أرشيف الوسم: مراجعة

ماذا تقول الانثربولوجيا عن السحر والشعوذة ؟

800px-Saul_and_the_Witch_of_Endor_(Stom,_1635)

باميلا ستيوارت Pamela Stewart وآندرو ستراذيرن Andrew Strathern أكاديميان من جامعة بيتسبيرغ  متخصصان في الأنثربولوجيا. كـتبا ورقة بحثية تتناول أعمال السحر و الشعوذة من منظور أنثربولوجيّ، سنترجم و نلخص في هذه التدوينة شيئا مما جاء فيها.

يقوم الباحثان بمحاولة لتحديد الفرق بين مفهومي السحر والشعوذة، لكنّهما عقّبا بعدم جدوى محاولتنا لإيجاد تمييز بينهما قائلين:

إنه لمن غير المجدي في هذه المواقف أن نصنع و نتمسك بأي تمييز تعريفي صلب. الأهم هنا هو التعرف على الحدود المعقدة والمتحولة للمفاهيم المحلية و كيف تتغير عبر الوقت..

وعند دراسة الأنثربولوجيين لظواهر السحر والشعوذة فإنهم يتناولون في التحليل جانبين: الأول وظيفي نفعي، والثاني عقلي. يتناول الجانب الوظيفي دور هذه الظواهر “في العملية الاجتماعية وفي الحفاظ على النظام الاجتماعي”. بينما يتناول الجانب العقلي “عملياتها المعرفية و دورها في الحفاظ على النظام العقلي ضمن بناء اجتماعي معين” فمن ناحية التحليل الوظيفي مثلا؛ يعرض الباحثان إسهام فيكتور تيرنر Victor Turner في ما أسماه ” الدراما الاجتماعية” Social Drama :

يُرَى اتهام ممارسة السحر و الشعوذة كمؤشرٍ ظاهري على نزاعات ضمنية على القوة. تكشف هذه النزاعات الضعف والتوترات الكامنة في التنظيم الاجتماعي .

يرى ستيوارت و ستراذيرن أن طريقتي التحليل – الوظيفية و العقلية –  لابد أن يجتمعا سويةً، حيث أنّ:

 العمليات الاجتماعيات تُغذّي الخيال الأخلاقي moral imagination للأشخاص وتغذي بحثهم عن التفسيرات وبحثهم عن النظام. بالمقابل؛ يعكس الخيال الأخلاقي بُنى القوة المحلية المتمثلة بالطبقة الاجتماعية و العرق.

و حينما نتساءل عما إذا كانت مظاهر أو أفكار الشعوذة ستختفي من مجتمع ما بتأثير الحداثة، يجيب المؤلفان :

 افترضت النظريات الأولى عن التغيير الاجتماعي فيما يسمى بمناطق العالم الثالث أن أفكار الشعوذة ستختفي بفعل عملية التحديث modernization  كما حصل سابقا في أوروبا. كانت هذه نظرة سطحية. يلقّم الأشخاص ظروفهم الجديدة بأفكارهم، ولا ينبذون كل الأفكار من ماضيهم ببساطة، حتى وإن قالوا بأنهم يفعلون ذلك. أفكار الشعوذة في أفريقيا المعاصرة مثلا؛ أصبحت طريقة بارزة للتأقلم مع وانتقاد الحداثة نفسها، والتي كان يتوقع أن تُودي بهذه الأفكار.

من الجديد الذي يقدمه الباحثان في أطروحتهما : اعترافهم بالدور الحيوي الذي تلعبه الإشاعة وتناقل القيل والقال rumors and gossip في انتعاش أفكار السحر و الشعوذة.

تتغذى الإشاعة على مواقف الشك في التواصل الإنساني و تساهم فيها، وترتبط مواقف الشك هذه باحتمالية النزاع وسوء الفهم. تنتعش دعاوى ممارسة السحر والشعوذة في الظلال، متتبعةً أنماط العداوات والاستياء المختبئة في خلفية المشهد الاجتماعي، تغذيها الشائعات إلى أن تظهر على الساحة العامة على شكل اتهامات في أوقات التوتر؛ كحالات المرض أو الوفاة أو الأوبئة العامة.

من المثير أيضا أن ستيوارت و ستراذيرن ينفيان عددا من الاتهامات التي تُنسب عادة لتفكير الشعوذة، إذ يقولان:

النقطة الحاسمة هنا هي أن نلاحظ أن استخدام السحر والشعوذة كتفسيرات للفواجع؛ لا يطبق عشوائيا ولا يطبق بشكل لاعقلاني، لأن هذه التفسيرات تنتمي للمنطق المحلي في التفسير، وتطبق تحديدا في الحالات التي تستدعي اهتماما خاصا ضمن المنطق المحلي. كل الوفيات والفواجع تستثير المشاعر، و بالتالي؛ البحث عن تفسير ، لا سيما إن كانت غير متوقعة وغير مواتية.

من المهم أيضا ملاحظة أن هذا النوع من التفسيرات يتشكل عبر الممارسة / التجربة practice  عوضا عن الفكر النظري. بالتالي؛ فإن التناقض النظري لا يهم، طالما أن الأشخاص يهتمون أساسا بتفسير حالة معطاة، وليس ببناء مخطط فكري عام.

ينفي ستيوارت وستراذيرن أيضا عن هذا النوع من التفكير أن يكون “مغلقا” أو توكيديا للنفس، و على العكس فإنهما يريان هذه التفسيرات كتفسيرات مرحلية ومفتوحة open – ended .هنا تلعب الشائعة دورها الحيوي، نظرا لأنها ” تزدهر بفعل الشك و التخمين”.

و بناءً على دراستهما لمحاولات الشعوذة في أوروبا و أفريقيا؛ يقدم الباحثان هيكلا يصف هذه العملية الاجتماعية موضحاً التقاطع بين تأثير الدولة – السلطة السياسية أو السلطة الدينية أو كليهما- والتأثير المحلي على العملية.

يبدأ الهيكل بفاجعة مؤسفة تُصاعِد الشكوك حولها وتنسبها إلى السحر والشعوذة وتنسج الشائعات حولها. قد يحصل أن تتجمع هذه الشكوك وترقى لمستوى الاتهام – كمرحلة ثانية – و من ثم لمحاكمة رسمية و عقوبة – مرحلة ثالثة-. يضيفان:

من المهم أن نميز أن الإطار الإيديولوجي للدولة و الإطار الإيديولوجي المحلي يعملان سوية وبشكل منفصل أيضا. التقنين أو التشريع من جانب الدولة يؤكد على الأفكار و المواقف المحلية، لكن الأفكار المحلية تغذي أجهزة الدولة والأجهزة الدينية أيضا. الإطار الإيديولوجي المحلي هنا يعمل كمحفز ينقل الاتهامات إلى المرحلة التي تستطيع منها السلطة الدينية أو السياسية أن تفرض تعريفاتها الخاصة و قوانينها عليها؛ أن تصمها بالعار أو تعاقبها.

للاستزادة: الاطلاع على الورقة البحثية

لماذا غزا العالم القديم الجديد وليس العكس ؟ الإجابة في كتاب دايموند

jared-diamond

في كتابه الحاصل على جائزة البوليتزر، يخبرنا جارد دايموند عن محادثة له مع أحد سكان نيو غينيا الأصليين، والذي سأله “لماذا لديكم أيها الغربيون الكثير من الشحنات – Cargos جمع شحنة، وهي الكلمة التي استخدمها الرجل ليعني بها لمَ لديكم كل هذه المخترعات؟ – وليس لدينا نحن مثلها؟”، هذا السؤال لم يجب عليه دايموند وقتها ولكنه شغله لسنوات طويلة تالية وكان هذا الكتاب الذي تحول إلى فيلم وثائقي (مرفق أدناه) أيضاً هو الجواب.

وقد لخص دايموند جوابه في عنوان الكتاب (أسلحة، جراثيم وفولاذ)، حيث يستفتح بذكر اللقاء الشهير بين فرانشيسكو كورتيز وموكتيزوما إمبراطور الأزتيك، وكيف استطاع كورتيز برجاله القلائل القضاء على إمبراطورية كاملة، ويتخذ من هذه الحادثة التاريخية مدخلاً، ليشرح لمَ كان هناك فارق تقني هائل ما بين الغربيين والأزتيك، شارحا ً عوامل تطور الحضارات، وعلاقة البيئة النباتية والحيوانية بهذا التطور، وكيف تصنع فروقات كبيرة على المدى الطويل، وكيف أن تعايش الحضارات وتقاربها يمنحها فرصة الاستفادة من بعضها البعض، بينما عزلتها تجعلها منكمشة، ضعيفة، كما يشرح بعد ذلك أهمية ودور الأسلحة والحديد كأدوات للإنسان في الحرب والسلم، وكذلك دور الجراثيم وكيف كان الأوربيون محصنين ضدها لأنهم كونوا مناعة، بينما قضت على السكان الأصليين بشكل مفجع، بحيث مات ملايين البشر بسبب أوبئة وأمراض جاءت مع الأوربيين.

للاستزادة: مراجعة موسعة من الجزيرة نت / الفليم الوثائقي من ناشونال جيوغرافيك

سيكولوجيا الإباحية والعلاقات بين الجنسين عند بريدجز

51413622_640

كتبت آنا بريدجز، أستاذة علم النفس بجامعة أركنساس، ورقة بحثية تناولت فيها الأدبيات التي تفسر تأثير المنتوجات الإباحية على العلاقات بين الجنسين. عرضت آنا في بداية ورقتها عددا من النظريات التي تشرح بأي الطرق تُعمل الأفلام الإباحية أثرها على مستهلكيها سنتعرض لثلاث منها باختصار.

تفترض النظرية الأولى نموذج التعلم الاجتماعي Social Learning Model أن الأشخاص يتعلمون من خلال الملاحظة ، ولكنهم لا يحاكون من التصرفات إلا ما ينتهي بمكافأة. و عليه؛ فإنه:

 لما تصور الإباحيات رجلا يُخضِعُ امرأة جنسيا، فإن المتلقي يتعلم أن هذا الإخضاع ينتهي بمكافئة جنسية له و لشريكه، و تصبح محاكاته لهذا الفعل أكثر احتمالا.  توليفة الإثارة الجنسية و العنف معا  – كما أشارت الأبحاث باستمرار- تنتج سلوكا معاديا للنساء أكثر مما ينتجه تصوير العنف ضد النساء أو الفعل الجنسي الصريح وحده.

تدعى النظرية الثانية نموذج الدور/ السيناريو الجنسي Sexual Script Model. السيناريو هنا هو بنية في الذاكرة توفر قواعدا للسلوك. بحسب هذه النظرية؛ تتكون هذه السيناريوهات تدريجيا مع مرور الوقت و مع التعرض المتكرر لمجموعة من المحفزات لهذا السلوك. ما يهمنا هنا هو أن السيناريو الذي تعرضه الإباحيات يشدد على :

 معايير الجمال المقبولة اجتماعيا، فكرة توافر الآخر جنسيا باستمرار و الشهية الجنسية النهمة التي لا تشبع عند الرجال و النساء، و إثارة في التجديد الجنسي. هذا السيناريو الإباحي نادرا ما يتضمن أي عاطفة، علاقة حميمة ، تعبير عن الحب، أو أي مداعبة  .

ثالث النظريات تدعى نموذج المناخ الاجتماعي Cultural Climate Model. تقول  بأن الإباحية تساهم في تكوين بيئةٍ يكون فيها العنف ضد النساء مقبولا. تحوي هذه البيئة ما يسمى بـ ” معايير أو أعراف الإباحية Pornography norms “، و لا يقتصر تأثير هذه الأعراف على إدراك الرجل للمرأة بل على إدراك المرأة لنفسها أيضا. نظرياً، فإن التعرض للإباحية يؤدي إلى :

 خفض احترام الذات و خفض الرضا عن صورة الجسد، و الإحساس بالنقص الدفاعي ؛بالنسبة للنساء. أما بالنسبة للرجال؛ فتحتفي بعرض الذكورة المفرطة، و تبسيط شأن استخدام العنف ضد النساء.

و لتصوير ما ذُكر أعلاه عمليا، أورد شيئا مما عرضته الباحثة في تحليل محتوى لخمسين فيديو للبالغين في قائمة الأكثر مبيعا.

 نصف المشاهد المُحلّلة تحتوي عنفا لفظيا، و يعرض 88% منها عنفا جسديا. استجاب أغلب ضحايا العنف بالاستمتاع بهذا العنف أو الحياد. قوبل أقل من 5% من السلوكيات العنيفة باستجابة سلبية من الضحية كطلب التوقف او الإحجام .

.. و هذا هو “الواقع ” المحرَّف للإباحية، ممثلا بلغة الأرقام بفجاجة.

في  النصف الثاني من ورقتها تناولت آنا بريدجز التأثيرات المحتملة للمواد الإباحية على العلاقات بين الأشخاص. حيث تقول الباحثة بأنه بات من الواضح أن استخدام المواد الإباحية يتصاعد إلى مستوى الإدمان. ذلك الإدمان المتصف بالاستخدام القهري برغم العواقب السلبية على حياة المستهلك الوظيفية أو العاطفية. في إحدى الإحصائيات المرفقة في الدراسة؛ صرح 70% من حوالى التسعة آلاف مستخدم بأنهم يخفون عن شركائهم العاطفيين كمية الوقت الذين يقضونه في متابعة الإباحيات إلكترونيا. و مع كثرة المؤشرات على إمكانية أن يتحول استهلاك هذه المواد إلى استهلاك مُشكل. يبقى من المهم معرفة ما إذا كان المستخدم نفسه مدركا لما إذا كان استهلاكه مُشكِلاً أو لا. في هذا الصدد تكتب آنّا :

هناك اعتبار مهم يجب التنويه عليه عند الحديث عن تأثير المواد الإباحية و هو : النتيجة التجريبية التي توضح بأن الناس يميلون بشكل ملحوظ إلى اعتبار ” الآخرين” أكثر عرضةً للتأثر بالإعلام مع الاعتقاد بأنهم “أنفسهم” محصنون و منيعون عن ذلك في نفس الوقت. و هذا ما يسمى بتأثير الشخص الغائب. تبعا لذلك، يجب أن يشمل التعليم معلومات عن الكيفية التي تؤثر بها الإباحيات و معلومات عن هذا الانحياز الإدراكي لئلا يكون الشخص متسرعا في صرف النظر عن المعلومة التثقيفية.

يمكننا أن نتوقع بأن المادة الإباحية تساهم في تشكيل  موقف سلبي تجاه النساء، خاصة و أنها كثيرا ما تصورهن – حسبما تقول الباحثة- كأشياء أو أجسام متواجدة من أجل متعة الرجل وكـتوابع. و في استعراضها للدراسات التي بحثت تأثير الإباحيات على مواقف الأشخاص من دور الجنسين أو الدور الجندري gender roles  ، وجدت أن:

استخدام الرجال للمواد الإباحية الصريحة المشتملة على قسر أو عنف كان مرتبطا مع اعتقادهم بوجوب أن تشغل النساء أدوارا جندرية تقليدية أكثر، أن تكون أقل استقلالا من الرجال ، و أن تبدي اهتماما أقل من الرجل بالجنس .

في مجمل استعراض بريدجز لعدد من الدراسات التي تبحث تأثير استهلاك المواد الإباحية على موقف الشخص من ضحايا العنف الجنسي أو الاغتصاب؛ وجدت أن استهلاكها مرتبط بنقص التعاطف مع الضحية. يتواجد هذا التأثير خاصةً مع توليفة المواد الصريحة جنسيا و المُحِطّة في ذات الوقت. علاوة على ذلك؛ فهي مرتبطة مع زيادة الإحساس بمسؤولية المرأة عن اغتصابها، و التهاون مع الجاني و دعم العقوبة الأخف. نضيف إلى ذلك قابلية المادة الإباحية لأن تكون ذات تأثير مسبب للتبلّد العاطفي blunted affect ؛ أي أنها ” تفقد قدرتها على استحضار التفاعل القوي مع التعرض المستمر لها” ، فيستجيب المشاهد للمادة المزعجة بقدر أقل من الاستياء و الغضب كل مرة.

أمّا فيما يخص تأثير الإباحيات على العلاقة العاطفية بين الشريكين:

فإن التعرض المتكرر للمواد الإباحية قلّل الرضا الجنسي لكلا الطرفين بشأن تعبير الشريك عن العاطفة، مظهره الخارجي، و حتى أدائه الفعلي.

يمكن إعادة النظر في النصوص أعلاه بعد التفكير في المواد الإباحية المتاحة و السهلة المنال بشكل متزايد، وبعد اعتبار ردود الأفعال المستفزة حول حالات التحرش التي دائماً ما تُلام المرأة عليها.