أرشيف الوسم: مالك بن نبي

مالك بن نبي، وحديث عن أدوار الوثنية

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ.

يُعدّ المفكر الجزائرى (مالك بن نبى) أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ويُمكن اعتباره امتدَادًا لـ(ابن خلدون)، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة.

وكان (بن نبى) أول باحث يُحاول أن يُحدّد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجًا مُحدّدا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

يتحدث (مالك بن نبي) في كتابه (شروط النهضة) عن دور الوثنية في غياب الفكر وحضور الصنم فيقول:

من المعروف أن القرآن الكريم قد أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع، وأدب فذ، من أن يصفهم القرآن بهذا الوصف، لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة الخالية من كل عنصر “خلاق” أو فكرة عميق. وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكاراً، بل ينصب أصناماً، وهذا هو شأن الجاهلية.

ثم يبين عن غياب الفكرة وحضور الوثنية فيقول:

فلم يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة، ولم يكن عجيباً أيضاً أن مر الشعب العربي بتلك المرحلة، حين شيد معبداً للأقطاب (الدراويش) المتصرفين في الكون، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح أحياناً.

وعن جهل المتعلم يقول:

ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من جهل العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه، أما الأول فهو متخف في غرور المتعلمين.

معادلة الحضارة عند (مالك بن نبي) من:

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

ويرى أن الوثنية هي غياب الفكرة والروح الدافعة للعمل، غياب ذاك الإيمان الذي يضم مركبات الحضارة.

دور المسلم ورسالته في القرن العشرين عند مالك بن نبي

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ. المصدر

ختم مالك بن نبي سلسلة كتبه (مشكلات الحضارة) بكتاب (دور المسلم ورسالته في القرن العشرين ) والذي يحتوي على محاضرتين ألقاهما عام 1972، تحدث فيهما عن ضرورة معرفة المسلم لدوره في القرن العشرين والعمل بمقتضيات هذا الدور، ويعزي أهمية هذا الأمر الى واقع هذا العصر الذي تشهد مجتمعاته المتحضرة تغييراً جوهرياً من الناحية العلمية والنفسية والأخلاقية، تغييراً نتج عن تراكم التجارب والخبرات في مجالات عدة، حيث يقول مالك بن نبي في وصفه لهذا العصر:

 هذا الثلث الأخير من القرن العشرين، كأنه النهر قرب شاطئ البحر وقد بلغ المصب، بعد أن تجمعت فيه جميع روافده من المياه، التي انحدرت من أعالي الجبال في أقصى داخل البلاد. فالثلث الأخير يبدو هكذا تلك الفترة من التاريخ التي تتجمع فيها كل روافد التاريخ، بكل نتائجها النفسية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وكل التغيرات المترتبة على هذه النتائج. وعليه فإن هذه المسوغات تكفي لتسويغ اختيارنا له بصفته حقبة زمنية استثنائية في التاريخ، يكون دور المسلم فيها شيئا استثنائيا أيضا، يجب إدراجه بطريقة خاصة في الدور العام الذي حدده له القرآن الكريم بوصفه شاهداً…

التغيير الذي شهدته المجتمعات المتحضرة في معتقداتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية أدى الى تخليها عن المسوغات الحضارية التقليدية التي حركت تاريخها في الماضي. وفي هذا يقول (مالك بن نبي):

إن الأجيال في هذا المجتمع المتحضر عاشت على رصيد ثقافي ورثته من الأجيال السابقة، أعني أنها عاشت على رصيد المسوّغات التي دفعت عجلة التاريخ في القرون الماضية، وخصوصاً في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. والذي يبدو-خاصة إذا رجعنا إلى فترة ما بعد الحربين العالميتين-أن هذا الرصيد من المسوّغات الضرورية لتحمّل أعباء الحياة، بدأ ينفد، وبدأت الشعوب التي تعيش على محور (واشنطن-موسكو)، الشعوب المتحضرة، بدأت تشعر جميعها بنفاد رصيدها الثقافي، رصيد مسوّغات حياتها التقليدية الموروثة عن أجدادها…لنتصور كيف كان ينشأ الطفل في زمان (كيلنج) مثلاً أو في زمان (أرنست رنان) مثلاً، كان الطفل في ذلك الوقت ينشأ وحوله جو من الأفكار منبتها الاستعمار[…] لذلك لا نستغرب أن نرى رجلاً كـ (ستانلي) في أواخر القرن الماضي، نشأ في هذا الجو وتكونت عنده فكرة الاكتشافات وفكرة الفتوحات، نراه يغادر وطنه وينزل إلى إفريقية الوسطى فيحتل قطاعا كبيراً منها […] أما إذا كان هذا الأوربي جندياً فإن نشأته في هذا الجو، تصور له أن المجال لأداء واجباته الوطنية وواجباته العسكرية، هو قطاع من قطاعات إفريقية وآسية. […] فهذه الأشياء كانت تغمر الحياة الأوربية بفيض من المسوغات. وربما كانت هناك منابع أخرى لهذه المسوغات فقدت أو جَفّ نبعها بعد الحرب العالمية الأولي والثانية، بسبب تطورات تتصل بما حدث مثلاً بشأن الروابط الخفية أو الظاهرة بين مجالي العلم والنفس.

فبقدر ما كانت تتحقق اكتشافات علمية كبرى في أوربة، بقدر ما كانت تترك صداها على المجال النفسي، وأثرها الكبير في التطور الروحي، حتى بدأت تفتر بعض المسوغات الروحية…

فحينما تفقد حياة ما أو مجتمع ما مسوغاته، لابدَّ أن يقوم بعمليات تعويض: يستبدل بمسوغات قديمة أو تقادمت، أو فقدت تأثيرها في الحياة الاجتماعية، بصفتها دوافع قوية للحياة الفكرية والعلمية والعسكرية والاقتصادية، يستبدل بها مسوغات جديدة. […] العالم المتحضر اليوم، يبدو أنه قد أخفق في عملية التعويض، سواء من الجانب الأدبي كمحاولة الوجودية مثلاً، أو من الجانب السياسي كمحاولة الرجوع لأصله الأوربي، بحثاً عن منطلقات جديدة لأفكاره ولنشاطاته الاقتصادية، فكأنما تقطعت أنفاسه، ولم تعد في متداوله تلك الأشياء المتينة التي كان يرتكز عليها في القرن الماضي وبداية هذا القرن.

وفي موضع أخر يقول:

فحضارة القرن العشرين أفقدت أو أتلفت قداسة الوجود، في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر. ولقد أتلفت القداسة لأنها عدتها شيئاً تافهاً لا حاجة لنا به. ولقد انجرت إلى إتلافها بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم (العلمية)، والتي أخضعت كل شيء وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت. […] كان الوجود مقدساً في كل تفاصيله، في حياة الحشرات كان مقدساً، وحياة الإنسان كان أكثر قداسة، حتى الأشياء التي تلقى في الشوارع، كانت هناك تفاصيل توحي بقداستها، كان المار في الشارع إذا التقى بصره بِفُتَات الخُبز، ينحني ويلتقط هذا الفتات ثم يقبله ويضعه في مكان طاهر، لأنه كان يشعر بقداسة هذه الأشياء. أما الأوربي فلا يهمه هذا ولا يلتفت إليه لأن هذا الفتات من الخبز، لا قيمة له في نظره الكمي، إذ لا ثمن له، لذا يلقى مع الأشياء الأخرى في سلة المهملات. بقدر ما تراكمت الإمكانيات الحضارية اضمحلت القاعدة الأخلاقية الروحية المعنوية التي تتحمل في كل مجتمع عبء الأثقال الاجتماعية والأثقال المادية، إذ لابدَّ من قاعدة روحية متينة حتى تتحمل هذه الأعباء، هذه الأعباء التي ترزح تحتها أوربة أو الحضارة الغربية اليوم وهي في خضم الأشياء التي تنتجها التكنولوجية.

وعند نفاذ المسوغات الحضارية تحصل أزمة  تضخم الإمكان الحضاري وتضاؤل الإرادة الحضارية، وفي حديثه هن نتائج هذه الأزمة يقول (مالك بن نبي):

إذا ما فقد مجتمع ما مسوغاته ولم يستطع تعويضها بالطرق المشروعة في محاولات مبذولة، عندها يعتريه القلق ويعتريه التيه وتعتريه الحيرة. […] البلد الذي حقق الضمانات الاجتماعية إلى أقصى حد مثل السويد، يتميز بشيء خطير وهو أنه يتصدر رأس القائمة في (إحصائية الانتحار العالمية). فظاهرة الانتحار في العالم، يشغل فيها المكان الأول، البلد الأكثر تقدماً نسبياً من حيث الضمانات الاجتماعية.

إذا شبعت البطون قد تبقى الأرواح متعطشة، تبقى الأرواح متطلعة. وحين لا تجد وجهة تتطلع إليها تفضل الاستقالة من الحياة. هذا إذن ما يحدث، وقد يحدث في بلاد أخرى أكثر من هذا في صورة ما؛ ويبدو أن هناك صوراً أخرى للاستقالة من الحياة… عن طريق الموبقات، عن طريق التدهور الأخلاقي، عن طريق الإدمان على المخدرات، فيصبح المجتمع مهدداً بالخراب، لأن قاعدته الاجتماعية تنهار، أي شبابه ينهار.

وفي موضع أخر يعطي (مالك بن نبي) صورة عن وضع المسلمين حضاريا:benabi_858752684

نحن نعيش أزمتنا الخاصة بنا ونعيشها بكل أبعادها، بعدها الاقتصادي مثلاً، يكفينا أن نذكر، على سبيل المثال، أن أحطَّ المستويات الاقتصادية في العالم، في صورة ما يسمى متوسط دخل الفرد السنوي، هو في البلاد الإسلامية. إن هذا معناه أن أحطَّ الحظوظ في هذه الدنيا أصبح للأمة التي خصها الله بالهداية الإسلامية، وخصها الله برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في هذه الدنيا. هذه الأمة أصبحت تعاني الأزمات المتنوعة التي قد نجمعها في كلمة واحدة نسميها الأزمة الحضارية، وهي فعلاً أزمة حضارية لا غير إذن نحن نعاني أزمتنا ومن ناحية أخرى تعاني الإنسانية المتحضرة أزمتها.

ولنتقدم كمسلمين فمن الضروري أن نفهم دورنا في هذا العصر ونعمل بمقتضياته، ويرى مالك بن نبي أن دور المسلم يقتضي بناء وتغيير داخلي، حيث أن المسلم إذا أراد ان يبلغ رسالته الى العالم يجب أن يرتقي الى مستوى حضارة هذا العصر، فيبدأ ببناء نفسه اقتصاديا ً وعلميا ً. وفي أهمية هذا التغيير الداخلي يقول مالك بن نبي:

هل ترون الى أرض عطشى تنتظر الري من الماء؟ هل نستطيع ريها بماء يجري تحت مستواها؟ لا لن يسقي الماء الأرض بالصعود إليها، وإنما بالانحدار وذلك بحكم السنن الإلهية عن طريق الجاذبية. سنة الله تقتضي أن ينحدر إلى هذه الأرض إذا كان مستواه يخوله ذلك. إذن إذا أراد المسلم أن يقوم بدور الري بالنسبة للشعوب المتحضرة والمجتمع المتحضر، وأراد-بعبارة أوضح-أن يقدم المسوغات الجديدة التي تنتظرها تلك الأرواح، التي تتألم لفراغها وحيرتها وتيهها، إذا أراد المسلم ذلك، فليرفع مستواه رفعاً يستطيع معه فعلاً القيام بهذا الدور. إذ بمقدار ما يرتفع إلى مستوى الحضارة بمقدار ما يصبح قادراً على تعميم ذلك الفضل، الذي أعطاه الله له (أعني دينه). إذ عندها فقط يصبح قادراً أيضاً على بلوغ قمم الحقيقة الإسلامية، واكتشاف قيم الفضيلة الإسلامية، ومن ثم ينزل إلى هضاب الحضارة المتعطشة، فيرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى، وبذلك يضيف إليها بعداً جديداً. لأن الحضارة العلمانية، حضارة الصاروخ، حضارة الإلكترون اكتسبت هذه الأشياء، وضيعت بعداً آخر تشعر بفقدانه وهو بُعد السماء.

وليأدي المسلم دوره في القرن العشرين فعليه أمرين الاقتناع والاقناع:

الاقتناع أولاً لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن للمسلم إن لم يقتنع بأن له رسالة أن يبلغ الآخرين هذه الرسالة، أو فحوى هذه الرسالة أو مفعول هذه الرسالة. إذن يجب أن يقتنع هو أولاً. وأنا أعني قناعته برسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين ولا أتكلم عن اقتناعه بدينه.

وفي اقناع الطرف الأخر يقول (مالك بن نبي):

ما هو واضح في تصوري أنا المسلم، ليس واضحاً بالنسبة للآخرين الذين ينبغي علي أن أتقدم إليهم، آخذاً بالاعتبار تصورهم هم لا تصوري أنا عن حقيقة المسلم. لأن حقيقة المسلم محجوبة عن نظر الآخرين. إن حقيقة المسلم، كرامة المسلم، فضيلة المسلم، أخلاق المسلم، شرف المسلم، عزة المسلم؛ كل هذه الأشياء تخفيها عن نظر الآخرين المظاهر الاجتماعية. وهي تشهد بكل أسف في نظر الآخرين على المسلم وضده. فالمسلم فقير، والمسلم جاهل، المسلم كذا … الإحصائيات الموجودة في العالم كذا … إلخ

ومن هنا نرى ما يترتب على المسلم من القيام بواجبات ملحة، حتى يفي بشرط إعجازه في هذا الثلث الأخير نحو نفسه ونحو الآخرين، […] يجب فعلاً أن تتوافر لرسالة المسلم كل شروط الاقتناع وكل شروط الإقناع؟ ولن يتوافر هذا إلا بتغيير. […] يجب على المسلم. الذي يضطلع برسالته أن يفكر في إعجازه، وإعجازه لا يتأتى إلا بتحقيق شرط جوهري، وهو تغيير ما بنفسه وتغيير ما في محيطه مصداقاً للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 12/13].

إذن لكي يتحقق التغيير في محيطنا يجب أن يتحقق أولاً في أنفسنا. […]عندها يجب على كل مسلم أن يحقق بمفرده شروطاً ثلاثة:

أولًا: أن يعرف نفسه.

ثانيًا: أن يعرف الآخرين، وألا يتعالى عليهم، وألا يتجاهلهم […] ويجب عليه أن يعلم ذلك لأمرين لا لأمر واحد، إما لكي يتقي شرهم عن معرفة وإدراك لكل معطيات نفوسهم، وإما لتبليغهم إشراق الإسلام وإشراق الهداية الإسلامية. فهو إن لم يعرف النفوس فكيف يقدر أن يتصرف معها بحكمة؟ إن لم يعرف نفوس الآخرين وظلت صناديق مغلقة عليه فكيف يبلغها الهداية الإسلامية؟ إنه لن يستطيع. يجب إذن على المسلم بعد أن يعرف نفسه أن يعرف نفوس الآخرين.

ثالثًا: أن يعرِّف الآخرين بنفسه، لكن بالصورة المحببة، بالصورة التي أجريت عليها كل عمليات التغيير بعد التنقية والتصفية من كل رواسب القابلية للاستعمار والتخلف وأصناف التقهقر، كل أصناف التخلف وأصناف التأخر. ويجب عليه أولاً أن يقوم بهذه التصفية حتى يقدم للآخرين صورة مقبولة محببة بوصفها عينة من العينات البشرية التي يصنعها الإسلام، أما إذا تقدم المسلم إلى الآخرين بوصفه عورة يجب أن يستحى منها، فالعورة تستر ولا تكشف، والعورة لا يمكنها أن تبلغ إشعاعاً. الجهل عورة الفقر الذي يسببه كسلنا، وكسلنا عورة، الفوضى عورة وهذه العورات كلها لا تستطيع ولا تتيح لشخصية المسلم أن تبلغ إشراق الإسلام.

كيف نبني مجتمعًا أفضل ؟ مالك بن نبي يجيب

1_1028263_1_34

مالك بن نبي – المفكر والكاتب الجزائري وأحد رواد حركة النهضة الفكرية في مطلع القرن العشرين- يتحدث في كتابه “تأملات” عن بناء المجمعات، وفي معرض حديثه يقول

هناك لَبْس أدى للأسف، في التاريخ القريب -أي في الأربعين أو الخمسين سنة التي مضت- أدت بنا إلى غلطات ارتكبناها لأننا لم ندقق في مصطلحات الاجتماع، ففهمنا أن المجتمع إنما هو عبارة عن عدد من الأفراد، يعيشون كما يشاؤون مهما كانت الصلات بينهم، وليس هذا هو المجتمع. هذا يمكن أن نسميه بقايا مجتمعات أو بداية مجتمعات قبل أن تقوم وظيفته التاريخية. أما المجتمع الذي يقوم بوظيفته التاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويحقق راحة الفرد، فإنه لابد أن نفهم معناه معنىً دقيقًا. فهو ليس عدد من الإفراد، هو بنيان وليس تكديسًا للأشخاص، بنيان بمقدسات متفق عليها. فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عامة هي التي تؤلف بين أفراد المجتمع. فإذا فقدت هذه الفكرة فُقدت الصِلات بين الأفراد، وتفكك المجتمع وضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه [..] إن المجتمع وظيفته حفظ كيان الفرد، وتحقيق أهداف الجماعة، فالقضية ليست قضية حفظ النوع، لأن التناسل قد وفرته الحياة الطبيعية، فالإنسان يعيش لأهداف أخرى، والمجتمع الإنساني يقرر فكرته في مستوى آخر، ليس مستوى البقاء، ولكن مستوى تطور النوع ورُقِيّه، هذه هي حقيقة المجتمع التي ينبني عليها كيانه.

[..]

إن الغاية من كل ذلك تحقيق سعادة الإنسان. فالفرد إذ يتصل بالمجتمع فإنما ليحقق سعادته، وما أتت الأديان والفلسفات إلا لتحقق السعادة، وما خططت السياسات إلا لهذا الغرض بالأساس. [..] فالإنسان الذي لا يكون مجتمعه مجتمع حضارة، معرض للحرمان من الضمانات الاجتماعية. فأنا حينما أحاول تحديد مجتمع أفضل فكأنني أحاول تحديد أسلوب حضارة. إذ أنني حينما أحقق الحضارة، أحقق جميع شروط الحياة، والأسباب التي تأتي بمتوسط الدخل المرتفع، بمعنى أنني أحقق الخريطة الاقتصادية، ونتائجها الاجتماعية والثقافية أيضًا. [..] وهذا يقتضي أن نفكر في المجتمع تفكير بناء وليس تفكير تكديس، لأن التكديس في المجتمع ظاهرة مضرة، وهي تظهر حتى في مجال الفكر بعد ذلك.

[..]

إن علينا أن نكوِّن حضارة، أي أن نبني لا أن نكدس، فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس. إن علينا أن ندرك أن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة، والاستحالة هنا اقتصادية واجتماعية. فالقضية إذًا ليست قضية فقر، وإنما هي أمر يتعلق بأساس مشكلاتنا. فعلينا أن نفكر في جذور المشكلات، وندرك أن القضية هي قضية حضارة. وما الفقر والغنى، ولا الجهل والمرض إلا أعرض لتلك المشكلة الأساسية .. فالحضارة هي التي تكوّن منتجاتها وليست المنتجات هي التي تحدد الحضارة. [..] أقول في النهاية : الحضارة = إنسان + أرض + وقت. [..] فأنا إذًا حينما أحاول التخطيط لحضارة فليس علي أن أفكر في منتجاتها، وإنما في أشياء ثلاثة ؛ في الإنسان والأرض والوقت. فحينما أحل هذه المشاكل حلًا علميًا، بأن أبني الإنسان بناءً متكاملًا، وأعتني بالتراب والزمن فإنني حينئذ كونت المجتمع الأفضل، كونت الحضارة التي هي الإطار الذي تتم فيه السعادة للفرد.

لمزيد من الإيضاح حول فكرة الإنسان والأرض والوقت، ننصح بقراءة كتاب “شروط النهضة [تحميل]” لمالك بن نبي

مقومات الفنون الجميلة عند مالك بن نبي

1_1028263_1_34

مالك بن نبي – المفكر والكاتب الجزائري وأحد رواد حركة النهضة الفكرية في مطلع القرن العشرين- يتحدث في كتابه “شروط النهضة” عن المقومات الهامة للفنون الجميلة وكيف تؤثر هذه المقومات على الغاية من الفن.

تبرز أهمية الفن الجميل في أحد موقفين ؛ فهو إما داع إلى الفضيلة، وإما داع إلى الرذيلة، فإذا حددت الأخلاق مُثله وغذى الجمال وحيه، فينبغي عليه أن يحدد هو وسائله وصوره الفنية للتأثير في الأنفس.

ويبرز خطر الفن عندما يُشرع في تقرير هذه الوسائل التي تجعله مريبًا أو مفسدًا، وذلك حسبما يُختار من الصور والألحان ؛ فالرقصة مثلًا  إما أن تكون قصيدة شعرية أو حركة جنسية، وهي على كل حال طريقة الطير في التقرب من أنثاه، وهي أيضًا للرجل في شأنه مع المرأة.

غير أن الرقصة تطورت عند الإنسان، فأصبح فيها شيء من الشعر عند اليونان، وشيء من التصوف في طقوس بعض الأديان ؛ وفي كل هذه التطورات نجد الأخلاق قد حددت أهدافها ومراميها، وبقيت الوسيلة التي تعطي الرقصة صورتها الفنية، فالتقرب من المرأة قد يكون بغزل شريف وقد يكون بغير ذلك، والهدف واحد. ومن المؤسف أن الرقصة عندنا -العرب- قد أصبحت صورة جنسية فقط، بينما هي قد اتخذت لها عند اليونان صورة شعرية، وأصبح في بلادنا أيضًا مشوهًا للذوق، لأنها اتخذت إلى النفوس صورة جنسية فقط.

فإذا فهمنا الفن على هذه الصورة، فإننا نستطيع أن نوسع نطاقه حتى يشمل المشي في الشوارع، وكيفية شرب الماء، وكيفية التثاؤب في المجتمعات العامة ؛ غير أن المجال لا يتسع لكي تضم هذه السطور القليلة كل هذا.

كذلك فإننا نكتفي من الفن بمعناه الشائع، أي بما هو معدود من مظاهره العادية المنتشرة في البلاد الإسلامية اليوم، كالغناء والموسيقى والسينما وغير ذلك.

إننا لا نجمع في خدمتنا للفن بين الجهد والعبقرية، كأن الكسل من ميزات الفن الجميل عندنا. وربما نعجب إذا سمعنا أن المقدرة والنبوغ في الفن هما نتيجة الكد الطويل والجهد المستمر، والعمل الثابت والاجتهاد في البحث والانتقاد بقصد التحسين.

وليس من شك في أن المواهب الفطرية شرط واجب، إلا أنها ليست الشرط الوحيد، لأن المواهب وحدها وإن كانت تنير اسم الفنان، إلا إنها -من غير كد وجهد- تحرقه، وسرعان ما يصبح في ظلمات النسيان. وهكذا كان شأن بعض فنانينا، فإنهم أضاؤوا لحظة ثم انطفؤوا إلى الأبد، مع أنهم كانوا على جانب من المواهب، لو أنهم استخدموها في سبيل الفن لكانوا من الخالدين.

وهذه الإشارة إلى وجوب التوفيق بين المواهب والمجهودات الشخصية في ميدان الفن الجميل، نراها تنطبق أيضًا في الرياضة، حيث نرى كثيرًا من الرياضيين عندما يطلبون الكسل العاجل، ولا يركنون إلى الجهد الطويل، فتذهب مواهبهم الغالية هباء منثورًا.

وعلى كلٍ فإننا نحتاج أن نقرن بين الموهبة والقدرة لنحصل على شيء يكون جديرًا باسم الفن.

إن الفن الذي ليس إلا رياء كاذبًا وتصنّعًا مخلًا  لبعض الفنانين، الذين يهملون مظهرهم مبالغة في البساطة ليظهروا بساطتهم الفنية، هو من المشرب نفسه الممثل في بعض شبابنا الرياضيين، حين يبالغون في تعقيد مظهرهم، بتقليد أبطال السينما في إطالة الشعر واستخدام العطور والمساحيق أحيانًا، بينما البساطة تعني البساطة.

إن هذا ليس من روح الفنون بل هو من باب الجنون، وواجبنا أن نضرب على أيدي أولئك المتبطلين، فلا نسمح لهم بأن يشوهوا ذوقنا الفني باسم الفن، والفن منهم براء.