أرشيف الوسم: لينا دنهام

لينا دنهام: رسائل مفعمة بالأمل عن الحب والجنس والصداقة والموت.

إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر النوع الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وأثناء محاولة إعادة تعريفه.

“أنا أقول دومًا ما في رأسي”، هكذا تصرخ (إلويس) البالغة من العمر ست سنوات في الفيلم المقتبس عن كتب الأطفال الشهيرة التي أبدعتها الكاتبة الأمريكية (كاي ثومبسون) في عام 1955 وجاءت في بداية ذلك التحول الثقافي البارز وكانت تصور فتاة نضجت مبكرًا وتناصر الحركة النسوية الأولى وتتمتع بروح عتيقة ومفردات مبهرة. لقد كانت حرية التعبير التي تتمتع بها (إلويس) أكثر من مجرد مجاز سردي، فاستعدادها لتجسيد حياتها الداخلية بكل ما تحتويه من ظلمة وضياء كان يرمز إلى التغيرات التي شهدتها الكاتبة (ثومبسون) (1909-1998) والاتجاهات التي كانت هي نفسها تسعي من خلالها بمنتهي اللطف والدهاء لتغيير التيار الثقافي بواسطة كتب (إلويس)، وكما يؤكد المؤلف البريطاني (توكين) على نحوٍ معروف وكذلك ما ردده سنداك فيما بعد، لم تكن (ثومبسون) تؤمن بوجود ما يسمى الكتابة “للأطفال” ولهذا فهي لم تنظر مطلقًا إلى تلك السلسة البارزة من الكتب التي ألفتها على أنها “كتب للأطفال“.

وليس من قبيل المصادفة أن بطلة قصص (ثومبسون) المحبوبة تظهر في صورة وشم على جسد الممثلة والكاتبة الأمريكية (لينا دنهام) مثل العديد غيرها من الصور في الكتب الكلاسيكية المصورة، وتُعد (دنهام) في كثير من الجوانب هي (إلويس) هذا العصر الحديث على نحو تعمدته (دنهام)، فهي تقول دائمًا ما في رأسها من الأفكار التي تتميز بالرؤى الاستثنائية والذكاء العاطفي والضعف دون خوف، في الوقت الذي يحاول فيه جيل آخر من النساء والرجال السعي لفهم تلك النوعية من النساء وحبهّن للمخاطرة عبر شفا الهاوية ، وتحاول دنهام استكشاف جوهر تلك الهاوية: الحب والعمل والجنس والصداقة والجسد والعلاج وجميع تلك الوسطية الشائكة للحياة، إذ تستكشف ذلك بنفس القدر من الطرافة والدفء والحكمة في كتاب (لست ذلك النوع من الفتيات: شابة تتحدث عن “تجربتها”).

وفي إحدى الفقرات التي تعبر على وجه الخصوص عن أفكار (إلويس) الجديدة في مقدمة الكتاب، تتذكر (دنهام) شرائها نسخة مستعملة من كتاب المؤلفة (هيلين غورلي) براون لعام 1982 (لدي كل شيء)، وتجادل بأنه رغم أن نصيحة (غورلي) قابلة للنقاش فيجب أن نقول شيء ما، يجب أن نقول شيء ما، لمجرد ممارسة شجاعة التعبير عما في الرأس، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بامرأة تعيش وسط ثقافة حيث ـــــرغم ما نتمتع به من نوايا حسنةــــ يكون العكس هو المتوقع فتكتب:

ليس أشجع بالنسبة لي من الشخص الذي يعلن أن قصته تستحق أن يسردها، وخاصةً إذا كان امرأةً، فرغم ذلك الجهد الذي عملنا به، وتلك المرحلة المتقدمة التي وصلنا إليها، لا تزال ثمة العديد والعديد من القوى التي تتآمر على النساء لإقناعهن بأن همومهن تافهة، وآرائهن لا حاجة لها، وقصصهن ينقصها الوقار اللازم لكي تكون ذي جدوى، وأن الكتابة الذاتية عند النساء لا تزيد عن كونها نوع من الممارسة الزائفة، وأنه يجب علينا تقدير هذا العالم الجديد للنساء ثم نجلس ونغلق أفواهنا.

وتستغل (دنهام) تلك النقطة لتضيفها إلى دوافعها لتأليف الكتاب:

أريد إحياء ما لدي من القصص، بل والأكثر من ذلك أنّي مضطرة لذلك حتى احتفظ باتزاني العقلي…ولو تمكنت من استخدام ما تعلمت في جعل مهمة واحدة حقيرة أكثر سهولة بالنسبة لي، أو منعكم من ممارسة ذلك النوع من الجنس الذي تشعرون فيه بأنه يجب عدم خلع الأحذية في حال أردتم الهروب أثناء الممارسة، عندئذٍ يكون كل خطأ ارتكبته يستحق العناء…فأنا لست خبيرة في العلاقات الجنسية، ولا طبيبة نفسية، ولا أخصائية غذائية، وأنا لست أمًا لثلاثة أطفال ولا أملك مصنع ملابس ناجح، ولكني فتاة أهتم بشدة بأن يكون لدي كل شيء، وفيما يلي رسائل مفعمة بالأمل من الخطوط الأمامية لهذا الصراع.

تكتب (دنهام) تلك الرسائل بنوع من الصدق المتلاشي داخليًا وخارجيًا معًا، ولا يتأتى ذلك للكثير منا، ودائمًا ما تقدم تلك الرسائل بنوعٍ من تداخل ثنائية النقص والكمال ، الذي تتميز بهما وكذلك ثقافتنا، فهي تبحث على سبيل المثال في ذلك الوباء المنتشر بشدة والمتمثل في إرضاء الآخرين، وهي تتناول تلك النقطة من زاوية نادرًا ما نتجرأ على التفكير فيها:

لا أشعر بالغيرة التقليدية، من الرفيق أو الرضيع أو الحساب البنكي، لكني أغبط أساليب الوجود عند غيري من النساء.

[…]

كنت أحسد السمات الذكورية إن لم يكن الرجال أنفسهم، إني أغار من تلك السهولة التي تميزهم في القيام بأدوارهم المهنية: عدم الاعتذار، وعدم بذل قصاري الجهد للتأكد من أن من حولهم ليسوا مستائين مما يحاولون القيام به؛ فأنا أرى أن الرجال غالبًا لا تكون لديهم غريزة إرضاء الآخرين، وهي تلك الغريزة التي أعتبرها اللعنة التي تصيب وجودي بوصفي أنثى، لقد شاهدت الرجال وهم يطلبون العشاء، ويطلبون النبيذ المروّع، والمزيد من الخبز بثقة لم أتمكن من إتقانها قط، وفكرت في نفسي وقلت: ياله من عملٍ فذٍ، لكني أرى كذلك أن كوني أنثى هو هدية لا مثيل لها، وسعادة مقدسة، على نحو شديد العمق حتى أنني لا يمكنني التعبير عنه، إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر الجنس الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وحتى أثناء محاولة إعادة تعريفه.

أعرف أني عندما سأعاني من سكرات الموت وأتذكر الماضي سأندم على المجادلة مع النساء، هؤلاء النساء اللائي حاولت إبهارهن وفهمهن وتعذبت بسببهن، هؤلاء النساء اللائي أريد رؤيتهن ثانيةً، أريد رؤيتهن وهن يبتسمن ويضحكن ويقلن: لقد جرت الأمور على ما يُرام.

لو لم أكن متحفظة بشدة من أستمرار استخدام كلمة “حساس” لوصف الكتابة النسائية، وإبعادها برقة عن عالم الكتابة الواقعية،لتحدثت عن تلك الحساسية التي لا مثيل لها التي تميز دنهام، فجميع أنحاء كتابها زاخرة بها، ولكن لعل أكثر المواضع التي تتضح فيها هذه الحساسية هو ذلك الفصل الذي تتذكر فيه اختها الصغيرة (غريس) وهي تعلن عن مثليتها الجنسية:

كنت في الثالثة والعشرين من العمر حينها،ومتطفلة بكل معنى الكلمة، أخذت بعض شرائح المكرونة ووضعتها في فمي، بينما (غريس) تتحدث عن ذلك الموعد الغرامي المروع مع صبي “مغفل” من إحدى المدارس في إحدى المناطق التي يقطنها الأثرياء.

تنهدت وقالت: “إنه طويل أكثر من الازم، ولطيف، ويحاول أكثر من الازم أن يكون فكهاً، لقد وضع منديل مائدة على يده وقال: “انظري! لدي غطاء لليد.” ثم أضافت “انه رسّام كارتوني، ويعاني من مرض السكري.”

قلت لها: “إنه رائع”، وبعد ذلك وقبل أن أفكر في الأمر قلت: “ما أنتِ؟ هل أنتِ مثلية؟

فقالت: “في الحقيقة، نعم”، قالتها وهي تضحك وقد احتفظت برباطة الجأش التي كانت تميزها منذ مولدها.

بدأت تخرج مني شهقة، ليس لأني لم أكن أريدها أن تكون مثلية…لا، كنت أصرخ لأني فهمت فجأة ضآلة ما أعرفه بالفعل: عما تعانيه من آلام، وعن أسرارها، وأوهامها التي كانت تدور في رأسها عندما تستلقي على سريرها ليلاً بذاتها الداخلية.

وفي فصل آخر تمارس (دنهام) تلك الموهبة اللافتة للنظر التي تتميز بها وهي استخدام الأفكار الثقافية الشائعة في هذا العصر ـــــ وهي مقالات القوائم في هذه الحالة ـــــ باستخفاف ولكن دون تحمل عبء السخرية إلى حدٍ ما، ذلك العبء الذي يعوق تحقيق الأهداف، وذلك من أجل توضيح أن الوسط لا يحدد طبيعة الرسالة ولكن الجوهر، ولا يجب ألا تكون المادة خالية من الفكاهة لكي تكون جادة، فتقول تحت عنوان “الأشياء السبعة عشر التي تعلمتها من والدي“:

  1. الموت آتي إلينا جميعاً.

  2. لا توجد أفكار سيئة ولكن أفعال سيئة فقط.

  3. “أيها الرجال، إحترسوا: النساء قادمات من أجل مداعبتكم.”

  4. الثقة ستجعلك تخلع كل شيء أثناء الجنس حتى الأحذية والجوارب.

  5. جميع الأطفال فنانون مدهشون، فالبالغون هم من يجب أن نقلق عليهم.

  6. إذا كنت في حفلة وكانت لا تعجبك، قل أنك ستذهب للاطمئنان على سيارتك ثم أخرج بسرعة، ولا تنظر في عين أحد.

  7. عواطف السكارى ليست حقيقية.

  8. يمكنك إعداد وجبة خفيفة رائعة بتحمير البطاطا الحلوة في فرن الميكروويف ثم تغطيتها بزيت بذور الكتان.

  9. لم يفت الأوان مطلقًا للتعلم.

  10. “سيارة الفولفو سيئة بما يكفي، لن أضع معطف على ذلك الكلب اللعين.”

  11. المد المرتفع يرفع جميع القوارب.

  12. من المريع أن يحصل من تكرههم على الأشياء التي تريدها.

  13. هل توقف الإبداع لديك؟ خذ إجازة من العمل لمشاهدة أحد أفلام الجريمة والغموض، فدائمًا ما يحلون لغز الجريمة، وهو ما سيحدث لك أنت أيضًا.

  14. لا يجب أن تكون لامعًا في حياتك لكي تكون لامعًا في عملك.

  15. ارتدي بذلة عند الذهاب إلى قسم المركبات لتسريع الأمور قليلاً.

  16. لا تطلق نكات عن إخفاء المخدرات أو الأسلحة أو العملة أمام ضباط الشرطة أو العاملين في إدارة أمن النقل والمواصلات الأمريكية، فالاحتجاز ليس مزحة.

  17. التأقلم هو الأهم.

وتخصص (دنهام) فصلاً كاملاً لأول درس من تلك الدروس التي تعلمتها من والدها، وهو علاقتنا المعقدة بالموت وكذلك قلق البشر على الدوام من الزوال:

أعتقد أن هناك قدراً كبيراً من حقيقية كوننا سنذهب جميعًا للموت، تأتيني تلك الفكرة في لحظات غير مناسبة على نحو لا يصدقه عقل، عندما أقف في أحد الحانات مثلاً و بعد أن تمكنت من إضحاك شاب جذاب للتّو،سأضحك أيضًا وربما أرقص قليلاً، ثم يسير كل شيء بالحركة البطيئة لثانية وأفكر: هل يدرك هؤلاء الناس أننا سنذهب إلى المكان ذاته في النهاية؟ وعندما أتمكن من المشاركة في المحادثة ثانيةً أقول لنفسي إن ذلك الإدراك الخاطف للموت أثرى تجربتي وذكرني بأن كل ما يجب عليّ حينها هو الانطلاق في الضحك وإمالة الشعر من جانب إلى آخر وقول الصراحة: . لماذا لا؟ ولكن في بعض الأحيان يظل ذلك الإحساس بداخلي ويذكرني بأني طفلة أشعر بأن الخوف يتملكني ولكن دون أن أمتلك الكلمات التي تهدئني، أظن أنه عندما يتعلق الأمر بالموت لا أحد فينا يملك الكلمات بالفعل.

أتمنى أن أكون واحدة من هؤلاء الشابات اللائي يبدو أن لا وعي لديهن على الإطلاق بأن أجسادهن الجذابة والجميلة معرضة للخطر (ربما يجب أن يكون لدى المرء جسد جذاب وجميل لكي يشعر بذلك). الخداع الجميل للنفس: أليس هذا هو جوهر الشباب؟ أن تظن أنك خالد حتى يأتي يوم تصير فيه في الستين تقريبًا وفجأة تُصدم: فترى ذلك الشبح الكئيب للموت فتراجع نفسك وقد تتبنى طفل محتاج، وتقرر أن تعيش باقي حياتك بأسلوب يمكنك الافتخار به.

لكني لست واحدة من هؤلاء الشابات، لقد انتابني هاجس الموت منذ ولادتي.

[…]

والحقيقة هي أنني كنت أدور حول موضوع الموت دون وعي لفترة من الوقت، لقد نشأت في حي سوهو في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين وأوائل التسعينيات من القرن ذاته، وكنت واعية لمرض الإيدز وعدد الوفيات بسبب ذلك المرض بين أوساط المبدعين، وكانت موضوعات مثل المرض، والفقدان، ومن يتولى الفن والعقارات وفواتير العلاج تسود جميع حفلات العشاء، وعندما مرض العديد من أصدقاء والداي تعلمت كيف أدرك نظرة المعاناة في الوجوه: خدود غائرة وبقع غريبة على الوجه وزيادة في الوزن، وكنت أعلم معنى ذلك: سوف يصبح ذلك الشخص مجرد ذكرى قريبًا، مجرد اسم على جائزة تُمنح للطلبة الزائرين، مجرد ذكرى بعيدة.


[المصدر]