أرشيف الوسم: محمود درويش

في السخرية عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، تحدث (درويش) عن السخرية، فقال في رسالته:

هل أسخر؟ أسخر كثيرًا. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الرجل قد امتد بنا إلى ما دون أرذل العمر، إلى يوم نهبُّ فيه لمواساة القاتل بما حلّ به من مصاب. هو تأنيب الضمير، حين أتقن لعبة البكاء الإلكتروني على ضحايانا، فكدنا نقول له: “اغفر لنا موتنا على يديك .. اغفر لنا أننا سببنا لك بعض الإزعاج!”.

اضحك، يا ولدي، اضحك. فليس في وسعنا أن ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي “اليأس وقد تهذّب” كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة، ولأنها تنزل القاتل من منزلة الفكرة المجردة، السلطة المطلقة، إلى “إنسانية” تتعارض مع إنسانية البشر ومع الطبيعة الإنسانية، إلى “إنسانية” مضحكة بقدر ما هي مرعبة.

عن حبسة الكاتب، من رسائل درويش وسميح

محمود درويش 1941 – 2008. أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم الرسائل، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من درويش وصديقه سميح القاسم 1939-2014. أحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي.

في رسالة أرسلها درويش إلى سميح في الخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية باريس، شكى درويش من حبسة الكاتب، كما كتب عن بعض من عاداته في الكتابة، فقال في رسالته:

عزيزي سميح،

[…] لقد انقطعت شهيتي عن الكتابة فجأة، لا لأن جدران المراحيض العامة هي صحافة المستقبل الحرة، بل لأنني لم أحترف الكتابة بعد كما لم آلف الزواج، فهل ينبغي عليّ أن أخاف هذا الصيف الذي يدفع النفس إلى الخمول، ويطلق أفاعي الذكرى من أوكارها؟ أم ينبغي عليّ أن أغتصب الكتابة؟

منذ شهور، وأنا أروض عاداتي. أصحو لأكتب. أصحو من أجل أن أكتب، وأنقح حياتي من عبث كان ضروريًا حين كان يبدو لي أن في العمر متسعًا لنضج فواكه اللغة. ولكن، أليست الكتابة عبثًا أقسى في هذا الصراع الضاري مع بياض لا ينتهي؟ فكلما كتبنا أحسسنا بأننا لم نكتب بعد. وكلما قرأنا شعرنا بأننا لم نبدأ القراءة.

ومن مشاكلي أنني لا أكتب في الليل. لا أحب الليل ولا أطمئن إلى الليل. والصباح هنا قصير. والفجر رصاصيّ موشح بحمام أسود. الحمام هنا أسود. ومن مشاكلي المهنية أيضًا أنني لا أعرف الإجازة، لا أعرف ماذا أصنع بالإجازة التي يقدسها الناس هنا. لذلك، اختلف مع الصيف ولا أتفق مع الليل. تعال .. تعال إذا استطعت لنواصل هجاء الزمان والمكان ولنلعب الطاولة، ولنطهو مذاق الطعام القديم.

هل يصيبك هذا العقم المفاجئ؟ هل يجتاحك الإحساس بالهزيمة النهائية إذا توقفت أسبوعًا واحدًا عن الكتابة إلى درجة تنسى معها أنك قد أنتجت كثيرًا هذا العام؟ قد علمتني تجربتي المتكررة، في هذا الإحباط، أن أبتعد عن المحاولة، فالكتابة حرون لا تنفع معها وسائل الإغراء إن عصت. سترضخ، سترضخ. تبًا لهذا الصيف. تبًا للجرائد.

قلت لي إنك تخاف كتابة النثر. لماذا تخاف؟ يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، إذا أبقى له التلفزيون له باقية! وماذا لو سرق النثر شيئًا من الشعر. أليس النصّ نصّك؟ لا أظن النثر هو استراحة الشاعر، أو فضيحته كما يقولون. فقد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصدة المشروطة بشكل قد يكبح جماح الجنون، هناك دائمًا فائض شعري ينبجس من مكان آخر. المهم هو ألا نؤجل هذا الانبجاس، فليس من الصواب أن ندخر الشعر إلى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي.

إياك، يا عزيزي، إياك أن تغربل النثر لتفصل ما يصلح منه للقصيدة القادمة، فالشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه، وأنت أدرى من سواك بأن الشاعرية شهوة تصعب إعادة إنتاجها في شروط توتر محسوب. الرغبة تصبح وتنفجر ولا تُنقل إلى موعد آخر.

ضع نفسك في الريح والجنون، فليس في وسع الشاعر إلا أن يكون شاعرًا.

[…]

أخوك محمود درويش

(باريس – 5 / 8 / 1986)

وجاء الرد من (سميح) بعد أسبوع، والذي يقول فيه:
سميح القاسم

العزيز محمود،

[…] لا يقلقني تحفظي من النثر، فهو كما يبدو تحفظ ذهني يشكل تساؤلًا أكثر مما يشكل موقفًا. وهو قائم على القناعة بأن عملية الكتابة، أية كتابة؛ القصيدة، الرسالة، الخبر الصحفي، المقالة، الإهداء الخاص على كتاب تهديه إنسانًا عزيزًا عليك، كلها تستهلك طاقة ما من المخزون المتراكم في حالة الكتابة وأعني بحالة الكتابة، تلك الحالة التي يتغير فيها وضعك النفسي والجسدي معًا، تنتابك غيبوبة ما، ترتفع حرارتك قليلًا، ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع، ولا ينقذك من اختلال التوازن الطارئ سوى ذلك الاندغام الكامل بين روحك وجسدك وقلمك والورقة الساحرة المستلقية بين يديك مثل امرأة وآلهة تصيح: “خذني”.

بلى، يصيبني “العقم المفاجئ” أحيانًا. ذات مرة استمر شهورًا بكاملها. استحوذ عليّ رعب لا يُوصف. لعله الرعب الذي يكتسح إنسانًا كاشفه الطبيب بأن داء السرطان لن يمهله طويلًا. لم أجد السلوى إلا في حكمة تلك النبعة الجبلية في كرم الزيتون الذي أشارت إليه إحدى رسائلك السابقة. أنها تحتبس عامًا وأكثر لتعود وتتدفق من جديد في موعد غير متوقع ولا يقدر إنسيّ على حسبانه.

[…]

أخوك سميح القاسم

(الرامة – 12 / 8 / 1986)

عن أم كلثوم، يكتب محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبطت اسمائهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه.

في كتابه (أثر الفراشة)، نشر (درويش) نصًا بديعًا عن كوكب الشرق، السيدة (أم كلثوم). يقول فيه:

أستمع إلى (أم كلثوم) كل ليلة، منذ كان الخميس جوهرتها النادرة، وسائر الأيام كالعقد الفريد. هي إدمانُ الوحيد. وإيقاظ البعيد على صهيل فرس لا تُروّض بسرج ولجام. نسمعها معًا فنطرب واقفين، وعلى حدة فنظل واقفين .. إلى أن تومئ لنا الملكة بالجلوس فنجلس على متر من ريح. تُقطِّعنا مقطعًا مقطعًا بوتر سحري لا يحتاج إلى عود وكمان .. ففي حنجرتها جوقة إنشاد وأوركسترا كاملة، وسر من أسرار الله. هي سماء تزورنا في غير أوقات الصلاة، فنصلّي على طريقتها الخاصة في التجلّي. وهي أرض خفيفة كفراشة لا نعرف إن كانت تحضر أم تغيب في قطرة ضوء أو في تلويحة يد الحبيب. لآهتها المتلألئة كماسة مكسورة أن تقود جيشًا إلى معركة .. ولصرختها أن تعيدنا من التهلكة سالمين. ولهمستها أن تمخل الليل فلا يتعجل قبل أن تفتح هي أولًا باب الفجر. لذلك لا تغمض عينيها حين تغنّي لئلا ينعس الليل. هي الخمرة التي تسكرنا ولا تنفذ. الوحيدة الوحيدة سعيدةٌ في مملكتها الليلية .. تُجنبنا الشقاء بالغناء، وتُحببنا إلى إحدى حفيدات فرعون، وتُقربنا من أبدية اللحظة التي تحفرها على جدار معبد ينصاع فيه الهباء إلى شيء ملموس. هي في ليلنا مشاع اللا أحد. منديلها، ضابط إيقاعها، بيرقٌ لفيلقٍ من عشاقٍ يتنافسون على حب من لا يعرفون. أما قلبها، فلا شأن لنا به .. من فرط ما هو قاس ومغلق كحبة جوز يابسة!

نازك الملائكة، والشعر الحرّ في الثقافة العربية

3a-na-71192

نازك صادق الملائكة (1923 – 2007) شاعرة من العراق، ولدت في بغداد في بيئة ثقافية وتخرجت من دار المعلمين العالية عام 1944. دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن-ماديسون في أمريكا، وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت. عاشت في القاهرة منذ 1990 في عزلة اختيارية وتوفيت بها في 20 يونيو 2007 عن عمر يناهز 83 عاما.

في كتابها (قضايا الشعر العربي)، ذكرت في مقدمة الطبعة الخامسة، بأن الشعر الحرّ هو شعر موزون، وليس مجرد نثر كما يظن البعض. فتقول:

ما زال المتعصبون والمتزمّتون من أنصار الشطرين يدحرجون في طريق الشعر الحرّ صخورهم التي يظنونها ضخمة بحيث تقتل هذا الشعر وتزيحه من الوجود. مع أنها لا تزيد على أن تتدحرج من الجبل إلى الوادي ثم ترقد هناك دون أن تؤثر في مجرى نهر الشعر الحرّ الجارف الذي ينطلق يروي السهول الفسيحة وينتج أزهارًا وفاكهة ونخيلًا  وبساتين. وهؤلاء المتعصبون ما زالوا يرددون قولًا مضمونه أن الشعر الحرّ ولد غير شرعي فلا علاقة له بالشعر العربي.

ثم تستشهد بأبيات للشاعر الفلسطيني (محمود درويش)، يقول فيها:

وفوق سطوح الزوابع كل كلام جميل

وكل لقاء وداع

وما بيننا غير هذا اللقاء

وما بيننا غير هذا الوداع

وتعقب بعد ذلك:

ومع أن هذا الشعر حرّ طبيعيّ إلا من الممكن اعتباره شعر شطرين بمجرد تغيير شكل كتابته كما يلي:

وفوق سطوح الزوابع كلُّ .. كلام جميل وكل لقاء

وما بيننا غير هذا اللقاء .. وما بيننا غير هذا الوداع

وقد أسقَطتُ كلمة واحدة هي “وداع”، وهذا ما يجب أن يقنع اعتراضات المتزمتين. فإن الشعر الحر يمكن أن يعدَّ شعر شطرين اعتياديًا ما عدا أنه أوسع من أسلوب الشطرين وأرحب أفقًا. وليس معنى كلامنا هذا أننا نتخلى عن الشطرين ونرفضهما. فإن لهما مزايا وعيوبًا كما أن للشعر الحرّ مزايا وعيوبًا. وأنا حريصة عليهما معًا، محبة لهما كليهما، وكل ما أدعو إليه أن نقيم أسلوب الشعر الحرّ توأمًا جميلًا لأسلوب الشطرين فكلاهما طفل يلثغ بالأغاني الحلوة وليس لشاعر أن يرفض أيًا منهما.

وقد يقول البعض بأن هذا النوع من الشعر دخيلٌ على الثقافة العربية، وليس أصيلٌ فيها. ويراه آخرون وكأنه تأثر بالقصيدة الأعجمية ليس إلا. لكن (نازك) تورد في بداية كتابها قصيدة منسوبة إلى (ابن دريد) في القرن الرابع للهجرة، رغم أنها تشكك في صحة هذا النسب، لركاكة هذه الأبيات لغويًا برأيها:

ربّ أخ كنت به مغتبطًا

أشد كفّي بعرى صحبته

تمسكًا مني بالود ولا

أحسه يغير العهد ولا يحول عنه أبدًا

ما حل روحي وجسدي

فانقلب العهد به

فعدت أن أصلح ما أفسده

فاستصعب أن يأتي طوعًا متأنّيت أرجيه

فلما لج في الغي إباء

ومضى منهمكًا غسّلت إذ ذاك يدي منه

ولم آس على ما فات منه

وإذا لجّ بي الأمر الذي تطلبه فعد عنه

وتأتي غيره ولا تلج فيه فتلقى عنتًا و

جانب الغي وأهل الفند واصبر

على نائبة فاجأك الدهر بها

والصبر أحرى يذوي اللب وأربو بهمو

وقلَّ من صابر ما فاجأه الدهر به

إلا سيلقى فرجًا في يومه أو غده

كما أبياتًا أخرى، منسوبة إلى (أبي العلاء المعرّي):

أصلحك الله وأبقاك

لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم

إلى منزلنا الحالي

لكي نحدث عهدًا بك يا خير الأخلاء

فما مثلك من غيّر عهدًا أو غفل


ثم تتحدث عن بدايات هذا الشكل من الشعر في الثقافة العربية، فتقول:

أول قصيدة حرة الوزن تُنشر قصيدتي المعنونة “الكوليرا” […] نشرت هذه القصيدة في بيروت ووصلت نسخها بغداد في أول كانون الأول ١٩٤٧م. وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان (بدر شاكل السياب) (أزهار ذابلة) وفيه قصيدته حرة الوزن له من بحر الرمل عنوانها “هل كان حبًا” وقد علّق في الحاشية بأنها من “الشعر المختلف الأوزان والقوافي”. […] على أن ظهور هاتين القصيدتين لم يلفت نظر الجمهور، وكان تعليق مجلة (العروبة) على قصيدتي هو التعليق الوحيد على هذه النقلة في أسلوب الوزن. ومضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحف شعرًا حرًا على الإطلاق.

وفي صيف سنة ١٩٤٩م صدر ديواني (شظايا ورماد) وقد ضمنته مجموعة من القصائد الحرة، وقفت عندها في مقدمة الكتاب المسهبة وأشرت إلى وجه التجديد في ذلك الشعر، وبيّنت موضع اختلافه عن أسلوب الشطرين، ثم جئت بمثال من تنسيق التفعيلات، وعيّنت بعض البحور الخليلة التي تصلح لهذا الشعر.

وما كاد هذا الديوان يظهر حتى قامت له ضجة شديدة في صحف العراق، وأثيرت حوله مناقشات حامية في الأوساط الأدبية في بغداد. وكان كثير من المعلقين ساخطين ساخرين يتنبأون للدعوة كلها بالفشل الأكيد. غير أن استجابة الجمهور الكبير كانت تحدث في صمت وخفاء خلال ذلك، فما كادت الأشهر العصيبة الأولى من ثورة الصحف والأوساط تنصرم حتى بدأت تظهر قصائد حرة الوزن ينظمها شعراء يافعون في العراق ويبعثون بها إلى الصحف. وبدأت الدعوة تنمو وتتسع.

وفي آذار ١٩٥٠ صدر في بيروت ديوان أول لشاعر عراقي جديد هو (عبدالوهاب البياتي) وكان عنوانه (ملائكة وشياطين) وفيه قصائد حرة الوزن. تلا ذلك ديوان (المساء الأخير) لـ(شاذل طاقة) في صيف ١٩٥٠ ثم صدر (أساطير) لـ(بدر شاكر السياب) في أيلول ١٩٥٠م وتتالت بعد ذلك الدواوين، وراحت دعوة الشعر الحر تتخذ مظهرًا أقوى حتى راح بعض الشعراء يهجرون أسلوب الشطرين هجرًا قاطعًا ليستعملوا الأسلوب الجديد.

لكنها عادت لتستدرك في الطبعة الخامسة من الكتاب، عن الطبعة الأولى، لتقول:

عام ١٩٦٢م صدر كتابي هذا، وفيه حكمت أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي. ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن شعرًا حرًا قد نظم في العالم العربي قبل سنة ١٩٤٧م، سنة نظمي لقصيدة “الكوليرا”. ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة ١٩٣٢م، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها. وإذا أسماء غير قليلة ترد في هذا المجال منها اسم (علي أحمد باكثير) و(محمد فريد أبي حديد) و(محمود حسن إسماعيل) و(عرار) شاعر الأردن و(لويس عوض) وسواهم. ثم عثرت أنا نفسي على قصيدة منشورة قبل قصيدتي وقصيدة (بدر السياب) للشاعر (بديع حقي) وهذا مقطع منها:

أي نسمة

حلوة الخفق عليلة

تمسح الأوراق في لين ورحمة

تهرق الرعشة في طيات نغمة

وأنا في الغاب أبكي

أملًا ضاع وحلمًا ومواعيد ظليلة

والمنى قد هربت من صفرة الغصن النحيلة

فامحى النور وهام الظل يحكي

بعض وسواسي وأوهامي البخيلة

ثم تتساءل (نازك) عن النقطة التي يمكن اعتبارها منشأ الشعر الحرّ في الثقافة العربية:

هل يمكن أن نحكم بأن حركة الشعر الحرّ قد بدأت في العراق سنة ١٩٢١م؟ أو أنها بدأت في مصر سنة ١٩٣٢م؟ والواقع أننا لا نستطيع، فالذي يبدو لي أن هناك أربعة شروط ينبغي أن تتوافر لكي نعتبر قصيدة ما أو قصائد هي بداية هذه الحركة وسأدرجها فيما يلي:

أولًا: أن يكون ناظم القصيدة واعيًا إلى أنه قد استحدث بقصيدته أسلوبًا وزنيًا جديدًا سيكون مثيرًا أشد إثارة حين يظهر للجمهور.

ثانيًا: أن يقدم الشاعر قصيدته تلك -أو قصائده- مصحوبة بدعوة إلى الشعراء يدعوهم فيها إلى إستعمال هذا اللون في جرأة وثقة، شارحًا الأساس العروضي لما يدعو إليه.

ثالثًا: أن تستثير دعوته صدىً بعيدًا لدى النقاد والقراء فيضجون فورًا -سواءً أكان ذلك ضجيج إعجاب أم إستنكار- ويكتبون مقالات كثيرة يناقشون فيها الدعوة.

رابعًا: أن يستجيب الشعراء للدعوة ويبدؤون فورًا باستعمال اللون الجديد، وتكون الاستجابة على نطاق واسع يشمل العالم العربي كله.

ولو تأملنا القصائد الحرة التي ظهرت قبل عام ١٩٤٧م لوجدناها لا تحقق أيًا من هذه الشروط، فإنها مرّت ورودًا صامتة على سطح تيار، وجرفها الصمت فلم يعلّق عليها أحد، ولم يتقبلها شاعر واحد. […] وعلى هذا فإن القصائد الحرة التي نظمت قبل عما ١٩٤٧م قد كانت كلها “إرهاصات” تتنبأ بقرب ظهور حركة الشعر الحر. ،لأولئك الشعراء دورهم الذي نعترف به أجمل اعتراف، فإنهم كانوا مرهفين فاهتدوا إلى أسلوب الشعر الحرّ عرَضًا، وإن كانوا لم يشخصوا أهمية ما طلعوا به ولا هم صمدوا واستمروا ينظمونه. ولعل العصر نفسه لم يكن مهيأ لتقبل الشكل الجديد إذ ذاك، ولذلك جرف الزمن ما صنعوا وانطفأت الشعلة فلم تلتهب حتى صدر (شظايا ورماد) عام ١٩٤٩م وفيه دعوتي الواضحة إلى الشعر الحر.

وتختتم حديثها قائلة:

كذلك أحب أن أثبت، في ختام هذا الحديث، اعتقادي بأنني لو لم أبدأ حركة الشعر الحر، لبدأها (بدر شاكر السياب) يرحمه الله، ولو لم نبدأها أنا و(بدر) لبدأها شاعر عربي غيري رغيره، فإن الشعر الحرّ قد أصبح في تلك السنين ثمرة ناضجة حلوة على دوحة الشعر العربي بحيث حان قطافها، ولا بد من أن يحصدها حاصد ما في أية بقعة من بقاع الوطن العربي. لأنه قد حان لروض الشعر أن تنبثق فيه سنابل جديدة باهرة تغيّر النمط الشائع، وتبتدئ عصرًا أدبيًا جيدًا كله حيوية وخصب وانطلاق.

في الشعر، ما يشمله وما يبقى خارجه. ولماذا ينظُم محمود درويش؟

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر (درويش) يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. ويظهر ذلك جليًا في وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (أنا الموقع أدناه)، وهو لقاء صحفي مع الشاعر قامت به الصحفية (إيفانا مرشليان)، ونُشر بعد وفاة الشاعر بعدة سنوات كما أوصاها حين خابرها، من الأردن، في ربيع 2008، متمنّياً عليها: «أعلني عن الأوراق، بعد 5 سنين على الأقل، وأنشريها لتكن هديتي ومفاجأتي، على يدكِ… أنا الموقّع أدناه محمود درويش».

سألت الصحفيّة: “أستاذ محمود، لماذا الشعر؟ وماذا يبقى منك خارجه؟”. فكان جواب (درويش):

لماذا الشعر؟ لأني أستطيع أن أقول فيه وأن أفعل فيه ما لا أستطيع قوله أو فعله خارج الشعر.

فلو فعلنا وقلنا خارج الشعر ما نفعل ونقول داخله، لبدا الشعراء عصابة من المجرمين والمجانين.

تصوّري لو أنني مشيت عاريًا في الشارع، أو تصوّريني أقول لجرسون المقهى: “أعطني فنجانًا من القهوة تزغرد فيه مياه المزاريب”!

لا أستطيع في القصيدة إلا أن أكون حرًا. ولا أستطيع أن أكون حرًا إلا إذا كنت عاريًا تمامًا من الأقنعة، ومن الأهداف، ومن التقاليد، ومن الحرية ذاتها.

أما ما يبقى مني خارج الشعر فهو: القناع، والهدف، والموروث، وشرط الحرية.

وقد يكون ذلك أفضل.

يكمل محمود درويش بعد ذلك، فيقول:

ولكن اسمعي هذه النصيحة من إنسان يدخل إلى الشعر ويخرج منه: إن بعض الأسئلة المهووسة بالمفارقة، كسؤالك هذا – وهو سؤال جميل لأنه يريد أن يؤسس التناقض، أو التعارض، بين داخل الشاعر وخارجه.

ولكن، علينا أن نتذكر دائمًا أو أحيانًا كما تشائين، أنه لا وجود للداخل من دون الخارج. ليس لي ما أجده داخل الشعر إذا لم أكن ممتلئًا بالخارج، بالواقع، بالناس، بالتاريخ، بالطبيعة وغيرها.

وللداخل أن يركب كيمياء داخله الخاص والسري، بطريقته التي نفهم آلية عملها، مع العناصر القادمة من الخارج والمكوّنة أيضًا لعلاقة الداخل بها.

أما كيف يتجلّى الداخل داخلًا مستقلًا عن عناصر تكوينه الخارجية، فتلك إحدى أسرار خصوصية كل واحد منا. من الطبيعي أن يخرج الداخل بعالمه الخاص – قصيدته – إلى الخارج مختلفًا عنه. ولكنه لو لم يكن منه اختلف عنه. وليس في وسع الشاعر أن يكون شاعرًا دائمًا.

إن ما يتبقى منا خارج الشعر هو قابليتنا المتوترة لتحويل الخارج إلى مادة يهضمها الداخل، أي إلى تحويل الواقع اللاشعري إلى حالة شعرية.

خطاب محمود درويش لدى عودته إلى المدرسة بعد ٤٠ عامًا

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (حيرة العائد) تم نشر كلمات ألقاها (درويش) في احتفال خاص في مدرسة (كفر ياسيف)، والتي درس فيها الشاعر، في مدينة (الجليل) الفلسطينية. يقول:

أرجو أن تأذنوا لي بالتعبير عن حيرة عاطفية، فليس سهلًا على المرء، حتى لو كان شاعرًا ضالًا، أن يجد نفسه بين أهله دفعة واحدة، دون أن يضطرب. فالسعادة المفاجئة هي أخت الحَرَج. وأنا سعيدٌ ومُحرج؛ سعيد لأني الآن معكم، هنا في (الجليل) الجميل، مُبتدأ الكلام وخَبره. ومُحرج لأني لا أقوى على النظر في ماضيَّ الذي يوبخني قليلًا؛ أين كنت؟ دون أن تغرورق اللغة بدمعها السري.

كأني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي. أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخُ السخريةَ بثمن أقل من الرحيل؟

مر أربعون عامًا، منذ زودّني هذا المكان الأجمل بعُدّة السفر الطويل على طرق لم يكن واضحًا منها إلا أولها. أما آخرها، فتلك أمنية تتقاذفها مغامرة الحياة وسِجال العلاقة بين الخطوة والطريق. لكن إغواء الشِّعر فينا يحث السائر الحالم على ابتكار جهاته، بذكاء القلب وطيشه، متوهمًا أن طريقه هي خطاه، وأن الطريق المعبّد ليس طريق الحالمين.

وكأني أحلم بأنني أرى في الحلم أنني أفيق من حلمي. وحين أعود الآن إلى هذا المكان زائرًا، أتساءل: هل يزور المرء نفسه؟ ولا أعرف إن كانت لغتي التي تعلمت الكتابة بها هنا، ما زالت صالحة للتعبير عن رموز لا تجد مجالها الحيوي إلا في الرحلة، من فرط ما أدمنت الحضور في الغياب، ولا أعرف أيضًا إن كان في وسع لغتي أن تألف مرجعيتها الأولى، منذ حوّلت المسافة الماكرة كل حجر هنا إلى طائر هناك. وهل أستطيع أن أعيد الصورة الشعرية إلى عناصرها الأولى، بطريقة لا تمدح المنفى إلا على دوره في رفع العادي إلى المقدس؟

لعل هذا هو امتحاني في ثنائية البيت والطريق. أما البيت، فلا يليق به إلا المعنى الخالي من البلاغة. ولكن، هل عدت حقًا؟ وهل عاد أحد إلا مجازًا؟ سأجد صعوبة بالغة إن حاولت الإمساك بأولى المفردات، للتأكد من صحة مكانتها في السياق، فقد اختلط الواقعي بالأسطوري، والتبس البعيد على القريب. بيد أن النهر ليس هو الينبوع.

من هذا المكان الجليلي، وُلدت من لغتي تدريجيًا، ولم أكمل ولادتي بعد، فلا فرد يستطيع الإطمئنان إلى جوابه الشخصي عن سؤال كان جماعيًا منذ البداية، منذ مأساة الاقتلاع الكبير … إلى ملهاة سلام لا يعتمد إلا موازين القوى مرجعيّة وحيدة. فماذا تفعل اللغة أكثر من الدفاع عن ثقافتها، عن ذاكرة جماعية ومكان مكسور، وهوية؛ وعن عناد الأمل المُحاصر بالقنوط والتشكيك. فما من شيء غير الخيال بقادر على إعادة تركيب الزمن المنكسر، أما الواقع، هو كالتاريخ، من صُنع البشر القادرين على وضع الزمان في المكان الصحيح.

كان هذا المكان كبيرًا عليَّ حين كنت صغيرًا فيه. كان مَعلَمًا ومُعلّمًا. فمنه أخذتني الحياة إلى أسئلتي الأولى، وإلى اختباراتي الأولى. منه أُخذت إلى زنزانتي الأولى .. إلى امتحان حريتي الأول. ومنه ذهبت إلى قصائدي الأولى التي أخذتني، ومازالت، إلى عذاب غربة لا شفاء منها، مهما اطمأن الشعر إلى قدرته على تثبيت المكان في اللغة، وإلى تشييد منطقة حُرة في أعالي الكلام.

من هنا، من (كفر ياسيف) من الجليل، بدأ أول الطريق إلى وضع الهاجس الشخصي والسؤال الذاتي في مكانه من السؤال العام، واتضح الوعي الأول بالتلاحم التلقائي بين الذاكرة الجَمعيّة والذكرى الشخصية، حين كانت هذه القرية/البلدة تحمل من الإشارات والمعاني أكثر من مساحتها الجغرافية. فلم نتعلم من المدرسة بقدر ما تعلمنا من محيطها، من الصراع الملتبس الاسم على هوية المكان وعلى هوية الكائن، من غاب منه ومن حضر. ومن وقف، مثلي، بين المنزلتين حاضرًا غائبًا. ولعل أحد لم يُسأل كما سُئِل كل واحد منا: من أنت؟

لم يكن الجواب في حاجة إلى تعقيد؛ أنا ابن هذه الأرض وابن تاريخها، لولا إلحاح الاقتلاع المدجج بالسلاح وبالأسطورة على الزج بنا في معركة الصراع على شرعية الوجود، وجودنا. إذ كان يقترح علينا تبنّي رواية تاريخ آخر، يبدأ من الأسطورة ولا ينتهي إلا بتفريغ التاريخ من محتوياته ومنا. وإذ، لم يكن لتاريخ هذه الأرض من عَمَل إلا انتظار امتلائها بأمس الآخر الأبدي.

لم يكن ذلك يعني صراعًا على الحاضر وحده، بل على الماضي أيضًا، إذ لم يكن وجودنا هنا، إذًا، إلا احتلالًا! ولم يكن الموجود فينا أكثر من شبح زائر يقتضي تنظيف الأرض منه ارتكاب بعض المجازر بحق البعض، ووضع بقية الشبح في شاحنات الترحيل. أما الناجون من المذبحة ومن الشاحنة، الصامدون الذين آثروا الموت على الرحيل، فسيصارعون طويلًا  من أجل الحصول على إقامة دائمة في هامش المواطنة، وعلى مساواة شكلية في حق الاقتراع على دين الدولة اليهودية. وهكذا لن تتمكن واحة الديموقراطية الغربية من إرجاء البوح بنزعتها العرقية، منذ البداية.

لم ينس أحد قصته، لا ماضيه ولا حاضره. ولم نكن في حاجة إلى انتظار المؤرخين الجدد، لنحمّل الدولة الإسرائيلية المسؤولية عن الظلم التاريخي الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني، دون أن تعترف أو تعتذر، لتحسين مناخ السلام، على الأقل. لم ينسَ أحد قصته، فما زال الدفاع عن حقوق المواطنة مرتبطًا بالدفاع عن حق العودة. ومازال اللاجئون في بلادهم لاجئين في بلادهم، وفي منأى عن أي تفاوض خارجي أو داخلي. فالمواطنة ليست بديلًا أو تعديلًا عن حقوق المواطنين، ولا حلًا لمشكلة اللاجئين في بلادهم.

إن للأقلية القومية ذاكرة جماعية، لها تداعياتها ومطالبها الثقافية والحقوقية والسياسية، ودورها في وعي ذاتها، وفي تحديد سياسة الدولة تجاهها، وتجاه قضية شعبها التي لن تتشظى هويته الوطنية إلى هويات مبعثرة ومتنافرة، مهما ابتعدت مسيرة السلام أو اقتربت من جوهر السلام.

وفي هذا المكان الذي درّبني على الربط بين المسألة الديموقراطية والمسألة القومية من جهة، وعلى التمهل في البحث عن حل نظري أو عملي للتوتر القائم بين الجنسية والهوية، من أجل ترجيح سؤال البقاء في الوطن على أي سؤال آخر، من جهة ثانية، أشعر بخشية خفيفة وخفيّة من تداعيات الانقلابات الدولية والإقليمية على طريقتنا في محاكمة تجربتنا السابقة بمعايير الآن الضاغطة، وخارج سياقها التاريخي، فصواب فكرة ما، كفكرة العدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في التحرر، وحقوق الإنسان، لا يُقاس دائمًا بنجاحها الآني، ولن تصبح أفكارًا بالية لأن أداة تطبيقها قد فشلت هنا أو هناك. لذا، لا يحق لأحد بأن يطالبنا بالاعتذار عن الإيمان بمثل هذه القيم الإنسانية الخالدة. ولا يحق لأصحاب الخيار الصهيوني بأن يطالبونا بتقويمهم على أنهم كانوا مستقبليين بعيدي النظر، لا لشيء، إلا لأن المشروع الصهيوني نجح في احتلال المزيد من الأراضي العربية، واستطاع أن يجد منصب سفير إسرائيلي شاغرًا في موريتانيا.

لكن شعوري بالعنفوان هنا أقوى من شعوري بالقنوط، وبالخشية من سقوط المعنى في البراغماتية المبتذلة السائدة. فإن ملحمة الصمود الطويلة على هذه الأرض كانت أحد العوامل الرئيسية التي لم تأذن للخرافة الصهيونية الكبرى أرض بلا شعب بأن تعمّر طويلًا. وفي هذا الصمود اليومي البطولي حافظ شعبنا، هنا، على وحدة مكونات هويته القومية والثقافية على أرضه، وعلى إبقاء ملف القضية الوطنية الفلسطينية مفتوحًا، كما حرم المشروع الإسرائيلي من تحقق حلمه بإقامة دولة طاهرة العرق على حساب تطهير الأرض من شعبها الأصلي. وهكذا لم يسلَم المشروع من بذور ثنائية القومية، الأمر الذي يعرض تجاهله الديموقراطية إلى امتحان يومي، كما تعرض الديموقراطية الحرص على طهارة الدولة اليهودية، وغير اليهودية ديموغرافيًا، إلى امتحان آخر. لذا، لا يسلَم أحد، حتى المنتصر، من سؤال الهوية المتوتر. فإما التحصن في القلعة حرصًا على نقاء الهوية، وإما الخروج إلى الأفق حرصًا على الحياة في المستقبل، حتى لو كان أحد شروطها انفتاح الذات على الآخر، واختلاط الهوية في ما ليس منها. فإذا كان من الطبيعي أن تخشى الناس من الحروب، فإنه ليس مألوفًا ولا طبيعيًا أن يتحدث أحد عن خطر السلام!

لستُ هنا لأذكّر أحدًا بقصته. بل لنتذكر جميعًا حكايتنا الجماعية .. أيام كان الطريق أصعب وأوضح. أيام لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى هذا البلد، ولم يكن الحكم العسكري المباشر قد رفع قبضته الفولاذية عن أحد، ولم يسلَم المدرّسون ولا الطلبة من المُلاحقة. أيام لم تكن الوطنية، ولا عكسها، مجرد وجهة نظر. أيام لم نجد كتبًا كافية للتعلم. أيام كان (حاييم نحمان بياليك) يطرد (أبا الطيب المتنبي)، و(أحاد هعام) يطرد (ابن خلدون) من برامج التعليم. أيام كانت (بياعر بحديرة) ضرورية أكثر من جحيم (دانتي). وأيام كان “يوم الاستقلال” هو المناسبة الوحيدة لزيارة أنقاضنا بلا عقاب. ذكرى تذكِّر بنقيضها. أيام كنا صغار السن كبار النفوس والمحن. أيام لم نعرف من هو المسيحي فينا ومن هو المسلم. لم تعتَدِ الكنيسة على الجامع، ولم يستفز الجامع الكنيسة. أيام كان الدين لله والوطن للجميع. وأيام لم نتذكر من سيرة (صلاح الدين الأيوبي) إلا تحريره بلاد الشام والقدس من الصليبيين، ولم يكن في سيرته ما يصلح لإشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين.

في تلك الأيام، دلّتنا (كفر ياسيف) على بوصلة الشمال، على أول الوعي، وعلى أول الطريق، وعلى أولى الخطوات. على السجن الأول، وعلى حرياتنا الصغيرة، وعلى طموحاتنا الأولى وخياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة.

هل مرّ أربعون عامًا حقًا دون أن أنتبه إلى ما فعل بي الزمن. لا أحد يعود إلى مرآته الأولى إلا ليهرب من ذاته الأولى إلى ذاته الثانية. أو ليقفز من وجهه إلى قلبه، ومن قلبه إلى ماضيه. لكن الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة، بل لزيارة ضرورية، نُحاكم خلالها أفعالنا، ونجسّ ما في الزمن من تاريخ، ونسأل: هل كنّا جديرين بأحلامنا الأولى، وأوفياء لأرضنا الأولى؟ أما أنا، فلعلي لا أستطيع الإجابة، ولكني أحيل الأسئلة كلها إلى هويتي الشخصية الوحيدة؛ قصيدتي. أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. وفي الشعر.

وهكذا أجد نفسي هنا. لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازًا. ولم أعد إلا مجازًا.