب واحد. فن الانتقال المفاجئ أساسي جدًا، حتى يقدر المرء على الوصول لخلاصة الموضوع مباشرة. بهذا الاتصال، أنا أفكر دائمًا بـ(لويس جانايك) الموسيقي التشيكي العظيم، والذي أقدّره عاطفيًا منذ الصغر. هو أحد أعظم الموسيقيين الحداثيين. كانت له مثابرة وإصرار لتجريد الموسيقى من أساسياتها الثورية. بالطبع، كل تركيبة موسيقية تتطلب الكثير من المهارة: الكشف عن الشكل العام، تطوراته، اختلافاته، تعدد الأصوات فيه، التزامن وملؤ الفراغات بالآلات الموسيقية، الانتقالات، إلخ.

أما اليوم، فيستطيع المرء أن يكتب الموسيقى عن طريق كمبيوتره، لكن الكمبيوتر فعلًا في فِكر الكاتب الموسيقي. يستطيع أن يجد بعض الإيقاعات والتوصيفات الجاهزة، ليقوم هو بعد ذلك بمجرد الاختيار والترتيب.

لهذا عمِد (جانايك) على تدمير كمبيوتره! تجاوز قاسي بدلًا من الانتقال والتكرار، وتغيير قوي لقَلب الأمور، ولن تبقى غير الذاكرة، التي تحمل شيئًا مهمًا يستحق الوجود. وتقريبًا فالأمر ذاته بالنسبة للروايات؛ إنها مثقلة بالتقنين، بقوانين تقوم بعمل الكاتب بدلًا عنه: تقديم الشخصيات، وصف المكان والبيئة، خلق الأحداث في المكانة التاريخية، ملئ حياة الشخصيات بأحداث أو حلقات مفرغة. كل تغيير في المشهد يتطلب إيضاحًا وتقديمًا جددًا، أوصافًا، وتفسيرات. يمكنني القول بأن أهدافي قريبة من أهداف (جانايك): أن أخلص الرواية من التكنيكات الروائية المعتادة، من الدوران المحوري للكلمات والأوصاف.

 الهيئة الثانية للفن التي ذكرتها كانت (التناغم الروائي).

فكرة أن الرواية هي عمل تركيبي عظيم، تقوم تلقائيًا -تقريبًا- بمحو مشكلة (تعدد الأزمنة). هذه المشكلة ما زالت بحاجة للتمحيص. وليكن الجزء الثالث من رواية (المشاة أثناء النوم) لـ(بروخ). فهي مكونة من خمسة عناصر مختلفة: [1] الروائية، السرد والقصة المؤسسة على ثلاثة شخصيات رئيسية، [2] الوصف الواقعي للحياة في مستشفى الجيش، [3] سرد قصة فتاة في جيش الخلاص، [4] القصة الواقعية لـ(هانا ويندلينق)، [5] المقال الفلسفي عن مهانة المبادئ. كل جزء فيها مذهل بحد ذاته. وبالرغم من ذلك، وبغض النظر عن التعامل بالتساوي معها كلها، وبتغيير ثابت، تبقى العناصر الخمسة غير متحدة. بكلمة أخرى، فهي لا تمثل (بوليفونيك) حقيقي.

باستخدام التعبير المجازي (بوليفونيك)(*) وتطبيقاته الأدبية، ألا تطلب هنا من الرواية مالايمكن استيفاؤه ؟

الرواية تستطيع أن تدمج عواملًا خارجية بطريقتين. في مجرى السرد، دون اقتباس، تجعلك تسرد قصص مختلف الشخصيات. بهذه الطريقة، القصص المستقلة تُدمج ككُل متناسقة في إطار الرواية. هذا التركيب منتشر عادة في روايات القرن السابع عشر والثامن عشر. (بروخ)، على الرغم من ذلك، وبدلًا من أن ينسّق قصة (هانا ويندلينق) وقصة الثلاث شخصيات الرئيسية الأخرى، قام بكتابتها كلها بشكل مستقل. (سارتر) في (التأجيل) و(دوس باسسوس) قبله، أيضًا استخدموا هذا التكنيك في التزامن. هدفهم، مع ذلك، أن يجلبوا معًا القصص السردية المختلفة، بكلمات أخرى، عناصر متجانسة بدلًا من غير التجانس الحاضر عند (بروخ) مثلًا. وأيضًا، استخدامهم لتكنيكات صادمة، كميكانيكية طاغية وخالية من المعنى. لا أستطيع التفكير في مصطلح أفضل من (بوليفونيك) أو (طباق) لوصف هذا النوع من الأعمال، وبالإضافة إلى ذلك، التجانس في الموسيقى مهم. على سبيل المثال، أكثر ما يزعجني في الجزء الثالث من (المشاة أثناء النوم) هو أن العناصر الخمسة غير متساوية. فيما أن المساواة بين كل الأصوات في التكامل الموسيقي -فن مزج الألحان- هو القاعدة الأساسية للتأليف الموسيقي. في عمل (بروخ)، العنصر الأول -السرد للثلاثة شخصيات- تأخذ مساحة فيزيائية أكبر بكثير من العناصر الأخرى، والأهم، أنها حظيت بارتباط أكبر مع الجزئين السابقين للرواية. وهي بذلك تجذب اهتمامًا أكبر، وتهدد بتحويل بقية الأجزاء إلى قصص فرعية غير مهمة. الشيء الثاني المزعج هو أن كلًا من قصة (هانا ويندلينق) والمقالة الفلسفية، لديهما القدرة على أن يكونا عملين مستقلين. وباستقلاليتهما، لن يفقدوا أيًا من معناهم وجودتهم.

في وجهة نظري، المتطلبات الأساسية للطباق الروائي هي: [1] التساوي بين كل العناصر، [2] تماسك الرواية ككل، كجزء واحد. أتذكر اليوم الذي أنهيت فيه (الملائكة)، الجزء الثالث من (كتاب الضحك والنسيان)، كنت فخورًا بذاتي بشكل سيء. كنت متأكدًا من أنني وجدت المفتاح لطريقة جديدة في تركيب سرد القصة. النص كان مصنوعًا من الأجزاء التالية: [1] حكاية طالبتين وتحليقهما، [2] سيرة ذاتية، [3] تقرير نقدي عن أحد كتب حقوق المرأة، [4] أسطورة عن ملاك وشيطان، [5] قصة لأحلام (باول اليوارد) وطيرانه في سماء (براغ). ليس لأحد هذه الأجزاء أن يتواجد دون الأخريات. كل واحد منها يشرح الأخريات كما لو أنها بمجملها تكشف فكرة أساسية واحدة، وتسأل سؤالًا واحدًا عن ماهية الملاك.

الجزء الثالث معنون أيضًا بـ(الملائكة)، مكون من: [1] سرد لحلم موت (تامينا)، [2] سيرة ذاتية لموت والدي، [3] انعكاسات موسيقية، [4] انعكاسات عن وباء نسيان مدمر في (براغ). ما هو الرابط بين والدي وتعذيب (تامينا)؟ إنه لقاء مكينة خياطة ومظلة، في استعارة لصورة (لاوتريمونت) الشهيرة. أن تتعدد الأصوات الروائية أقرب للشعر من كونها تكنيك روائي. لا أستطيع أن أجد أي مثال لتعدد الأصوات في الأدب أقرب من الشعر، لكنني لطالما كنت منبهرًا بآخر أفلام (آلاين ريسنايز). استعمالاته لفن التكامل جدير بالتقدير.

(*): البوليفونيك هي كلمة تُستخدم في الموسيقى، تعني الانسجام والتناغم في الحنين لأكثر من شخصية

kundera1

 

هذا التكامل الروائي كان أقل حضورًا في روايتك (كائن لا تحتمل خفته).

كان ذلك هدفًا للرواية. أردت من الأحلام، وسرد القصة، والانعكاسات، أن يسيروا معًا ككل لا يتجزأ وكمجرى طبيعي. لكن الشخصيات وتعدد أصواتها في الرواية كانا مدهشين في الجزء السادس. قصة (ابن ستالين)، الانعكاس اللاهوتي، الأحداث السياسية في آسيا، موت (فرانز) في (بانكوك)، وجنازة (توماس) في (بوهيميا) كلها مرتبطة معًا بسؤال واحد، عن ما هو الفن الهابط؟ المرور المتعدد للأصوات هو حجر الأساس الذي يربط هيكل الرواية، إنه المفتاح للفن البنائي.

بوصفك “مقال روائي” كنت عن عبرت عن عدة تحفظات في المقالة عن الغش وإهانة القيم الظاهرة في (المشاة أثناء النوم).

إنها مقالة مذهلة.

لديك بعض الشكوك حول طريقة اندماج أجزاء الرواية. (بروخ) لم يتخلى عن أية من المصطلحات العلمية، فقد عبّر عن رؤياه بطريقة مباشرة دون الاختفاء خلف أحد الشخصيات. ألا يُعتبر ذلك إسهامًا من (بروخ) في الحقيقة، تحديه الجديد لشكل الرواية؟

هذا صحيح، وكان على وعي تام بشجاعته. لكن هناك بعض الخطورة أيضًا؛ مقالته يمكن أن تُقرأ وتُفهم كمفتاح أيدلوجي للرواية، كما هي “الحقيقة”، وهذا من الممكن أن يحول بقية الرواية إلى مجرد شرح للفكرة الأساسية. عند ذلك، ستضطرب بقية الرواية، حقيقة المقالة ستصبح ثقيلة جدًا، وبناء الرواية الرقيق سيواجه خطرًا بالتهاوي. الرواية التي لا تضمر شرح نظرية فلسفية (وبروخ كان يحتقر هذا الشكل من الروايات)، قد تنتهي بأن تُقرأ بهذه الطريقة. كيف يستطيع إنسان أن يدمج مقالة مع رواية؟ من المهم أن يكون لديك حقيقة واحدة في البال؛ الجوهر هو الانعكاس(**) المتغير تمامًا في الدقيقة التي تجمّله في جسد الرواية. خارج الرواية أنت في عالم التأكيدات والحقائق، كل الفلاسفة والسياسيين متأكدين تمامًا من أقوالهم. الرواية، مع ذلك، هي منطقة لا يقوم فيها أحد بالتأكيد أو فرض أفكاره كحقائق، إنها مسرحية للنظريات. الانعكاسات في الرواية هي احتماليات جوهرية جدًا.

لكن لماذا يمنع الروائي نفسه من طرح فلسفته جهارًا وبحزم في الرواية؟

لأنه ليس بيده أكثر من ذلك !! بالعادة يبحث الناس عن فلسفات (تشيخوف) أو (كافكا) أو (موزيل). لكن حاول أن تعثر على فلسفة محكمة في كتاباتهم! حتى أولئك الذين يعبرون عن أفكارهم في دفاترهم، يعدون ذلك تمرينًا ذهنيًا. التحكم بالمفارقات أو الارتجال بدلًا من التأكيد الفلسفة، وحتى الفلاسفة الذين يستعملون الروايات كشكل يشرحون في آراءهم. لم يستطع أي من (فولتير) أو (ألبير كامو) أن يكتشف ما تستطيع الرواية وحدها أن تكتشفه. أستثني من ذلك رواية (جاك القدري). فهي معجزة بحق! بتعديها على حدود الرواية الفلسفية الجادة، أضحت أشبه بمفكرة لعوب. ليس هناك جملة واحدة جادة في الرواية، كل ما فيها أقرب للمسرحية. ولذلك فالرواية غير مقدّرة بشكل شنيع في فرنسا. في الروايع، تحتوي الرواية على كل ما فقدته فرنسا، وترفض أن تستعيده. في فرنسا، الأفكار مفضّلة على العمل، والرواية بهذا الشكل لا تستطيع أن تُترجم للغة الأفكار، ولذلك فهي غير مفهومة في عالم الأفكار.

في روايتك (المزحة)، كان (جاروسلاف) هو من كوّن نظريته الموسيقية. الشخصية الافتراضية لأفكاره واضحة وجلية في ذلك. بينما التأمل الموسيقي في (كتاب الضحك والنسيان) كان خاصًا بالكاتب، الذي هو أنت. كيف أستطيع أن أفهم إذا ما كانت تلك النظريات افتراضية أو مؤكدة؟

كل ذلك يعتمد على النبرة. من الكلمات الأولى، كان هدفي أن أعطي هذه الانعكاسات نغمة لعوبة، ساخرة، مستفزة، تجريبية ومتسائلة. كل الجزء السادس من (كائن لا تحتمل خفته) هو مقالة عن الفن الهابط، شرحًا للفكرة الرئيسية: الفن الهابط هو إنكار تام لوجود الخراء. لهذا التأمل للفن الهابط أهمية شديدة بالنسبة إليّ. فهو مبني على الكثير من التفكر، التجارب، الدراسة، والشغف أيضًا. إنها مستفزة. هذه المقالة لا يمكن التفكير فيها خارج الرواية، إنها تأمل وراثي نقي.

تعدد الأصوات في رواياتك يحتوي عنصرًا آخرًا، هو سرد الأحلام. فالجزء الثاني كاملًا من (الحياة في مكان آخر)، هو أساسًا الجزء السادس من (كتاب الضحك والنسيان)، ويجري أيضًا في (كائن لا تحتمل خفته) في حلم (تيريزا).

هذه الأجزاء أيضًا هي الأكثر قابلية للفهم بشكل خاطئ. فالقراء يريدون أن يجدوا الرسالة الرمزية فيها. بينما لم يكن هناك أي تشفير في حلم (تيريزا). إنه إشعار بالموت. معناه في جماله، والذي ينوّم (تيريزا) تنويمًا مغناطيسيًا. على فكرة، هل لاحظت بأن الناس لا يستطيعون قراءة (كافكا) لمجرد فك شفراته؟ بدلًا من أن يسمحوا لأنفسهم بالاتجراف معه بعيدًا في مخيلته الفذة. تجدهم يبحثون عن الاستعارات والتشبيهات، فلا يستطيعون أن يجدوا شيئًا غير الأفكار المتداولة دائمًا. ككل الأشياء التي تضحي سخيفة من كثرة استعمال الناس لها: الحياة عبثية، أو غير عبثية، الرب بعيد عن المتناول، أو في المتناول، وغير ذلك. لا تستطيع أن تفهم شيئًا عن الفن، خاصة الفن الهابط، إذا لم تفهم بأن الخيال بحد ذاته هو قيمة عالية. (نوڤاليس) عرف ذلك عندما مجّد الأحلام. إنها “تحمينا من رتابة الحياة” كما قال، فهي “تحررنا من الجدية بخفتها وخفة ألعابها”. فكان هو أول من فهم دور الأحلام والخيالات الشبيهة بالأحلام في الروايات. فقرر أن يكتب الحلقة الثانية من قصائد (هاينريش فون أوفتردنقين) كسرد تتشابك فيه الأحلام مع الواقع، بشكل لا يمكن التفرقة بينهما. وللأسف فكل ما تبقى من الحلقة الثانية هي النوتات التي وصف فيها (نوڤاليس) النوايا الحسنة. بعد ذلك بمئة عام كان الطموح هو التحقيق في روايات (كافكا). روايات (كافكا) في الانصهار بين العلم والحقيقة، والحقيقة ليست واقعًا ولا أحلام. معجزة جميلة. بالطبع لا يمكن لأحد أن يكرر ما فعله (كافكا) مرة أخرى، ولكنني أشارك (نوڤاليس) رغبته في جلب الأحلام والخيال للرواية. طريقتي في فعل ذلك هو بالمصارحة متعددة الأصوات، بدلًا عن انصهار الأحلام والحقيقة. سرد الأحلام هو أحد عناصر فن التكامل.

(**): الانعكاسات هي الأفكار التي يستنتجها القارئ من الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

لم تستعمل تعدد الأصوات في آخر أجزاء (كتاب الضحك والنسيان)، وبالرغم من ذلك، فعلى الأرجح أن هذا الجزء هو الأكثر جاذبية في الكتاب، بحكاياته عن المواقف الغرامية/الجنسية في حياة شخصية واحدة.

هناك مصطلح موسيقي آخر في هذه الرواية، هو “الموضوع الأساسي مع التغيير”، فالموضوع الأساسي هو الحد الذي تفقد الأشياء معناها عند تجاوزه. حياتنا تتجلى في الجوار المباشر لهذا الحد، ونحن نخاطر بتجاوزه في كل لحظة. الأربعة عشر فصلًا في الجزء الأخير، هي أوجه مختلفة جنسية لذات الموقف، في الحد بين المعنى وانعدامه.

لقد وصفت (كتاب الضحك والنسيان) بأنه رواية في تشكل مختلف لذات الشيء. ولكن، أما زالت تحتفظ بمسمّاها كـ(رواية)؟

ليست هناك اتحاد للأفعال، ولهذا لا تبدو كـ(رواية). ولكن الناس لا يتخيلون رواية دون تلك الوحدة، حتى تجارب شكل الرواية الفرنسية الجديدة كانت مبنية على اتحاد الأفعال، أو عدم الأفعال. رحلة (جاكوس) وسيّده تأخذ الجزء الأقل من رواية (جاك القدري)، ليست سوى حجج هزلية حتى تُآلف بين الحكايات والقصص والأفكار. وبالرغم من ذلك، فهذه الحجج، في هذا الإطار، مهمة لجعل الرواية تبدو كرواية. في (كتاب الضحك والنسيان) ليس هناك أية من هذه الحجج. إنه اتحاد الموضوع الأساسي وأوجهه المتعددة التي تعطي التماسك للشكل النهائي ككل. أهي رواية؟ نعم. الرواية هي تأمل في الوجود، مرئي من خلال تاريخها، الرواية لم تعرف ميف تستغل احتمالاتها غير المتناهية. لقد فقدت فرصتها لذلك.

باستثناء (كتاب الضحك والنسيان)، رواياتك مبنية أيضًا على اتحاد الأحداث. غير أنها، بالتأكيد لها اختلاف أوجها. وقد أعتبر بأن (كائن لا تحتمل خفته) هي الأقل تماسكًا.

نعم، هي عدة قصص ترتب سوية وتتحد في أحداثها: ذات الأسئلة الغيبية، ذات الدوافع، (دافع الأبوة/الأمومة على سبيل المثال في (رقصة الوداع))، وبعد ذلك الأوجه المتعددة. لكنني أود أن أشدد على أنه بالرغم من كل ذلك، فالرواية مبنية أساسًا على عدد من الكلمات الأساسية، كسلسلة مسودات (شوينبرغ) في (كتاب الضحك والنسيان)، السلسلة كالآتي: نسيان، ضحك، ملاءمة، ليتوست، الحدود. من خلال الرواية يمكن تحليل هذه الكلمات الأساسية، ودراستها وإعادة تعريفها. الكلمات الأساسية في رواية (كائن لا تحتمل خفته) هي: الوزن، الخفة، الروح، الجسم، الزحف العظيم، الخراء، الفن الهابط، التعاطف، الدوخة، القوة، والضعف. بسبب صفاتهم التصنيفية. هذه الكلمات لا يمكن أن تتبدل بمرادفات. وهذا ما يجب أن يُفسّر دائمًا للمترجمين، أولئك الذين يحاولون تفادي التكرار، بدعوى اهتمامهم بالأسلوب الجيد.

بخصوص الوضوح البنائي، كنت قد صُدمت عندما لاحظت بأن كل رواياتك، ما عدا واحدة، مقسمة إلى سبعة أقسام.

عندما انتهيت من روايتي الأولى (المزحة) لم يكن هناك أي سبب يدو للاستغراب من كونها مقسمة إلى سبعة أقسام. بعد ذلك كتبت روايتي (الحياة في مكان آخر) وكان لها ستة أقسام عندما شارفت على إنهائها. لكنني لم أشعر بالرضى فجأة فخطر ببالي أن أضيف جزءًا يأخذ مكانته بعد موت الشخصية الرئيسية بثلاث سنوات، خارج إطار القصة الأساسية. وبذلك أصبح الجزء السادس من السبعة معنون بـ(الرجل في منتصف العمر)، وفي الحال، اختلفت بنية الرواية بشكل كامل. بعد ذلك استوعبت بأن الجزء السادس هنا أصبح مشابهًا للجزء السادس من (المزحة). وأيضًا بفتح نافذة سرية في جدار الرواية. كقصة عشق مضحكة بدأت كعشر قصص قصيرة. وعندما كنت أضع الشكل النهائي للرواية حذفت ثلاثة من هذه القصص. أصبح بذلك المجموع أكثر ترابطًا، مؤذنًا ببداية تكوّن (كتاب الضحك والنسيان). شخصية واحدة (الطبيب هاڤل) يربط القصة الرابعة والسادسة معًا، في (كتاب الضحك والنسيان) أيضًا يرتبط الجزء الرابع والسادس بشخصية واحدة أيضًا: (تامينا).

عندما كتبت (كائن لا تحتمل خفته) كنت عازمًا على كسر لعنة الرقم سبعة، فقررت المحافظة على ستة أجزاء فقط، ولكن الجزء الأول بدا لي غير متشكل بالطريقة المناسبة. ففهمت بأنه مكوّن أصلًا من جزئين. كالتوأم السيامي، يجب أن يُفصل بعملية دقيقة. السبب الوحيد لتذكر ذلك هو أنني لست منغمسًا في حب أسطوري للأرقام السحرية، أو أنني أقوم بحساب ذلك بطريقة واعية. لكنني أُقاد بحاجة عميقة، غير واعية، وغير ممكنة الاستيعاب، طراز نموذجي في الرسم لا أستطيع الهروب منه. كل رواياتي هي أشكال مختلفة مبنية على الرقم سبعة.

1milan_kundera1
استخدامك لسبعة أجزاء مقسّمة بعناية، مرتبط – بالتأكيد – بهدفك في توليف أكثر العناصر اختلافًا إلى وحدة كاملة متكاملة. كل جزء من روايتك هو عامل مستقل ومختلف عن البقية، بسبب هيئته المختلفة. لكن إذا كانت الرواية مقسمة إلى أجزاء مرقمة، فلماذا كانت هذه الأجزاء مقسمة إلى فصول مرقمة ؟
الفصول ذاتها يجب عليها أن تخلق عوالمًا صغيرة خاصة بها، ويجب أن تكون أيضًا مستقلة نسبيًا. لهذا أجدني دائمًا ما أتأكد من أن ناشريي يوضحون هذه الأرقام للفصول والأجزاء بشكل جيد. الفصول هي مقطوعات موسيقية، هناك أجزاء حيث الفصل طويل أحيانًا، وقصير أحيانًا أخرى، وقد يكون طويل بشكل غير اعتيادي حتى. لكل جزء دلالته ونبضه الموسيقي: رسل، سريع، بطيء، أو معتدل ..إلخ. فالجزء السادس مثلًا من (الحياة في مكان آخر) هو معتدل البطئ، هادئ وكئيب. فهو يسرد لقاءً بين رجل في منتصف العمر مع شابة كانت قد أُطلق سراحها من السجن حديثًا. بينما كان الجزء الأخير سريعًا جدًا، فصوله قصيرة جدًا أيضًا، يتناول سردًا لـ(جاروميل) الذي ينازع الموت، لـ(ريمباود)، (يرمونتوث) و(بشكين). في البداية، فكّرت في (كائن لا تحتمل خفته) بشكل موسيقي، علِمت بأن الجزء الأخير فيها يجب أن يكون رقيقًا وبطيئًا لأبعد درجة ؛ فهو يحكي عن فترة زمنية قصيرة، بدون أحداث، تتركز في مكان واحد، نبرتها هادئة جدًا. وأيضًا علِمت بأنه يجب أن يُسبق بجزء سريع جدًا، لهذا كان الجزء الذي حمل اسم (الزحف العظيم).
هناك استثناء للرقم سبعة .. أقصة روايتك (رقصة الوداع) المكوّنة من خمسة أجزاء فقط.
(رقصة الوداع) كانت على طراز فني آخر: فهي متجانسة تمامًا، تتعامل مع موضوع واحد فقط، تُسرد بنفس سرعة النبض، مسرحية جدًا، تنطبق على أسلوب معين، تشتق هيئتها من كونها مسرحية هزلية. قصة حب مضحكة وهزلية، معنونة بـ(النقاش)، مبنية تمامًا بنفس الطريقة، مسرحية هزلية مجزّأة.
ماذا تعني بالمسرحية الهزلية ؟
أعني التركيز على حبكة القصة وكل زخارفها من مصادفات غير متوقعة وغير قابلة للتصديق. لا شيء يصبح متشابهًا فيها، سخيف، مبتذل، منعدم الذوق في الرواية،، أقصد في الحبكة ومبالغاتها الهزلية. بداية من (فلوبير)، حاول الروائيون أن يبتعدوا عن الحيل الدارجة في الحبكة. مما جعل الروايات مملة أكثر من ممل الحياة. وبالرغم من ذلك، فهناك طرق أخرى للالتفاف حول المتشابه والعوامل المهلكة للحبكة، بقصد تحريرها من متطلبات ما هو محتمل وقابل للتصديق. أن تسرد قصة غير متوقعة بأن تختار أن تجعلها غير متوقعة وغير قابلة للتصديق ! هكذا تمامًا كما كتب (كافكا) روايته (أمريكا)، الطريقة التي التقى بها عمه (كارل) في الفصل الأول، من خلال سلسلة من الأحداث غير المتوقعة. (كافكا) دخل إلى عالم سيريالي عظيم في (التداخل بين العلم والواقع) في الفصل الأول. وبسخرية واضحة في الحبكة، كبوابة للمسرحية الهزلية.
 لكن لماذا اخترت هذا الشكل المسرحي الهزلي لرواية، ليس المراد منها -على الإطلاق- أن تكون مسلية أو ترفيهية؟
لكنها ترفيهية !! لا أفهم احتقار الفرنسيين للترفيه.  لماذا يشعرون بالعار من كلمة ترفيه؟ إنهم يخاطرون بشكل أقل عندما يكونون مسليين بدلًا من كونهم مملين. هم أيضًا يخاطرون بالوقوع في الفن الهابط، المحلي، الكاذب، ذو الزخرفة. فالأضواء الوردية للأعمال الحداثية في الشعر الوارد، أو في فيلم (سكوت) الأخير، يجعل التاريخ الفرنسي كفن هابط. نعم، فن هابط، وليس ترفيهًا، إنه مرض للجمال الحقيقي. الرواية الأوروبية العظيمة بدأت كنوع من الترفيه، وكل رواية في الحقيقة تلهف لأن تكون كذلك. في الحقيقة، إن الموضوع الأساسي لهذا الترفيه العظيم في (رقصة الوداع) كان السؤال “هل يستحق الإنسان أن يعيش على هذه الأرض؟ أليس من المفترض أن نحرر هذا الكوكب من براثن الإنسان؟“. كان طموحي في الحياة أن أوجد جدية لهذا السؤال مع أقصى خفة وترفيه. وليس هذا طموح فني تقني بحت. فالجمع بين الشكل الهزلي والموضوع الجاد يكشف قناعًا من الدراما الخاصة بنا. ذلك الذي يحدث في أسرّتنا والتي نمثلها على مسرح التاريخ العظيم. نحن نخوض خفة الكائن غير المحتملة.
إذا كان بإمكانك أن تستخدم عنوانًا آخرًا لروايتك (رقصة الوداع)، فماذا سيكون ؟ 
كل رواياتي يمكن لها أن تحمل عنوان: (كائن لا تحتمل خفته)، (المزحة)، أو (الحب المضحك). العناوين قابلة للتبديل. فهي انعكاس لعدد صغير ومحدد من المواضيع الأساسية التي تصيبني بالهوس. تقوم بتعريفي، ولسوء الحظ، تضع أمامي الكثير من الحدود. بعيدًا عن هذه المواضيع التي أجد شيئًا لأقوله.
هناك شكلان في رسمك لتكوين الرواية ؛ (١) تعدد الأصوات، والذي يُوجد مواضيعًا مختلفة كبناء مبني على الرقم سبعة. (٢) الهزلية، والتي بدورها تقوم بالمجانسة بشكل مسرحي يتجنب التوقعات. هل يمكن لـ(ميلان كونديرا) التواجد خارج هذين الشكلين؟
أنا دائمًا أحلم بخيانة زوجية عظيمة وغير متوقعة. لكنني لم أستطع الهروب من الشخصية المرتبطة بزوجين أو عشيقتين.
[تمت]