أرشيف الوسم: محمد عبدالله

بين الشرق والغرب.. (بهاء طاهر) مع زوجته (ستيفكا)

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على شهادة الجامعية في التاريخ من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1956، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي حكى فيها عن بدايات زواجه بـ(ستيفكا)، ونقاشاته معها.

[…] كانت مترجمة في القسم الروسي، ومتخصصة في الأدب الروسي، ققلت لها:

– أحب الأدب الروسي جدًا، لكنني أقرؤه إما بالعربية، أو بلغة وسيطة كالفرنسية أو الإنجليزية، فأنا لا أقرأ ولا أتحدث الروسية.

ضحكت، شعرت بالقرب مع ضحكتها، لا أعرف، هل كانت تنتظر هذه المصادفة كي تمنحني حيوية ضحكتها وعبق هذا الجمال؟

ظللنا نتحدث عن الأدب الروسي، ظللنا لساعات، انقضت الليلة ولم نشعر بها.

ويكمل حديثه في موضع آخر: 

امتدت بيننا اللقاءات والمحادثات، كنا نتقابل ونحتسي القهوة كل صباح، نتحدث كثيرًا، في الحياة، في الفن والسينما والأدب، في كل شيء، غالبًا لم نترك شيئًا إلا وتطرقنا للحديث فيه.

[…] حكيت لها عن أبي، الرجل الأزهري الذي علمني أصول الدين، واندهشت كثيرًا عندما عبّرت لها عن التزامي الديني، قالت:

– غريب أنا يقول هذا مثقف مثالي واعٍ مثلك هذا الكلام؟

– وما الغريب؟

– أظن أن الدين في مجمله قيدٌ كبير، وإنما لا بأس، يمكنني أن أصدّق هذا، خصوصًا أن مصر في غالب ثقافتها دينية بطبعها.

اعتدلت وقلت:

– على الإطلاق، لا أحد يمكنه أن يزعم هذا. لك أن تتصوري أن مصر غير قابلة إطلاقًا لأن تتحول إلى دولة دينية، ولا ثقافتها، أنت لا تعرفين الشعب المصري في أصله، شعب معتدل، ولا تعرفين مصر في حقيقتها، الكل منسجم فيها ولا مجال للتشدد ولا للتطرف ولا للانحراف.

هزت كتفيها وابتسمت ابتسامة إما أقرب للامبالاة الممزوجة بالدهشة، وإنما أقرب لاتهامي بالسخافة، أو ربما رغبت أن تتجاوز هذه النقطة في الحوار، لعلها ظنت أننا لن نلتقي على رؤية متجانسة.

لكنها بعد قليل مالت عليّ بمكر وقالت وهي تفكر:

– لكن، ألا تجد أن أكبر مظاهر الثقافة الدينية في مصر هو اعتناق الأضرحة والتعصب والعنصرية؟ كم كنيسة أحرقت في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة؟

قلت:

– العنصرية والتعصب موجودان في مصر قطعًا، في الشرق كله، لكننا نجدهما بشكل أوضح وأشمل في الغرب، أليس كذلك؟

– بمعنى؟

– حسنًا، وعلى سبيل المثال، لننظر إلى علاقات الاستعمار والقوة وفرض السيطرة والهيمنة، إذا كان الغرب أقوى فهو يفعل ذلك بدون النظر إلى فكرة الحياد وعدم التعصب، والعكس صحيح طبعًا، لكننا لا ننكر أن الغرب أقوى اليوم، ويفرض سيطرته على الشرق بشكل واضح! بعيدًا عن موضوع الكنائس في مصر طبعًا، فالكنائس من الطبيعي أن يكون لها في الغرب بديل ثقافي.

– لعلك غفلت عن الجوانب الإنسانية في المجتمعات الغربية، هي الجوهر في الغالب.

– ليكن، (كبلنج) يقول: “الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا”، ربما وبشكل ما هذا المنظور صحيح، لكني ومن باب المثقف الفاعل، والحائر أحيانًا، والعاجز عن ترجمة الكثير من توجهات الغرب أيضًا، أبحث بشكل جادّ عن أوجه التشابه بين الشرق والغرب، العنصرية والتعصب وجهان حقيقيان وبارزان لهذا التشابه، وإن بدا هذا في الغرب بصورته الأكثر قبحًا، رغم تفاوت الحضارات والأزمنة وتطور مجتمعات الغرب اقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا، لكن لا شيء استطاع أن يقتلع العنصرية كمفهوم راسخ في التعامل مع الآخر، تحديدًا الشرق.

– بالعكس، الغرب يتعامل مع هذا المنظور تحديدًا من منطلق الأخوة، هل تنكر؟

– قال (دوستويفسكي): “إن الغرب يفهم الأخوة باعتبارها قوة كبيرة محركة للإنسانية دون أن تخطر بباله أنه لا يستطيع أخذها من مكان إذا هي لم توجد في الواقع، وأن أساس الحضارة الغربية هو الفردية مقابل الطبيعة والمجتمع كله، ولا يمكن أن تنشأ الأخوة من تعارض كهذا!”.

– زمن (دوستويفسكي) ولّى والمجتمع في الغرب اليوم مؤمن بكل مبادئ الاشتراكية.

– رغم تطبيق الاشتراكية في الغرب، وبعد موت (دوستويفسكي) بعشرات السنين، لم يفلحوا في نزع العنصرية، العنصرية موجودة وحاضرة بقوة.

– الصورة ليست قاتمة هكذا (بهاء)!

– أتفق معك في هذا، كل يوم في الغرب تخوج جماعات وكيانات مناهضة للعنصرية بكل أشكالها، تدافع عن حقوق العالم الثالث بإيمان وإخلاص، ولكن صوتها خافت وعاجز وواهن مقابل الجماعات والأحزاب السياسية التي ما زالت ترفع شعارات العنصرية.

– مبادئ الأخوة هي الأبرز في المشهد السياسي الغربي.

– ظاهريًا فقط، يقول (دوستويفسكي): “من أجل أن تطبخ طبخة بلحم الأرنب فلا بد أولاً من أرنب، ولكن الأرنب غير موجود، أي لا وجود لطبيعة مؤهلة للأخوة”. 

– متأثر أنت بـ(دوستويفسكي) (بهاء) .. لو سايرت وجهة نظرك .. هل يمكن أن تطرح حلولاً لمواجهة هذا؟

– أكيد، أن تتضامن المجتمعات الشرقية التي يعاملها المجتمع الغربي بعنصرية ضد العنصرية الغربية نفسها، أن تكون فاعلة، بل أن تحارب العنصرية الغربية بمضامينها السياسية والاقتصادية التي تؤثّر على المجتمعات الشرقيّة، لا يعني ذلك أن ندير ظهورنا للغرب، أو أن نقاطعه، فنحن – أقصد العالم الثالث – والذي يتحتم عليه أن يعيش في مواجهة وتعارض مع الغرب، لا نستطيع أن نغلق الباب دونه، وإلا كنا نحن الخاسرين، أعني بذلك على وجه التحديد حضارة الغرب وعلمه، يتحتم علينا أن نعيش هذه المعادلة المتناقضة من المواجهة والاتصال، إذا كنا نريد أن نتقدم بالفعل، وعلى سبيل المثال اليابان والصين، استطاع كلّاً من البلدين وفق طريقته أن يجابه الغرب وأن يستفيد منه، حضاريّا وثقافيّا، وحين وجد طريق خلاصه شفى الغرب من عنصريته، لو أدركنا نحن فقط كيف نحقق تلك المعادلة على طريقتنا فسنشفى أنفسنا والغرب معنا.

– لا تنس أن الغرب يخشى ما يخشى أن تفترسه الهجرات الشرعية وغير الشرعية!

– في النهاية لعلنا نشعر بحق أنه متفوق علينا، لذا نلجأ إلى الهجرة إليه، كطموح كل شرقي، ودعينا لا ننسى أن الشرق لم يزل يعتبر الغرب مستعمراً، لم تزل تخالجه هذه الهواجس؛ إن فرضنا أنها هواجس.

– أوف .. نظرية المؤامرة (بهاء) .. أنتم الشرقيون .. أسمعها كثيراً.

– السياسة الدولية (ستيفكا) فيها جانب كبير من التآمر، ومن لم يؤمن بنظرية المؤامرة عبر هذا التاريخ الطويل، قد يكون هو نفسه متآمراً، أنا أراقب عن كثب ما يدور، عاصرت تجربة السنغالي (أحمد مختار إمبو)، الذي انتُخب مديراً عامّاً لمنظمة (اليونيسكو)، لعلّك عاصرت مثلي هذه التجربة المريرة، عندما وقفت أمريكا ضده، وهو مثقف كبير، ووصلت إلى حد الانسحاب من المنظمة وإلغاء اشتراكها الذي كان يمثل ربع ميزانية المنظمة عقاباً له ولمنظمة (اليونيسكو) التي تصدّت وقتها لمحاولات تهويد القدس من الجانب الأثري.

– لكن (أحمد مختار إمبو) انتُخب دورتين، وتبنى هذه القضية وساندتته بعض الدول العربية بتعويض الفرق الناتج عن سحب ميزانية أمريكا من (اليونيسكو).

– في النهاية انسحبت أمريكا عدّة سنوات عقابًا له وللمنظمة.

– المهم من انتصر في النهاية.

– عندما يكون هناك شخص صاحب قضية أو مؤمن بها يحارب حتى النهاية من أجل قضيته، مهما كانت قوة الخصم الذي يواجهه، بل يستطيع أن يكسب متى أحسن قراءة الواقع المحيط به.

كالفينو: الإنسان البسيط في المجتمع الصناعي

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

عندما سمع الأديب الأميركي (جون أبدايك) بموت (إيتالو كالفينو) عام 1985 قال: “كان (كالفينو) كائنا رقيقا مثلما كان لامعا وقد أوصل الرواية إلى آفاق لم تكن لتصلها دون جهده الدائب الذي أطلق الرواية في عوالم السرد الرائعة و الموغلة في القدم”.

(إيتالو كالفينو) روائي إيطالي ولد في كوبا وقدم في أعماله صورة ساخرة لكن عميقة عن المجتمع الصناعي الغربي.

في عمله الروائي (ماركوفالدو) نرى شخصية العامل البسيط المنتقل حديثا من الريف وهو يحاول أن يتعايش مع حنينه للأرض، للمطر، للطبيعة وأن يتكيّف مع مجتمعه الصناعي الحديث:

تلك الليلة، أمطرت السماء فنهض (ماركوفالدو) مثل الفلاحين بعد أشهر عديدة من الجفاف تملؤه البهجة لدى سماعه أول قطرة من قطرات المطر. كان هو الشخص الوحيد في المدينة الذي جلس في فراشه ودعا عائلته: “إنها تمطر! إنها تمطر!“، واستنشق بعمق رائحة الغبار المبلل والرائحة الطينية الطازجة الآتية من الخارج.

تحت طغيان العالم الصناعي كان (ماركوفالدو) يبحث باستمرار عن أي أثر للطبيعة ولكنه يمر بسلسلة من المفارقات تثبت تدخل مجتمع الآلة في الحياة الفطرية البسيطة. عندما حاول أن يصطاد حماما بريا فوجئ بأنه للجيران! عندما حاول سرقة أرنب ليطعم عائلته كان مخصصا للتجارب محقون بالفيروسات! لم يكن يعرف حتى  كيف ينزّه عائلته في هذه المدينة الخرسانية!، فقرر أخذهم للتجول في “السوبرماركت”:

ولما كانوا لا يملكون أية نقود لإنفاقها، فقد اكتفوا بممارسة تسليتهم الوحيدة، ألا وهي مراقبة الآخرين أثناء تبضعهم.

اختار (كالفينو) هذه الشخصية ليكشف من خلال وعيها البسيط حدة التناقضات في المجتمع ويرينا هشاشة العلاقات الإنسانية تحت وطأة الرأسمالية:

كل يوم يقوم ساعي البريد بوضع المغلفات البريدية في صناديق بريد الحي، إلا صندوق بريد (ماركوفالدو) الذي لا يمد يده إليه أبدا، لأنه لايوجد اي شخص يكتب له. الأشياء الوحيدة التي كانت تدخل صندوق بريده هي فواتير الكهرباء والغاز، وما عدا ذلك فلم يكن للصندوق أية قيمة أو جدوى.

عن تاريخ الموسيقى الكردية

نلاحظ أن أكثر الشعوب المتمسكة بتراثها الفني خاصة في موضوع الموسيقى والغناء، هي تلك التي تكون تحت الاضطهاد أو النفي. كي لا تموت هي تمد صوت موسيقاها وتعليه في أي وضع كانت، وفي أي مكان تحط رحالها فيه. الموسيقى هي كاشفة للبعد الاجتماعي لشعوبها، تكشف عن مدى سعادتها أو شقائها أو حالتها القائمة، فنستطيع ملاحظة بعض الموسيقى التي تحمل في طبيعة تكوينها الموسيقية صوت ثائر أو صامد أو متأهب للقتال، ونلحظ بعض الموسيقى تحمل لون حزين يحوي لغة نداء ورجاء لاستجلاب السلام بعد القلق، الموسيقى لا تنفصل أبداً عن رحلة الحقيقة، ولهذا نستطيع أن نسمع صوت الأكراد جلياً عبر موسيقى تحمل معاناة إنسان.

الشعب الكردي في حقيقته شعب محب للموسيقى وخالق لها لأن الموسيقى بالنسبة إليه آداة التعبير عما يحتويه وجدانهم وعن فيض شعورهم، ونستطيع أن نلحظ تفاعل موسيقاهم وتداخلها مع موسيقى من حولهم من الشعوب حين احتوت المقامات الموسيقية الشرقية على مقامين كرديين هما “مقام كرد، ومقام نهاوند“. فيقول الباحث الدكتور أحمد خليل:

للموسيقى الكردية الشعبية طابعها الخاص، شأنها في ذلك شأن موسيقى بقية الشعوب، وكل من له خبرة بموسيقى شعوب غربي آسيا، يمكنه تمييز الموسيقى الكردية عن الموسيقى الفارسية والأرمنية والتركية والعربية، على أن ذلك لا يعني أن ثمة قطيعة بين الموسيقى الكردية وموسيقى الجيران، ففي المناطق التي يتجاور فيها الكرد مع جيرانهم، نجد تمازجاً بين موسيقى أولئك وهؤلاء، وثمة ألحان كردية دخلت موسيقى الشعوب المجاورة للكرد، على أيدي الملحّنين الكرد الذي عاشوا بين تلك الشعوب، ولا سيّما في تركيا وبلاد الشام.

رغم تداخل موسيقى الأكراد بالتركية وغيرها إلا أنها تنفصل بعمق أغانيها عنها جميعاً وتتفرد في صورتها فتقول الصحفية منى كريم:

هنالك ثلاثة أنواع من المؤدين في الموسيقى الكردية: المنشدون، رواة القصة والشعراء. وقامت الموسيقى الكردية الكلاسيكية على نوع معين يتعلق بالمحاكم الكردية يؤدى بين الحشود خلال فترة المساء. بالإضافة إلى العديد من الأغاني والملحميات التي تعكس الطبيعة الكردية الجميل كـ’اللاوكس’ الشعبي وهو عبارة عن أغنية أو ملحمة شعبية بطولية تعيد سرد حكايات الأبطال الأكراد، والـ’هيرانس’ أو أغنية الحب الشهيرة التي تتحدث عن كآبة الفراق أو الحب المستحيل. وهناك موسيقى دينية (اللاوجي) وأغاني الخريف (بايزوكس) والأغاني الإيروتيكية التي تتحدث عن الحب والجنس وتفاصيل حياة الإنسان الكردي البسيط.
أما بالنسبة للآلات الموسيقية فهي البزق (شكل آخر من العود) والمزمار والناي في شمال وغرب كردستان، بينما ينتشر الناي الطويل والطبل في الجنوب والشرق.

نلاحظ أن الأغنية لا تأتي دائماً مصحوبة بموسيقى تغذي كلماتها، بل أحياناً الغناء وحده وصاحب الحنجرة التي تؤدي هذا الغناء كفيلة بأن تؤثر فيمن يسمعها دون أن يتفهم حرفياً لما يحمله المعنى التفصيلي حين تختلف اللغة بل المعنى عالجملة و حسب النظرة العامة للتاريخ يستطيع أن يستخرج ويصيب في فهم المعنى العميق، لكن هل الأغنية الكردية تأتي منفردة وبمعزل عن الموسيقى؟ يجيب الباحث الدكتور أحمد خليل بذكره لبعض الملاحظات عن الموسيقى :الكردية، فيقول

الملاحظة الأولى: تُسمَع الموسيقى الكردية منفردةً، من غير مصاحبة الغناء، وعندئذ تبرز خصائصها الصوتية والسيكولوجية على نحو أفضل، ويحتاج تذوّقها إلى قدر عال من رهافة الحس الجمالي الموسيقي، وإلى قدرات تأملية متقدمة، لذا يجد هذا النمط رواجاً عند النخب الكردية المثقفة، أكثر من رواجها عند الجماهير الشعبية. وتُسمع الموسيقى الكردية مصاحبة للغناء، والجماهير الشعبية أكثر إقبالاً على هذا النمط، وتكتسب الموسيقى حينذاك أكبر قدر من الروعة حينما تتناغم معها نبرات صوت المغنّي، ويا لبؤسها حينما تكون هي في واد ونبرات صوت المغنّي في واد آخر.

الملاحظة الثانية: الموسيقى- سواء أكانت منفردة أم مصحوبة بالغناء- عميقة الجذور في الميثولوجيا الكردية، وما زلنا نرى إلى اليوم حضور الموسيقى في المناسبات الدينية عند الكرد الكاكَه ئي (اليارسانية) والكرد الأيزدي، وما يثير الانتباه أن الطابع الغالب على الموسيقى في تلك المناسبات ليس كئيباً، وإنما هو طابع تغلب عليه الحيوية والإشراق؛ وهذه الظاهرة في حد ذاتها جديرة بالدرس والتمحيص.

الملاحظة الثالثة: لا أزعم أنني استمعت إلى الموسيقى في جميع مناطق كردستان، لكن لاحظت- في حدود ما سمعت- أن الموسيقى الكردية التراثية أكثر تطوراًً وفنّية في جنوب وشرقي كردستان إذا قيست بالموسيقى في شمال وغربي كردستان، 
والدليل على صحة ملاحظتنا أن آلة السَّنتور، بألحانها المتنوعة العذبة الرقيقة، حاضرة في الكَوْرس الموسيقي عند كرد الجنوب والشرق، إضافة إلى آلة الكمنجة، في حين لا نرى لهاتين الآلتين حضوراً في الكورس الموسيقي عند كرد الشمال والغرب، أما الكمنجة المستطيلة الصندوق المستعملة عند بعض كرد الشمال فالأرجح أنها دخيلة على التراث الموسيقي الكردي، وأحسب أنها مقتبسة من التراث الموسيقي التركماني، لذا ثمة تنافر واضح بين أنغام تلك الكمنجة ونبرات الصوت الكردي عند الغناء، وأظن أن المنطقة التي تُستعمَل فيها الكمنجة المستطيلة الصندوق هي منطقة حصل فيها تجاور كردي- تركماني منذ عهد السلاجقة.

لا تستطيع أن تستمع إلى الموسيقى الكردية دون أن تلحظ ارتباطها بالحزن والألم، بل ربما يتفشى داخلك المعنى الانساني حين تتأمل رسائل البسطاء من الأكراد خلال أحزانهم، لهذا يقال بأنها الموسيقى الشرقية الأكثر إثارة وخصوصية.

للاستماع إلى بعض الأغاني والموسيقى الكردية  :
http://www.youtube.com/watch?v=AOOso_y47yQ
http://www.youtube.com/watch?v=D-W7X7LnIHM

روابط للاستزادة حول الموسيقى الكردية وتاريخها : [1]، [2]

وصفة القارئ والكاتب المُبدعَيْن عند نابوكوف

فلاديمير نابوكوف كاتب وروائي روسي أمريكي. له العديد من الروايات المشهورة والعالمية ولعل أشهرها هي رواية “لوليتا” والتي ترجمت إلى لغات عالمية عديدة. جُمعت محاضراته التي ألقاها بجامعة كورنيل في الخمسينات الميلادية في كتاب “محاضرات حول الأدب“. في هذه المقالة القصيرة والممتعة يستعرض نابوكوف مواصفات القارئ أو الكاتب الجيد وبقليل من التفصيل حول مايجعل العمل الأدبي ممتعاً وساحراً.

القرّاء الجيدون والكتَّاب الجيدون.
ترجمة: راضي الشمري.

تعتبر مادتي، وبمساعدة أشياء أخرى، نوعًا من تحقيق استقصائي حول لغز الشكل الأدبي.

قد تفيد عناوين مثل «كيف تكون قارئًا جيدًا» أو «اللطف مع المؤلفين» بتقديم ترجمة لتلك المناقشات العديدة حول مؤلفين كثر، وذلك لأجل خطتي وهي أن نتعامل بحب وبشكل حميمي وبالتفاصيل مع عدة روائع أوروبية. قبل مائة عام، كتب غوستاف فلوبير رسالة تضمنت الملاحظة التالية: “كفى بالمرء حكمة لو عرف جيدًا نصف دزينة من الكتب.”

على المرء في القراءة أن يلاحظ التفاصيل ويعاملها برفق. لا بأس بالحكم عندما تستكشف كل أغوار الكتاب الواضحة بحب. إذا بدأ القارئ وفي باله حكم مسبق، سيبدأ بالنهاية الخاطئة وسيهرب من الكتاب قبل أن يفهمه حتى. فلا يوجد شيء أكثر مللًا وظلمًا من قراءة كتاب، ولنقل «مدام بوفاري»، بتصور مسبق أنها شجب للبورجوازية. يجب علينا أن نتذكر دائمًا أن العمل الفني ليس سوى خلق عالم جديد دومًا؛ ولذلك يجب أن نتفحص ذلك العالم الجديد قدر المستطاع، أي أن نصل إليه وكأنه شيء خلق للتو، وليس له صلة بالعوالم التي نعرفها حاليًا. عندما يُدرس ذلك العالم بقرب، عندها، وعندها فقط، فلنختبر ما يربطه بالعوالم الأخرى، وبالفروع الأخرى من المعرفة.

يبرز سؤال آخر: هل نستطيع التوقع بأننا سننال قدرًا من المعرفة عن الأماكن والتاريخ من رواية ما؟ هل يستطيع أن يكون أحدنا بهذه السذاجة ليعتقد بأنه يستطيع تعلم أي شيء عن الماضي من تلك الروايات المترهلة “الأفضل مبيعًا” والتي تلتقطها أندية الكتب بوصفها روايات تاريخية؟ لكن ماذا عن نيل المعرفة من الروائع الأدبية؟ هل نستطيع الاعتماد على صورة جاين أوستن لإقطاعيي إنجلترا وملاك الأراضي فيها وتلك المساحات الشاسعة، بينما كل ما كانت تعرفه هي صالة استقبال لأحد القساوسة؟ وهل نستطيع القول بأن رواية البيت المتوحش الرومانسية الرائعة لديكنز، والتي جرت أحداثها في مدينة لندن الخلابة كانت دراسة تاريخية للندن قبل مائة عام؟ بالتأكيد لا. وهذا الشيء ينطبق على العديد من الروايات الأخرى في تلك السلسلة. الحقيقة هي أن كل الروايات العظيمة هي في المقام الأول حكايات عظيمة، والروايات في هذه السلسلة «سلسلة الروائع» هي حكايات في قمة الروعة في المقام الأول.

المكان والزمان، ألوان فصول السنة، خلجات العقل وحركات الجسد؛ كل هذه بالنسبة للكاتب العبقري – بما استطعنا تخمينه، وأنا واثق أن تخميننا صائب – ليست ملاحظات عادية يمكن التقاطها من خزنة الحقائق العامة، بل هي سلسلة من المفاجآت الفريدة التي تَعلمها الفنانون العظام ليعبروا بطريقتهم الخاصة. بالنسبة لمؤلفين أقل شأنًا، فتُترك لهم الكتابات المبتذلة للأماكن المعتادة والشائعة، لأنهم لا يهتمون بإعادة تكوين العالم؛ هم ببساطة يفعلون أقصى ما لديهم لكي يخرجوا عن ترتيب معين من الأشياء وعن الأنماط التقليدية للكتابة القصصية. ما يستطيع كتابته أولئك المؤلفون العاديون هو بضع تراكيب معقدة تضع حدًا مسليًا بطريقة معتدلة عابرة، لأن القرّاء العاديّين يحبّون أن يتعرفوا على أفكارهم خلف قناع ظريف يمكن كشفه بسهولة. لكن الكاتب العظيم، ذلك الشخص الذي يرسل كواكبًا دوارة، ويخلق شخصًا نائمًا ويعبث بأضلعه وأحشائه بكل شغف، لا يهمل أي قيْمة، ويجب عليه أن يخلق قيَمه بنفسه. فن الكتابة هو عمل عقيم إن لم يعْنِ بالمقام الأول أنه فن إمكانية التخيل. قد تكون مادة هذا العالم واقعية بما يكفي – بعيدًا حيثما ترنو الواقعية –، لكنها لا توجد أبدًا كوحدة كاملة. هي محض فوضى، والكاتب يقول لها “انطلقي!” سامحًا لهذا العالم أن يومض ويندمج ببعضه ليظهر بشكله الناتج أخيرًا. تمت إعادة دمج هذا العالم بكل ذراته عن طريق ذلك الكاتب، وليس بشكل سطحي عبر ما هو مرئي ومحسوس. الكاتب هو أول من يلمع هذا العالم ويخلق العناصر الطبيعية التي يحتويها هذا العالم. يجب أن يكون التوت الموجود في ذلك العالم صالحًا للأكل، ويمكن ترويض ذلك المخلوق الأرقط الذي اعترض طريقي. ستُسمَّى تلك البحيرة بين الأشجار بحيرات العقيق، أو بشكل فني أكثر، بحيرة مياه الغسيل. وذلك الضباب عبارة عن جبل، وهذا الجبل يجب أن يُحتل. يصعد الكاتب العظيم في منحدر ذلك الجبل غير المطروق؛ وحين يصل القمة، على تلة عاصفة، من سيواجه؟ سيواجه ذلك القارئ السعيد الذي يتنفس بصعوبة، وبكل عفوية سيتعانقان ويرتبطان للأبد، إذا قُدر للكتاب أن يخلد.

في إحدى الليالي، وفي كلية تتبع إحدى المحافظات النائية، حيث كنت ألقي محاضرة مطولة، اقترحت اختبارًا صغيرًا: طلبت عشرة تعاريف للقارئ، ومن هذه العشرة يجب على الطلاب أن يختاروا منها أربعة تختلط لتكون التعريف الأمثل للقارئ. للأسف أضعت القائمة، لكن ما أستطيع تذكره أن التعريفات كانت شيئًا من هذا القبيل. اختر أربعة إجابات للسؤال عما يجب على القارئ فعله ليكون قارئًا جيدًا:

  • يجب على القارئ أن ينضم لنادي كتاب.
  • يجب على القارئ أن يجد نفسه في شخصية روائية.
  • يجب على القارئ أن يركز على الزاوية الاجتماعية-الاقتصادية حينما يتعامل مع الكتاب.
  • يجب على القارئ أن يفضل قصة مليئة بالأحداث والحوارات على قصة لا تملك شيئًا.
  • يجب على القارئ أن يشاهد كتابه في فيلم.
  • يجب على القارئ أن يكون كاتبًا ناشئًا.
  • يجب على القارئ أن يملك خيالًا جامحًا.
  • يجب على القارئ أن يمتلك ذاكرة جيدة.
  • يجب على القارئ أن يملك مفردات كثيرة.
  • يجب على القارئ أن يكون لديه حس فني.

مال الطلاب بشكل كبير للتعريف العاطفي، الصورة المتحركة، والزاوية الاجتماعية-الاقتصادية أو التاريخية. بالطبع، كما خمنتم، القارئ الجيد هو من يملك الخيال، الذاكرة، المفردات، وبعض الحس الفني.. والذي أود تطويره في نفسي والآخرين متى ما سنحت الفرصة.

بالمناسبة، أنا أستعمل كلمة “قارئ” بشكل فضفاض جدًا. الغريب بما فيه الكفاية، أن الشخص لا يستطيع قراءة كتاب، بل يستطيع فقط إعادة قراءته. القارئ الجيد، القارئ العظيم، القارئ النشط والخلاق هو قارئ يعيد ما يقرأ، وأود أن أخبركم عن السبب. عندما نقرأ كتابًا للمرة الأولى ونحن نحرك أعيننا بمشقة من اليسار لليمين، سطرًا إثر سطر وصفحة إثر صفحة، فإن هذا العمل الجسماني المعقد على الكتاب، والذي يجعلنا نتعرف عليه في حدود الزمان والمكان، يقف بيننا وبين التقدير الفني. عندما نطالع لوحة فنية فنحن لا نحتاج أن نحرك أعيننا بطريقة خاصة، حتى لو كانت مثل الكتاب في عمقه وبما ترمي إليه. نحن نحتاج وقتًا عندما نقرأ أي كتابٍ لنتآلف معه. لا نملك عضوًا حسيًا – كالعين مع اللوحة – يمكن أن يأخذ الصورة بأكملها ويستمتع بتفاصيلها. لكن عندما نقرأ للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة، فإنا بشكل ما نتعامل مع الكتاب كما لو كان لوحة.

على كل حال، دعونا لا نخلط بين العين المحسوسة، ذلك الانجاز المهول للتطور، مع العقل، ذلك الانجاز الأكثر تطورًا. أول ما يجذبه الكتاب، مهما يكن، سواءً رواية أو كتاب علمي – والخط الفاصل بينهما ليس واضحًا كما يعتقد العامة – هو العقل. يجب أن يكون العقل، الدماغ، ما هو أعلى العمود الفقري، الأداة الوحيدة التي نتعامل بها مع الكتاب.

والآن، وهذا يحدث كذلك، يجب علينا تأمل السؤال التالي: ما الذي يفعله العقل عندما يواجه القارئ النكد كتابًا جميلًا؟ أولًا، سيذهب المزاج المتجهم بعيدًا، وبشكل أفضل أو أسوأ سيدخل القارئ في روح اللعبة. الجهد المبذول لبدء قراءة كتاب – خصوصًا إذا مُدح من قِبل أناس يعتبرهم القارئ الناشئ جادين أو متابعين للكتب الكلاسيكية – حتى هذا الجهد يصعب تحقيقه، لكن حينما يبذل الجهد، ستكون المنح متعددة ومميزة.

بما أن الكاتب العظيم يستخدم خياله أثناء الكتابة، من الطبيعي والعدل أن يستخدم القارئ خياله أيضًا.

هناك بطبيعة الحال صنفان من الخيال على الأقل في حالة القارئ، ولنرَ أي حالة منهما يجب استعمالها عندما نقرأ كتاباً. أولًا، هناك المتخيل المتواضع، والذي يجنح إلى المشاعر البسيطة، وتلك المشاعر ذات طابع شخصي بالتأكيد. (هناك عدة أصناف تدرج تحت هذا الصنف، في هذا النوع من القراءة العاطفية). قد يغمر أي موقف في الكتاب هذا القارئ بالمشاعر لأنه يتذكر موقفًا حصل له أو شخصًا يعرفه أو تعرف عليه مسبقًا. أو قد نجد أن هناك قارئًا يحتفي بكتاب لأنه يتذكر بلدًا، أو منظرًا، أو طريقة عيش يتذكرها بحنين كجزء من ماضيه. أو، وهذا أسوأ ما قد يفعله قارئ من هذا النوع، أن يعرّف نفسه كإحدى شخصيات الكتاب. لا أود من القراء أن يستخدموا هذه النوعية المتواضعة من الخيال.

إذًا ما هي الأداة الأصلية، والتي يجب أن يستعملها القارئ؟ إنها الذائقة الفنية بالإضافة للخيال المجرد. ما أعتقد أنه يجب أن يؤسس، هو مقياس جمالي متناغم بين عقل القارئ وعقل الكاتب. يجب علينا أن ننعزل ونستمتع بذلك الانعزال، بينما في نفس الوقت نستمتع بشغف بالموجة الداخلية لتحفة ما. من المستحيل أن تكون محايدًا في مثل هذه المواضيع. كل شيء يجلب الاهتمام يكون إلى حد ما غير موضوعي. على سبيل المثال، قد تكون أنت الجالس هناك مجرد حلم بالنسبة لي، بينما أكون كابوسك الدائم. ما أعنيه هو أن القارئ يجب أن يعرف متى وأين يكبح خياله، وهذا يتحقق بأن نفهم ذلك العالم الخاص الذي صاغه المؤلف في منعزله. يجب علينا أن نسمع أشياءً ونراها، أن نتخيل الغرف، الملابس، وأخلاق الشخصيات التي صاغها المؤلف. كما في رواية مانسفيلد بارك وهي الرواية الثالثة للكاتبة الإنجليزية جاين أوستن. نشرتها سنة 1814. حيث كان لون عيني فاني برايس وأثاث غرفتها الصغيرة الباردة، تفاصيل مهمة لا غنى عنها.

كلنا بطبيعة الحال نملك أمزجة مختلفة نتعامل بها مع النصوص، وأستطيع أن أقول بأن أفضل مزاج للقارئ يجب أن يحظى به ويطوره هو خليط من الحس الفني والعلمي. الفنان الشغوف وحده سيتعامل بموضوعية حادة في سلوكه مع الكتاب، والحكم بشكل علمي بارد على الكتاب ليس إلا تدميرًا لحرارة البديهة والحدس. إن كان القارئ – على أية حال – يخلو من العاطفة والصبر، صبر العالم وشغف الفنان، من الصعب عليه أن يستمتع بقراءة الأدب العظيم.

لم يوجد الأدب حين كان يصرخ الطفل باكيًا “ذئب، ذئب!”، وكان الذئب خارجًا من الوادي على إثره. وُجد الأدب حينما كان يصرخ الولد “ذئب، ذئب!” ولم يكن هناك ذئب خلفه أصلًا. أن يأكل الذئب صاحبنا المسكين بسبب كذبه المتوالي هو أمرٌ عرضي تمامًا، لكن هناك ما هو أهم. ما بين الذئب الذي يجري في الأحراش، وذلك الذئب في تلك القصة الطويلة، هناك وميض بينهما. ما يومض بينهما، ذلك المنشور الذي يعكس الضياء، هو فن الأدب.

الأدب عبارة عن ابتكار، والكتابة القصصية تنبع من الخيال وحده. أن يُقال عن قصة ما أنها حقيقية لَهُوَ إهانة للفن وللحقيقة في نفس الوقت. كل كاتب عظيم هو مخادع كبير، لكنه يواجه في غشه الطبيعة. الطبيعة أيضًا تخادعنا. من أصغر إشاعة تجري بيننا إلى الألوان المعقدة التي تحمي الطيور والحشرات، هناك في الطبيعة نظام مذهل من الأشياء الساحرة والخدع. الكاتب فقط يتبع إشارة الطبيعة.

لنعد لحظة إلى صديقنا الهارب من الذئب. نستطيع أن نرتب الأمور بالشكل التالي: سحر الفن كان في ظل الذئب الذي اختُرع عمدًا. أما أحلام الصبي حول الذئب، وبعد ذلك قضية خداعه للناس فقد صنعت قصة جيدة. حينما لقي حتفه في النهاية، أعطت القصة مغزى ودرسًا جيدًا فيما وراء النص. لكن الطفل كان الساحر الذي أضاف للقصة طعمها، كان هو المبتكر.

هناك ثلاث وجهات للنظر نستطيع أن نرى بها الكاتب: قد نراه حكّاءً، وقد نراه كمعلم، أو قد نراه كساحر. الكاتب العظيم يحتوي هؤلاء الثلاثة، لكن الساحر بداخله هو من يتحكم به ويجعله كاتبًا عظيمًا.

نحن نبحث لدى الحكاء عن الترفيه، عن المتعة العقلية بأبسط صورها، عن المشاركة العاطفية، عن متعة الارتحال إلى مناطق نائية في الزمان والمكان. بينما لدى المعلم نحن ننظر بطريقة مختلفة ترتبط بالعقل، وليس من الضرورة بطريقة أرقى. نحن نذهب للمعلم الموجود بداخل الكاتب ليس فقط للتربية الأخلاقية، بل حتى للمعرفة المباشرة والمعلومات البسيطة. للأسف، عرفت أناسًا كان الغرض من قراءتهم للرواية الفرنسية والرواية الروسية مجرد التعرف على الحياة في باريس السعيدة أو روسيا الكئيبة. أخيرًا، وما يجب أن نضعه فوق كل شيء، الكاتب العظيم هو دائمًا ساحر عظيم، وهنا نأتي إلى الجزء الممتع.. حينما نحاول أن نتشرب ذلك السحر الشخصي لعبقريته، وأن ندرس شكل رواياته وأشعاره والخيال المتقد فيهما والنمط التي تتركب منه.

تختلط الأوجه الثلاثة للكاتب العظيم – السحر والقصة والمغزى –لتجتمع في نقطة واحدة هي الأكثر إشراقًا وفرادة من نوعها، بما أن سحر الفن قد يوجد في أعمق نقطة من القصة، في أكثر الزوايا احتواءً للفكر. هناك روائع لا تحتوي سوى فكر جاف توقظ فينا الحس الفني كما توقظه رواية «مانسفيلد بارك» أو أي رواية لديكنز مليئة بالصور والأحاسيس. يبدو لي أن التركيبة الجيدة لتقييم رواية ما هي، وعلى طول الرواية، مجرد دمج بين دقة الشعر والحدس العلمي. فمن أجل أن نستلقي في ذلك السحر، يجب أن نرى القارئ المميز. فهو لا يقرأ الكتاب بقلبه، ولا بدماغه، بل بعموده الفقري. هناك تحدث تلك الرعشة المنبهة على الرغم من أننا نجعلها بمنأى أثناء القراءة. عندها، نستمتع حسيًا ومعنويًا ونحن نرى ذلك الفنان يبني قلعة أفكاره بالحديد الجميل، والزجاج الأجمل.

محمد عبدالوهاب يتحدث عن أثر سيد درويش في الفن العربي

في تدوينة سابقة سبق أن تحدثنا عن الدور الثوري الذي لعبه سيد درويش في إحياء الموسيقى العربية المعاصرة في القرن المنصرم. يتحدث الموسيقار الشهير محمد عبدالوهاب في كتابه “رحلتي”  عن (سيد درويش) وأدواره في الفن العربي وأفضاله، حيث يقول:

يخطئ من يتصور أن سيد درويش أغنية ولحن .. إن سيد درويش فكر .. تطور .. ثورة .. فسيد درويش هو الذي جعلني أستمتع عند سماعي الغناء بحسي وعقلي .. بعد أن كنت قبله أستمتع بحسي فقط .. إنه فكرة العصر التي لولاها لما لحن الملحنون بالأسلوب الذي يلحنون به الآن، ولا ننسى بأنه أول من أدخل اللهجة المسرحية السليمة الحقيقية للأعمال المسرحية.

من أفضال الشيخ سيد درويش على الألحان العربية أن أدخل الأسلوب التعبيري في ألحانه حتى في الأدوار التقليدية الكلاسيكية التي لحنها .. وبظهر هذا جيدًا في أدواره الثلاثة التي لحنها في المسارح الغنائية، وهذا يدل على أنه بفطرته تعبيري، وبطبيعته مسرحي .. والمسرح هو المكان الطبيعي للتعبير.

ومن أفضاله أيضًا أنه كسر المقامات المتجاورة في لحنه .. فقبل الشيخ سيد كان الملحن يتحسس المقامات أي يحوم حول مقامات النغمة مقامًا مقامًا، ولا يجرؤ على أن يقفز من مقام إلى مقام على مسافة بعيدة .. خوفًا من الضياع أو من النشاز، وإذا قفز، فإنه يقفز في حدود المقامات المعدة لها أذن المستمع .. كالثالث أو الخامس أو جوام النغمة مثلًا .. فجاء الشيخ سيد وقفز قفزات غير موجودة في أذن المستمع ولا هو مهيأ لها وكأنه بذلك يريد أن (يلطش) المستمع .. ويقول له تنبه وتمتع لما أسمعك إياه، ويظهر هذا جيدًا في الآهات الموجودة في دور (ضيعت مستقبل حياتي).

وكان الملحنون قبل سيد درويش لا يفكرون كثيرًا في التعبير باللحن عن معنى الكلمة .. فربما تسمع لحنًا حزينًا على كلام بهجة وفرح .. وربما تسمع لحنًا مفرحًا على كلام قاتم وحزين، لأن الغرض كان الطرب وإبراز مواهب المؤدي من قدرات صوتية، وكان الغناء هو متعة حسية فطرية قبل أن يكون متعة عقلية .. متعة حسية وطرب بالفطرة .. وجمال لحني.

سيد درويش له أفضال كثير على كل ألوان الغناء من توشيح ودور وأغنية خفيفة وأغنية شعبية ومسرح .. وكان مفهوم الدور أو الغناء أنه تكملة للسهرة الحلوة من شراب ومزة.

وكان الدور يجب أن يكون فيه البهجة والظرف وكفى .. فنجد مثلًا حوار بين المغني والمرددين مثل ؛ “سيدي يا ملك .. عيني يا ملك”، ومثل ؛ “زعلان ليه .. كده كده زعلان .. والعجب .. العجب” وكل هذه الجمل الملحنة بكل الهيصة والرتم الراقص حتى لو كان الكلام حزينًا مثل زعلان ليه.

وجاء سيد درويش وخلع عن الدور نوعًا من الدراما .. والدراما شجن .. وألم .. وشوقي قال : “أنبغ ما في الحياة الألم” .. والألم جدية ومعاناة؛ ولذلك نسمع أدوار الشيخ سيد درويش مثل “أنا هويت” و”ضيعت مستقبل حياتي” .. فتحس بالجدية والتفكير والتعبير عن الكلمة بما يتفق ومعنى الكلام بالموسيقى والمعاناة ثم نجده في التواشيح أيضًا فذًا ومبدعًا.

لقد ابتكر ضربًا وإيقاعًا جديدًا لم يعرف من قبل، وهذا الإيقاع أسماه (فكرتي) وهو عبارة عن السماعي الثقيل زائد بلانشاز .. أي أن السماعي الثقيل عشرة ٨ من ٨ وفكرتي ١١ من ٨ ولحن عليه كلامًا مطلعه “حبي دعاني”، وفي الأغنية الشعبية نجده فذًا فلا يوجد لحن له لم يغنه الشعب، وفي المسرح وجد الأرض التي يريدها . والتي يحبها .. وهو الأسلوب التعبيري وقد تألق فيه وكان رائدًا له.

ما هو سر شغف ليزا سي بالثقافة الصينية؟

CT  CT books-0827-lisa-see MJW

ليزا سي هي كاتبة أمريكية من جذور صينية أو كما تصف نفسها “نصف صينية”, نشأت في الحي الصيني في مدينة لوس أنجلوس والذي تم تأسيسه من قبل جدها الأكبر. حاولت التمسك بعاداتها الصينية والتعلم عن الثقافة هناك وانعكس ذلك على روايتها ك “فتاتان من شنغهاي” و “زهرة الثلج المروحة السرية” و “أحلام الفرح“.

هنا ترجمة للقاء مع ليزا سي تسرد فيه بعض ملاحظاتها العجيبة وهي تتحدث عن سر ولعها بالصين في كتاباتها المختلفة وأين تجد الإلهام.. حيث تقول:

لقد كتبت روايات في فترات زمنية مختلفة، ففي كتاب” فتاتان من شنغهاي” كانت هناك بضع أشياء ألهمتني للقيام بهذا العمل:

أولاَ: رغبت أن أكتب عن شنغهاي في عام 1937 ميلادية، عن آخر فترة ازدهار لشنغهاي قبل أن تتغير. فهي كانت بمثابة باريس آسيا وكان الناس يأتون من جميع أنحاء العالم لزيارتها. كانت مدينة ساحرة فاتنة من جميع النواحي رغم وجود الفقر المدقع.

فهذه هي الفترة التي أردت تغطيتها بالرواية. ومن ثم غزا اليابان الصين في أغسطس من عام 1937م مما أدى إلى اندلاع  الحرب الصينية اليابانية ومن ثم الحرب العالمية الثانية، وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الأهلية في الصين، وبعدها حكمها “ماو” الذي غير البلد الى حال أسوأ وحولها من باريس آسيا إلى  بلد قاتمة في سنوات قصيرة وكأنه يعاقب البلد بطريقة ما، وسرعان مافقدت البلاد بريقها لذلك أردت أن أكتب عن شنغهاي الفاتنة، لأنني أريد أن يتذكرها الناس بهذه الذكرى الجميلة وليس كما أصبحت بعد ذلك.

ثانياَ: أردت أن أكتب عن برنامج الاعتراف “ضمن أحداث الرواية” والذي أعتقد أن هنالك الكثير من يجهل حقيقة حدوثه.

أما فيما يتعلق بكتاب “زهرة الثلج والمروحة السرية” فأهم حقيقة ثقافية مصدمة هي: اللغة السرية-لغة النو شو– والتي كتبت عنها في هذه الرواية وكنت مهووسة ومفتونة بها. فهي لغة اخترعتها النساء قبل آلاف من السنين والتي استمرت حتى ستينات القرن الماضي، وذلك لممارسة بعض الحرية بعيداَ عن أزواجهن في نقل الرسائل وإخبار بعضهن البعض عن آخر الأخبار واليوميات في حياتهن وكتابة هذه اللغة السرية على المراوح وتداولها على هذا النهج .

ولم أجد من يكتب بهذه اللغة عند سفري إلى الصين إلا امرأة كانت بعمر السادسة والتسعين آنذاك، وكانت قدماها قد ربطتا أيضاَ. أخبرتني الكثير عن هذه اللغة المنحدرة وتوفيت بعد ذلك في عام 2004م، ولم أجد الكثير من القطع الأصلية المتبقية بهذه اللغة فالنساء كن يحرقن المراوح عند وفاتهن لأسباب غيبية، و أتلف الجنود اليابانيين الكثير منها وأيضاَ اختلفت الترجمات للقطع القليلة التي وجدتها وهذه بعض الصعوبات التي واجهتني في كتابة الكتاب. وعلى الرغم من أنها لغة سرية فمن البديهي أن يكون هدفها هو ممارسة بعض الحرية ولكن رغم ذلك كانت هنالك قيود على النساء فلا يجوز لهن الكتابة عن رفضهن للحاكم أو عن قضية ربط الأقدام والتي كانت معياراَ للجمال آنذاك .- يفرض على النساء أن يربطن أقدامهن عند سن السادسة أو السابعة ويجب أن تكون بطول لا يزيد عن 3 إنشات، فهذا الطول هو المقبول اجتماعياَ. – هذه حقيقة اجتماعية فرضت على الفتيات الصينيات لأجيال وأجيال. وهذا ما أردت أن أكتب عنه ايضاَ.. عن نظرة النساء لهذا الأمر ولماذا يعرضن حياتهن للخطر من أجل معيار جمال وضعه المجتمع؟

لكن عكست “جمهورية الصين الشعبية موقفها السابق في منع النساء من كتابة هذه اللغة وتعتبر الآن لغة “النو شو” عنصر مهم في كفاح الصين، وقامت الآن بفتح مدرسة لتعليم هذه اللغة في قرية “بو واي”. هذا بالإضافة لترك الكثير من النساء مثل هذه العادة في ربط الأقدام في العصر الحاضر ولم يعد إلزاماَ.

للاستزادة:

مقابلة مع ليزا سي – بالانجليزية

مقال بعنوان “عن الكتابة” بقلم ليزا سي في موقعها – بالانجليزية

يعقوب صنّوع وبدايات الكوميديا الساخرة في العالم العربي

370

ليس من السهل أنْ أروي قصة مسرحي، ذلك المسرح الذي كان في الواقع يستدر دموع الفرح من عيني، غير أنها كانت في الغالب مصحوبة بالألم. وُلِدَ هذا المسرح في مقهى كبير، كانت تعزف فيه الموسيقى في الهواء الطلق، وذلك في وسط حديقتنا الجميلة (الأزبكية) في ذلك الحين، أي في سنة 1870، كانت ثمة فرقة فرنسية قوية تتألَّف من الموسيقيِّين والمطربين والممثلين، وفرقة تمثيلية إيطالية، وكانتا تقومان بتسلية الجاليات الأوروبية في القاهرة، وكنت أشترك في جميع التَّمثيليات التي تُقَدَّمُ في ذلك المقهى… وإذا كان لا بد لي من أنْ أعترف، فلأقل إذا إنَّ الهزليات والملاهي والغنائيات والمسرحيات العصرية التي قُدِّمت على ذلك المسرح هي التي أوحت إليَّ بفكرة إنشاء مسرحي العربي. – يعقوب صنّوع

كان القرن التاسع عشر يشرف على نهايته حين ظهرت لأول مرة محاولات جادة لتأسيس قاعدة للفن الغنائي المسرحي العربي والخروج من عادة تخصيص الغناء لإحياء الأفراح والموالد والملاهي .. وكان أغلب أصحاب هذه المحاولات -أمثال جورج أبيض ومارون النقاش– ممن زاروا أوروبا وفتنوا بفن المسرح الغنائي هناك، فاقتصرت محاولاتهم على ترجمة الأعمال المسرحية الغربية مثل : أوديب الملك وشارل السادس وعطيل، وتمثيل بعض القصص الكلاسيكية العربية مثل: هارون الرشيد، وصلاح الدين الأيوبي.. ولأن طبيعة تلك المسرحيات كانت بعيدة جدًا عن مستوى تذوق الفرد العربي للفن، وبعيدة كل البعد عن طبيعة حياته ومعاناته، فلم يستطع العرب تشرّبها ومن ثم التغنّي بها وإعدادها وسيلةً للتعبير!

وفي تلك الفترة أيضًا ظهر بمصر يعقوب صنّوع، الذي يُعد من قِبل الكثير من الباحثين هو المؤسس الحقيقي للمسرح العربي، لأنه قدّم للجمهور المصري مسرحيات تتعلق بمشاكلهم الاجتماعية والسياسية، واستخدم فيها اللغة العامية وأيضًا الأغاني والرقصات الشعبية.. فكانت إحدى مسرحياته -مثلًا- تتحدث عن تعدد الزوجات أسماها “الدّرتين”، وتتكون هذه المسرحية من فصل واحد مختوم بالجملة الغنائية:

اللي بده يعيش عيشة مرّة، يدخّل على أم ولاده ضرّة.. أما اللي يعيش فرحان، ما يعملوش قلادة من النسوان

image

وهكذا حاول “صنوع” لأول مرة صناعة الفن المسرحي والغنائي بالعالم العربي، وبالطبع كانت مهمته ثقيلة لأبعد حدّ إن لم تكن تعجيزية، فكان يعقوب يقوم كل مرة بشرح فكرة “فن التمثيل المسرحي” و فكرة “فن الغناء” للجمهور قبل أن تبدأ المسرحية! لأنهم ببساطة لم يعلموا شيئًا عن المسرح بعد… ولم يكن لديه أي ممثلين أو ملحنين أو مغنين في بادئ الأمر، لأنه لم يوجد هناك أحد ليمثل أو يلحّن بمصر.. فاشتغل هو أيضًا باكتشاف المواهب التمثيلية والغنائية، واضطر لأن يعطي أدوار النساء والفتيات لصبيان يافعي العمر في البداية، حتى وجد فتاتين متشردتين فاستطاع إقناعهن أن يشاركن بالتمثيل والغناء..

بهذه الطريقة كوّن يعقوب جوقته وقدم مسرحياته وذاع صيته حتى سمع به حاكم مصر “الخديوي إسماعيل” واستقطبه لأداء المسرحيات بقصره، وظلّ على هذا الحال سنوات قليلة إلى أن نُفي من مصر في أواخر القرن التاسع عشر بعد أن قدم مسرحية ساخرة باسم “الوطن والحرية” والتي سخر فيها من فساد القصر والنظام الحاكم (ويمكن اعتبار هذه المسرحية فاتحة فن الكوميديا الساخرة بالعالم العربي).. إلا أن فكرة المسرح العربي لم تُنف مع يعقوب صنوع.. بل استَشْرَت، وأخذت الجوقات المسرحية تتكاثر في بداية القرن العشرين، فظهرت جوقة سلامة حجازي وجوقة منيرة المهدية وجوقة علي الكسار و نجيب الريحاني.. وكانت جميع هذه الجوقات تؤدي ما يسمى بـ”الرواية” الملحّنة، وهي مسرحية غنائية قصيرة تؤدى على المسرح الذي كان يسمى آن ذاك بالـ”تياترو” (التسمية الإيطالية للمسرح).. لكن مواضيع تلك الروايات ومستواها الفني لم يرتق لجذب جميع فئات الشعب واستقطابها إلى أن جاء “السيد درويش” في العقد الثاني من القرن العشرين، حاملًا معه التغيير على كافة الأصعدة والمستويات الغنائية والمسرحية.

للاستزادة: يعقوب صنوع في ويكيبيديا / يعقوب صنوع في موقع المعرفة  / موقع اللغة والثقافة العربية