أرشيف الوسم: مصطفى الرافعي

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية

الرافعي عن وهم الحياة

الرافعي
مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.
في الفصل الأول من كتاب (الرافعي)؛ (المساكين) كان حاملًا  عنوان “الشيخ علي”. وفي تعريف الرافعي عنه:
كان رجل تراه في ظاهره من الدنيا ؛ ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، كان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا مُمثّلًا وأن لا يمثِّل إلا الوجه المطلَق من الحياة.
يصفه بالجنون الهادئ ومنظره مثل عاصفة نائمة.
وأنه كان يردِّد: “اللهمَّ لم يبقَ من الإنسانية إلا حشاشة تسوق بنفسها وكل رجل من هؤلاء صورة مقلَّدة فأين الأصل؟”
نشر (الرافعي) في الكتب وصف لـ”الشيخ علي” الذي أُسنِد إليه الكلام، وجعله فيما استوحاه كمال قال:
كالخيط من شعاع السماء تهبِط عليه تلك المعاني التي خلد عليها جمال الخُلد.
فـ”الشيخ علي” هذا : هو رمز في كل دهر لثبات الجوهر الإنساني على تحوُّل الأزمنة في أشكالها المختلفة، ومن ثمَّ يعيش القارئ مع الإنسانية في معاني الكتاب ..
عن الحياة ؛ كان الرافعي يتساءل: ما الحياة ؟
قال الشيخ (علي):
الحياة .. إنها ليست طريقًا مسافته كذا ، ولا قِياسًا ذراعه كذا ولا وزنًا مبلغه كذا ، ولا شيئًا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصِلها بل هي فيما وراء ذلك من عالٍ إلى بعيدٍ إلى غامض إلى مُبهم حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجةُ الأبد.
يكمل قوله في الناس:
ولستُ أعرفُ الناس قد غالوا بشيءٍ قطّ مغالاتهم في قيمة هذه الحياة ، فقد والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص ، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقُّب ، وكل ما في الحُبّ من الخيال ؛ واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء ، معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرض الله، كأنّه لا يجرؤ على أن يشك في نهاية الحياة إذ تنتهي على أعيُن الناس ولا أن يُجزم بهذه النهاية إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه!
– ما الحياة ؟
أفلا ترانا نُخادع أنفسنا إذ سألنا عن الحقيقة التي يسوؤنا أن نعرفها ، فنحرِّف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مُقبلًا علينا ولكن مُدبرًا عنَّا ؟
فما عسى أن تكون هذه الآمال وهذه المنافسات وهذا النزاع وهذه الأفراح وهذه الأتراح وكل ما إلى ذلك مما هو من مدلول الحياة ؛ إلّا باطلًا فنستمتع به قليلًا ثم يظهر أنه متاع الغرور؟
يختم كلماته الشيخ (علي):
خُذْ الحياة حقيقةً لا وهمًا ، وعملًا لا علمًا ، واسمع الحياة إن كنتَ تعرف لغتها ، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته، فإن كل ذلك يُعلمك أن الرجل الحرّ لا يعرفُ على أي حالةٍ يعيش إلّا إذا قرَّر لنفسه على أي حالة يموت ..
فلا تسأل يا بُني ما هي الحياة ؟ ولكن سَلْ هؤلاء الأحياء: أيُّكم الحي ؟

الرافعي، ورأي جديد في كتب الأدب القديمة

الرافعي

مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.

لم تحمل كلمة ” أدب” [i] في اللغة العربية دومًا معناها الذي نعرفه اليوم ونفهمه من هذه الكلمة؛ يسري عليها في ذلك ما يسري على ألفاظ اللغة جميعًا من التبدّل والتحوّل وحمل المعاني المختلفة باختلاف العصر والسّياق وموضع الاستعمال؛ وعلّة ذلك هي حاجة الإنسان إلى الإبانة عمّا يقابله من شؤون الحياة المتجدّدة أبدًا، والعبارة عمّا يتخلّق في ذات نفسه هو من خواطر ومشاعر وأفكار تحمله على أن يتوسّع في البيان بطرق أبواب المجاز وغيره من فنون الكلام المختلفة؛ فمن هذا وذاك يكتسب اللفظ معنى لم يكن له من قبل.

هذا؛ وإنّ إنزال معاني اللفظ كلّها مُنزلًا واحدًا على ما بينها من تفاوت، وتجاهل ما يفترق به كل منها عن الآخر، ثم قياس بعضها على بعض فيما لا يصحّ القياس فيه= يؤدي لا محالة إلى اضطراب في معرفة العلاقة الصحيحة بينها، كمعرفة أوجه التشابه وأوجه الاختلاف، ثم ما عساه يتبع ذلك من سوء تصوّر لمفاهيم بأكملها لها تقاطعاتها بهذه المعاني.

وفي هذا المعنى كتب (الرافعي) مقدّمته لـ(شرح الجواليقي) على (أدب الكاتب) لـ(ابن قتيبة)، وافتتحها بكلمة (ابن خلدون) الذائعة حول الأدب العربي، والتي يُقرر فيها أنّ “أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي”

فيشير (الرافعي) إلى موقف بعض أدباء عصره من مضمون هذه الكلمة إذ “يظنون أن كلمة (ابن خلدون) هذه كانت تصلح لزمنه وقومه (…) ولكنها لا تستقيم في آدابنا ولا تعد من آلاتنا ولا تقع من معارفنا”

ثم يُبيّن مبلغ أهميّة ما ذكر (ابن خلدون) فيقول:

أما تلك الكتب فأنا أحسبها لم توضع إلا لزمننا هذا ولأدبائه وكتابه خاصة، وكأن القدر هو أثبت ذلك القول في (مقدمة ابن خلدون) لينتهي بنصه إلينا فنستخرج منه ما يُقيمنا على الطريقة في هذا العصر الذي وقع أدباؤه في متسع طويل من فنون الأدب ومضطرب عريض من مذاهب الكتابة وأفق لا تستقر حدوده من العلوم والفلسفة … فإن هذه المادة الحافلة من المعاني تُحيي آداب الأمم في أوروبا وأمريكا، ولكنها تكاد تطمس آدابنا وتمحقنا محقًا تذهب فيه خصائصا ومقوماتنا، وتحيلنا عن أوضاعنا التاريخية، وتفسد عقولنا ونزعاتنا، وترمي بنا مراميها بين كل أمة وأمة، حتى كأن ليست منا أمة في حيزها الإنساني المحدود من ناحية بالتاريخ ومن ناحية بالصفات ومن ناحية بالعلوم ومن ناحية بالآداب؛ ومن ذلك ابتلي أكثر كتابنا بالانحراف عن الأدب العربي أو العصبية عليه أو الزراية له.

ويفصّل في تحديد الخلط بين معاني الأدب الذي وقع فيه أولئك الأدباء بقوله:

إن أدب الكاتب وشرحه هذا لـ(الإمام الجواليقي) وما صُنّف من بابهما على طريقة الجمع من اللغة والخبر وشعر الشواهد والاستقصاء في ذلك والتبسّط في الوجوه والعلل النحوية والصرفية والإمعان في التحقيق، كل ذلك عمل ينبغي أن يعرف حقه في زمننا هذا؛ فهو ليس أدبًا كما يُفهم من المعنى الفلسفي لهذه الكلمة، بل هو أبعد الأشياء عن هذا المعنى؛ فإنك لا تجد في كتاب من هذه الكتب إلا التأليف الذي بين يديك، أما المؤلف فلا تجده (…) وما أخطأ المتقدمون في تسميتهم هذه الكتب أدبًا، فذلك هو رسم الأدب في عصرهم، غير أن هذا الرسم قد انتقل في عصرنا نحن (…) ومن هذا الخطأ في التسمية ظهر الأدب العربي لقصار النظر كأنه تكرار عصر واحد على امتداد الزمن، فإن زاد المتأخر لم يأخذ إلا من المتقدم (…) الحقيقة التي يعينها الوضع الصحيح أن تلك المؤلفات إنما وضعت لتكون أدبًا، لا من معنى أدب الفكر وفنه وجماله وفلسفته، بل من معنى أدب النفس وتثقيفها وتربيتها وإقامتها، فهي كتب تربية لغوية قائمة على أصول محكمة في هذا الباب (…) والقارئ في كل ذلك مستدرج إلى التعريب في مدرجةٍ مدرجةٍ من هوى النفس ومحبتها، فتصنع به تلك الفصول فيما دُبّرت له مثلما تصنع كتب التربية في تكوين الخُلق بالأساليب التي أديرت عليها والشواهد التي وضعت لها والمعالم النفسية التي فُصّلت فيها.


 

[i] انظر في ذلك تمهيد (شوقي ضيف) لكتابه (العصر الجاهلي) فقد أشار في إيجاز شديد إلى التطور الدلالي لكلمة أدب منذ عصور العربية الأولى وحتى وقتنا هذا.

نصيحة الرافعي لمن أراد أن يكون كاتباً محترفاً

mostafasadiqrafii57d32735-e

مصطفى صادق  الرافعي (1880 – 1937) أحد أشهر الأدباء والكتاب المصريين حيث صدرت له العديد من المؤلفات الأدبية الرفيعة مثل “وحي القلم” وغيرها. يتحدث الرافعي في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه يرشده فيها إلى الطريق لكي يكون أديباً وكاتباً معروفاً -جُمعت لاحقاً في “رسائل الرافعي“- حيث يقول:

أيّها الفاضلُ

إنّ أعمالي كثيرةٌ في هذه الأيام ِ ولذا أراني أبطأتُ في الردِ على كتابكَ ، وإنّي مجيبك عنهُ بإيجازٍ ، لأنّ ما سألتَ عنهُ يصعبُ التبسّطُ فيهِ على وجهٍ واحدٍ .

إنّكَ تريدُ امتلاكَ ناصيةِ الأدبِ – كما تقولُ – ، فينبغي أن تكونَ لكَ مواهبُ وراثية ٌ تؤديكَ إلى هذه الغايةِ ، وهي مالا يُعرفُ إلا بعدَ أن تشتغلَ بالتحصيل ِ زمناً ، فإن ظهرَ عليكَ أثرها وإلا كنتَ أديباً كسائرِ الأدباءِ ، الذينَ يستعيضونَ من الموهبةِ بقوّةِ الكسبِ والاجتهادِ .

فإذا رغبتَ في أقربِ الطرق ِ إلى ذلكَ فاجتهدْ أن تكونَ مفكّراً منتقداً ، وعليكَ بقراءةِ كتبِ المعاني قبلَ كتبِ الألفاظِ ، وادرسْ ما تصلُ إليهِ يدكَ من كتبِ الاجتماعِ والفلسفةِ الأدبيةِ في لغةٍ أوربيةٍ أو فيما عرّبَ منها .

واصرف همّكَ من كتبِ الأدبِ العربي – بادىء ذي بدءٍ – إلى كتابِ كليلةَ ودمنة والأغاني ورسائلَ الجاحظِ وكتابَ الحيوان ِ والبيانِ والتبيين لهُ ، وتفقّه في البلاغةِ بكتابِ ” المثل ِ السائرِ ” ، وهذا الكتابُ وحدهُ يكفلَ لكَ ملكةً حسنة ً في الانتقادِ الأدبي ، وقد كنتُ شديدَ الولعُ بهِ .

ثمّ عليكَ بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ كتابِ ” نُجعةِ الرائدِ ” لليازجي والألفاظِ الكتابيّةِ للهمذانيّ ، وبالمطالعةِ في كتابِ ” يتيمةِ الدهرِ ” للثعالبيّ والعقدِ الفريدِ لابن عبدربه وكتابِ ” زهرِ الآدابِ ” الذي بهامشهِ .

وأشيرُ عليكَ بمجلّتينِ تُعنى بقراءتهما كل العنايةِ ” المقتطف والبيان ” ، وحسبكَ ” الجريدةُ ” من الصحفِ اليومية و ” الصاعقة ” من الأسبوعية ، ثم حسبكَ ما أشرتُ عليكَ بهِ فإنّ فيهِ البلاغ كلّهُ ، ولا تنسَ شرحَ ديوان ِ الحماسةِ وكتابَ نهجِ البلاغةِ فاحفظْ منهما كثيراً .

ورأسُ هذا الأمر ِ بل سرّ النجاح ِ فيهِ أن تكونَ صبوراً ، وأن تعرفَ أن ما يستطيعهُ الرجلُ لا يستطيعهُ الطفلُ إلا متى صارَ رجلاً ، وبعبارةٍ صريحةٍ إلا من انتظرَ سنواتٍ كثيرة .

فإن دأبتَ في القراءةِ والبحثِ ، وأهملتَ أمرَ الزمن ِ – طالَ أو قصرَ – انتهى بكَ الزمنُ إلى يوم ٍ يكونُ تاريخاً لمجدكَ ، وثواباً لجدّكَ .

[..]

الإنشاء لا تكون القوة فيه إلا عن تعب طويل في الدرس وممارسة الكتابة والتقلب في مناحيها والبصر بأوضاع اللغة وهذا عمل كان المرحوم الشيخ ” محمد عبده ” يقدر أنه لا يتم للإنسان في أقل من عشرين سنة .

فالكاتب لا يبلغ أن يكون كاتبا حتى يبقى هذا العمر في الدرس وطلب الكتابة .

فإذا أوصيتك فإني أوصيك أن تكثر من قراءة القرآن ومراجعة ” الكشاف ” ( تفسير الزمخشري ) .

ثم إدمان النظر في كتاب من كتب الحديث ” كالبخاري ” أو غيره ، ثم قطع النفس في قراءة آثار ” ابن المقفع ” ” كليلة ودمنة ” ” واليتيمة ” والأدب الصغير ” ، ثم رسائل الجاحظ ، وكتاب ” البخلاء ” ثم ” نهج البلاغة ” ثم إطالة النظر في كتاب ” الصناعتين ” و ” المثل السائر ” لابن الأثير ، ثم الاكثار من مراجعة ” أساس البلاغة ” للزمخشري .

فإن نالت يدك مع ذلك كتاب ” الأغاني ” أو أجزاء منه و ” العقد الفريد ” ، و ” تاريخ الطبري ” فقد تمّت لك كتب الأسلوب البليغ .

اقرأ القطعة من الكلام مرارا كثيرة ، ثم تدبرها ، وقلب تراكيبها ، ثم احذف منها عبارة أو كلمة ، وضع ما يسد سدها ولا يقصر عنها ، واجتهد في ذلك ، فإن استقام لك الأمر فترق إلى درجة أخرى ، وهي أن تعارض القطعة نفسها بقطعة تكتبها في معناها ، وبمثل أسلوبها ، فإن جاءت قطعتك ضعيفة فخذ في غيرها ، ثم غيرها ، حتى تأتي قريبا من الأصل أو مثله .

اجعل لك كل يوم درسا أو درسين على هذا النحو فتقرأ أولا في كتاب بليغ نحو نصف ساعة ، ثم تختار قطعة منه فتقرأها حتى تقتلها قراءة ، ثم تأخذ في معارضتها على الوجه الذي تقدم – تغيير العبارة أولا ثم معارضة القطعة كلها ثانيا – واقطع سائر اليوم في القراءة والمراجعة .

ومتى شعرت بالتعب فدع القراءة أو العمل ، حتى تستجم ثم ارجع إلى عملك ولا تهمل جانب الفكر والتصوير وحسن التخييل .

هذه هي الطريقة ولا أرى لك خيرا منها ، وإذا رزقت التوفيق فربما بلغت مبلغا في سنة واحدة .

[..]

وما أرى أحدا يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكما نافذا بالأشغال الشاقة الأدبية ، كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية ، فاحكم على نفسك بهذه الأشغال سنتين أو ثلاثا في سجن ” الجاحظ ” أو ” ابن المقفع ” أو غيرهما ، وهبها كانت في أبي زعبل أو طرة .