أرشيف الوسم: لماذا نكتب

حسن مدن، والكتابة بحبر أسود

138042462039247

 

د. حسن مدن، من مواليد البحرين 1956، حاصل على دكتوراه فلسفة في التاريخ الحديث والمعاصر، صدرت له عدة مؤلفات، من أبرزها: (خارج السرب)، (الثقافة في الخليج: أسئلة برسم المستقبل)، (ترميم الذاكرة)، (الكتابة بحبر أسود)، (للأشياء أوانها).

الكتابة بحبر أسود2

الكتابة بحبر أسود

يتكون الكتاب من أربع اقسام، الأول جعله الكاتب عن الكتابة، يتكون من العديد النصوص التي تتناول الجوانب المختلفة لعملية الكتابة منها:

كيف نكتب الجملة الأولى:

ما الذى يجعل القارئ بعدما يفرغ من قراءة كتابة لكاتب ما، أن يقول: أنها كتابة عادية، وما الذى يجعله  يقول إزاء كتابة اخرى إنها كتابة مختلفة، وما هو الشئ الذى يضاف إلى الكتابة فيجعل منها كذلك، ويغيب عنها فتصبح كتابة عادية؟

إن الأمر يتصل بما ندعوه روح الكتابة، ولا نظنها مفصولة عن روح الكاتب المبثوثة في كتابته، ينصحنا نيتشه بالتالي: “عندما نقرأ لكاتب يتسم أسلوبه بالإقتضاب الخاطف وبالهدوء والنضج أن نتوقف أمامه مليا أن نقيم عيدا طويلا وسط الصحراء، ذلك أن حبورا مماثلا لهذا الذي يبعثه هذا الكاتب في نفوسنا لن يقع لفترة طويلة”. إن اصعب ما في امر الكتابة هو وضع أو صياغة الجملة الأولى، إنه مأزق الجملة الأولى المدخل، التوطئة، الإشارة الأولى التي ينطلق بعدها السباق. والغريب انك أمام مأزق هذه الجملة تجتاز تحديا أمام نفسك في المقام الأول لأنك في العمق راغب في أن تضع الجملة الأولى، التي تحمل القارئ على أن يقرأ، ما يليها من جمل، لكي تضمن أنه خمن ما تريد أن تقول وقرر بينه وبين نفسه أن يقرأ  ما تريد قوله أو عدم قراءته.

(ماركيز) تحدث عن هذا في احدى المرات بإستفاضة، لكنه كان بصدد الحديث عن الكتابة الروائية حصرا  وأنه تغلب – بعد طول مران – على مأزق الإستهلال أو المدخل، بإن يبدأ عمله الروائي بلقطة بحادثة أو حكاية، واعطى مثلا على ذلك مدخله الشيق في مائة عام من العزلة، همنغواي اقترح الحل التالي: ” دون بالقلم الرصاص جملة تامة صحيحة، أتم وأصح  جملة تعرفها، ثم تابع الكتابة، بعد أن تنهي النص عد إلى الجملة الأولى واحذفها، ستجد أن حذفها لم يغير من النص ولم  يسئ إليه”.

من بصيرة القلب تأتي الكتابة:

ترى (ايزابيل الليندي) أن الكتابة تشبه عملية التدريب لكي يصبح المرء رياضيا، وتققول كذلك إنه يراودها شعور أنها لا تخترع  أي شيء وأنها بطريقة ما تكتشف أشياء موجودة هناك، ووظيفتها هي العثور عليها واحضارها إلى الورقة.

كتابة  للشفاء:

كثيرا ما نذهب إلى العزلة اختياريا، حين تكون ملاذا من الألم الذى يسببه الآخرون، الافتراق البطيء مر ومعذب تغدو مساحة البيت الضيقة فضاء حرية، نعيما في مواجهة حجيم الخارج، الذى يفضح خواء النفوس وهشاشتها، وفي مثل هذه  الحال يقيم صداقة دافئة مع تفاصيل وأشياء تبدو – على الرغم من حيادها الظاهر – عزيزة وأليفة ومسلية، كانه يعود إلى فطرته، يعيد تنظيم المسافة بين ذاته وبين البشر والأشياء.

لا تاتي العزلة وحدها، نحن الذين نذهب إليها، نختارها، حين تلج عالم العزلة فإن الكتابة هي وسيلة القول التعبير لا بل البوح حتى لو كان غاضبا، ستأخذك الكتابة ذاتها إلى ما كان قبل هنيهة مجهولا بالنسبة لك وسيغدو ما كتبت كائنا حيا  مستقلا عن ذاتك، حتى لو كان في الأصل فلذة من مهجتك، وسترى بعد حين لن يطول أن من يشاطرونك هذه الذات من يشبهونك، هم من الكثرة بحيث تغدو وحدتك نافذة على الحياة، على أولئك الذين يشاطرونك الألم.

الخربشات والمسودات افكار مقموعة:

لفتت نظري – الحديث للمؤلف – في مقالة كتبتها سيدة اجنبية، توصيفها للخربشة بأنها عملية أقل وعيا من الكتابة وتنزع نتائجها لأن تكون اكثر تنوعا وفردية، وتنسب الكاتبة لاحد علماء النفس قوله إن الأشخاص الذين “يخربشون” هم في كثير من الحالات أولئك الذين يرتاحون كثيرا للقلم والورق، وأنه يمكن النظر إلى الخربشة بوصفها نشاطا ابداعيا آتيا من الجانب الأيمن من الدماغ وفي موضع آخر تشير إلى وجود أدلة على أن الخربشة يمكنها تحرير الدماغ ليتفرغ للنشاط الذهني وأنها – الخربشة – شكل بصري من أحلام اليقظة إلى ذلك هناك من ينظر إلى الخربشات بوصفها مفتاحا يقدم تلميحات  عن شخصية الإنسان.

لا اعرف ما الذى حملني على الإنطلاق من هذه التأملات حول الخربشة إلى فكرة طالما استوقفتني هي مسودات الكتابة حيث يتعين تبديد الفكرة السائدة عن هذه المسودات، التي تجعلها في مرتبة أقل من من تلك المرتبة التي للنصوص في  صيغتها النهائية المعدة للنشر، ما اكثر ما تجري العودة للمسودات سواء  من قبل الكتاب انفسهم، الذين يظنون أن فيها  خامات أفكار للكتابة لم تستثمر كفاية، لاعب الشطرنج الشهير كاسباروف قال مرة إنه يعتبر النقلات التي فكر فيها، ولكنه  لم يقم بها على قطعة الشطرنج جزءا من  النقلات التي قام بها فعلا.

ينابيع الكتابة:

من أين يستقي الكاتب مادته، أمن الذهن مثلا، أم من الشعور؟ ام من تجاربه وخبراته الملموسة؟ أم هي مركب مزدوج  من هذه الينابيع كلها، وربما من سواها أيضا، أم تراه من أمر آخر غير معلوم؟ إن أفكار الشعب تنداح في الأفكار والأساطير والأقوال، المأثورة، والأمثال الشعبية التي تمثل مجازيا كامل حياة الناس من واقع خبراتهم وتجاربهم.

في النص التالي، يثير الكاتب عدة أسئلة مبثوثة مباشرة في النص ومضمرة، كالسؤال: هل انتقلنا نهائيا  كعرب من ثقافة الحكي المنطوق؟ وتعبيراتها ورموزها، إلى ثقافة الصورة التي تقدم حكيا غير منطوق؟ له تعبيراته ورموزه ومنها اغراء  سهولة اصدار حكم مباشر على اي حدث، دون العبور كغيرنا بثقافة الكتابة؟  وما اثر ذلك على مجتمعاتنا؟ إذا عرفنا أن ثقافة الكلمة المكتوبة تهيئ حاملها للاعتماد على  التوثيق والبحث والتحليل المعمق والمضمر والمسكوت عنه داخل أي نص.

الحكي، الكتابة، الصورة:

بشكل من الأشكال تمثل المادة المبثوثة عبر الشاشة، عودة إلى نمط من الثقافة الشفهية، لكنها في نسختها الجديدة تأتي معززة بالصورة، القادرة على احداث اثر فوري وسريع في أذهان ونفسيات المتلقين، لا تفلح الكلمة رغم أنها الأكثر عمقا، على احداثه بذات السرعة.

الوضع الجديد فرض ويفرض على المعبرين بالكلمة، مجاراته في بعض الأوجه، بشكل عام يلاحظ أن الجمهور يفضل الخطيب الذى يرتجل خطابه أو محاضرته، على ذلك الذى يقرأ من ورقة مكتوبة، يبدو أن الأمر لا يقتصر على الشكل وحده، وإنما  بالمحتوى، لأنك حين ترتجل قولا، فإنك تعبر عن مضمونه بصورة تختلف، قد تكون اكثر عمقا أو اكثر سطحية لكن مفردة الحكي، يمكن أن تنصرف هنا إلى ما يدعوه المتخصصون بالثقافة الشفاهية، في اشارة لذلك الميراث الهائل من التعبيرات والرموز، التي تم تناقلها شفاهيا قبل أن تشيع الكتابة، وتصدق بشكل اكبر على البلدان النامية. حيث مازالت نسبة الأمية عالية، هذه المجتمعات تتهددها اليوم ثقافة شفوية، من طراز جديد آتيه من سطوة ثقافة الصورة في وقت لم تتمكن الكتابة من ترسيخ تقاليد ممتدة بسبب فتوتها أو محدودية الزمن في الذى قطعته.

الصورة هي اليوم عماد المجتمع الإعلامي، فهي تقدم نفسها مرجعية أولى وأخيرة، لا يقاس على سواها، بل إنها توهم  المشاهد أنها هي الواقع، والمذهل في تدفق الصوره. قدرتها الفائقة على تعطيل الحواس الأخرى وتحفيز الغريزة والمتعة لأن تلقيها لايتطلب جهدا أو تركيزا، على خلاف ثقافة الكلمة، فهذه الأخيرة قائمة على توالي الكلمات الذى يتطلب تفكيك  العلاقات العائمة بينها، بينما الصورة تعطي دفعه واحدة، مقوله منسوبة لـ(كافكا) تقول: “النظر لا يستولي على الصور، بل هي الصور تستولي على النظر وتجتاح وعينا”

يثير ما يكتبه حسن مدن في النص التالي، السؤال: هل من الضروري أن تكون كل أو أغلب الأعمال الأدبية مفهومة  لدى كل الناس، وهل يتنافى عدم الفهم مع الإستمتاع، واعني أن غير المفهوم لدى الكثير هل هو بالضرورة معقد.

شيطان الكتابة:

يصنف (أرنستو ساباتو) الأعمال الفنية في أربع خانات، في الأولى يضع أعمالا فنية يصفها بالكبرى، ولكنها للأقلية فقط  بمعنى أن الأغلبية قد لا تكون في وضع يمكنها من استيعابها، أو التفاعل معها، ويضرب باعمال (كافكا) مثلا لها، وفي الخانة الثانية يضع اعمالا موجهة للقلائل لكنها سيئة، ويضع معظم الأشعار المكتوبة اليوم ضمنها، فهي برأيه أحجية لفظية  أو صرعات شكلية، أما الخانة الثالثة فمخصصة للأدب الكبير، لكنه موجه للكثيرين ومثاله (قصة الشيخ والبحر) لـ(همنغواي) فيما يدرج في الخانة الرابعة أدب للأكثرية أيضا لكنه سيء، ومثاله القصص المصورة والروايات الفاجرة وكامل الأدب البوليسي على وجه التقريب.

والسبب في رأيه إنما يعود للموهبة، ومن هنا فإنه لا يرى أن هناك موضوعات بسيطة وأخرى معقدة، لكن هناك كتاب  معقدون يخفقون في تناول هذه الموضوعات، فينفروا القارئ منها، بدل ان يأسروه بطريقة تناولهم لها.

التعقيد ياتي من الكتاب لا من الموضوعات، والنموذج الساطع الذى يضرب به المثل هو رواية (الجريمة والعقاب) لـ(ديستوفسكي) إنها ببساطة قصة طالب فقير يقتل مرابية، وهي قصة يمكن أن يكتبها صحفي عادي أو كاتب معدوم الموهبة او قليلها، فتغدو واحدة من ألف حدث مشابه، ولكننا نعرف أي شيء صارته هذه القصة عند (ديستوفسكي) كل الروايات والقصص تدور حول أحداث تجري في الحياة، مهما بلغت مخيلة الكاتب من ثراء، وهي احداث بوسع كل أمرئ أن يحكيها، غالبية الجدات في العالم يروين حكايات ممتعة لأحفادهن ولكن هذه الحكايات لا تصير أدبا إلا إذا تناولها كاتب  موهوب. كتب (جورج أورويل) مقالة “لماذا أكتب”، بعد مرور سبع سنوات على صدور روايته الشهيرة  (مزرعة الحيوان) خلال هذه السنوات لم يكتب رواية اخرى لكنه أفصح في المقال عن رغبته في اصدار رواية تالية، قال جازما إنها ستكون فاشلة. لماذا هذا الجزم بالفشل؟ الجواب على لسان (أورويل) نفسه:  “كل كتاب هو فشل”، لكنه قال في المقال نفسه  مستدركا: “ولكنني اعلم بشيء من الوضوح أي نوع من الكتب أريد كتابته”، جاءت الرواية التالية بعد عامين من هذا القول، ولم تكن تلك الرواية سوى (1984) .

ليس (جورج أورويل) الكاتب الوحيد الذى تؤرقه فكرة كتاب، وتظل ملازمة له طوال سنوات، وحين ينتهي من كتابته يكتشف أن الفكرة التي كانت في ذهنه، اعمق وأجمل من تلك التي نفذها على الورق.

ما الذى يجعل الكتاب الجادين يشعرون أن ما كتبوه أقل مما أرادوه؟ ليست وحدها الرغبة في تحاشي الشعور بالكمال حتى يظل الطموح مشحوذا، وإنما لأن الكتابة ليست سوى ممكن واحد بين عدة ممكنات، الحكاية ذاتها يمكن أن تقال على اكثر من وجه، وينتاب الكاتب الشعور بالإحباط، حين يدرك أنه كان بإمكانه أن يحكيها بأفضل مما فعل، الكاتب يشعر بذلك أكثر من القراء، لا بل وحتى من النقاد أحيانا.

تأليف كتاب هو صراع رهيب ومرهق، كما لو كان نوبة طويلة من مرض مؤلم، والكاتب لن يحاول القيام بفعل كتابة الكتاب  إلا اذا  كان مدفوعا بشيطان ما، لا يمكن للكاتب مقاومته ولا فهمه. هذه – تقريبا – كلمات أورويل في شرح ذلك، ولأنه كان في صدد الإجابة عن السؤال الذى يواجه أي كاتب: لماذا أكتب؟  فإنه يصرح بأنه كلما افتقر للقصد السياسي كتب كتبا

بلا روح يربط (أورويل) الكتابة بالشجاعة، فالروايات الجيدة لا يكتبها برأيه سوى الأشخاص غير الخائفين، أما (إيزابيل الليندي) فترى انه لا يوجد هدف من وراء الكتابة، خلاف محاولة أن تكون – بقدر الإمكان- متوافقة وصادقة مع نفسها، تكتب لأنها لا تستطيع إلا أن تكتب ولا شيء يعجبها اكثر من أن تخترع قصصا، وأن تعثر على الكلمات التي تصوغ بها هذه القصص لأن ذلك يسمح لها بأن تعيش حيوات كثيرة مختلفة، تعطيها الإحساس بأنها تمتلك الحياة التي كانت قبلها والحياة التي ستأتي بعدها.

 النص التالي، تثير سؤالا يتعلق بأولئك الذين يقيمون في المنطقة التي سماها الكاتب بالمنطقة الثالثة، هذا الجانب هو مدى كون اصحابها اكثر عرضة للتمزق، أو المعاناة الشعورية الداخلية على اقل تقدير وهنا نعود إلى ما ذكره حسن مدن في هذا الكتاب بالذات، في قطعة اخرى، عن (الطيب صالح) حين سالته إحدى الصحفيات، عما إذا كان حزينا فأجاب: “في الداخل أجل أنا حزين، لكنني لا أدري لماذا، كل ما اعرفه أن في داخل النفس بركة واسعة من الأحزان ومهمتي  ككاتب ليست النسيان، بل أن أتذكر، والمشكلة بالنسبة إلي هي تذكر أشياء نسيتها تماما، لكن النسيان في الحياة  العادية هو مرحلة الألم العظيم”.

مناطق الكتابة:

حتى الآن اعتدنا على حقيقة أن كتابا من اصول عربية مغاربية خاصة، ومن لبنان كما هو حال (أمين معلوف) يكتبون رواياتهم  وابحاثهم بالفرنسية، وكان هذا جوهر اشكالية عن هؤلاء الكتاب، الذين لا يمكن تصنيفهم بالكتاب الفرنسيين، أو الكتاب العرب إن مناخات ابداعاتهم شرقية وافريقية عربية، لكن التكوين الثقافي الفرنسي لأصحابها، وكونهم يكتبون بالفرنسية يقيمان لها شكلا من اشكال العلاقة مع الأدب والثقافة الفرنسيين، رغم أن التصنيف الثقافي في فرنسا لا يقبل بهؤلاء كمكون من مكونات الخارطة الإبداعية الفرنسية إلا في حدود.

يقع هؤلاء في ما يمكن أن ندعوه المنطقة الثالثة، وهي غالبا ما تكون منطقة ثرية، بحكم التداخل بين المؤثرات الثقافية والحضارية واللغوية، ولكن المنطقة الثالثة قائمة في الحياة ذاتها، إنها منطقة ليست محايدة وليست حالا وسطا بين حالين إنها حال اصيلة لها فضاؤها الخاص بها، وهي في عالم اليوم المفتوح، حيث الهجرات الواسعة واتساع الصلات بين البشر مرشحة للمزيد من الإتساع، في طرحها لأسئلة الهوية والإنت

الكتابة على حافة الحلم:     

    هل يحترف الكاتب الحلم، فينزه الكتابة عن الطارئ والعابر واليومي، ليحيلها إلى قيمة مجردة خارج الزمان والمكان، لكن الكاتب الذى يحترف الحلم عن حق، يجد يراعه مترعا بقسوة الواقع، حين ينتابه الإحساس القاسي بأن الحلم يكف أن يكون حلما وفيما يشبه دعاء الروح يوخزه السؤال كإبره حادة: كم يلزمني من القوة والإرادة كي أبقى على حافة الحلم؟ اجمل ما في الحلم – بالمناسبة – هي حافته، لأننا ما أن نغادر هذه الحافة حتى نهوى في قاع عميق بلا قرار اسمه الحياة أو الواقع أو الحقيقة، أو أي اسم من هذه نشاء

ثمة منطقة مشتركة بين الحلم والكتابة، الكاتب القلق على كتابته حريص على ابقاء هذه المنطقة حاضرة أبدا حريص على  تغليب الجانب الحالم في ذاته، حتى ولو كانت عناصر الحلم مستمدة من الواقع، فإن الحلم قادر في لحظة الكتابة على إكتساب استقلاليته، فضائه الخاص به، الذى بموجبه تبدو الكتابة مشاركة وجدانيه للقارئ أو معه.

الكتابة بحبر اسود:

لـ(ألبرتو مورافيا) قصة طريفة عنوانها (إمراة عادية)، تناقش تلك العلاقة بين الملتبسة بين البسيط والمعقد. تقول المرأة التي تتحدث عن نفسها بوصفها راوي: “المشكلة هي عندما اكون في اتعس حالاتي اكون سعيدة بتعاستي، أنا معقدة أليس كذلك؟”، لكن المرأة سرعان ما تطرح على نفسها وعلى الآخرين، السؤال التالي:  “أود أن اعرف من هو؟ وما هو غير المعقد؟ في المدرسة تعلمت انه يوجد كائنات لها خلية واحدة، لذا يسمونها وحيدات الخلية، وانا مستعدة للقسم أنه اذا أعطي الكلام لهذه الكائنات فإنها ستصرخ على الملأ: نحن معقدات، معقدات بشكل فضيع”

كأن المراة تريد بذلك أن التعقيد موجود حتى في البسيط، أي أن البسيط ينطوي على المعقد، أو قل إن له تعقيده الخاص به تقول المراة في موضع آخر في القصة: “إني لست معقدة إلا امام الناس الذين يعرفون أني معقدة، أما مع الآخرين فإني أصبح بسيطة مباشرة”

هناك سلوك شائع يتجه اصحابه إلى إضفاء التعقيد على البسيط، إلى تعقيد البسيط، بدأ من الكتابة نفسها، قرأت مرة  حكاية عن عن تلميذ منطوي وخجول وصامت لا يكتب دروسه وواجباته إلا بقلم حبر اسود. الحظ العاثر أوقعه تحت أيدي معلمة ترغب في تحليل كل شيء، فأحالته إلى اخصائية نفسية لتدرس أسباب “السوداوية” التي تجعل هذا التلميذ مصرا على الحبر الأسود بالذات في الكتابة، وبعد تحليل وتحر واستدعاء والديه للمدرسة، كان السبب منتهى البساطة  ليس لدى التلميذ قلم  آخر يكتب به.

قد يثير النص التالي للكاتب، أسئلة من قبيل هل هذه قاعدة عامة في الكتابة تنطبق بغض النظر عن الثقافة والمجتمع، أم يجب أن تدرك الكاتبه المرأة انها كاتبة أولا وامرأة خاصة اذا تحدثنا عن مجتمعات، مازالت المرأة لا تمتلك فيها تعريفا مستقلا بهويتها الثقافية. وفي بعض المجتمعات  الذكورية، قد تلجأ المرأة الكاتبة بطريقة غير واعية للتشبه بالذكر في الكتابة كي تنال الإعتراف. 

النساء حين يكتبن:

ونحن نقرأ أدبا للمرأة، شعرا كان أو سردا روائيا أو قصصيا، ينتابنا احساس يدفع للتساؤل عما اذا كانت هناك لغة كتابة خاصة بالنساء؟.. في الإجمال فإن الكتابة فعل انساني غير محصور في جنس من يكتب وإنما يرتبط بقيمة الإبداع الفنية لكن هذا لا ينفي الخصوصية، المرتبطة بإنعكاسات جنس الكاتب وآثار الإختلافات السيكولوجية والظروف الإجتماعية على عملية الكتابة.

التقسيم بين المرأة والرجل تقسيم اجتماعي، وليس تقسيما فنيا أو ادبيا، لكن شروط التقسيم الفني ليست منعزلة عن الواقع ومن هنا فإن اختلاف عالم المرأة عن عالم الرجل، هو الذى يحدد خصوصية ابداع المرأة وتعبيرها الذى يختلف عن تعبير الرجل.

في محاضرتها الشهيرة عن كتابة المرأة: “غرفة تخص المرء وحده”، تثير (فرجينا وولف) الإشكالية الأكثر تعقيدا، اشكالية لغة المرأة أو بتعبير أدق علاقة المرأة باللغة، متجسدة في مفهوم وولف المحير حول “الجملة النسائية”. من وجهة نظرها هناك ارتباط بين الإختلاف الجنسي واللغة، لذا فإنها ترى أن الجمل المناسبة للرجال والنساء مختلفة إذا كنا نساء فإننا نفكر عبر أمهاتنا – تقول (وولف)- ومن العبث أن نتوجه إلى الكتاب الرجال العظام للمساعدة، رغم أنه بوسع المرء أن يتوجه لقراءتهم بغرض المتعة.

ثمة من يرى أن أنه لو اختلفت الثقافات فإن النساء لا يختلفن – النساء هن النساء – بصرف النظر عن السياق التاريخي  الإجتماعي الذى تتطور فيه تجربتهن الإبداعية، فالتماثل أو حلقة الإتصال بين النساء، طبقا لهذا القول هي اشتراكهن في كونهن نساء، وهو وضع مشترك رغم إختلافات الثقافات.

يظل السؤال هل تختلف المرأة الفنانة أو الكاتبة عن الرجل الفنان أو المبدع، وهل يكفي أن تكون المؤلفة امرأة لنقول أن ما تكتبه هو ادب نسوي، أليست بعض الكتابات النسوية تكرس النظرة الذكورية الدونية السائدة تجاه المرأة، أليست بعض أشعار وكتابات بعض المبدعين الرجال، أكثر تعبيرا عن هواجس وعوالم ودواخل المرأة من كتابات بعض النساء عن انفسهن ونطرح هذا السؤال دون شبهه ذكورية.

كل فن حقيقي سياسي:

رفضت (توني موريسون) الروائية الإفرو-امريكية، الفائزة بنوبل للآداب عام 1993 ، أن تكتب رواية يكون بطلها الرئيسي أبيض وحين سألت عن السبب، اجابت أنه هو السبب ذاته الذى يجعل الكتاب البيض لا يختارون الأسود شخصية رئيسية وتقول  إنها لم تنشغل بعالم البيض خلال طفولتها، لذا لم تظهر شخصيات بيضاء مهمة في كتبها

ليس بوسع مجتمع عانى طويلا التمييز العنصري، أن يشفى بسرعة من آثار ذلك, في التكوين النفسي بشكل خاص حين يتعين التحرر لا من الشعور بالإضطهاد الطويل وحده، وإنما من الشعور بالدونية أو النقص أيضا ومعالجة الألم الذى يسببه شعور المرء بالظلم بسبب لون بشرته. ومع انها لم تفكر في أن تكون سياسية، لكنها تعتقد أن كل فن حقيقي سياسي وأن تحويل  أي شيء لا سياسيا هو فعل سياسي في حد ذاته

بسبب الحرب الباردة ومناهضة الشيوعية ساد في أمريكا مبدأ ألا يكون الفن إلا جماليا، وهكذا حُرِف معنى كلمة سياسة وتمت مساواتها بالدعاية. لذا ترى (موريسون) أن عملها – وهي تكتب – يكمن في إحياء العلاقة بين السياسة والادب بما للكلمة من معنى

طرح (حسن مدن) لموقف (توني موريسون) أثار سؤالا مهما: هل نستطيع الكتابة الحقيقية عما لا نعرفه، أو عما  لا نملك تواصلا وجدانيا معه؟

محظورات السيرة الذاتية:

لا ينتعش أدب السيرة الذاتية عندنا كثيرا، لأنه يتطلب درجة عالية من البوح بأدق التفاصيل والخصوصيات التي لا يجرؤ سوى القلة على فعله، وإن فعلوا فإن ذلك سيكون محل استهجان من قبل القراء والمجتمع عامة الذى لا يستسيغ اقتحام الحياة  الشخصية للفرد، حتى لو كان هذا الفرد هو كاتب السيرة ذاتها، حتى لو قصر الحديث عن نفسه وتحاشى الحديث عن الآخرين. لكن يبدو أن شيئا من الإعتبار يرد إلى أدب السيرة الذاتية على الصعيد العربي، بعد طول تجاهل بل نكران، ولعل لذلك علاقة بظهور عدد من الكتب، التي كانت السيرة الذاتية موضوعا لها، مع ملاحظة أن هذا النوع من السيرة، مازال مشوبا  بالكثير من الحذر والحيطة والريبة، لأن ثمة مناطق مازال كتاب السيرة يعدونها مناطق محظورا الإقتراب منها

من أشجع واندر النماذج في كتابة السيرة على شكل رواية، تأتي تجربة (محمد شكري) في روايته الشهيرة (الخبز الحافي) وكان فيها متجردا من كل الأقنعة، وهو يبوح بتفاصيل صادمة للقارئ، في مجتمعات استمرأت لعبة الأقنعة، ولم يجد شكري غضاضة في القول إن ما كتبه لم يكن سوى سيرته الذاتية.

 يتحدث الكاتب في النص التالي عن فرق مهم بين كتابة الرواية وكتابة التاريخ.

  الرواية تقول ما يغفله المؤرخون:

الروائي الحق هو مؤرخ بإمتياز، لكنه لا يكتب التاريخ بالطريقة التي يفعلها المؤرخ، وإنما يختار مفصلا زمنيا من هذا التاريخ يثير اهتمامه فيكسبه حياة من لحم ودم، لكن الفرق الأدق هو ذاك الذى يصوغه – مرة أخرى – (فؤاد التكرلي) حين يلاحظ  أن التاريخ يسجل العبور اللامنتهي للحشود الزمنية، وهي تقطع الزمن، أما الرواية فتقوم بمهمة تبدو نقيضة، هي الإمساك  بوجود الفرد الإنساني على صفحة الأيام، فتجعل منه مقيما لا عابرا على خلاف ما يفعله التاريخ أو المؤرخون.

 آيه النص العظيم:

حين نمتلك حلا او اجابة لمشكلة ما، فإننا نكتب كتابا فكريا او بحثا، لكن عندما نعيش مشكلة ما، أو عندما لا نعرف هذه  المشكلة بوضوح، فإننا نكتب رواية، فهناك مسائل لا يمكن حلها أو حسمها داخل الوجود، مثل الموت والحب، وفي حالات مثل هذه ينبغي ان نكتب الرواية، وهنالك إشكاليات يمكن ان نجد تجاهها حلولا مثل المشاكل السياسية او التقنية، وفي هذه الحالة نستطيع ان نكتب نصوصا فلسفية لمعالجتها. إن هنالك مكانة للرواية ومكانة للبحث الفلسفي، لكن هاتين المكانتين لا تصدران عن حاجة واحدة.

يرى (دوبريه) أن الشعر قد غادر منذ زمن طويل مجال الحياة العامة، إن فكر الناس حاليا هو خالي خلوا تاما أو متصحرا من الشعر فالشعر أصبح ثقافيا جدا وعميقا جدا، ويخاطب النخبة المثقفة فقط، لأنه يتصاعد نحو قمة ثقافية نخبوية ورمزية  دون أن يكون داخله هرمونية غنائية او موسيقية، وباتت وسائل الإعلام اليوم النقيض الفعلي للشعر في مباشرتها وسطحيتها. بل هي التي ساعدت على تهميش الشعر، لأن التلفزيون يريد أن يبيع سلعة ما، ان يسوق دعائيا منتجا إستهلاكيا ما أو فكرة معينة، بينما الشاعر ليس لديه ما يبيعه، لذلك فإنه لا يهم التلفزيون.

لكن الشعر مازال يحيى داخل المجتمعات التقليدية، بل إن دوبريه يقارن الحال في فرنسا وبريطانيا مثلا، من جهة اللتين لم يعد بالوسع وصفهما مجتمعات شعرية، وبين الحال في اسبانيا حيث مازال اهلها يمتلكون الحس الشعري، كسمة من  سمات المجتمعات التي تتذوق طعم الكلمات ومناخها، لأنها تمتلك حرارة عاطفية وحسية كبيرة، وحسا غنائيا عاليا، وهو قول يدفعنا للتامل في حقيقة مرعبة، حول الآثار المدمرة التي تتركها ادوات وانماط الحضارة الحديثة على العالم الروحي للإنسان.

حامل نوبل المكسيكي (أوكتافيو باث) عاد إلى هذه العبارة وهو يناقش السؤال التالي:
كم من الناس مازالوا يقرؤون كتب القصائد. وعلينا ملاحظة انه لم يقل كم عدد الناس الذين يقرؤون الشعر وإنما استخدم مفردة القصائد بالذات، وله في ذلك سبب، فالإنسان بوسعه أن يجادل إلى ما لا نهاية، حول ما هو الشعر، لكنه ليس من الصعب  التفاهم حول معنى كلمة القصيدة، التي هي برأيه مصنوعة من كلمات بغرض احتواء مادة ما وإخفائها في الوقت ذاته. في ( الأقلية الهائلة) مخاتلة، فإذا كانت لا تحصى فهي ليست بأقلية، وإن كانت تحصى فهي ليست بهائلة، لكن يمكن تقليب العبارة على أكثر من وجه، لنلاحظ أن قراء القصائد الذين يظلون قلة رغم كثرتهم – بالمعيار النسبي – يشتركون فيما هو هائل وهذا الهائل هو ذاك الذى لا قياس له.

ولأنه لا يمكن الكتابة عن الكتابة، دون المرور بالحديث عن الترجمة، فنحن لا نتحدث باللغة فقط، بل نفكر
عبرها أيضا، وفي الترجمة أيضا نحن نترجم عبر اللغة، كان النص التالي:

الترجمة – تلك المهنة الشاقة:

قبل سنوات لفتنا عبده وازن إلى ان بعض الروايات العربية، التي ترجمت إلى لغات أخرى، غدت في الترجمة أكثر إتقانا وتماسكا من حيث اللغة، مقارنة بنصها العربي الأصلي، أو بتعبيره: “أصبحت أقل اخطاء وركاكة وأشد كثافة وسلاسة”.

أيعود الأمر إلى أن الأصل العربي لهذه الروايات كان في صياغته يحمل اوجه خلل أو هشاشة، تغلب عليها المترجم في لغة أخرى فبدا النص وهو مترجم أكثر قوة؟. ربما يكون في الأمر شيء من هذا، أقلها في بعض الحالات، لكن الناقد المغربي (عبدالسلام بن عبدالعالي)، يرى أن للأمر علاقة بفعل الترجمة ذاته، الذى يجعل النص المترجم يتفوق في بعض الحالات على أصله، ومن ذلك ان بعض المثقفين الألمان يفضلون العودة إلى الترجمة الفرنسية، لبعض مؤلفات مواطنهم (هيجل) الفلسفية، على ان يقرؤوها في اصلها الألماني كونها في الترجمة الفرنسية اكثر وضوحا.

وهذا بدوره يطرح سؤالا: أيكون السبب منحصرا فقط في أن الترجمات السابقة كانت سيئة، أم ان اللغة من حيث كونها كائنا حيا تتطور وتتسع وتتغذى بمصطلحات وأفكار جديدة، تجعلها أكثر مقدرة على تقديم الأفكار في اللغات الأخرى، بصورة افضل هذه الأفكار ربما تقود إلى سؤال: أليست هنا حاجة لترجمات عربية جديدة، لأعمال فلسفية أو فكرية أو ابداعية أجنبية سبقت ترجمتها، أليست العدة الفلسفية والفكرية وحتى الإبداعية في فضائنا العربي اليوم، أكثر مرونة وأوسع أفقا وثراء مما كانت عليه وأنها بالتالي أكثر قابلية لإكتشاف مكامن بريق جديدة في تلك النصوص؟

 القسم الثاني من الكتاب جاء بعنوان : من هو الكاتب، ويشتمل على عدة نصوص منفصلة، تتناول الحديث عن الكُتاب عموما وجاءت بعدة عناوين منها:

 من هو الكاتب:

ما الفرق بين الكتاب الأربعة التالية أسمائهم : (هيجل)، (فرويد)، (ماركس)، (نيتشه)؟
الإجابة المباشرة ستكون – على الأرجح – كالتالي: (هيجل) فيلسوف، (فرويد) عالم نفس، (ماركس) اقتصادي، (نيتشه) أديب.

ليست الإجابة خاطئة، التوصيفات اعلاه تصح على كل واحد من الأربعة الواردة أسمائهم. لكن ثمة إجابة أعمق، يقدمها (موريس بلانشو) في كتابه: (أسئلة الكتابة)، الذى قسم الباحثين إلى أربع فئات، هي كالتالي:
أستاذ يعلم، رجل معرفة مرتبط بالأشكال الجماعية للبحث المتخصص الذى يشمل – فيما يشمل – التحليل النفسي العلوم الإنسانية العامة، الأبحاث العلمية، ويطلق على من ينضوون تحت الفئة الثالثة من يربط البحث العلمي بالممارسة السياسية فيما تضم الفئة الرابعة من يكتب فحسب.

براءة الكاتب:

حين يفرغ القارئ من قراءة كتاب أو مقالة ما، تنتابه في بعض الأحيان رغبة في أن يسأل الكاتب: ماذا تقصد؟ ماذا تريد أن تقول؟ لا يتاتى السؤال فقط من أن الكاتب لم يوصل فكرته بالشكل الكافي، أو الذى يظنه كافيا، ولا من أن القارئ لم يفهم المعنى الحرفي المباشر، لما هو مكتوب، وإنما لأن لدى القارئ رغبة في إرواء فضول لم يشبع أو رغبة في الإستزادة.

لدى القراء رغبة في التأويل، في التوقع والإفتراض، إن كلمة أو عبارة عابرة يمكن ان تحمل من المعاني مالم يكن الكاتب يقصده أو ما لم يرد في ذهنه أبدا لحظة الكتابة. مرة سئل (غابرييل ماركيز) عم ينتظر القارئ في امريكا الجنوبية من كتبه فتحدث عن أن القارئ يبحث في الكتب عن نفسه، كيف يعيش واين يقف. ثم إنه تحدث في وجه الصحافي الذى وجه إليه  السؤال، وقال الآتي: “إنك تدفعني إلى التفكير بامور لا يجوز لي التفكير بها، على الكاتب ان يكون بريئا، ولا يجوز له التفكير  بالأضرار التي يسببها”.

 القسم الثالث من الكتاب يتحدث عن الكتب، ويضم كذلك عدة نصوص، وضعت بعض عناوينها كالتالي
 الحياة أم الكتب، الكتب التي حررتنا، الكتب الأكثر مبيعا، من سينخل الكتب، كتب خالية من الإكسجين.

 فيما يتناول في القسم الرابع والأخير القراءة، وهو يتناول موضوعين عامين في عدة نصوص، الأول منهما هو عن: كيف نقرأ؟ ماذا نقرأ؟، امتحان صبر القارئ، مراحل القراءة. فيما يبحث الموضوع الثاني شخصيات  بعض الكتاب الكبار وابرز  مؤلفاتهم  وطقوسهم الكتابية كرامبو، تشيخوف، ماركيز، فانون، نجيب محفوظ،  منيف، ناظم حكمت، نيرودا وغيرهم

 

Continue Reading →

إدوارد الخراط يتساءل: لماذا نكتب؟

إدوارد الخراط

إدوار الخراط  1926-2015. كاتب مصري، ولد بالإسكندرية لعائلة قبطية أصلها من الصعيد، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1946م، عمل في مخازن البحرية البريطانية في الكبارى بالإسكندرية، ثم موظفا في البنك الأهلي بالإسكندرية، عمل بعدها موظفا بشركة التأمين الأهلية المصرية عام 1955م، فاز بجائزة الدولة التشجيعية لمجموعة قصصه “ساعات الكبرياء” في 1972م. يمثل إدوار الخراط تيارًا يرفض الواقعية الاجتماعية كما جسّدها نجيب محفوظ في الخمسينات مثلاً ولا يرى من حقيقة إلا حقيقة الذات ويرجّح الرؤية الداخلية، وهو أول من نظّر للـ”حساسية الجديدة” في مصر بعد 1967م. شكلّت أولى رواياته (حيطان عالية) والتي كتبها وهو لم يتجاوز ال19 نقلة في الرواية العربية القصيرة حيث انتقلت من وصف العالم الواقعي إلى وصف خفايا الأرواح المعرضة للخيبة واليأس.

لماذا نكتب ..؟ نكتبُ لأننا أحياء!! أم أحياءٌ نحنُ لأننا نكتب !!

إنه ذلك التساؤل المنطقي الذي يلح علينا لمعرفة السر وراء تلك الرغبة الجامحة والغير منطقية التي تجعلك تمسك قلمك ومحبرتك وتفرغ على السطور عصارة ذهنك. تلك الرغبة في أن تدعو قارئًا إلى التجول في دهاليز عقلك فيأنس بك وتأنس به. ربما لم نعرف بعد لماذا نكتب، ولكن إدوار الخراط في كتابه (أُنشودة للكثافة) يسرد لنا بعض الأسباب التي تدفعه للكتابة، وربما تجد نفسك تتفق معه في واحدة أو أخرى من هذه الأسباب:

لماذا أكتب إذا ؟ أكتب لأنني لا أعرف لماذا أكتب! أمدفوعًا إلى الكتابة بقوة قاهرة؟

أعرف انني لا أملك إلا الكتابة سلاحاً للتغيير .. تغيير الذات وتغيير الآخر إلى أفضل ربما .. أو أجمل .. أو أدفأ في برد الوحشة والوحدة .. أو أروح في حر العنف والتعصب والإختناق .. لأنني أتمنى أن أقتحم ولو مقدارَ خطوة في ساحة الحقيقة التي لاحدود لها .. لأنني أتمنى أن ترتفع معرفتي ومعرفتكم بالذات والعالم ولو كان ذلك مقدار قامة .. لأنني لا أُطيق أن أتحمل في صمت جمال العالم وأهواله .. فلابد أن أقول .. لأنني أريد أيضا أن تظل العدالة حلماً حياً لايموت .. وصرخةٍ لا تطفئها قبضة القهر .. لأنني أتمنى أن يكون في كلمة من تلك التي أكتب أو في مجمل ما أكتب شيء يدفع ولو قارئاً واحداً أن يرفع رأسه وأن يحس معي أن العالم – في النهاية – ليس أرض الخراب واللا معنى.

لأن الكتابة حديث حميم أتكلم به إلى أناس أعرفهم ولن يتاح لي قط أن أتكلم إليهم .. وأنا أريدهم – هؤلاء المجهولون الذين أعرفهم كما لا أعرف أقرب الأقرباء – أن يسمعوني وأن نسمع معًا عن ذات أنفسنا معًا.

ثم يثير ذلك الجانب الفلسفي من الرغبة في الكتابة:

لأن العالم لغز .. والمرأة لغز .. والإنسان أخي لغز .. والكون كله لغز أحمله في حبة قلبي وهو نواة صلبة في جسد العقل والقلق الذي لا يصل إلى حل .. وأنا بالكتابة مدفوع إلى مناوشة هذه النواة أهاجمها من كل جانب .. بلا أمل في أن أكسرها .. ولا يأس من أن أحمل عليها مرة بعد المرة حتى وإن قصرت يدي وكل سلاحي .. وسلاحي هو عنف الحب ورقته .. أتمنى أن أكتب هذا .. ولهذا أكتب.

نصيحة أب لابنه إذا ما أصبح كاتبًا

سمير عطا الله كاتب وصحفي  لبناني مواليد 1941، اشتهر بكتابة المقالات كما أنه نشر أكثر من كتاب بين الأدب والرواية .في كتابه (مسافات في أوطان الآخرين) الذي كتبه في هجرته بين لندن و باريس وكندا، يخاطب ابنه (نصري) بعد أن يصف الكون وفقاً لـ(نصري) أو قد يكون الكون وفقاً لصغار، ما بين اللعبة القطنية “رينبو” و (حكاية توماس)، وعالم الروضة فهو يقول بعد وصفه لعالم (نصري):

الأمور مختلفة في عالم نصري، وكلما أيقظني من صحيفتي إنما يعلن الفارق بين عالمين .

ثم يخاطب (عطا الله) ابنه تحت عنوان “اسمع يا نصري“:

 إنه يومك الأول في المدرسة. خطوتك الأولى على عتبة عالم يكاد يكون أكبر بعداً من هذا العالم، أسمه العلم .قد تفرجنا عليك من بعيد، تربط حقيبتك الصغيرة إلى كتفك وتفرجنا على دهشتك، وأنت تفترس في أترابك، وتتلمس بأجفانك اليوم الأول من الفصل الأول من العام الأول في زمن لا نهاية له، و لا قعر، ولا سقف، ولا قرار اسمه العلم.

يصف العلم في عصر نصري:

فالعلم في عصرك هو القوت الآخر. إنه الرغيف الوحيد الذي ليس من عجن الأرض .وأنت يا بني، من جيل نهاية القرن، ولدت والناس تتمشى في الفضاء، والعلم يلعق المرايا فوق قشرة الأرض، لكي يضيء ليل القطب، وألعابك سفن فضائية.

ثم يوصيه:

أنت لك العالم. وأمامك العلم. عليك بهما.

وفي المقالة التالية المعنونة أيضا “اسمع يا نصري” يقول فيها:

لقد سألني أحب الناس بماذا سوف أنصحك هذا العام ؟ فقلت: إنني سوف أنصحك أيضاً، وأيضاً بقلم ودفاتر. ومع أنني أتطلع هذه الليلة بالورقة البيضاء، فأحار كيف أملأها ؟ فأتطلع في أوراقي الماضية فأراها مجرد أوراق على الطريق، وورقاً على ورق. ومع أنني مهزوم وأعزل. فإنني لا أريد لك في هذه الحياة سوى أن تكتب. وإذ أحلم لك، فأنا أحلم بأن تتخطاني بزمان، وبأن أكون نقطة انطلاقك لأمثالك.

وإذ أريد شيئاً، فإنما أريد لك أن تأخذ القلم جدياً أكثر مما أخذته أنا، وأن تعرف أهمية الورقة أكثر مما عرفتها أنا، وأن تتيقن باكراً بأن أجمل شيء في الدنيا، كتاب.

تمنى عطا الله لأبنه و قدم النصيحة ثم حذره مما قد يشاع عن الكتابة فيقول:

لا تصغ إلى الذين يحذرونك من صناعة الكلمة، اللهم إذا ما وهبك إياها الله. لا تأبه للذين يقولون لك إنها صناعة الفقر و إنها حقل اليأس، فالحقيقة أنها قوافي الرجاء. ولا تستمع إلى أولئك الذين يعظونك بأن الأرض مطحنة الضعفاء، وأنه عالم لم يخلق للكتاب، فالحقيقة أن الله يخلق لكل كاتب رجاء.

فيتم حديثة عن الكاتب و الكتابة بإعطائه ملكية معنوية رفيعة لا يحسن قدرها إلا القليل:

إنك تملك أن تبشر بالعدل، وأن تدعو إلى العفو، وأن تقاتل من أجل الحق، وأن تدافع عن صعاليك الأرض، ومساكينها. إنك تملك أن تعبر، تملك أن ترى إذا ما رأيت، وتملك أن تشارك الناس بكل لحن تسمع، وبكل قافية تمطر عليك.

هل الكتابة عندما تكون حرفة يرتزق منها الكاتب تكون أقل جودة وإبداع بينما تكون خالدة وعبقرية إذا ما كانت هواية أزلية تخلقها الرغبة في الكتابة لا طلب الرزق ؟

عطا الله يدعو أن لا تكون الكتابة حرفة لأبنه:

وإني أدعو لك إذا كتبت ألا تجعل الكتابة مثل حرفة تعيش بها ومنها. بل تظل هواية أزلية تمنحها كل عبقرية ممكنة، وتمنحك كل مكانة في غد الأدب وتاريخه.

فكتابة والكتاب ليسو واحد في نظره:

فالذين يكتبون في الحياة كثيرون، لكن هناك ملتون واحد عبر العصور. و(هيغو) واحد. و(المتنبي) واحد. وبعض الكتابة تجارة مثل السمسم و الكمون، وأما بعضها الآخر، فلا تفسير لتلك الرعشة التي يتركها فيك ولا نعت، ولا صفة .

وفي آخر سطر يكتبه لأبنه يتمنى له ثلاث هي أجمل ما في الحياة:

إن أجمل ما في الحياة صديق و كتاب و وطن، وإني آمل أن يمن الله بها عليك ثلاثاً.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.

لعبة الكتابة عند علي حرب

يعد د. علي حرب كاتباً لبنانياً ومفكراً علمانياً، له العديد من المؤلفات منها كتاب نقد النص، وهكذا أقرأ: ما بعد التفكيك ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبه في التفكيك. وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليّات العقليّة التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. من المقالات التي كتبت عن د. علي حرب مقالة الهويات والعولمة عند د. علي حرب على موقع ساقية.

كتب د. علي في خاتمة كتابه نقد الحقيقة حواراً انطلق من أسئلة طرحها عليه حسين نصر الله مندوب مجلة الكفاح العربي، واقتبست منه ما تكلّم فيه عن طريقته في الكتابة.

ففي سؤاله عن دواعي الكتابة لديه قال :

الكتابة هواية أمارسها ، أستمتع بها. طبعاً عليّ أن أتقن هذه الهواية بل اللعبة. عليّ أن أمارس اللعب حسب قواعد أو بابتكار قواعد جديدة. المهم أن ألعب، أنا أملك أوراقي، أي عدتي المعرفيّة و اللغوية، فضلاً عن خططي و سعيي الدائم إلى تحديث أدواتي ، أسلحتي ، كل ما من شأنه أن يتيح لي أن أكون فاعلاً و منتجاً أو مبدعاً في كتاباتي و أعمالي.

وفي سياقه لدواعي الكتابة قال:

 … إني أكتب لكي أعبّر عن خبرتي ، معايشاتي. ، خبرتي ليست كخبرة العالم في مختبره، أي لا يمكن صوغها ، تعميمها على الناس على شكل معلومة أو نظرية.انها تجربة فريدة لا يمكن نقلها او تكرارها، بل يمكن فحصها ، اختبارها أو قراءتها واستنطاقها.

أمّا عن هدف الكاتب بالنسبة له:

… إنه يخفي دوماً مطلوبه الأول الذي هو اجتذاب القارئ. و جره إليه بإيقاعه في شباكه الدلالية أو فخاخه المفهومية. الكاتب يطلب طريدة يريد اقتناصها. أما الهم المعرفي التنويري فيأتي بعد ذلك. ولهذا على القارئ أن يكشف اللعبة بالاطلاع على الأوراق التي يخفيها الكاتب.

و عمّا لو كان ينسف مفهوم الكتابة في رأيه هذا قال:

 المفهوم الذي أحاول بسطه للقارئ أن يسترجع مبادرته أو أن يمارس فعاليّته. إنه مفهوم يتطلب قارئاً يلتفت إلى ذلك الشيء الذي يخفيه الكاتب فيما هو يكتب و الذي منه يستمد سلطته أو أثره. آن لنا أن نعترف بهذه الحقيقة، و هي أن الكتابة، أياً كانت مجالاتها ليست هماً معرفياً تنويرياً بقدر ماهي ممارسة سلطوية على القارئ.

 إنها استراتيجية متعددة يتداخل فيها المعرفي، السلطوي و العشقي و العصبوي و الجمالي … و إذا شئت مقاربة أخرى أقول إنها نوع من العرض نعرضه على القارئ. فنحن نشبه التجار من هذه الناحية، أي أننا نقدم للقرّاء عروضاً جديدة هي عبارة عن “المستجدات“ من الأساليب و الأفكار أو النظريات… ففي كلا الحالين ثمة نظام للعرض. والفرق بين كاتب وآخر، هو في قوّة النظام أو في جمال العروض. ولا تعجب لهذه الاستعارة. فلكل محدث جذر قديم. فالمناطقة العرب قالوا بأن العلم بحث عن العوارض الذاتية، وليست العوارض سوى ما نعرضه بعلمنا على الأشياء.

شوبنهاور والأسلوب في الكتابة

Schopenhauer

آرثر شوبنهاور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني، معروف بفلسفته التشاؤمية. تحفل مقالات (شوبنهاور) باستبصارات عميقة وعبارات لا تُنسى، فهي أوابد القول وشوارد من الفكر وشرارات قدحها عقله اللامع وألبسها ثوباً قشيباً من الفطنة والجلاء ومن أمثلتها:

 القلم للفكر مثل العصا للسائر، إلا أن مشيك يكون أيسر متى كان بلا عصا

أو مقولته:

القراءة إن هي إلا التفكير برأس إنسان آخر لا برؤوسنا نحن

و قد أعاد (المركز القومي للترجمة) ترجمة كتاب (فن الأدب: مختارات من شوبنهاور) والذي قد أعدّه (بيلي سوندرز). ويتيح لنا الكتاب الإطلالة على جانب من فكر شوبنهاور – جانب الناقد الأدبي و فيلسوف علم الجمال – و هو من أخصب جوانب فكره. كما يقول (ماهر شفيق فريد) في تصديره للكتاب. أمّا عن الكتاب فيضم ثمانية فصول عن أشكال الأدب و الأسلوب و النقد و في تفكير المرء لنفسه و عن الشهرة و العبقرية و غيرها.

و قد ذكر في مقالة الأسلوب تعريفاُ للأسلوب بقوله: 

الأسلوب هو تقاطيع الذهن و ملامحه؛ وهو منفذ إلى الشخصيّة أكثر صدقاً و دلالة من ملامح الوجه. ومحاكاة الكاتب لأسلوب غيره أشبه بارتداء قناع وهو ما يلبث أن يُثير التقزز والنفور لأنه مواتٌ لا حياة فيه، حتى ليفضله أكثر الوجوه قبحاً مادام فيه رمق من حياة.

و أضاف:

والتكلف في الأسلوب أشبه ما يكون بالتلاعب بملامح الوجه وفوق ذلك كله فإن اللغة التي يكتب بها الكاتب هي بمثابة تقاطيع الوجه من الأمة التي ينتمي إليها.

و ليس من الضرورة المباشرة لتقييم نتاج أي كاتب تقييماً وقتياً أن نلم بالمضمون الذي يتناوله فكره أو الأقوال التي تحويها كتاباته عن ذلك المضمون، لأن ذلك يتطلب اطلاعاً كاملاً على كل أعماله، إنما يكفي أساساً، أن نتبيّن كيف يُفكر. وهذهِ الكيف التي تعني المزاج الجوهري أو المستوى العام لذهنه، يمكن أن نتبينها – على وجه التحديد – من أسلوبه. فأسلوب الكاتب يكشف عن الطبيعة الشكلية لكل أفكاره، الطبيعة الشكلية التي لا يمكن أن تتغيّر أبداً مهما كان موضوع أفكار الكاتب أو طابعها. لأن تلك الطبيعة الشكليّة تكون بمثابة الخامة التي تصاغ منها كل محتويات ذهنه.

و يطرح شوبنهاور سؤالًا مفاده: “الإنسان إذا كان لديه ما يُقال, أيّ طريقٍ يختار؟ الإبهام أم الوضوح في التعبير عن نفسه؟

يُبدي كوينتيليان ملاحظة في ذلك مؤدّاها أن مايقوله الإنسان المثقف ثقافة عالية يكون عادةً أسهل فهماً، و أكثر وضوحاً، و أنه بقدر ما تقلّ ثقافة الإنسان، بقدر ما يزداد ميله إلى الغموض فيما يكتب. فالمؤلف يجب أن يجتنب أن العبارات التي تبدو كالطلاسم، لأنه يجب أن يعرف ما إذا كان يردي أن يقول الشيء أو لا يقوله، لأن ذلك التردد في الأسلوب هو الذي يجعل الكثيرين من الكتّاب فاترين تمجّهم النفس.

و كما أن المبالغة تستتبع دائماً عكس المقصود منها، فإن الكلمات وإن كانت حقاً تستخدم في جعل الفكر مفهوماً، فإن ذلك لا يتخطّى حداً محدوداً، بحيث يكون تكويم الكلمات وراء ذلك الحد مردياً إلى انقلاب الفكر إلى غموض متزايد، و مشكلة الأسلوب الأولى هي: تحديد النقطة التي يحدث بعدها ذلك الأثر العكسي، و لا سبيل إلى ذلك التحديد إلا عن طريق الملكة النقدية، لأن كلمة واحدة زائدة على الحاجة تؤدي إلى عكس المقصود تماماً. 

ولذلك فإنه يتعيّن اجتناب كل إفراط و تزيد في القول، وكل تجميع لملاحظات لامعنى لها ولا جدوى من مطالعتها. فالكاتب يجب أن يقتصد، ما أمكن في استنفاد وقت القارئ وصبره وانتباهه، وذلك بغيّة إقناع القارئ أن المؤلف الذي يقرأ له لا يكتب إلا ماهو جدير بالتدبّر و الدراسة. ومن الأفضل أن يُحذف شيء جيّد من أن يُضاف ماليس جديراً بالقول أصلاً. وذلك هو التطبيق الأمثل لقول هزيود المأثور: “النصف أكثر من الكل“. فسرُّ الإملال هو قول المرء لكل ماعنده. ولذلك ما وسع الجهد: الجوهر فقط!

مجرد أفكار تقود القارئ و تفتح له آفاقاً جديدة! ولاشيء يستطيع القارئ أن يتفكر فيه بنفسه. و استخدام عديد الكلمات لإيصال القلّة من الأفكار هو دائماً علامة لا تخطئها العين على انعدام التفوق لدى أوساط الناس، و على العكس, فإن شحن القليل من الكلمات بالكثير من الفكر، هو دائماً علامة التفرّد و النبوغ.

و لخّص ذلك في موضع آخر بقوله:

الفكرة الواضحة سرعان ما تجد الكلمات التي تناسبها. و بذلك, فإنه متى كان قادراً على مزاولة التفكير أصلاً، فإنه يكون قادراً على التعبير عن فكره بوضوح في ألفاظ مفهومة محدودة المعنى.

و أيضاَ قوله:

و مما يُفيد الكتّاب أكبر الفائدة، أن يُدركوا أنه و إن كان ينبغي للمرء أن يُفكر ما استطاع كعبقريّ كبير، إلا أنه يتعيّن عليه أن يتكلّم اللغة التي يتكلّمها سائر الناس. فالمؤلف يجب أن يستعمل كلمات الناس العادية، ليقول بها أشياء غير عادية.

ويُقدم نصيحته للكاتب بقوله:

إن الكاتب يجب أن يحترز, في دنيا الأدب، من بهرجة البلاغة، و الإطناب الذي لاجدوى منه، وكل تزيّد في التعبير، بوجه عام أو بعبارة موجزة، يتعيّن عليه أن يصبو إلى طهارة الأسلوب و نقائه، فكل كلمة يمكن الاستغناء عنها تكون ضارّة إذا مابقيت، وقانون البساطة و السذاجة ينسحب على الفنون الجميلة جميعاً، لأنه من الممكن أن يكون الفنان, في الوقتِ نفسه بسيطاً و سامقاً

يختم شوبنهاور في آخر مقالته:

” … و القلّة من الكتّاب هم الذين يكتبون كما يبني المهندس المعماري، فهو قبل أن يبدأ عمله، يحدّد على الورق ما سوف يبنيه، ويتدبّره تدبّراً عميقاً في أدق تفاصيله. ” 

 

 

خلود الحرف والكاتب برؤية بلقيس الكركي

 

وصفَت د. بلقيس الكركي في كتابها:  (إرادة الكتابة) صورة الكاتب لذاته ومعنى الخلود من خلال كتابته وذكرت في  فصل “الرقباء”:”الذات”:

طالما أنك ستحيا الحياة على أي حال، فربما من الحكمة أن تلهي نفسك خلالها بانتظار شيء اخر غير الموت، بشيء تختاره أنت.
طبعا قد يبدو من الغباء أن تختار العمر من أجل لحظات قصيرة تدرك فيها خلودك الحاصل أو المحتمل، إدمان المسير في طريق شائك يجرحك ويقتلك ويهدمك رويداً رويداً كل يوم، لكن الغاية تستحق بلا شك لسببين:

الأول (استغلال الموت):
هو أن اللحظات القصيرة هذه في غاية الإغراء لأن فيها أقصى لذة ممكنة لبشر، لذة “كالأبد المؤقت في القصائد”، تجعل “طعم الموت” بعدها أخف وطأة لأنك عرفت طعم الأبد مؤقتاً.
طبعاً قد تبقى حياتك غالية على قلبك، لكنها قد تصبح زائدة عن حاجة صورتك الخاصة إذا لم تعد الأخيرة مرهونة بما ستكتب لو عشت أكثر، أما الموت فيصبح عندها اكسسوارًا مكملاً لما ألفت من نفسك، يصبح مجرد النهاية التي حضرت نفسك لها وحيداً محض سطر قصير، حدث عابر أسفل الصورة، لكنه يكملها فيجعلها أجمل، تكون عندها قد هزمت الموت، لا بأن منعته، بل بأن غيرت دوره وجعلته في خدمة صورتك، فنحن نحب الموتى من العظماء أكثر.

الثاني (متعة الأوهام):
هو أنك حتى لو لم تعش لحظات الأبد المؤقتة، فمتعة لابأس بها أيضاً هي الانتظار وتخيل اللذة التي قد تجتاحك فيما لو لم تفشل هذا  إن كنت تنهك نفسك حقاً في سبيل صورتك،
فالانتظار احتمال، كل البشر ينتظرون أشياء ممكنة أو مستحيلة كي يحتملوا الحياة، طالما أن ملء نفسك بالأوهام والأحلام الوردية قد يقربك فعلا مما تنتظر فمثلا من يتوهم أنه شجاع قد يصبح حقاً شجاع، هذا سيجعلك تحتمل الحياة من أجل غاية مترفة تنتظرها بدل الموت وتعينك على ضجر العالم الرتيب.
الانتظار آداة تسيطر عليها وتستغلها من أجل التأليف والوجود وزيادة احتمال الإحساس بمتعة الخلود.

لقاء مع الروائي ميلان كونديرا

ميلان كونديرا

 

ميلان كونديرا، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. من مواليد عام 1929 في تشيكوسلوفاكيا. وهذا لقاء مترجم بشكل حصري لدى ساقية (المصدر)، يشرفنا أن ننقله لكم، وقد قام بهذا اللقاء الصحفي (كريستيان سلمون). يقول الصحفي في تقديمه للقاء:

هذا اللقاء كان نتاجًا لبضعة لقاءات مع (ميلان كونديرا) بخريف 1983 في باريس. وقد أقيمت هذه اللقاءات في شقة علوية بالقرب من برج مونبارناس، اتخذها (كونديرا) كمكتب له. بأرففها المليئة بكتب الفلسفة والموسيقى، الطابعة قديمة الطراز على الطاولة هناك، مما يعطيها طابعًا أقرب لغرف دراسة الطلاب، أكثر منها غرفة دراسية لكاتب مشهور عالميًا. على أحد الجدران، صورتان معلقتان جنبًا إلى جنب؛ الأولى لوالده عازف البيانو، والأخرى لـ(ليوش ياناتشيك) الملحن التشيكي، الذي ينال تقديرًا كبيرًا من (كونديرا).

أجريت هذه المقابلة بعد فترة قريبة من نشر رواية (كائن لا تحتمل خفته) لـ(ميلان كونديرا)، وبعد أن أضحت الأكثر مبيعًا فور نشرها. لم يستقبل (كونديرا) هذه الشهرة المفاجئة بصدر رحب، ولم يكن مرتاحًا لها أبدًا، ولعله يتفق مع (مالكوم لوري) في مقولته: “النجاح هو كارثة عظيمة، أشد سوءًا من اشتعال النيران في بيت أحدهم، الشهرة تستحوذ على البيت وعلى روح البيت”. سألته مرة عن بعض تعليقات الصحافة على رواياته، فأجاب بأنه “يأخذ جرعات زائدة من نفسي”.

رغبة (كونديرا) في عدم التحدث عن نفسه تبدو كردة فعل غريزية ضد ميل النقاد لدراسة الكاتب، وشخصية الكاتب، وسياساته وحياته الخاصة، عوضًا عن التركيز على عمل الكاتب. “الاشمئزاز من وجوب التحدث عن ذواتنا هو ما يفرّق بين موهبة الكاتب الروائي وموهبة كاتب القصائد الغنائية”، هكذا قال (كونديرا) لأحد الصحف المحلية، فرفض التحدث عن ذواتنا إذًا، هي الطريقة المثلى لأن تضع أعمالك الأدبية كموضع الاهتمام المباشر، ومكمن التركيز. وهذا هو الهدف من هذا اللقاء، فن التكثيف، البُنْية والتراكيب.

 

kundera_milan

 

صرّحت سابقًا بأن أقرب الروائيين إليك هما (روبيرت موزيل) و(هيرمان بروخ) من فيينا، أكثر من أي روائي آخر في الأدب المعاصر. (بروخ) يعتقد، كما تعتقد أنت أيضًا، أن عصر الروايات السيكلوجية – المهتمة بتحليل النفس البشرية – قد شارف على الانتهاء. عوضًا عن ذلك، آمن بما أطلق عليه روايات الـ”بوليـهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة.

(موزيل) و(بروخ) أثقلوا الروايات بمسؤوليات هائلة. يرونها كتأليف فكري متعمق، يرونها كآخر الأمكنة التي يمكن التساؤل فيها عن الكون ككُل. كانوا مقتنعين بأن قوة التأليف عظيمة في الرواية، مما يُمكّنها من أن تكون أشبه بالشعر، الخيال، الفلسفة، الحكمة، ومقالة، وكل ذلك معًا. وقد تعمّق (بروخ) في هذا الموضوع في أحد رسائله. ولكن يبدو لي بأنه لم يحسن اختياره لمصطلح “بوليهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة. في الحقيقة أن هذا المصطلح تم تأليفه من قِبل (ادالبيرت ستيفتر) الروائي النمساوي الكلاسيكي، وقد اخترع هذا المصطلح في روايته (الصيف الهندي)، والتي نُشرت في عام 1857. الرواية مشهورة، حتى أن (نيتشه) قد اعتبرها من أفضل أربعة أعمال في الأدب الألماني. ولكنها حاليًا غير قابلة للقراءة، فهي محشيّة بمعلومات عن الجيولوجيا، علم النباتات، علم الحيوان، الحِرَف، الرسم، الطلاء، الفنون البنائية. لكن هذه الموسوعة الهائلة، قادرة على إسعادك، لكنها لن تتركك تدخل عالمها. بالضبط لأنها متعددة الأزمنة، (الصيف الهندي) تفتقد تمامًا لما يجعلها رواية مميزة. لكن هذه ليست الحالة مع (بروخ). بالعكس! إنه يندفع حتى يكتشف، فالموضوع الوحيد الذي يحب (بروخ) أن يطلق عليه “معرفة روائية” هو “الوجود”. في نظري أن مصطلح “الأزمنة المتعددة” ينبغي أن يُعرّف  بأنه “ما يأتي بالنصائح وأشكال المعرفة بغرض أن يشع نورًا على الوجود”. نعم، إني أحس بالقرب من هكذا منهج.

 نشرت سابقًا مقالة مطولة في أحد المجلات الفرنسية، وكانت السبب في أن الفرنسيين أعادوا اكتشاف (بروخ) مرة أخرى. تحدثت عنه بتقدير كبير، ومع ذلك قمت بانتقاده أيضًا. فكتبت في نهاية المقالة: “كل الأعمال العظيمة، تكمن عظمتها في أننا علِمنا مسبقًا بأنها عظيمة، ومع ذلك فهي نوعًا ما غير مكتملة”.

(بروخ) هو إلهام لنا جميعًا، ليس بسبب إنجازاته فحسب، وإنما لكل أهدافه التي لم يحققها أيضًا. يمكن للا كمال في أعماله أو يمكن للنقص في أعماله أن تساعدنا على فهم الحاجة لأشكال فنية مختلفة، مما يشمل: [1] التجريد الجذري من كل ما هو غير ضروري، لأجل الحصول على تعقيد الوجود دون فقدان النقاء البنائي في الرواية، [2] التناغم الروائي، من خلال توحيد الفلسفة والسرد والحلم في معزوفة واحدة، [3] المقالة بأسلوب روائي، فبدلًا عن الإدعاء بنشر وتضمين رسائل معينة، تبقى في النهاية افتراضية، ساخرة وغير حقيقية، لا تلامس حياتنا البشرية.

يبدو بأن هذه النقاط الثلاث تختصر كل برنامجك الفني.

 من أجل أن تكون رواياتنا “متعددة الأزمنة”، وبمسحة وجودية، يجب أن نتقن مهارة الانتقال المفاجئ، فن التكاثف، وإلا، سقطت في فخ طويل بلا نهاية. رواية (موزيل) مثلًا، (رجل بلا صفات)، واحدة من أكثر ثلاث روايات أحبها. لكن لا تطلب مني أن أقدِّر تمددها الكبير والغير متناهي! أتخيلها قلعة كبيرة جدًا، للدرجة التي تعجز العين أن تحصرها بنظرة واحدة. أتخيلها سلسلة رباعية طالت لتسع ساعات. هناك حدود أنثروبولوجية، وأبعاد إنسانية، لا يجب أن تُخترق، حدود الذاكرة مثلًا. عندما تنتهي من القراءة، يجب أن تكون قادرًا على تذكر البداية. إن لم تتمكن من ذلك فقدت من روايتك شكلها، ويصبح وضوحها البنائي مشوبًا أيضًا.

 

Milan-Kundera-006

 

 (كتاب الضحك والنسيان) مكوّن من سبعة أجزاء. لكن الملاحظ عليها بأن كل جزء منها يمكن أن يكون رواية مختلفة إن تخليت أنت عن الانتقال المفاجئ الذي تحدثت عنه.

لكني إذا ما كتبت سبعة روايات مختلفة، فقدت تبعًا لذلك الشيء الأكثر أهمية، لم أكن لأحكِم صورة “التعقيد في وجودية الإنسان في العصر الحديث” في كتاب واحد. فن الانتقال المفاجئ أساسي جدًا، حتى يقدر المرء على الوصول لخلاصة الموضوع مباشرة. بهذا الاتصال، أنا أفكر دائمًا بـ(لويس جانايك) الموسيقي التشيكي العظيم، والذي أقدّره عاطفيًا منذ الصغر. هو أحد أعظم الموسيقيين الحداثيين. كانت له مثابرة وإصرار لتجريد الموسيقى من أساسياتها الثورية. بالطبع، كل تركيبة موسيقية تتطلب الكثير من المهارة: الكشف عن الشكل العام، تطوراته، اختلافاته، تعدد الأصوات فيه، التزامن وملؤ الفراغات بالآلات الموسيقية، الانتقالات، إلخ.

أما اليوم، فيستطيع المرء أن يكتب الموسيقى عن طريق كمبيوتره، لكن الكمبيوتر فعلًا في فِكر الكاتب الموسيقي. يستطيع أن يجد بعض الإيقاعات والتوصيفات الجاهزة، ليقوم هو بعد ذلك بمجرد الاختيار والترتيب.

لهذا عمِد (جانايك) على تدمير كمبيوتره! تجاوز قاسي بدلًا من الانتقال والتكرار، وتغيير قوي لقَلب الأمور، ولن تبقى غير الذاكرة، التي تحمل شيئًا مهمًا يستحق الوجود. وتقريبًا فالأمر ذاته بالنسبة للروايات؛ إنها مثقلة بالتقنين، بقوانين تقوم بعمل الكاتب بدلًا عنه: تقديم الشخصيات، وصف المكان والبيئة، خلق الأحداث في المكانة التاريخية، ملئ حياة الشخصيات بأحداث أو حلقات مفرغة. كل تغيير في المشهد يتطلب إيضاحًا وتقديمًا جددًا، أوصافًا، وتفسيرات. يمكنني القول بأن أهدافي قريبة من أهداف (جانايك): أن أخلص الرواية من التكنيكات الروائية المعتادة، من الدوران المحوري للكلمات والأوصاف.

 الهيئة الثانية للفن التي ذكرتها كانت (التناغم الروائي).

فكرة أن الرواية هي عمل تركيبي عظيم، تقوم تلقائيًا -تقريبًا- بمحو مشكلة (تعدد الأزمنة). هذه المشكلة ما زالت بحاجة للتمحيص. وليكن الجزء الثالث من رواية (المشاة أثناء النوم) لـ(بروخ). فهي مكونة من خمسة عناصر مختلفة: [1] الروائية، السرد والقصة المؤسسة على ثلاثة شخصيات رئيسية، [2] الوصف الواقعي للحياة في مستشفى الجيش، [3] سرد قصة فتاة في جيش الخلاص، [4] القصة الواقعية لـ(هانا ويندلينق)، [5] المقال الفلسفي عن مهانة المبادئ. كل جزء فيها مذهل بحد ذاته. وبالرغم من ذلك، وبغض النظر عن التعامل بالتساوي معها كلها، وبتغيير ثابت، تبقى العناصر الخمسة غير متحدة. بكلمة أخرى، فهي لا تمثل (بوليفونيك) حقيقي.

باستخدام التعبير المجازي (بوليفونيك)(*) وتطبيقاته الأدبية، ألا تطلب هنا من الرواية مالايمكن استيفاؤه ؟

الرواية تستطيع أن تدمج عواملًا خارجية بطريقتين. في مجرى السرد، دون اقتباس، تجعلك تسرد قصص مختلف الشخصيات. بهذه الطريقة، القصص المستقلة تُدمج ككُل متناسقة في إطار الرواية. هذا التركيب منتشر عادة في روايات القرن السابع عشر والثامن عشر. (بروخ)، على الرغم من ذلك، وبدلًا من أن ينسّق قصة (هانا ويندلينق) وقصة الثلاث شخصيات الرئيسية الأخرى، قام بكتابتها كلها بشكل مستقل. (سارتر) في (التأجيل) و(دوس باسسوس) قبله، أيضًا استخدموا هذا التكنيك في التزامن. هدفهم، مع ذلك، أن يجلبوا معًا القصص السردية المختلفة، بكلمات أخرى، عناصر متجانسة بدلًا من غير التجانس الحاضر عند (بروخ) مثلًا. وأيضًا، استخدامهم لتكنيكات صادمة، كميكانيكية طاغية وخالية من المعنى. لا أستطيع التفكير في مصطلح أفضل من (بوليفونيك) أو (طباق) لوصف هذا النوع من الأعمال، وبالإضافة إلى ذلك، التجانس في الموسيقى مهم. على سبيل المثال، أكثر ما يزعجني في الجزء الثالث من (المشاة أثناء النوم) هو أن العناصر الخمسة غير متساوية. فيما أن المساواة بين كل الأصوات في التكامل الموسيقي -فن مزج الألحان- هو القاعدة الأساسية للتأليف الموسيقي. في عمل (بروخ)، العنصر الأول -السرد للثلاثة شخصيات- تأخذ مساحة فيزيائية أكبر بكثير من العناصر الأخرى، والأهم، أنها حظيت بارتباط أكبر مع الجزئين السابقين للرواية. وهي بذلك تجذب اهتمامًا أكبر، وتهدد بتحويل بقية الأجزاء إلى قصص فرعية غير مهمة. الشيء الثاني المزعج هو أن كلًا من قصة (هانا ويندلينق) والمقالة الفلسفية، لديهما القدرة على أن يكونا عملين مستقلين. وباستقلاليتهما، لن يفقدوا أيًا من معناهم وجودتهم.

في وجهة نظري، المتطلبات الأساسية للطباق الروائي هي: [1] التساوي بين كل العناصر، [2] تماسك الرواية ككل، كجزء واحد. أتذكر اليوم الذي أنهيت فيه (الملائكة)، الجزء الثالث من (كتاب الضحك والنسيان)، كنت فخورًا بذاتي بشكل سيء. كنت متأكدًا من أنني وجدت المفتاح لطريقة جديدة في تركيب سرد القصة. النص كان مصنوعًا من الأجزاء التالية: [1] حكاية طالبتين وتحليقهما، [2] سيرة ذاتية، [3] تقرير نقدي عن أحد كتب حقوق المرأة، [4] أسطورة عن ملاك وشيطان، [5] قصة لأحلام (باول اليوارد) وطيرانه في سماء (براغ). ليس لأحد هذه الأجزاء أن يتواجد دون الأخريات. كل واحد منها يشرح الأخريات كما لو أنها بمجملها تكشف فكرة أساسية واحدة، وتسأل سؤالًا واحدًا عن ماهية الملاك.

الجزء الثالث معنون أيضًا بـ(الملائكة)، مكون من: [1] سرد لحلم موت (تامينا)، [2] سيرة ذاتية لموت والدي، [3] انعكاسات موسيقية، [4] انعكاسات عن وباء نسيان مدمر في (براغ). ما هو الرابط بين والدي وتعذيب (تامينا)؟ إنه لقاء مكينة خياطة ومظلة، في استعارة لصورة (لاوتريمونت) الشهيرة. أن تتعدد الأصوات الروائية أقرب للشعر من كونها تكنيك روائي. لا أستطيع أن أجد أي مثال لتعدد الأصوات في الأدب أقرب من الشعر، لكنني لطالما كنت منبهرًا بآخر أفلام (آلاين ريسنايز). استعمالاته لفن التكامل جدير بالتقدير.

(*): البوليفونيك هي كلمة تُستخدم في الموسيقى، تعني الانسجام والتناغم في الحنين لأكثر من شخصية

kundera1

 

هذا التكامل الروائي كان أقل حضورًا في روايتك (كائن لا تحتمل خفته).

كان ذلك هدفًا للرواية. أردت من الأحلام، وسرد القصة، والانعكاسات، أن يسيروا معًا ككل لا يتجزأ وكمجرى طبيعي. لكن الشخصيات وتعدد أصواتها في الرواية كانا مدهشين في الجزء السادس. قصة (ابن ستالين)، الانعكاس اللاهوتي، الأحداث السياسية في آسيا، موت (فرانز) في (بانكوك)، وجنازة (توماس) في (بوهيميا) كلها مرتبطة معًا بسؤال واحد، عن ما هو الفن الهابط؟ المرور المتعدد للأصوات هو حجر الأساس الذي يربط هيكل الرواية، إنه المفتاح للفن البنائي.

بوصفك “مقال روائي” كنت عن عبرت عن عدة تحفظات في المقالة عن الغش وإهانة القيم الظاهرة في (المشاة أثناء النوم).

إنها مقالة مذهلة.

لديك بعض الشكوك حول طريقة اندماج أجزاء الرواية. (بروخ) لم يتخلى عن أية من المصطلحات العلمية، فقد عبّر عن رؤياه بطريقة مباشرة دون الاختفاء خلف أحد الشخصيات. ألا يُعتبر ذلك إسهامًا من (بروخ) في الحقيقة، تحديه الجديد لشكل الرواية؟

هذا صحيح، وكان على وعي تام بشجاعته. لكن هناك بعض الخطورة أيضًا؛ مقالته يمكن أن تُقرأ وتُفهم كمفتاح أيدلوجي للرواية، كما هي “الحقيقة”، وهذا من الممكن أن يحول بقية الرواية إلى مجرد شرح للفكرة الأساسية. عند ذلك، ستضطرب بقية الرواية، حقيقة المقالة ستصبح ثقيلة جدًا، وبناء الرواية الرقيق سيواجه خطرًا بالتهاوي. الرواية التي لا تضمر شرح نظرية فلسفية (وبروخ كان يحتقر هذا الشكل من الروايات)، قد تنتهي بأن تُقرأ بهذه الطريقة. كيف يستطيع إنسان أن يدمج مقالة مع رواية؟ من المهم أن يكون لديك حقيقة واحدة في البال؛ الجوهر هو الانعكاس(**) المتغير تمامًا في الدقيقة التي تجمّله في جسد الرواية. خارج الرواية أنت في عالم التأكيدات والحقائق، كل الفلاسفة والسياسيين متأكدين تمامًا من أقوالهم. الرواية، مع ذلك، هي منطقة لا يقوم فيها أحد بالتأكيد أو فرض أفكاره كحقائق، إنها مسرحية للنظريات. الانعكاسات في الرواية هي احتماليات جوهرية جدًا.

لكن لماذا يمنع الروائي نفسه من طرح فلسفته جهارًا وبحزم في الرواية؟

لأنه ليس بيده أكثر من ذلك !! بالعادة يبحث الناس عن فلسفات (تشيخوف) أو (كافكا) أو (موزيل). لكن حاول أن تعثر على فلسفة محكمة في كتاباتهم! حتى أولئك الذين يعبرون عن أفكارهم في دفاترهم، يعدون ذلك تمرينًا ذهنيًا. التحكم بالمفارقات أو الارتجال بدلًا من التأكيد الفلسفة، وحتى الفلاسفة الذين يستعملون الروايات كشكل يشرحون في آراءهم. لم يستطع أي من (فولتير) أو (ألبير كامو) أن يكتشف ما تستطيع الرواية وحدها أن تكتشفه. أستثني من ذلك رواية (جاك القدري). فهي معجزة بحق! بتعديها على حدود الرواية الفلسفية الجادة، أضحت أشبه بمفكرة لعوب. ليس هناك جملة واحدة جادة في الرواية، كل ما فيها أقرب للمسرحية. ولذلك فالرواية غير مقدّرة بشكل شنيع في فرنسا. في الروايع، تحتوي الرواية على كل ما فقدته فرنسا، وترفض أن تستعيده. في فرنسا، الأفكار مفضّلة على العمل، والرواية بهذا الشكل لا تستطيع أن تُترجم للغة الأفكار، ولذلك فهي غير مفهومة في عالم الأفكار.

في روايتك (المزحة)، كان (جاروسلاف) هو من كوّن نظريته الموسيقية. الشخصية الافتراضية لأفكاره واضحة وجلية في ذلك. بينما التأمل الموسيقي في (كتاب الضحك والنسيان) كان خاصًا بالكاتب، الذي هو أنت. كيف أستطيع أن أفهم إذا ما كانت تلك النظريات افتراضية أو مؤكدة؟

كل ذلك يعتمد على النبرة. من الكلمات الأولى، كان هدفي أن أعطي هذه الانعكاسات نغمة لعوبة، ساخرة، مستفزة، تجريبية ومتسائلة. كل الجزء السادس من (كائن لا تحتمل خفته) هو مقالة عن الفن الهابط، شرحًا للفكرة الرئيسية: الفن الهابط هو إنكار تام لوجود الخراء. لهذا التأمل للفن الهابط أهمية شديدة بالنسبة إليّ. فهو مبني على الكثير من التفكر، التجارب، الدراسة، والشغف أيضًا. إنها مستفزة. هذه المقالة لا يمكن التفكير فيها خارج الرواية، إنها تأمل وراثي نقي.

تعدد الأصوات في رواياتك يحتوي عنصرًا آخرًا، هو سرد الأحلام. فالجزء الثاني كاملًا من (الحياة في مكان آخر)، هو أساسًا الجزء السادس من (كتاب الضحك والنسيان)، ويجري أيضًا في (كائن لا تحتمل خفته) في حلم (تيريزا).

هذه الأجزاء أيضًا هي الأكثر قابلية للفهم بشكل خاطئ. فالقراء يريدون أن يجدوا الرسالة الرمزية فيها. بينما لم يكن هناك أي تشفير في حلم (تيريزا). إنه إشعار بالموت. معناه في جماله، والذي ينوّم (تيريزا) تنويمًا مغناطيسيًا. على فكرة، هل لاحظت بأن الناس لا يستطيعون قراءة (كافكا) لمجرد فك شفراته؟ بدلًا من أن يسمحوا لأنفسهم بالاتجراف معه بعيدًا في مخيلته الفذة. تجدهم يبحثون عن الاستعارات والتشبيهات، فلا يستطيعون أن يجدوا شيئًا غير الأفكار المتداولة دائمًا. ككل الأشياء التي تضحي سخيفة من كثرة استعمال الناس لها: الحياة عبثية، أو غير عبثية، الرب بعيد عن المتناول، أو في المتناول، وغير ذلك. لا تستطيع أن تفهم شيئًا عن الفن، خاصة الفن الهابط، إذا لم تفهم بأن الخيال بحد ذاته هو قيمة عالية. (نوڤاليس) عرف ذلك عندما مجّد الأحلام. إنها “تحمينا من رتابة الحياة” كما قال، فهي “تحررنا من الجدية بخفتها وخفة ألعابها”. فكان هو أول من فهم دور الأحلام والخيالات الشبيهة بالأحلام في الروايات. فقرر أن يكتب الحلقة الثانية من قصائد (هاينريش فون أوفتردنقين) كسرد تتشابك فيه الأحلام مع الواقع، بشكل لا يمكن التفرقة بينهما. وللأسف فكل ما تبقى من الحلقة الثانية هي النوتات التي وصف فيها (نوڤاليس) النوايا الحسنة. بعد ذلك بمئة عام كان الطموح هو التحقيق في روايات (كافكا). روايات (كافكا) في الانصهار بين العلم والحقيقة، والحقيقة ليست واقعًا ولا أحلام. معجزة جميلة. بالطبع لا يمكن لأحد أن يكرر ما فعله (كافكا) مرة أخرى، ولكنني أشارك (نوڤاليس) رغبته في جلب الأحلام والخيال للرواية. طريقتي في فعل ذلك هو بالمصارحة متعددة الأصوات، بدلًا عن انصهار الأحلام والحقيقة. سرد الأحلام هو أحد عناصر فن التكامل.

(**): الانعكاسات هي الأفكار التي يستنتجها القارئ من الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

لم تستعمل تعدد الأصوات في آخر أجزاء (كتاب الضحك والنسيان)، وبالرغم من ذلك، فعلى الأرجح أن هذا الجزء هو الأكثر جاذبية في الكتاب، بحكاياته عن المواقف الغرامية/الجنسية في حياة شخصية واحدة.

هناك مصطلح موسيقي آخر في هذه الرواية، هو “الموضوع الأساسي مع التغيير”، فالموضوع الأساسي هو الحد الذي تفقد الأشياء معناها عند تجاوزه. حياتنا تتجلى في الجوار المباشر لهذا الحد، ونحن نخاطر بتجاوزه في كل لحظة. الأربعة عشر فصلًا في الجزء الأخير، هي أوجه مختلفة جنسية لذات الموقف، في الحد بين المعنى وانعدامه.

لقد وصفت (كتاب الضحك والنسيان) بأنه رواية في تشكل مختلف لذات الشيء. ولكن، أما زالت تحتفظ بمسمّاها كـ(رواية)؟

ليست هناك اتحاد للأفعال، ولهذا لا تبدو كـ(رواية). ولكن الناس لا يتخيلون رواية دون تلك الوحدة، حتى تجارب شكل الرواية الفرنسية الجديدة كانت مبنية على اتحاد الأفعال، أو عدم الأفعال. رحلة (جاكوس) وسيّده تأخذ الجزء الأقل من رواية (جاك القدري)، ليست سوى حجج هزلية حتى تُآلف بين الحكايات والقصص والأفكار. وبالرغم من ذلك، فهذه الحجج، في هذا الإطار، مهمة لجعل الرواية تبدو كرواية. في (كتاب الضحك والنسيان) ليس هناك أية من هذه الحجج. إنه اتحاد الموضوع الأساسي وأوجهه المتعددة التي تعطي التماسك للشكل النهائي ككل. أهي رواية؟ نعم. الرواية هي تأمل في الوجود، مرئي من خلال تاريخها، الرواية لم تعرف ميف تستغل احتمالاتها غير المتناهية. لقد فقدت فرصتها لذلك.

باستثناء (كتاب الضحك والنسيان)، رواياتك مبنية أيضًا على اتحاد الأحداث. غير أنها، بالتأكيد لها اختلاف أوجها. وقد أعتبر بأن (كائن لا تحتمل خفته) هي الأقل تماسكًا.

نعم، هي عدة قصص ترتب سوية وتتحد في أحداثها: ذات الأسئلة الغيبية، ذات الدوافع، (دافع الأبوة/الأمومة على سبيل المثال في (رقصة الوداع))، وبعد ذلك الأوجه المتعددة. لكنني أود أن أشدد على أنه بالرغم من كل ذلك، فالرواية مبنية أساسًا على عدد من الكلمات الأساسية، كسلسلة مسودات (شوينبرغ) في (كتاب الضحك والنسيان)، السلسلة كالآتي: نسيان، ضحك، ملاءمة، ليتوست، الحدود. من خلال الرواية يمكن تحليل هذه الكلمات الأساسية، ودراستها وإعادة تعريفها. الكلمات الأساسية في رواية (كائن لا تحتمل خفته) هي: الوزن، الخفة، الروح، الجسم، الزحف العظيم، الخراء، الفن الهابط، التعاطف، الدوخة، القوة، والضعف. بسبب صفاتهم التصنيفية. هذه الكلمات لا يمكن أن تتبدل بمرادفات. وهذا ما يجب أن يُفسّر دائمًا للمترجمين، أولئك الذين يحاولون تفادي التكرار، بدعوى اهتمامهم بالأسلوب الجيد.

بخصوص الوضوح البنائي، كنت قد صُدمت عندما لاحظت بأن كل رواياتك، ما عدا واحدة، مقسمة إلى سبعة أقسام.

عندما انتهيت من روايتي الأولى (المزحة) لم يكن هناك أي سبب يدو للاستغراب من كونها مقسمة إلى سبعة أقسام. بعد ذلك كتبت روايتي (الحياة في مكان آخر) وكان لها ستة أقسام عندما شارفت على إنهائها. لكنني لم أشعر بالرضى فجأة فخطر ببالي أن أضيف جزءًا يأخذ مكانته بعد موت الشخصية الرئيسية بثلاث سنوات، خارج إطار القصة الأساسية. وبذلك أصبح الجزء السادس من السبعة معنون بـ(الرجل في منتصف العمر)، وفي الحال، اختلفت بنية الرواية بشكل كامل. بعد ذلك استوعبت بأن الجزء السادس هنا أصبح مشابهًا للجزء السادس من (المزحة). وأيضًا بفتح نافذة سرية في جدار الرواية. كقصة عشق مضحكة بدأت كعشر قصص قصيرة. وعندما كنت أضع الشكل النهائي للرواية حذفت ثلاثة من هذه القصص. أصبح بذلك المجموع أكثر ترابطًا، مؤذنًا ببداية تكوّن (كتاب الضحك والنسيان). شخصية واحدة (الطبيب هاڤل) يربط القصة الرابعة والسادسة معًا، في (كتاب الضحك والنسيان) أيضًا يرتبط الجزء الرابع والسادس بشخصية واحدة أيضًا: (تامينا).

عندما كتبت (كائن لا تحتمل خفته) كنت عازمًا على كسر لعنة الرقم سبعة، فقررت المحافظة على ستة أجزاء فقط، ولكن الجزء الأول بدا لي غير متشكل بالطريقة المناسبة. ففهمت بأنه مكوّن أصلًا من جزئين. كالتوأم السيامي، يجب أن يُفصل بعملية دقيقة. السبب الوحيد لتذكر ذلك هو أنني لست منغمسًا في حب أسطوري للأرقام السحرية، أو أنني أقوم بحساب ذلك بطريقة واعية. لكنني أُقاد بحاجة عميقة، غير واعية، وغير ممكنة الاستيعاب، طراز نموذجي في الرسم لا أستطيع الهروب منه. كل رواياتي هي أشكال مختلفة مبنية على الرقم سبعة.

1milan_kundera1
استخدامك لسبعة أجزاء مقسّمة بعناية، مرتبط – بالتأكيد – بهدفك في توليف أكثر العناصر اختلافًا إلى وحدة كاملة متكاملة. كل جزء من روايتك هو عامل مستقل ومختلف عن البقية، بسبب هيئته المختلفة. لكن إذا كانت الرواية مقسمة إلى أجزاء مرقمة، فلماذا كانت هذه الأجزاء مقسمة إلى فصول مرقمة ؟
الفصول ذاتها يجب عليها أن تخلق عوالمًا صغيرة خاصة بها، ويجب أن تكون أيضًا مستقلة نسبيًا. لهذا أجدني دائمًا ما أتأكد من أن ناشريي يوضحون هذه الأرقام للفصول والأجزاء بشكل جيد. الفصول هي مقطوعات موسيقية، هناك أجزاء حيث الفصل طويل أحيانًا، وقصير أحيانًا أخرى، وقد يكون طويل بشكل غير اعتيادي حتى. لكل جزء دلالته ونبضه الموسيقي: رسل، سريع، بطيء، أو معتدل ..إلخ. فالجزء السادس مثلًا من (الحياة في مكان آخر) هو معتدل البطئ، هادئ وكئيب. فهو يسرد لقاءً بين رجل في منتصف العمر مع شابة كانت قد أُطلق سراحها من السجن حديثًا. بينما كان الجزء الأخير سريعًا جدًا، فصوله قصيرة جدًا أيضًا، يتناول سردًا لـ(جاروميل) الذي ينازع الموت، لـ(ريمباود)، (يرمونتوث) و(بشكين). في البداية، فكّرت في (كائن لا تحتمل خفته) بشكل موسيقي، علِمت بأن الجزء الأخير فيها يجب أن يكون رقيقًا وبطيئًا لأبعد درجة ؛ فهو يحكي عن فترة زمنية قصيرة، بدون أحداث، تتركز في مكان واحد، نبرتها هادئة جدًا. وأيضًا علِمت بأنه يجب أن يُسبق بجزء سريع جدًا، لهذا كان الجزء الذي حمل اسم (الزحف العظيم).
هناك استثناء للرقم سبعة .. أقصة روايتك (رقصة الوداع) المكوّنة من خمسة أجزاء فقط.
(رقصة الوداع) كانت على طراز فني آخر: فهي متجانسة تمامًا، تتعامل مع موضوع واحد فقط، تُسرد بنفس سرعة النبض، مسرحية جدًا، تنطبق على أسلوب معين، تشتق هيئتها من كونها مسرحية هزلية. قصة حب مضحكة وهزلية، معنونة بـ(النقاش)، مبنية تمامًا بنفس الطريقة، مسرحية هزلية مجزّأة.
ماذا تعني بالمسرحية الهزلية ؟
أعني التركيز على حبكة القصة وكل زخارفها من مصادفات غير متوقعة وغير قابلة للتصديق. لا شيء يصبح متشابهًا فيها، سخيف، مبتذل، منعدم الذوق في الرواية،، أقصد في الحبكة ومبالغاتها الهزلية. بداية من (فلوبير)، حاول الروائيون أن يبتعدوا عن الحيل الدارجة في الحبكة. مما جعل الروايات مملة أكثر من ممل الحياة. وبالرغم من ذلك، فهناك طرق أخرى للالتفاف حول المتشابه والعوامل المهلكة للحبكة، بقصد تحريرها من متطلبات ما هو محتمل وقابل للتصديق. أن تسرد قصة غير متوقعة بأن تختار أن تجعلها غير متوقعة وغير قابلة للتصديق ! هكذا تمامًا كما كتب (كافكا) روايته (أمريكا)، الطريقة التي التقى بها عمه (كارل) في الفصل الأول، من خلال سلسلة من الأحداث غير المتوقعة. (كافكا) دخل إلى عالم سيريالي عظيم في (التداخل بين العلم والواقع) في الفصل الأول. وبسخرية واضحة في الحبكة، كبوابة للمسرحية الهزلية.
 لكن لماذا اخترت هذا الشكل المسرحي الهزلي لرواية، ليس المراد منها -على الإطلاق- أن تكون مسلية أو ترفيهية؟
لكنها ترفيهية !! لا أفهم احتقار الفرنسيين للترفيه.  لماذا يشعرون بالعار من كلمة ترفيه؟ إنهم يخاطرون بشكل أقل عندما يكونون مسليين بدلًا من كونهم مملين. هم أيضًا يخاطرون بالوقوع في الفن الهابط، المحلي، الكاذب، ذو الزخرفة. فالأضواء الوردية للأعمال الحداثية في الشعر الوارد، أو في فيلم (سكوت) الأخير، يجعل التاريخ الفرنسي كفن هابط. نعم، فن هابط، وليس ترفيهًا، إنه مرض للجمال الحقيقي. الرواية الأوروبية العظيمة بدأت كنوع من الترفيه، وكل رواية في الحقيقة تلهف لأن تكون كذلك. في الحقيقة، إن الموضوع الأساسي لهذا الترفيه العظيم في (رقصة الوداع) كان السؤال “هل يستحق الإنسان أن يعيش على هذه الأرض؟ أليس من المفترض أن نحرر هذا الكوكب من براثن الإنسان؟“. كان طموحي في الحياة أن أوجد جدية لهذا السؤال مع أقصى خفة وترفيه. وليس هذا طموح فني تقني بحت. فالجمع بين الشكل الهزلي والموضوع الجاد يكشف قناعًا من الدراما الخاصة بنا. ذلك الذي يحدث في أسرّتنا والتي نمثلها على مسرح التاريخ العظيم. نحن نخوض خفة الكائن غير المحتملة.
إذا كان بإمكانك أن تستخدم عنوانًا آخرًا لروايتك (رقصة الوداع)، فماذا سيكون ؟ 
كل رواياتي يمكن لها أن تحمل عنوان: (كائن لا تحتمل خفته)، (المزحة)، أو (الحب المضحك). العناوين قابلة للتبديل. فهي انعكاس لعدد صغير ومحدد من المواضيع الأساسية التي تصيبني بالهوس. تقوم بتعريفي، ولسوء الحظ، تضع أمامي الكثير من الحدود. بعيدًا عن هذه المواضيع التي أجد شيئًا لأقوله.
هناك شكلان في رسمك لتكوين الرواية ؛ (١) تعدد الأصوات، والذي يُوجد مواضيعًا مختلفة كبناء مبني على الرقم سبعة. (٢) الهزلية، والتي بدورها تقوم بالمجانسة بشكل مسرحي يتجنب التوقعات. هل يمكن لـ(ميلان كونديرا) التواجد خارج هذين الشكلين؟
أنا دائمًا أحلم بخيانة زوجية عظيمة وغير متوقعة. لكنني لم أستطع الهروب من الشخصية المرتبطة بزوجين أو عشيقتين.
[تمت]

مجموعة من الكتاب والأدباء يجيبون عن سؤال: لماذا نكتب؟

meredith-Maran-006

قدمت الأستاذة بثينة العيسى ومجموعة من المترجمين العرب مجهوداً مُلفتاً في ترجمة كتاب –لماذا نكتب– ضمن مشروع تكوين للكتابة الإبداعية وهو عبارة عن مجموعة مقالات ومقابلات أعدتها ميريدث ماران مع مجموعة من الكُتاب في شتى الأصناف الكتابية للإجابة على أسرار الكتابة ومصادر الإلهام الخاصة بهم، وذلك لتنكشف لك كقارئ معلومات قد ترضي فضولك بالكتابة والكُتاب، أو تساعدك ككاتب في مشوارك الكتابي. ويغطي الكتاب 20 مقابلة ابتداءَ بإيزابيل اللندي حتى ميغ والتيزر. وهنا مجموعة من إجابات الكُتاب في مواجهة سؤال (لماذا نكتب؟) وأيضاَ بعض النصائح المقتبسة من تلك المقابلات:

يقول ريك مودي:

أظن أنني عندما أكتب -أو بشكل أدق- متى ما كتبتُ، سأكون إنساناً أفضل وأكثر سلاماً.

وتقول ميغ واليترز:

لديك سيطرة نافذة، أين تستطيع أن تجد مثل هذا؟

ثم تكمل:

 أنت لا تستطيع السيطرة على الآخرين، على علاقاتك، أو على أطفالك، ولكن في الكتابة تستطيع أن تحصل على فترات متصلة تكون فيها المسيطر تماماَ.

سو غرافتون قالت:

أفضل يوم لي ككاتبة هو أي يوم, أو أي لحظة يسير فيها العمل بشكل جيد وأكون منغمسة تماماَ في المهمة بين يدي. وأصعب وقت هو عندما يكون الأمر عكس ذلك. وهذا الأخير يفوق الأول عدداً، ولكنني فتاة لعينة وعنيدة، أصر كالجدي.

عندما أبدأ العمل على كتاب أدخل في حالة هياج ذهني شديد.

َقال مايكل لويس:

يضطرب نومي ولا أحلم إلا بمشروع الكتاب.. أغيب ذهنياً لعدة أشهر كل مرة، والثمن الذي تدفعه زوجتي ويدفعه أطفالي جراء ذلك باهظ جداً، لحسن حظي أكتب بإسراف على فترات متقطعة وآخذ فترات استراحة بين الكتب، ولكنني مازلت أحظى بعائلة.

“أبدأ كل كتبي في الثامن من يناير”، قالت إيزابيل اللندي, وهي تهز رأسها المسرّح بإتقان:

هل يمكنك تخيل السابع من يناير؟ إنه جحيم… أنا أسجل حضوري أمام شاشة الكومبيوتر وحسب، أحضر وأحضر وأحضر، وبعد مدة سوف تحضر ربة الإلهام أيضاَ.

أما جينيفر إيغان تقول:

إنه لأمر مخيف,أن تسكب الوقت والجهد في مشروع ليس له هوية أدبية واضحة، واحتمال أن الناشر سيقول لك: لا يمكننا أن ننشر كتابك الغريب! المرتبة الثانية من الخوف هي إنه سينشره، وأن الكتاب سيأتي ويذهب دون أن يثير همسة.

وديفيد بالداتشي قال:

الفرصة الوحيدة التي حصلت عليها للنشر في صحيفة النيو يوركر كانت لأنني وقّعت أغلفة رسائلي باسم: جي دي سالينغر.

ويقول والتر موزلي:

 لا أستطيع التفكير في سبب يمنعني من الكتابة. ربما يكون أحدها ألا يشتري أحد كتبي وحتى هذا السبب عندما أفكر به لا يمنعني من الكتابة. سأكتب بأية حال.

وهنا نصائحهم للكُتاب :

ايزابيل الليندي تنصح بأن الأمر جدير بأن تعمل كي تجد الكلمة الدقيقة التي ستخلق شعوراَ أو تصف حالة. استخدم القاموس، استخدم مخيلتك، حك رأسك حتى تخرج إليك. ولكن عليك أن تجد الكلمة الصحيحة.

وعندما تشعر بأن القصة قد بدأت بالتقاط إيقاع، الشخوص تتشكل، ويمكنك أن تراهم، وأن تسمع أصواتهم، وهم يفعلون أشياء لم تخطط لها- عندها تعرف بأن الكتاب موجود في مكان ما، وكل ماعليك فعله هو أن تجده وأن تحضره -كلمة بعد كلمة- إلى هذا العالم.

وعندما تروي قصة في المطبخ لصديق, فهي مليئة بالأخطاء والتكرار، من الجيد أن تتجنب هذا في الأدب ومع ذلك، يجب على القصة أن تبدو كمحاورة لا كمحاضرة.

أما حكمة ديفيد بالدتشي للكُتاب فهي:

مهما كان النوع الأدبي الذي تكتبه، تآلف مع كل ما يستجد فيه. الشيء الذي أثار القارئ قبل عشر سنوات ليس بالضرورة ما يثيره اليوم. انظر إلى المنافسين.

“اكتب لقرائك” هو تعبير ملطف ل “اكتب ما تعتقد أن الناس ستقوم بشرائه”. لا تقع في هذا الخطأ! اكتب للشخص الذي تعرفه جيداً. اكتب لنفسك!

أما جينيفر إيغان فتنصح بأن تقرأ كتب من المستوى الذي ترغب بكتابته. القراءة هي قوت الكتابة. إذا كان ما تحب قراءته من -مستوى ب- ربما سيصعب عليك أن تكتب في -مستوى أ-.

وجيمس فري يقول:

أنه لا توجد قواعد في الفن الحقيقي، ليس عليك الكتابة تحت شكل أدبي معين، ولا يهم إن كنت درست في جامعة متخصصة أو حصلت على شهادة في الكتابة الإبداعية. إما أن تستطيع الكتابة أو لا.

أما سو غرافتون فتقول:

لا توجد هناك أسرار، وليس هناك طرق مختصرة. الأشياء التي عليك معرفتها بصفتك كاتباَ طموحاَ هي أن تعلم الكتابة يأتي عن طريق التعلم الذاتي. وإتقان الكتابة يحتاج لسنوات.

و كاثرين هاريسون تقول:

لا تصور نفسك كما ترغب بأن تصورها، بل صورها كما هي.

مايكل لويس يقول:

كثير من قراراتي اتخذتها في حالة وهم، عندما تحاول بدء حياة عملية في الكتابة.. سيفيدك القليل من التفكير الوهمي.

والتر موزلي يقول:

الكتابة استثمار طويل الأجل.. إذا التزمت به ستصل إلى ما تصبو إليه من نجاحات.

أما سوزان أورلين فتنصح الكاتب:

ببساطة يجب أن تحب الكتابة. وعليك أن تذكر نفسك غالباً بأنك تحبها. ويجب أن تقرأ بقدر ما تستطيع.. تلك هي أفضل طريقة لتتعلم كيف تكتب ولا تتحرج من استخدام القواميس!

وأخيراَ تقول ميغ واليتزر:

لا أحد يستطيع إبعاد الكتابة عنك، ولا أحد يستطيع أن يعطيك إياها أيضاَ.