أرشيف الوسم: محمد عبده

رسائل بين تولستوي والإمام محمد عبده

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%87-2

كان الأديب الروسي (تولستوي) والإمام (محمد عبده) يعيشان في نفس العصر، فـ(تولستوي) عاش بين الفترتين (1828م-1910م) وكان الإمام أيضاً قد عاش بين الفترتين نفسهما (1828م-1910م).
وقد كان الاثنان كل منهما “كاتباً” يقر مكانة الكلمة ويعتبرها وثيقة آدميتنا حتى لو كان (تولستوي) نبيلاً إقطاعياً.. والإمام داعية إسلامياً.

هناك رسالة كان قد كتبها (محمد عبده) إلى (تولستوي) وهي موجودة حالياً كمخطوطة عربية في متحف (توليستوي) قال فيها:

أيها الحكيم الجليل مسيو (تولستوي)، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل، ولأن تكون ثمرته تعبأ ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويرقى بها جنسه.
شعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، استعملوا قواهم التي لم يمنحوها ليسعدوا بها فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم، نظرت نظرة في الدين، فرقت حجب التقاليد، وصلت بها إلى حقيقة التوحيد ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ماهداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه.
فكما كنت يقومك هادياً للعقول، كنت بعلمك حاثاً للعزائم والهمم. وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي به الضالون، كان مثالك في العمل إماماً اهتدى به المسترشدون. وكما كان وجود توبيخاً من الله للأغنياء، كان مداداً من عنايته للفقراء.
هذا وأن نفوسنا لشيقة إلى مايتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك والسلام.

(محمد عبده، مفتي الديار المصرية 2 أبريل 1904).

854

كان لـ(تولستوي) رداً على تلك الرسالة.. فقد تجاوب مع الإمام بشكل لائق كما ترجمت في كتاب (ورثة تولستوي)، مبتدئاً رسالته بـ”صديقي العزيز“:

لقد تلقيت رسالتكم الطيبة الحافلة بالمديح وها أنذا أسارع بالرد عليها مؤكدا لكم أولا السعادة الكبرى التى أعطتنى إياها إذ جعلتنى على اتصال برجل متنور.. حتى ولو كان ينتمى إلى إيمان يختلف عن إيمانى الذى ولدت فيه وترعرعت عليه.. ومع هذا فإنى أشعر بأن ديننا واحد ـ لأنى أعتقد أن ضروب الإيمان مختلفة ومتعددة. وإنى لآمل ألا أكون مخطئا إذ أفترض ـ عبر ما يأتى فى رسالتكم ـ بأننى أدعو إلى الدين نفسه الذى هو دينكم.. الدين الذى يقوم على الاعتراف بالله وبشريعة الله التى هى حب القريب ومبادرة الآخر بما نريد من الآخر أن يبادرنا به.. إننى مؤمن بأن كل المبادئ الدينية الحقيقية تنبع من هذا المصدر والأمر ينطبق على كل الديانات.. وإننى لأرى أنه بمقدار ما تمتلئ الأديان بضروب الجمود الفكرى والأفكار المتبعة والأعاجيب والخرافات.. بمقدار ما تفرق بين الناس بل تؤدى إلى توليد العداوات فيما بينهم.. وفى المقابل بمقدار ما تخلد الأديان إلى البساطة وبمقدار ما يصيبها النقاء تصبح أكثر قدرة على بلوغ الهدف الأسمى للإنسانية ووحدة الجميع. وهذا هو السبب الذى جعل رسالتكم تبدو لى ممتعة وفى النهاية ارجو أن تتقبلوا يا جناب المفتى تعاطف صديقكم .. تولستوي.


[المصدر]

العلاقة بين العدالة والعلم عند الإمام محمد عبده

2012-634642986060260888-26_resized

يتحدث الإمام محمد عبده عن العلاقة بين العدالة والعلم، حيث يراها صنوان لا يفترقان متى سبق أحدهما تبعه الآخر. ربما يختلف الكثير مع رأيه مستحضرا العديد من الوقائع التي يكون للعِلم فيها دور كبير في تكريس الظلم ولكن يظل من المفيد أن نفكر أكثر في منابع الاستخدام السيء للعلم ومدى تأثيره على العدالة.

هذان الأساسان الجليلان (أعني العدالة والعلم) متلازمان في عالم الوجود متى سبق أحدهما إلى بلاد تبعه الآخر على الأثر، ومتى فارق واحد منعما جهة تعلق الثاني بغبار، فلا يكاد يرفع قدمه أو يضعها إلا وصاحبه يرافقه. بهذا ينبئنا التاريخ وتحدثنا سير الدول التي ارتفع بها منار العدل أو بزغت فيها شموس العلم، كيف تمتعت بالنورين، وطارت إلى أوج السعادة بهذين الجناحين حتى إذا أتت حوادث الدهر على أحد الأساسين فهدمه سقط الآخر بأسرع وقت وانحطت الدولة المصابة بفقده إلى أسفل الدركات فأغسق جوها بكثيف من الظلمات وغشيت أبصارها حجب من الجهالة..

وسر هذا جلي، فإن العلم إذا انتشر في قوم أضاء لهم السبل واتضحت المسالك وميزوا الخير من الشر والضار من النافع، فرسخ في عقولهم أن المساواة والعدالة هما العلة الأولى لدوام السعادة، فيطلبونهما بالنفس والنفيس، وأن الظلم والجور قرينان للخراب والشقاوة. وإذا رسخت قدم العدالة في أمة تمهدت لها طرق الراحة، وعرف كل ما له وما عليه، فتلهبت فيهم الأفكار وتلطف الإحساس وقويت قلوبهم على جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم فيدركون لأول وهلة ألا دوام لما وصلوا إليه ، ولا ثبات لما تحصلوا عليه، إلا إذا تأيد بينهم شأن المعارف الحقيقية، وعمت التربية سائر أفرادهم، فيقدمون بكليتهم على الأخذ بالأسباب المؤدية لانتشار العلوم وتعميمها في سائر الأنحاء.

المصدر: الأعمال الكاملة، محمد عبده.