أرشيف الوسم: لوك فيري

الإنسانوية الجديدة، أو الحب كمعنى للحياة

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. في كتابه (أجمل قصة في تاريخ الفلسفة)، تحدث عن مراحل الفلسفة، ابتداء من الفلسفة اليونانية، ثم التنويرية، والإنسانوية، والتفكيكية. واختتم كتابه بالحديث عن فلسفته الخاصة أو قراءته للفلسفة القادمة والتي يقرأ انتشارها في الواقع، ألا وهي “الإنسانوية الثانية” كما اختار التعبير عنها، يقول:

نأتي الآن إلى ما أعتبره فلسفتي الخاصة، المرتبطة بتلك الحقبة الخامسة من التفكير، التي نحياها الآن، وقد أسميتها “الإنسانوية الثانية” … فبدل أن تقصر هذه الإنسانوية الجديدة قيمة الحياة الإنسانية، على ما يتبع العقل والحقوق والتاريخ والتقدم، فإنها تبدو إنسانوية قائمة على الحب، وسنرى كيف أصبحت كذلك. أعتقد أن هذا الشعور ليس واحدًا من بين مشاعر أخرى يمكن مقارنته بالخوف والغضب والاستياء على سبيل المثال، بل إنه قد أصبح مبدأً ميتافيزيقيًا جديدًا، إذ هو يعطي لحياتنا معنى. وبالفعل، هو وحده قادر على إضفاء طابع مثالي على كل ما يمكن أن يكون محبوبًا، على وجه الدقة، في جميع المفردات الإنسانية، مع إيجاد مُثل جَمعية جديدة، لأننا نريد أن نترك عالمًا يمكن العيش فيه ويكون أكثر ما يمكن استقبالًا لمن نحبهم، لأطفالنا وللأجيال القادمة. ومن هذا المنظور، يؤدي الحب تجاه الأقرباء إلى الاهتمام بالإنسان الآخر المثيل (وهو عكس القريب، أي من لا نعرفه)، كما نرى ذلك بالخصوص في نشأة الإنسانوية الحديثة منذ (هنري دينان). إن نشأة كل من الزواج المبني على الحب، والعائلة الحديثة في أوروبا، وسّعت الأفق وخلقت معنى جديدًا لما هو جمعي، وذلك بعيدًا عن الدفع إلى الانكفاء الفرداني على دائرة الحياة الخاصة. هذا على الأقل ما سأحاول الاستدلال عليه.

فالحب، هو ما يجعل البشرية تقوم بما يلزم لتوفير مناخ وحياة أفضل للأجيال القادمة. بل أن البشر، في وقتنا الحالي، يبدون أكثر استعدادًا للتضحية في سبيل من يحبون، أكثر من استعدادهم للتضحية في سبيل الأفكار أو المعتقدات أو حتى الأوطان.

فقد تخلصت البشرية من كل الأوهام الميتافيزيقية، بما في ذلك أوهام الأنوار، وتحررت بهذا أبععاد الوجود التي ظلت إلى ذلك الحين مهملة أو مقموعة، فإنه (أي التفكيك) سيعطي الكائن البشري مزيدًا من الاستقلالية وحرية أكثر لصنع المصير واختيار أشكال الحياة التي تناسبه – علمًا بأن تلك الحرية هي بالتأكيد محيّرة ولذيذة على حد سواء. لذا يجب توفير الوسائل الذهنية الكفيلة بتجاوز التناقضات الملازمة للتفكيك ؛ وتلك في نظري إحدى المهمات الأكثر جوهرية التي تضطلع بها الفلسفة المعاصرة كما أتصورها. وبالطبع، لابد من بلوغ ذلك دون إعادة النظر في مكتسبات الحقبة السابقة. وإني أرى لأسباب تاريخية وفلسفية بالأساس، أن ما سيمكننا اليوم، في هذه الرؤية الخامسة للعالم، من الإجابة عن مسألة معنى الحياة، إنما هو إذًا الدور المركزي من الآن، الذي نعطيه تلقائيًا لهذا الشعور الفريد للغاية، ألا وهو الحب.

فالحب سيصبح برأي (لوك فيري) هو المعنى لوجودنا، ليس في دائرة الحياة الخاصة فحسب، وإنما في دائرة الحياة الجَمعية أو الاجتماعية. يقول:

إن المكانة المركزية المسندة إلى الحب تبعث فينا الحرص المتواصل على فعل كل شيء حتى نوفر لمن نحبهم الشروط التي تسمح لهم بالازدهار، وبأن يكونوا أكثر ما يمكن أحرارًا وسعداء. من هنا يأتي دور التربية الحاسم في العائلات اليوم، وسيتسع إلى الأبعاد التي كانت تجهلها التربية من قبل: فالأمر لا يتعلق فقط بتبليغ معارف معينة، وإنما بالعمل على أن تتمكن الشخصية والمخيّلة والإبداعية، والمهارات الرياضية أو الفنية من الازدهار على أفضل وجه. إلا أن ثورة الحب تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فهي تتجاوز، بقدر واسع، مجرد دائرة العائلة والحياة الخاصة، لكي تؤدي إلى تجديد المُثل الجَمعية، المرتبطة بالسعي إلى ترك عالم يمكن العيش فيه لأطفالنا، وبالتالي للأجيال القادمة عمومًا. وهكذا، فإن أولوية الحب ستنمي فينا مجددًا معنى ما هو جَمعي، بعيدًا عن الدفع بنا إلى الانطواء الفرداني.

فالحب يعطي بُعدًا مقدسًا للمعيش ذاته، دون التدخل في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي حاربتها فلسفة التفكيك. وفي الوقت ذاته، فلا يمكن أن يكون ذلك “وثنًا” بالتعبير النيتشوي، لأنه دنيوي المصدر.

يختتم بعد ذلك مقالته بالتساؤل عن معنى “العمل الإنساني“، ما هو العمل الإنساني إذًا؟ يقول (لوك فيري):

ذات يوم، بينما كنت ألقي محاضرة حول هذا الموضوع، لاحظ لي (روبير بادنتر)، وهو محق جدًا في هذا، أن مقولته التي انطلق في صياغتها من القاعدة التقليدية: “لا تفعل بالآخرين ما لا تريد أن يُفعل بك” إنما هي توسيع لها: “لا تترك الآخرين يواجهون لا تريد أن توجهه“. وهكذا، فالعمل الإنساني هو النضال ضد اللا مبالاة، علمًا بأن هذا الصراع قد نشأ من ذلك الإحساس بالحب، الذي يغمر الحياة الخاصة وينعكس بكل تأكيد على كل ما هو جَمعي.

ما هو المنهج التفكيكي؟ لوك فيري في محاولة تبسيط لأفكار نيتشه

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. في كتابه (أجمل قصة في تاريخ الفلسفة)، جعل فصلًا يتحدث فيه عن الفيلسوف الشهير (نيتشه)، وعن أهم أفكاره. يقول في بداية حديثه عن المنهج التفكيكي:

إن فلاسفة التفكيك إذ يقومون بعملية الهدم يأملون بالتخلص من القيود “الأيدولوجية” التي تكبلنا، وبهذه الطريقة يأملون في تحرير أبعاد من الوجود المنسي إلى ذلك الحين، مُخمدة أو مقموعة، كما هو الشأن بالنسبة إلى اللاشعور أو الحيوانية فينا.

فالمنهج التفكيكي قائم على تفكيك الأفكار والبُنى الفكرية، للوصول إلى حقيقتها، وتبيين زيفها من حقيقتها. يقول عن (نيتشه) مؤسس هذا المنهج:

(نيتشه) هو بالفعل من ابتكر فكرة التفكيك […] إنه يريد، على حد قوله، “أن يتفلسف بالمطرقة” لتحطيم “الأوثان“، أي المُثل العليا التي تحملها الميتافيزيقيا الكلاسيكية، كما تحملها أيضًا الأيدولويجيات “التقدمية” التي تدّعي باسم العقل والأخلاق والتاريخ إخضاع الحياة لـ”قيم مثالية عليا” مزعومة .. مثل الشيوعية، الديموقراطية، حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، إلخ.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

وبهذا سيتخذ فكر (نيتشه) شكلًا يسمى بـ”الجنيولوجيا“، أي دراسة الجذور الخفية لما تحمله الأوثان سرًا من أوهام خفية، وذلك قبل التحليل النفسي بأمد بعيد.

مع هذه الفلسفة المتوسلة بالمطرقة، لا تتعلق المسألة بمناقشة صلاحية استنتاجات خصومها، بل تحطيم هذه الاستنتاجات من الأصل، والكشف عما تعبر عنه من تلاعب مزدوج ومتفاوت من حيث الوعي، وذلك من خلال نسف الأوهام التي تشكلها تلك الاستنتاجات وكأنها على حد سواء ضروب من البهرج الكاذب.

ففرض المبادئ والقيم كأوهام خفية، عن طريق الأوثان، التي لا تتقبل النقد أو النقاش، وتؤخذ كمسلمات لا يغدو إلا نوعًا من بيع الوهم على الناس:

إن هذا النفي للحياة، باسم قيم يُفترض بأنها تتجاوز الحياة، هو بالضبط ما يحكم (نيتشه) بأنه وهمي وخطر وشاذ: فهو وهمي إذ يستحيل علينا، في واقع الأمر ونحن في الحياة، أن نحكم بشأنها “من الخارج” ؛ وهو خطر لأنه يؤدي إلى إضعافنا، إلى إخماد قوانا الحية ؛ وهو شاذ لأن هذا الكبت لغرائزنا يحملنا على إعادة إيجادها خفية لإشباعها من خلال المظاهر الخادعة التي نيتشهتبدو عليها أكثر الأخلاقيات نبلًا.

ومن هذا المنظور، فكل مثالي متعالي، إنما هو في رأي (نيتشه) نفي للحياة وطريقة لتشويهها. وهذا ما يسميه “العدمية”، وهو لفظ يعطيه معنى مختلف عن المعنى المتعارف عليه. ففي اللغة المتداولة اليوم، العدمي هو شخص لا يعتقد في شيء، بينما هو عكس ذلك تمامًا عن (نيتشه): فالعدمي في رأيه هو شخص يعتقد اعتقادًا أعمى في “قيم عليا“.

فالعدمية عند نيتشه ليست تلك المعروفة بأنها الحياة بلا هدف، وإنما الحياة المعمية عن مناقشة أفكارها، والمبنية على بعض الأوثان. يقول (لوك فيري) بعد ذلك:

إن أعمق قيمة في الحياة، “ما وراء الخير والشر“، هي إذًا في نظر (نيتشه) قوّتها. لذلك تسعى فلسفته كلها إلى هدف أقصى: هو البحث عن توافق متناغ بين القوى الحيوية فينا، توافق لابد أن يسمح لها بأن تنمو بأكثر ما يمكن من “الفعالية“، دون قمع بعضها أو تشويهها لمنح الأحقية للبعض الآخر.

ثم يعود (لوك فيري) إلى فكرته عن الحياة الطيّبة التي تهدف كل الفلسفات إلى الوصول إليها، فيقول عن فلسفة (نيتشه):

وعندئذ، يمر الجواب عن مسألة الحياة الطيّبة من خلال هذا الاهتمام غير الخارج هذه المرة من المحايثة التي تظل مرسومة في مجال الحياة دون ادعاء لخلق أي قيمة تعلو عليها (أي الحياة) لإصدار حكم بشأنها أو تشويهها. وسيكون الجواب فرصة لكي نجابه مجددًا، من جانب غير منتظر، علاقتنا بالموت. إني أعتقد بأن قلة من الناس فهمت ذلك في فلسفة (نيتشه)؛ ولكن هذا هو ما يعتمل في رؤيته لـ”العَوْد الأبدي“، تلك عبارة يُقصد منها مع ذلك بالتأكيد علاقة بفكرة الأبدية.

إن “العَوْد الأبدي” هو الفكرة القائلة بأن الرغبة في أن نحيا من جديد، وبلا نهاية، ما عشناه من قبل، هي المقياس الأقصى للحكم بشأن لحظات حياتنا التي تستحق العناء من أجل أن تعاش. إن في هذه اللحظات بعدًا من أبعاد الأبدية ينقذها ويجعلها “أقوى من الموت”.

وقد كتب (نيتشه) في (المعرفة المرحة): “كم أنت في حاجة إلى أن تحب نفسك وتحب الحياة أيضًا كي لا تطمح إلى شيء آخر سوى إبداء رضاك ووضع هذا الختم الأقصى والأبدي“. وفي الحقيقة، يدعونا أفق “العود الأبدي” إلى تخيّر لحظات وجودنا، التي تُكون حقًا لحظات حرية وقوة على حساب تلك التي تكون نتيجة قسرية وسببًا في ضعفنا.

يعود بعد ذلك ليقول:

إن الأصل في هذا المبدأ الجديد للحياة الطيبة يستقي قوته من خاصية اللذة هذه، التي يلخصها (نيتشه) في العبارة الجميلة التالية: “كل لذة تطلب الأبدية“. فعندما نعرف لحظات قوة وحرية قصوى، عندما يكون المرء محبًا إلى حد الجنون على أساس حب متبادل أو حين يتوصل إلى إبداع عمل يكشف لنا عن جانب مجهول من العالم أو من التجربة الإنسانية، فإنه يحس ما يسميه (نيتشه) “خفة الراقص“، يحس شعورًا بالتصالح مع الواقع يبلغ من القوة ما يجعله لا يتمالك عن رجاء استمرار تلك اللحظات إلى الأبد. إنها لحظات توافُق كامل مع الحاضر الذي يُقيم فيه المرء آنذاك بلا احتراز ودون التفكير في الماضي ولا في المستقبل، بحيث لم تعد اللحظة الراهنة نسبية بالنظر إلى الذكريات أو المشاريع، بل تصبح وكأنها بذرة من الأبدية. ذاك هو العَوْد الأبدي. وهنا ننجو من الحيرة أمام الموت. ونلامس الأبدية وتزول الحيرة، في تلك اللحظات من التصالح مع الحاضر.

ويقول أيضًا:

إن الحياة الطيّبة تقوم على تناغم كامل بين قوانا الحيوية (ما يسميه (نيتشه) “الأسلوب الرائع“)، بينما الحياة القبيحة تستنفد في الصراع الفوضوي بين تلك القوى، وفي التمزق الناتج عن الأهواء، والذي يجد نموذجًا له في الرومانسية (إذ يتلذذ البطل الرومانسي بالانسياق وراء مشاعره المتناقضة، بحبه المستحيل الذي تبعث تواتراته المترددة في نفسه اليأس وتزهقه بلا طائل). ها هي إذًا القيم الخارجية عن الإنسان والمتعالية عليها، وقد أُلغيت نهائيًا: ذاك هو عين المبدأ في فلسفة التفكيك، التي ستكون معادية لكل أشكال التعالي الماضية، سواء كانت كونية أو إلهية، أو حتى إن بقيت إنسانية.

إذ يطمح التفكيك إلى تخليصنا على هذا النحو من قيود التعالي، فإنه سيحرر أبعاد الوجود الإنساني التي حجبتها الإكراهات “المثالية” إلى حد الآن: ذلك أن الدوافع واللا شعور واللا معقول ستعتبر عن وعي ومن بين أبعاد أخرى موضوع اكتشاف وتثمين.

الخوف، الأمل والحنين، كأعداء للحياة الطيّبة، برأي لوك فيري

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. في كتابه (أجمل قصة في تاريخ الفلسفة)، كتب  بأن كل الفلسفات تهدف إلى رسم “حياة طيّبة” كما اختار أن يعبّر. يقول:

أؤكد هذا الأمر لأنه هو الأساس بحق: كل الفلسفات الكبرى، بلا استثناء، لديها اهتمام بمسألة الحياة الطيّبة، المرتبطة دومًا، صراحة أو ضمنًا، بمسألة التغلب على ضروب الخوف، ولا سيما مسألة الموت والتناهي الإنساني. وبالفعل، قد لا يكون للمرء، من منظور شخصي، طبعٌ قلق. ولكن يبقى أن العمر قصير، وأنه إن تصورنا مع (اسبينوزا) أن الفلسفة هي “تأمل في الحياة، لا في الموت“، فلابد لنا من التساؤل، مهما يكن الأمر، عما يجدر بنا صنعه بحياتنا ما بين بدايتها ونهايتها، وكيف نُسيّر حياتنا على أفضل وجه في علاقة بالآخرين، ولاسيما بمن نحبهم ومن هم مثلنا فانون.

ثم يتطرق إلى أعداء تلك الحياة الطيّبة في فلسفته، فيقول:

لابد هنا من التذكير بأن الماضي والمستقبل في نظر اليونانيين يبدوان وكأنهما شرّان كبيران يٌثقلان على الحياة البشرية.

ثم يقول عن الماضي بأنه دائمًا ما يخلق واحة من الحنين، تبعدنا عن الحاضر، وتشوه نظرتنا إليه وإلى فهمه ومعايشته:

فالماضي يمنعنا من الإقامة في الحاضر، إما لأنه كان سعيدًا ويشدّنا في شباك الحنين، وإما لأنه كان شقيًا ويغرقنا في ما يسميه (اسبينوزا) بتعبير جميل “الأهواء الحزينة“، وفي ضروب الأسف والندم والخجل والشعور بالإثم، التي تصرفنا عن الفعل وتلجم مبادراتنا وتضعف قدرتنا على اغتنام الوجود والعيش في اللحظة الراهنة.

وعلى صعيد آخر، فالمستقبل هو الآخر يشدنا إلى حالة من الأمل، والتعلق بعالم خيالي، غير واقعي:

وعندئذ تساورنا الرغبة في الارتماء بين أحضان خيال وهمي آخر متجه هذه المرة نحو المستقبل: وهو الأمل. بيد أنه من وجهة نظر الفلسفة اليونانية الرومانية، ولا سيما من وجهة نظر الرواقية، لا يملك الأمل إلا أن يقودنا إلى الهلاك: إنه لا يزيف علاقتنا بالواقع الراهن فقط، وإنما يفرغه من قيمته المباشرة لفائدة تخمينات حول مستقبل غير مضمون. فإنه يظن المرء أنه سيصبح على حال أفضل حين يكون قد غيّر سيارته أو تسريحة شعره أو حذاءه أو أصدقاءه، أو سائر ما يريد، فذاك في نظر اليونانيين أكبر وهم.

فالحنين والأمل عدوّان للحاضر، يبعداننا عن الحياة الطيّبة التي نسعى إليها:

وبالفعل، فالحنين كما الأمل، والماضي كما المستقبل، كلها إن هي إلا عدم لأن الماضي زال والمستقبل لم يحِن بعد. فلا يمثلان إلا تقديرات خيالية تفقدنا البعد الواقعي الوحيد للزمن، وهو الحاضر، فنكاد لا نُقيم فيه أبدًا. وعلى حد تعبير (سينيك)، وهو أحد الرواقيين الكبار، فإننا من فرط العيش في الماضي أو المستقبل، “نفتقد الحياة“. وهنا نلتقى بمقولة (هوراس) الشهيرة: “اقطف يومك الحاضر، دون أن تتلهى عنه بمشاعر الغم على الآتي من الأيام أو الحنين إلى الماضي“. هذا ما يسميه (نيتشه): حب ما هو موجود، حاضر أمامنا، “حب المصير“.

من الحكمة إذًا معايشة الحاضر، بدلًا من الأمل المتعلق بالمستقبل، ومن الحنين أيضًا الذي يأخذنا إلى الماضي. فبمعايشة الحاضر نغدو قادرين بشكل أكبر على التصالح مع محدودية أعمارنا. فالموت بذلك يغدو مجرد حالة عبور من حالة إلى أخرى كما يقول:

فالموت ليس إلا حالة عبور، وانتقال من حالة إلى أخرى. فالحكيم الذي يفهم ذلك، يصبح قادرًا على التغلب على ضروب الخوف، بدءًا من الخوف من الموت. وتبعًا لذلك، لا شيء يمنعه من الإقامة في الحاضر بنفس مطمئنة.

والخوف هو العدو الأول للحياة الطيّبة، العدو الأول للحكمة، وهو المسبب الرئيسي لأن يغدو الناس حبيسين بين الماضي والمستقبل، بين الحنين والأمل:

وبهذا المعنى، يكون الخوف في نظر اليونانيين هو العدو الأول للحكمة. فهو، بتعبير بسيط، يحوّلنا إلى أغبياء وخبثاء ؛ أغبياء لأن دواعي خوفنا لا عقلانية في أغلب الأحيان، إن لم تكن حمقاء، فعندما تستبد بنا الحيرة، يشتد بنا ما يطلق عليه علماء علم النفس التحليلي “الرّهاب“، من البديهي أن هذا الرعب غير متناسب ويؤدي بنا إلى ردود فعل عبثية. إن الخوف، في الصيغة المتعارف عليها، هو “ناصح تعيس“. ولكنه يجعلنا أيضًا متمركزين حول ذواتنا، منغلقين تجاه الآخرين، إذ تحت وطأة الخوف، لا يفكر المرء إلا في ذاته، وهو على استعداد لأن يفعل أي شيء ليتقي الخطر الذي يهدده، إلى درجة ترك الآخرين في المواجهة، وحتى التضحية بهم. أما الحكيم، فهو نقيض المتخوف: إنه ذلك الشخص القادر على التغلب على ضروب الخوف، وبالتالي على التفكير بحرية، وعلى حب الآخرين والانفتاح عليهم. وهكذا تدركون أننا هنا نمسك بعدُ بإجابة رائعة عن مسألة الحياة الطيّبة.

بين الأديان والفلسفات، لوك فيري يتحدث

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. في كتابه (أجمل قصة في تاريخ الفلسفة)، كتب عن التشابهات والفروقات بين الأديان والمذاهب الفلسفية. فهو يعتقد بأن كلا من الأديان والفلسفات تهدف إلى رسم “حياة طيّبة” كما اختار أن يعبّر. يقول مبتدئًا حديثه:

حين نبحث عما “ينقذ” الحياة البشرية من الموت، أو على الأقل يعطيها قيمة، لا شيء، حتى الموت، يستطيع أن يقوّضها، فنحن نفكر بكل تأكيد في الأجوبة التي بوسع الأديان تقديمها. لذا أعتقد بأن أنه جاء الوقت لنفسر في ماذا تختلف عنها الفلسفة.

فالأجوبة عن مسألة الحياة الطيّبة، تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

ثمة صنفان من الأجوبة عن مسألة الحياة الطيّبة تلك، بالنسبة إلى البشر، الفانين: الأجوبة التي تمر بالإله وتقوم على الإيمان – وذلك شأن الأديان الكبرى – والأجوبة التي تسعى على العكس إلى أن تهتدي في صلب وجودنا على مجرد حِدة الفكر، وحتى على العقل، إلى منبع للقيم ليس بمقدور الموت ذاته أن يمحوه. وتلك هي الفلسفات الكبرى.

فالأديان تعتمد على فكرة “الخير الأسمى” المتمثل في التعاليم الإلهية، وتعتمد بشكل أساسي على التسليم للأوامر الإلهية وإن لم يسع العقل استيعابها:

أما الأديان الكبرى، فتمثل محاولات عظمى لتقديم حل لمسألة “الخير الأسمى” إلى البشر، الفانين، إذ يتعلق الأمر بإيجاد سبيل إلى بلوغ ما يسمية (القديس أغسطيونس) بـ”الحياة السعيدة“، في مقابل خضوع مضاعف مُنصب على العقل، وعلى الحرية الفردية تجاه القوة الخارجية الراجعة إلى التعالي الإلهي من جهة، وتجاه قوة الاعتقاد والإيمان الباطنية من جهة أخرى. فلابد للعقل أن ينحني في النهاية أمام حقائق الوحي.

ومن جهة أخرى، فالفلسفة تتشابه مع الأديان في هدفها الأسمى بالوصول للحياة الطيّبة، إلا أنها تختلف معها في اعتمادها بشكل كبير على العقل واستقلاليته، وعلى الوسائل المتاحة التي يمكن استنباطها بالعقل والوعي:

وأما الفلسفة، فهي تشاطر الدين في الغاية الرامية إلى تحديد شروط حياة طيّبة بالنسبة إلى البشر، الفانين، ولكنها على العكس من ذلك تريد بلوغ تلك الغاية من خلال استقلالية العقل وحِدّة لوعي، بالوسائل المتاحة وحدها – إن صح القول – وبفضل القدرات وحدها التي يمتلكها الكائن البشري بنفسه. وبالطبع، لا يمنع ذلك بعض الفلاسفة من إدراج فكرة الإله في مذهبهم، وحتى أحيانًا من إيلائها دورًا مركزيًا. ورغم كل شيء، يبقى مسعاهم، وإن في هذه الحالة، مختلفًا عن المقاربة الدينية بمعنى إسهامهم الفلسفي في حد ذاته لا يقوم على الإيمان ولا على سلطة النصوص المقدسة، وإنما على ممارسة الاستدلال الحرة.

وحتى الاعتماد على العقل وحده، لم يمنع بعض الفلاسفة من إثبات وجود الله، واعتباره محورًا مركزيًا لفلسفاتهم وأفكارهم.

ثم يتحدث بعد ذلك عن مجالات الفلسفة، فيقول:

تنقسم الفلسفة، بكل بداهة، إلى مجالات متعددة: المعرفة (ما الحقيقة؟)، الأخلاق والسياسة (ما العدل؟)، مسألة معايير الجمال، وأخيرًا مسألة الخلاص (ما الحياة الطيّبة؟). ولا أنسى أن الفلسفة تهتم أيضًا، وحتى في البداية، بما يجعل المعرفة الموضوعية ممكنة، وبالتفكير النقدي في تعريف ما هو عادل، وبالنظرية السياسية أو منابع الإحساس الجمالي. ولا أنسى كذلك أن بعض الفلاسفة، الذين تركوا بلا شك بصماتهم في تاريخ الأفكار، لم ينكبوا إلا على البعض من هذه الموضوعات، بل إن بعضهم لم يعالجوا إلا موضوعًا واحدًا.