أرشيف الوسم: لماذا نكتب

إدوارد الخراط يتساءل: لماذا نكتب؟

إدوارد الخراط

لماذا نكتب ..؟ نكتبُ لأننا أحياء!! أم أحياءٌ نحنُ لأننا نكتب !!

إنه ذلك التساؤل المنطقي الذي يلح علينا لمعرفة السر وراء تلك الرغبة الجامحة والغير منطقية التي تجعلك تمسك قلمك ومحبرتك وتفرغ على السطور عصارة ذهنك. تلك الرغبة في أن تدعو قارئًا إلى التجول في دهاليز عقلك فيأنس بك وتأنس به. ربما لم نعرف بعد لماذا نكتب، ولكن (إدوار الخراط) في كتابه (أُنشودة للكثافة) يسرد لنا بعض الأسباب التي تدفعه للكتابة، وربما تجد نفسك تتفق معه في واحدة أو أخرى من هذه الأسباب:

لماذا اكتب إذا ؟ اكتب لأنني لا أعرف لماذا أكتب! أمدفوعًا إلى الكتابة بقوة قاهرة؟

أعرف انني لا أملك إلا الكتابة سلاحاً للتغيير .. تغيير الذات وتغيير الآخر إلى أفضل ربما .. أو أجمل .. أو أدفأ في برد الوحشة والوحدة .. أو أروح في حر العنف والتعصب والإختناق .. لأنني أتمنى أن أقتحم ولو مقدارِ خطوة في ساحة الحقيقة التي لاحدود لها .. لأنني أتمنى أن ترتفع معرفتي ومعرفتكم بالذات والعالم ولو كان ذلك مقدار قامة .. لأنني لا أُطيق أن أتحمل في صمت جمال العالم وأهواله .. فلابد أن أقول .. لأنني أريد أيضا أن تظل العدالة حلماً حياً لايموت .. وصرخةٍ لا تطفئها قبضة القهر .. لأنني أتمنى أن يكون في كلمة من تلك التي أكتب أو في مجمل ما أكتب شيء يدفع ولو قارئاً واحداً أن يرفع رأسه وأن يحس معي أن العالم – في النهاية – ليس أرض الخراب واللا معنى.

لأن الكتابة حديث حميم أتكلم به إلى أناس أعرفهم ولن يتاح لي قط أن أتكلم إليهم .. وأنا أريدهم – هؤلاء المجهولون الذين أعرفهم كما لا أعرف أقرب الأقرباء – أن يسمعوني وان نسمع معًا عن ذات انفسنا معًا.

ثم يثير ذلك الجانب الفلسفي من الرغبة في الكتابة:

لأن العالم لغز .. والمرأة لغز .. والإنسان أخي لغز .. والكون كله لغز أحمله في حبة قلبي وهو نواة صلبة في جسد العقل والقلق الذي لا يصل إلى حل .. وأنا بالكتابة مدفوع إلى مناوشة هذه النواة أهاجمها من كل جانب .. بلا أمل في أن أكسرها .. ولا يأس من أن أحمل عليها مرة بعد المرة حتى وإن قصرت يدي وكل سلاحي .. وسلاحي هو عنف الحب ورقته .. أتمنى أن اكتب هذا .. ولهذا أكتب.

نصيحة أب لابنه إذا ما أصبح كاتبًا

سمير عطا الله كاتب وصحفي  لبناني مواليد 1941، اشتهر بكتابة المقالات كما أنه نشر أكثر من كتاب بين الأدب والرواية .في كتابه (مسافات في أوطان الآخرين) الذي كتبه في هجرته بين لندن و باريس وكندا، يخاطب ابنه (نصري) بعد أن يصف الكون وفقاً لـ(نصري) أو قد يكون الكون وفقاً لصغار، ما بين اللعبة القطنية “رينبو” و (حكاية توماس)، وعالم الروضة فهو يقول بعد وصفه لعالم (نصري):

الأمور مختلفة في عالم نصري، وكلما أيقظني من صحيفتي إنما يعلن الفارق بين عالمين .

ثم يخاطب (عطا الله) ابنه تحت عنوان “اسمع يا نصري“:

 إنه يومك الأول في المدرسة. خطوتك الأولى على عتبة عالم يكاد يكون أكبر بعداً من هذا العالم، أسمه العلم .قد تفرجنا عليك من بعيد، تربط حقيبتك الصغيرة إلى كتفك وتفرجنا على دهشتك، وأنت تفترس في أترابك، وتتلمس بأجفانك اليوم الأول من الفصل الأول من العام الأول في زمن لا نهاية له، و لا قعر، ولا سقف، ولا قرار اسمه العلم.

يصف العلم في عصر نصري:

فالعلم في عصرك هو القوت الآخر. إنه الرغيف الوحيد الذي ليس من عجن الأرض .وأنت يا بني، من جيل نهاية القرن، ولدت والناس تتمشى في الفضاء، والعلم يلعق المرايا فوق قشرة الأرض، لكي يضيء ليل القطب، وألعابك سفن فضائية.

ثم يوصيه:

أنت لك العالم. وأمامك العلم. عليك بهما.

وفي المقالة التالية المعنونة أيضا “اسمع يا نصري” يقول فيها:

لقد سألني أحب الناس بماذا سوف أنصحك هذا العام ؟ فقلت: إنني سوف أنصحك أيضاً، وأيضاً بقلم ودفاتر. ومع أنني أتطلع هذه الليلة بالورقة البيضاء، فأحار كيف أملأها ؟ فأتطلع في أوراقي الماضية فأراها مجرد أوراق على الطريق، وورقاً على ورق. ومع أنني مهزوم وأعزل. فإنني لا أريد لك في هذه الحياة سوى أن تكتب. وإذ أحلم لك، فأنا أحلم بأن تتخطاني بزمان، وبأن أكون نقطة انطلاقك لأمثالك.

وإذ أريد شيئاً، فإنما أريد لك أن تأخذ القلم جدياً أكثر مما أخذته أنا، وأن تعرف أهمية الورقة أكثر مما عرفتها أنا، وأن تتيقن باكراً بأن أجمل شيء في الدنيا، كتاب.

تمنى عطا الله لأبنه و قدم النصيحة ثم حذره مما قد يشاع عن الكتابة فيقول:

لا تصغ إلى الذين يحذرونك من صناعة الكلمة، اللهم إذا ما وهبك إياها الله. لا تأبه للذين يقولون لك إنها صناعة الفقر و إنها حقل اليأس، فالحقيقة أنها قوافي الرجاء. ولا تستمع إلى أولئك الذين يعظونك بأن الأرض مطحنة الضعفاء، وأنه عالم لم يخلق للكتاب، فالحقيقة أن الله يخلق لكل كاتب رجاء.

فيتم حديثة عن الكاتب و الكتابة بإعطائه ملكية معنوية رفيعة لا يحسن قدرها إلا القليل:

إنك تملك أن تبشر بالعدل، وأن تدعو إلى العفو، وأن تقاتل من أجل الحق، وأن تدافع عن صعاليك الأرض، ومساكينها. إنك تملك أن تعبر، تملك أن ترى إذا ما رأيت، وتملك أن تشارك الناس بكل لحن تسمع، وبكل قافية تمطر عليك.

هل الكتابة عندما تكون حرفة يرتزق منها الكاتب تكون أقل جودة وإبداع بينما تكون خالدة وعبقرية إذا ما كانت هواية أزلية تخلقها الرغبة في الكتابة لا طلب الرزق ؟

عطا الله يدعو أن لا تكون الكتابة حرفة لأبنه:

وإني أدعو لك إذا كتبت ألا تجعل الكتابة مثل حرفة تعيش بها ومنها. بل تظل هواية أزلية تمنحها كل عبقرية ممكنة، وتمنحك كل مكانة في غد الأدب وتاريخه.

فكتابة والكتاب ليسو واحد في نظره:

فالذين يكتبون في الحياة كثيرون، لكن هناك ملتون واحد عبر العصور. و(هيغو) واحد. و(المتنبي) واحد. وبعض الكتابة تجارة مثل السمسم و الكمون، وأما بعضها الآخر، فلا تفسير لتلك الرعشة التي يتركها فيك ولا نعت، ولا صفة .

وفي آخر سطر يكتبه لأبنه يتمنى له ثلاث هي أجمل ما في الحياة:

إن أجمل ما في الحياة صديق و كتاب و وطن، وإني آمل أن يمن الله بها عليك ثلاثاً.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.

لعبة الكتابة عند علي حرب

6872902b5fcaa7667c3d0934d8e751fd

د. علي حرب هو كاتب ومفكر علماني لبناني، له العديد من المؤلفات منها كتاب (نقد النص) و(هكذا أقرأ: ما بعد التفكيك) ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبة فيالتفكيك.وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليات العقلية التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. في خاتمة كتابه (نقد الحقيقة) كتب حواراً انطلاقاً من أسئلة طرحها عليه (حسين نصر الله) مندوب (مجلة الكفاح العربي)، واقتبست منه ما تكلّم فيه عن طريقته في الكتابة فقط.

ففي سؤاله عن دواعي الكتابة لديه قال :

الكتابة هواية أمارسها ، أستمتع بها. طبعاً عليّ أن أتقن هذه الهواية بل اللعبة. عليّ أن أمارس اللعب حسب قواعد أو بابتكار قواعد جديدة. المهم أن ألعب، أنا أملك أوراقي، أيّ عدتي المعرفيّة و اللغوية، فضلاً عن خططي و سعيي الدائم إلى تحديث أدواتي ، أسلحتي ، كل ما من شأنه أن يتيح لي أن أكون فاعلاً و منتجاً أو مبدعاً في كتاباتي و أعمالي.

وفي سياقه لدواعي الكتابة قال:

 … إني أكتب لكي أعبّر عن خبرتي ، معايشاتي. ، خبرتي ليست كخبرة العالم في مختبره، أي لا يمكن صوغها ، تعميمها على الناس على شكل معلومة أو نظرية.انها تجربة فريدة لا يمكن نقلها او تكرارها، بل يمكن فحصها ، اختبارها أو قراءتها واستنطاقها.

أمّا عن هدف الكاتب بالنسبة له:

… إنه يخفي دوماً مطلوبه الأول الذي هو اجتذاب القارئ. و جره إليه بإيقاعه في شباكه الدلالية أو فخاخه المفهومية. الكاتب يطلب طريدة يريد اقتناصها. أما الهم المعرفي التنويري فيأتي بعد ذلك. ولهذا على القارئ أن يكشف اللعبة بالاطلاع على الأوراق التي يخفيها الكاتب.

و عمّا لو كان ينسف مفهوم الكتابة في رأيه هذا قال:

 المفهوم الذي أحاول بسطه للقارئ أن يسترجع مبادرته أو أن يمارس فعاليّتهإنه مفهوم يتطلب قارئاً يلتفت إلى ذلك الشيء الذي يخفيه الكاتب فيما هو يكتب و الذي منه يستمد سلطته أو أثره. آن لنا أن نعترف بهذه الحقيقة، و هي أن الكتابة، أياً كانت مجالاتها ليست هماً معرفياً تنويرياً بقدر ماهي ممارسة سلطوية على القارئ.

 إنها استراتيجية متعددجة يتداخل فيها المعرفي، السلطوي و العشقي و العصبوي و الجماليو إذا شئت مقاربة أخرى أقول إنها نوع من العرض نعرضه على القارئ. فنحن نشبه التجار من هذه الناحية، أي أننا نقدم للقرّاء عروضاً جديدة هي عبارة عنالمستجداتمن الأساليب و الأفكار أو النظريات.. ففي كلا الحالين ثمة نظام للعرض. والفرق بين كاتب وآخر، هو في قوّة النظام أو في جمال العروض. ولا تعجب لهذه الاستعارة. فلكل محدث جذر قديم. فالمناطقة العرب قالوا بأن العلم بحث عن العوارض الذاتية. وليست العوارض سوى ما نعرضه بعلمنا على الأشياء .

شوبنهاور والأسلوب في الكتابة

Schopenhauer

آرثر شوبنهاور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني، معروف بفلسفته التشاؤمية. تحفل مقالات (شوبنهاور) باستبصارات عميقة وعبارات لا تُنسى، فهي أوابد القول وشوارد من الفكر وشرارات قدحها عقله اللامع وألبسها ثوباً قشيباً من الفطنة والجلاء ومن أمثلتها:

 القلم للفكر مثل العصا للسائر، إلا أن مشيك يكون أيسر متى كان بلا عصا

أو مقولته:

القراءة إن هي إلا التفكير برأس إنسان آخر لا برؤوسنا نحن

و قد أعاد (المركز القومي للترجمة) ترجمة كتاب (فن الأدب: مختارات من شوبنهاور) والذي قد أعدّه (بيلي سوندرز). ويتيح لنا الكتاب الإطلالة على جانب من فكر شوبنهاور – جانب الناقد الأدبي و فيلسوف علم الجمال – و هو من أخصب جوانب فكره. كما يقول (ماهر شفيق فريد) في تصديره للكتاب. أمّا عن الكتاب فيضم ثمانية فصول عن أشكال الأدب و الأسلوب و النقد و في تفكير المرء لنفسه و عن الشهرة و العبقرية و غيرها.

و قد ذكر في مقالة الأسلوب تعريفاُ للأسلوب بقوله: 

الأسلوب هو تقاطيع الذهن و ملامحه؛ وهو منفذ إلى الشخصيّة أكثر صدقاً و دلالة من ملامح الوجه. ومحاكاة الكاتب لأسلوب غيره أشبه بارتداء قناع وهو ما يلبث أن يُثير التقزز والنفور لأنه مواتٌ لا حياة فيه، حتى ليفضله أكثر الوجوه قبحاً مادام فيه رمق من حياة.

و أضاف:

والتكلف في الأسلوب أشبه ما يكون بالتلاعب بملامح الوجه وفوق ذلك كله فإن اللغة التي يكتب بها الكاتب هي بمثابة تقاطيع الوجه من الأمة التي ينتمي إليها.

و ليس من الضرورة المباشرة لتقييم نتاج أي كاتب تقييماً وقتياً أن نلم بالمضمون الذي يتناوله فكره أو الأقوال التي تحويها كتاباته عن ذلك المضمون، لأن ذلك يتطلب اطلاعاً كاملاً على كل أعماله، إنما يكفي أساساً، أن نتبيّن كيف يُفكر. وهذهِ الكيف التي تعني المزاج الجوهري أو المستوى العام لذهنه، يمكن أن نتبينها – على وجه التحديد – من أسلوبه. فأسلوب الكاتب يكشف عن الطبيعة الشكلية لكل أفكاره، الطبيعة الشكلية التي لا يمكن أن تتغيّر أبداً مهما كان موضوع أفكار الكاتب أو طابعها. لأن تلك الطبيعة الشكليّة تكون بمثابة الخامة التي تصاغ منها كل محتويات ذهنه.

و يطرح شوبنهاور سؤالًا مفاده: “الإنسان إذا كان لديه ما يُقال, أيّ طريقٍ يختار؟ الإبهام أم الوضوح في التعبير عن نفسه؟

يُبدي كوينتيليان ملاحظة في ذلك مؤدّاها أن مايقوله الإنسان المثقف ثقافة عالية يكون عادةً أسهل فهماً، و أكثر وضوحاً، و أنه بقدر ما تقلّ ثقافة الإنسان، بقدر ما يزداد ميله إلى الغموض فيما يكتب. فالمؤلف يجب أن يجتنب أن العبارات التي تبدو كالطلاسم، لأنه يجب أن يعرف ما إذا كان يردي أن يقول الشيء أو لا يقوله، لأن ذلك التردد في الأسلوب هو الذي يجعل الكثيرين من الكتّاب فاترين تمجّهم النفس.

و كما أن المبالغة تستتبع دائماً عكس المقصود منها، فإن الكلمات وإن كانت حقاً تستخدم في جعل الفكر مفهوماً، فإن ذلك لا يتخطّى حداً محدوداً، بحيث يكون تكويم الكلمات وراء ذلك الحد مردياً إلى انقلاب الفكر إلى غموض متزايد، و مشكلة الأسلوب الأولى هي: تحديد النقطة التي يحدث بعدها ذلك الأثر العكسي، و لا سبيل إلى ذلك التحديد إلا عن طريق الملكة النقدية، لأن كلمة واحدة زائدة على الحاجة تؤدي إلى عكس المقصود تماماً. 

ولذلك فإنه يتعيّن اجتناب كل إفراط و تزيد في القول، وكل تجميع لملاحظات لامعنى لها ولا جدوى من مطالعتها. فالكاتب يجب أن يقتصد، ما أمكن في استنفاد وقت القارئ وصبره وانتباهه، وذلك بغيّة إقناع القارئ أن المؤلف الذي يقرأ له لا يكتب إلا ماهو جدير بالتدبّر و الدراسة. ومن الأفضل أن يُحذف شيء جيّد من أن يُضاف ماليس جديراً بالقول أصلاً. وذلك هو التطبيق الأمثل لقول هزيود المأثور: “النصف أكثر من الكل“. فسرُّ الإملال هو قول المرء لكل ماعنده. ولذلك ما وسع الجهد: الجوهر فقط!

مجرد أفكار تقود القارئ و تفتح له آفاقاً جديدة! ولاشيء يستطيع القارئ أن يتفكر فيه بنفسه. و استخدام عديد الكلمات لإيصال القلّة من الأفكار هو دائماً علامة لا تخطئها العين على انعدام التفوق لدى أوساط الناس، و على العكس, فإن شحن القليل من الكلمات بالكثير من الفكر، هو دائماً علامة التفرّد و النبوغ.

و لخّص ذلك في موضع آخر بقوله:

الفكرة الواضحة سرعان ما تجد الكلمات التي تناسبها. و بذلك, فإنه متى كان قادراً على مزاولة التفكير أصلاً، فإنه يكون قادراً على التعبير عن فكره بوضوح في ألفاظ مفهومة محدودة المعنى.

و أيضاَ قوله:

و مما يُفيد الكتّاب أكبر الفائدة، أن يُدركوا أنه و إن كان ينبغي للمرء أن يُفكر ما استطاع كعبقريّ كبير، إلا أنه يتعيّن عليه أن يتكلّم اللغة التي يتكلّمها سائر الناس. فالمؤلف يجب أن يستعمل كلمات الناس العادية، ليقول بها أشياء غير عادية.

ويُقدم نصيحته للكاتب بقوله:

إن الكاتب يجب أن يحترز, في دنيا الأدب، من بهرجة البلاغة، و الإطناب الذي لاجدوى منه، وكل تزيّد في التعبير، بوجه عام أو بعبارة موجزة، يتعيّن عليه أن يصبو إلى طهارة الأسلوب و نقائه، فكل كلمة يمكن الاستغناء عنها تكون ضارّة إذا مابقيت، وقانون البساطة و السذاجة ينسحب على الفنون الجميلة جميعاً، لأنه من الممكن أن يكون الفنان, في الوقتِ نفسه بسيطاً و سامقاً

يختم شوبنهاور في آخر مقالته:

” … و القلّة من الكتّاب هم الذين يكتبون كما يبني المهندس المعماري، فهو قبل أن يبدأ عمله، يحدّد على الورق ما سوف يبنيه، ويتدبّره تدبّراً عميقاً في أدق تفاصيله. ”