أرشيف الوسم: مصطفى حجازي

الملامح والخصائص النفسية للوجود المتخلف .. قراءة في سيكلوجية الإنسان المقهور

دكتور (مصطفى حجازي) حصل على دكتوراة في علم النفس من جامعة اوكسفورد بفرنسا، وعمل أستاذًا للصحة الذهنية بجامعة لبنان ثم الجامعة البحرينية. وهذه قراءة في أحد أهم كتبه، وهو (التخلف الاجتماعي؛ قراءة في سيكلوجية الإنسان المقهور).

عن مصطلح التخلف:

مصطلح التخلف برز بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وذاع استعماله وكثرت الكتابات حوله ابتداء من الخمسينات. وتجمعت خلال خمس عشرة سنة آلاف المقالات والأبحاث من علماء الاجتماع، سياسة، قانون، تاريخ، علماء اللسان أو الألسنية Linguistique، علماء الإثنولوجيا Ethnologie وعلماء النفس، لدرجة يصعب على الباحث توضيح نظرية التخلف و تعريفه، ويرجع ذلك إلى تعدد من تعاطوا بحث هذه المسألة. 

ما يعنيه بالتخلف الدكتور (حجازي) في بحثه وأنا في هذه المقالة، ليس فقط الكلمة التي تطرح أكبر قضية تواجهها البشرية في القرن الحالي، أي تحدي النهوض بثلاثة أرباع البشرية كي تلحق بركب بلدان العالم الأول، الصناعي الرأسمالي، وبلدان العالم الثاني الاشتراكي.

فبالرغم من أنها تبدو خصائص التخلف النفسية وأولوياته الدفاعية بأبرز صورها في نمط حياة جماهير الغير منظمة أو مؤطره سياسيا أو العفوية، التي لم تتح لها ممارستها الوصول إلى التعامل مع الواقع انطلاقا من الوعي بجدليته وموضوعيته. لكن من المهم أن ننتبه بأن الدول المنظمة والمؤطره سياسيا لا يعني أنها تخلصت من قيود التخلف ذهنيا وانفعاليا وعلائقيا. العكس هو الصحيح، فبينما يتصف السلوك في الحالة بدرجة عالية من التقدم والتطور نلاحظ أن المعاش اليومي على مستوى الحياة الخاصة ما زال محكوما بمعايير وقيم وبنظرة إلى الذات والآخرين على درجة كبيرة من التخلف. بالواقع أنها تتصف بالخصائص نفسها وإن اتخذ الأمر طابعا مخففا أو خفيا في غالب الأحيان. متسترة بقناع من التقدم يكفي انتزاعه حتى نتحقق من أن سلوكها تحكمه المعايير نفسها والنظرة إلى الحياة نفسها.

عرض الدكتور (حجازي) الطريقة السطحية التي نشرتها الأمم المتحدة حيث ميزت التخلف مثلا: بالفقر، حالة التغذية، الحالة الصحية، التعليم، وأهمها على الإطلاق متوسط الدخل الفردي. إلا أن مؤشر الدخل مقسما على عدد السكان بشكل مضلل جدا. فهو من ناحية لا يبين التشتت الكبير في مستوى مختلف الفئات التي يتكون منها المجتمع. فالدخل لا يوزع بالتساوي. هناك فئة قليلة تحظى بالنسبة الكبرى من الدخل، وتعيش فوق مستوى الفئة المماثلة لها في البلاد المتقدمة، وفي حالة من البذخ المادي المفرط. بينما الغالبية الكبرى من السكان تعيش دون مستوى الكفاف. 

وهذا التعريف لا يستقيم نظرا لعدم توحيد المعايير من ناحية -أي أن البلدان النامية تشهد تفجرا سكانيا هائلا لم يكن موجودا في البلدان الصناعية في أوائل الثورة الصناعية- وأيضا ما يجعل هذا التعريف سطحي هو صعوبة المقارنة بين البلدان المتقدمة والنامية من ناحية، ولوجود بلدان غنية حاليا ولكنها لا زالت متخلفة اجتماعيا من ناحية ثانية. 

في سيكلوجية الإنسان المقهور:

أعطى الدكتور (حجازي) مسمى “الإنسان المقهور” نظرا لعيش الإنسان في عالم من العنف المفروض. عنف يأتي من الطبيعة والآخر من الإنسان نفسه (السلطة والسياسة) أو غريمه الإنسان. هذا العنف يجعله يعيش في عالم الضرورة. في حالة فقدان متفاوت في قدرته على السيطرة على مصيره. لذا -وهذه الملامح الأولى النفسية- يبحث عن الوسيلة التي قد تضمن حمايته وذويه عن طريق التمسك بالماورائيات، التقرب من القوى التي تسيطر على الكون أو المنقذ المخفي والذي يكون بعكس صورته هو نفسه. عندما نستمع إلى الأدعية التي يبدأ بها يومه ونبحث عن نوعها نلاحظ إلى أي حد هي من نوع محاولة مواجهة هذا الاعتباط الذي يهدده، بالتمني السحري أو الاتكالية المفرطة. 

نلاحظ موقفه من الطبيعة تارة الأم الرحوم المعطاء وتارة أخرى الأب القاسي العنيف الذي ينزل أشد العقاب وشر البلاء بأبنائه أو على غرار صورة الأم التي تمنع عن ولدها العطاء. وذلك ما يثير فيه أشد أشكال القلق الضمني بدائية.

 من تلك الملامح النفسية التي تميزه أيضا، يحيى في لا وعيه العقاب على الذنب الوهمي الذي أقترفه -قد يبدو أحيانا وجوده بحد ذاته ذنب وكل تلك الصلوات هي محاولة تكفير خطأ وجوده- فهو مُتهم على الدوام على تقصيره، أول ما يفعله كمُتهم هو البحث عن خطيئة تناسب هذا التكفير، لا العكس! – كما هو المنطق-

 أما بالنسبة للقدرية والأمثال الشعبية، كلها محاولات سحرية لإدخال بعض التنظيم على هذا الاعتباط، بغية السيطرة عليه.

أبرز ملامح مرحلة مأساة المعاناة الوجودية، هي الاجتياف Introjection والتبخيس Depreciation التي غرست في نفس الإنسان المتخلف لذا تتمثل عدوانيته وقهره ذاتيا على شكل مشاعر إثم ودونية. يزدري ذاته ويخجل منها ويود لو تهرب من مواجهتها، ويكيل النعوت السيئة لنفسه مثل الجبن والتخاذل -مثل أن يرى في قسوة الطبيعة استحقاق له على تخاذله- وكلما انهار اعتباره لذاته تضخم تقديره للمتسلط أو المسؤول ويرى فيه نوعا من الإنسان الفائق. ثم تظهر الملامح النفسية للمرحلة هذه مثل حالات الاستزلام والتقرب من المسؤول أو البوليس أو المالك. ويثار في نفسية الإنسان المقهور مشاعر القلق لتدفعه إلى حالة من الهجاس Obsession للحفاظ على النعمة يجب تكرار مظاهر الرضوخ والتبعية. 

في المرحلة التي تليها وهي المرحلة الاضطهادية، يبدأ الإنسان بالانتقام بأساليب خفية مثل الكسل والتخريب أو من حيث الرمزية إلقاء النكات، مما يخلق ازدواجية في العلاقة من حيث الظاهر والباطن الخفي، وهنا يتجلى الكذب والمراوغة والتضليل. محاولة النيل تصبح قيمة بحد ذاتها واعتبارها نوعا من البراعة أو الحذق.

-وهنا يلاحظ الدكتور (حجازي) بأن الخطاب أو الأسلوب الذي أستخدمه الإنسان المقهور هو نفسه خطاب السلطة، التضليل في قوام اللغة. فالخطاب القائم على الإنسان المقهور مضلل تحت شعار الغايات النبيلة: الوعود الإصلاحية، الأخلاق، الرقي والتقدم، المستقبل الأفضل. والإنسان المقهور بدوره يدعي الولاء ويتظاهر بالتبعية. وهكذا يصبح الكذب من أهم الصفات التي كونت نسيج الوجود المتخلف. –

ولا شك في أن الفئة المتسلطة، بغية استمرار تسلطها، تعمل على تقوية الوازع الديني لدى الإنسان المتخلف. فكل ما يؤخذ منه عنوة، الله سيعوضه إياه وبذلك يضمن المتسلط عدم تحرك هذه الجماهير بقيام بثورة أو ما شابه.

تميز مشاعر الدونية بشكل عام موقف الإنسان المقهور من الوجود، لانعدام التكافؤ بين قوته وقوة الظواهر التي يتعامل معها. ويفتقد الطابع الاقتحامي في السلوك، وسرعان ما يتخلى عن المجابهة وبذلك يفقد موقفه العام من الحياة. 

ومن الملامح الأساسية للإنسان المقهور هي الخوف: الخوف من فقدان القدرة على المجابهة، الخوف من شرور الآخرين. لذا يقع في انعدام الكفاءة الاجتماعية social disability والمعرفية. لذا يتجنب كل جديد، ويتجنب الوضعيات الغير المألوفة. يتجمد في حالة من الشلل الوجودي.

من ضمن ما يميز الإنسان المتخلف هو أنه في حالة دفاع دائم ضد افتضاح أمره. فهو يشعر على الدوام بأنه معروض ويخشى أن ينكشف أمره. لذلك كلمة الستر أو السترة لا نكاد التوقف عن سماعها في المجتمعات العربية. العزة والكرامة تمثلان المكانة الأساسية في خطاب الإنسان المقهور فبقاء الرأس مرفوعا والاحتماء من كلام الناس، قضايا مصيرية بالنسبة له.

والاحتماء من كلام الناس وبقاء الرأس مرفوعا لا يتمثل في الحياة المهنية أو الاجتماعية بل يسقط العار على المرأة: المرأة العورة، أي موطن الضعف والعيب. بسبب هذا الإسقاط يربط الشرف والكرامة بأمر جنسي ليس له أي مبرر من الناحية البيولوجية المحض.

ما بين المرحلة الاضطهادية والانتفاض، تجيء الحاجة إلى التوازن النفسي الضروري، فشل الوصول إلى قيمة ذاتية تعطي للوجود معناه، يولد أشد المشاعر إيلاما، هذه المشاعر تفجر بدورها عدوانية شديدة تزداد وطأتها تدريجيا بمقدار تراكمها الداخلي، حيث تتجاوز العدوانية الارتداد إلى الذات وتحطيمها، بل تصل حد الإسقاط على الآخرين.

عند الشعور بالاضطهاد، يبدأ بالتفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة بداخله لذا لا يجد سبيلا إلا اتهام الآخرين بالذنب وإمكانية تبرير الاعتداء عليه بحجة الدفاع عن النفس، مما يعطيه انطباعا ولو وهميا بالإفلات من القهر النفسي الذي يشعر به.

لا يكتفي الإنسان المقهور بتوجيه العدوانية إلى عدوه، بل إلى قرينة أيضا. تصبح استجاباته مفرطة وأقل نزاع يأخذ أبعاد مضخمة كالقتل على أفضلية المرور مثلا، ويصاحب ذلك استعداد دائم للهجوم أو الرد في أي لحظة، مما يؤدي إلى تضليل الوقائع في الحياة اليومية. ومن الخصائص الأخرى التي تحدث بين الإنسان المقهور وقرينه: الحسد والغيرة، والعين وما تقاوم به. كلها تطمس على حقيقة أنه خائف من أي جديد أو مكروه وما يتوقعه من الإنسان أمثاله. وفي هذه الحالة يظهر ما يسمى بالحظ ويخشى الحسد وهو الرغبة العدوانية في الحلول محل صاحب الحظ. وهنا تترسخ النظرة عن الآخر كعقبة، وعندما يتحول الآخر إلى عقبة في طريق يفقد معنى أنه انسان ويختزل إلى كلمة شر ولا بد من القضاء عليه وهو فعل يتخذ طابع القضاء على العقبة الوجودية -وبهذه السهولة المذهلة يتم بها العدوان- 

مرحلة الانتفاض هي ما يسمى في علم الأحياء رد الفعل الحرج ويتلخص في الخيار بين الفناء أو المجابهة. والمجابهة هنا هي الدفاع المستميت أي التغلب على خوف الموت وتحدي الموت والانتصار على الموت.

الحاجة إلى خلاص سريع من خلال القتال. المقهور يريد السلاح (العصا السحرية ورمز الوجود الجديد) أن تحدث تغيرات بنتائج عاجلة، واختزال العمل الثوري أو ردة الفعل هذه إلى خوض معركة بنتائج مستعجلة كونه حمل السلاح الذي رد إليه الحرية الذاتية.

هنا تبرز عقدة الاستعلاء بدل عن النقص، وعقد الاستثناء بدل انعدام المكانة -النقيض تماما- وعقد الجبروت بدل عن الاستسلام. الاستثناء والاستعلاء والجبروت بالإضافة إلى ضعف التثقيف ودون انتماء سياسي واضح -كون أن اختياراته وتعامله مع الواقع ليس عن وعي منه- تودي به إلى ازدراء القيم السابقة وكل شيء مسموح وكل التجاوزات، ويحدث في أغلب الأحوال نوع من التركز حول الذات، فكأن العالم كله يجب أن ينتظم انطلاقا منه هو وتبعا لوضعه.

لا ينتهي تخلف الجمهور عبر إدخال الآلة أو ما شابه للمجتمع، كون مسألة التخلف لا تنتهي عبر مواجهتها من ناحية واحدة. علاج التخلف يجب أن يكون شموليا نظرا لأنه “هو عبارة عن نظرة الفرد للكون” لذا ينتج عن التخلف نواحي عديدة يجب مواجهتها وأشد هذه النواحي استعصاء على التغيير هي البنية النفسية التي يفرزها التخلف والتي تتضمن نظرته للكون.  


من وجهة نظري أنا كاتب المقال، لا يمكن فصل العام عن الخاص. وجميع هذه الملامح قد تظهر للجمهور والعدو هنا السلطة، أو فرد من عائلة ما أو جماعة. وقد يأخذ الكلام هنا أكثر من بُعد. 

نظرة د. مصطفى حجازي للإنسان المهدور

د.مصطفى حجازي

الدكتور مصطفى حجازي، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا، شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة. تعد أبرز كتاباته كتابي (الإنسان المهدور)، والجزء الثاني بعنوان (التخلف الاجتماعي). يتكلم الدكتور في كتابه (الإنسان المهدور) عن الهدر الإنساني، فيبتدئ حديثه بأن يقول :

يجب الاعتراف بإنسانية الإنسان قبل الديموقراطية، ولابدَّ من تسمية الأشياء بمسمّياتها حتى يصبح الحديث في الديموقراطية والحرية فاعلاً ومؤثراً.

وقبل الخوض في تفاصيل الهدر لابدّ من تعريفه يرد في قاموس لسان العرب أن الهدر هو: مايُستباح ويمكن سفحه في حالة من زوال حرمته التي تُحصِّنه ضد التعدي عليه”. إلا أن الموضوع الذي يعنينا في هذا المقام هو هدر الإنسان تحديداً بمعنى التنكر لإنسانيته وعدم الاعتراف بقيمته وحصانته وكيانه وحقوقهويسرد أكثر بقوله:

إن الهدر الإنساني حالة ليست نادرة ،ويتخذ الهدر شكل عدم الاعتراف بالطاقات والكفاءات أو الحق في تقرير المصير والإرادة الحرة وحتى الحق بالوعي بالذات والوجود، وقد يكون الهدر مادياً أو معنوياً أو على مستوى الحقوقومن هنا يتجلى الهدر الإنساني باعتباره أكثر جذرية من القهر

ويوضح هنا الفرق بين الهدر والقهر، فهو يرى “أن القهر يبقى حالة خارجية يمكن الاحتماء إزاءها من خلال الحفاظ على الرفض أو الثورة والتمرد الداخلي (كما هو شأن رفض الاستغلال ورفض الاستعمار). قد لايتمكن القهر الخارجي من النيل من الحرية الداخلية، ومن اعتراف الإنسان بكيانه الذاتي ولو بشكل خفي. أما في الهدر فإن هناك سحباً للاعتراف أصلاً لقيمته الكيان أو الطاقات أو الوعي أو المكانة”. ويختم فكرته حول علاقة غياب الديموقراطية بالهدر الإنساني بأنها:

حالة منقطعة الصلة، وأن الاستبداد ليس مجرد حجب للديموقراطية أو منع للحقوق، بل هو علاقة مختلفة نوعياً تقوم على أختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى «الرعيّة».

وتحدث ايضاً عن ألوان الهدر ومستوياته ويوضح هذا التعدد بأنه انعدام الاعتراف بإنسانية الإنسان وتتخذ أشكالاً ومستويات متفاوته. ويرى أن للهدر نوعين رئيسين هما الهدر العام والهدر الخاص، أما الهدر العام فوصفه بأنه:

يطال شرائح كبرى من الناس ، أو حتى مجتمعات بأكملها. يدخل هذا ضمن حالات الطغيان والاستبداد، ومن حالات الهدر العام، هدر الطاقات وهدر الوعي وهدر الفكرذلك أن الوجود الإنساني محكوم بالقيمة وباعتراف الآخر بقيمتنا الذاتية في تذبذباتها مابين الاكتئاب والمرارة والتبلد، وبين التمردات الداخلية والحرب على الذات المعاقة في كينونتها .

ومع هدر الوعي يهدر العقل ذاته باعتبار أن الوعي هو المدخل إلى التفكير والعطاء الفكريولابدَّ هنا من إشارة إلى الهدر الذي تفرضه نُظُم التحريم، وهو الحب المهدور وملفه الكياني الممنوع. العاطفة بما هي أشد وأسمى محركات الوجود الإنساني تُصادر وتُمنع .وبذلك الهدر العاطفي يكمل ثلاثي هدر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي وبالتالي نكون بصدد كيان سلبت منه حيويته وحياته .

ولخص الهدر الخاص في ثلاث فئات من المجتمع وهم المرأة والشباب والطفولة فهي أكثر الشرائح السكانية تعرضاً للهدر، سواء على المستوى الكياني أم على مستوى  الطاقات والوعي أم على مستوى الدور والمكانة . بداية يوصف هدر المرأة بقوله:

يختزل دور كيان المرأة كملكية عصبية وأداة إنجاب ومصاهرة، كما يُهدر كيانها من خلال جعلها ملكية العشيرة والأسرة (من خلال ملكية الأب والأخ للبنت ومن بعده الزوج لزوجته) كما يهدر كيانها من خلال تحويلها إلى أسطورة الضعف والعار، حيث يستخدم كموضوع لإسقاط ضعف الرجل وهدره عليها، كي يعود فيكتسب شيئاً من التوازن والقيمة التعويضية من خلال هذا الإسقاط.

أما هدر الطفولة فهو إحدى مشكلات التنشئة الكبرى في عالمنا العربيكما يبدأ الطفل حياته في سنينه الأولى وهو يعبّر عن الكثير من إمكانيات الإبداع العفويإلّا أن أسلوب التنشئة القمعية التي تقمقم الطاقات يفعل فعله في البيت، ويستكمل في المدرسة في نوع من الخطة المبرمجة لقمع العفوية والإبداع والانطلاق والحيوية. على أن هدر كيان الطفل قد يتخذ أشكالاً أخرى من خلال التعامل معه باعتباره طفل أداة لتحقيق طموحات الأهل، أوطفل عبء، أو طفل عقبة، أو الطفل أداة الصراع بين الوالدين.

في كل هذه الحالات يهدر كيان الطفل بدلاً من رعايته لذاته، وإطلاق طاقاته المعبرة عن ظفر الحياة على الموت. وأما هدرالشباب فهو استكمال لهدر الطفولة الذي يحمل نزوة الحياة التي تتمثل أولاً في الرغبة في الاعتراف والتقدير، والصراع من أجل نيلهما، فالرخاء المادي وحده ليس كافياً لملء حياة الإنسانهناك نزوة الحياة في كل إنسان تتخذ شكل الرفض والكبرياء والرغبة في إثبات الذات وإجبار الآخر على الاعتراف بها وبحقها في الوجود. فهذه النزوة تدفع الإنسان إلى خلق ذات جديدة لنفسه في حالة طموح مثالي بأخذ الخيار الصعب والقدرة عليه.

د. حجازي وحديثه عن القهر والهدر الاجتماعي

د.مصطفى حجازي

الدكتور مصطفى حجازي، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا، شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة. تعد أبرز كتاباته كتابي (الإنسان المهدور)، والجزء الثاني بعنوان (التخلف الاجتماعي). يتكلم الدكتور في كتابه (التخلف الاجتماعي ؛ مدخل إلى سيكلوجية الإنسان المقهور) عن القهر، فيبتدئ حديثه بأن يقول:

القهر يعني في التعريف القاموسي الغلبة والأخذ من فوق، وبدون رضى الشخص الآخر. وبالتالي فالإنسان المقهور هو ذاك المغلوب على أمره، الذي تعرض لفرض السطوة عليه من قبل المتسلط عنوة. وأما في تعريف التخلف الاجتماعي فيتمثل القهر في فقدان السيطرة على المصير إزاء قوى الطبيعة واعتباطها وقوى التسلط في آن معاً. أما الهدر فهو أوسع مدى بحيث يستوعب القهر الذي يتحول إلى إحدى حالاته. فالهدر يتفاوت من حيث الشدة ما بين هدر الدم واستباحة حياة الآخر باعتباره لا شيء، وبالتالي عديم القيمة والحصانة، مما يمكن التصرف فيه، وبين الاعتراف المشروط بإنسانية الإنسان، كما يحدث في علاقة العصبيات بأعضائها (هم مقبولون ومعترف بهم ومحميون يحظون بالغنم، ما داموا يمتثلون لسلطة العصبية ورغباتها ومنطقها). وفيما بين هذا وذاك يتسع نطاق الهدر كي يشمل هدر الفكر، وهدر طاقات الشباب ووعيهم، وهدر حقوق المكانة والمواطنة (بحيث تصبح المواطنة نوعاً من المنة يمن بها على الإنسان) ووصولاً إلى الهدر المتبادل في علاقات الصراع الثنائية والجماعية. يتفاوت الهدر إذن بين انعدام الاعتراف بإنسانية الإنسان كحد أقصى، وبين استبعاده وإهماله والاستغناء عن فكره وطاقاته، باعتباره عبئاً أو كياناً فائضاً عن الحاجة (كما هو شأن تعامل الأنظمة التي تستأثر بخيرات الوطن، وترى في جحافل الجماهير المغبونة والمحرومة عبئاً على رفاه المحظيين). كما قد يتخذ الهدر طابع تحويل الإنسان إلى أداة لخدمة أغراض العصبيات أو الاستبداد يضحى به في حروب النفوذ باعتباره الوقود الذي يغذي اشتعالها، أو أو الأداة التي تبجل وتطبل لسلطان مستبد وتخدم أغراض هيمنته وتوسع نفوذه. وقد يتخذ الهدر طابعاً ذاتياً كما يشاهد في الحالات المرضية التي ينخرط فيها المريض في عملية تدمير ذاتي وكياني نفسياً ومعنوياً ومكانة، أو حتى جسدياً.

يفرق حجازي بين القهر والهدر، حيث أن الأول هو ابن الثاني، فلا يمكن أن يتم أن يتحقق القهر إلا بعد تمكن وتفشي الهدر:

 المهم في المسألة أن الهدر يضرب مشروع وجود المرء كي يصبح كياناً ذا قيمة وقائماً بذاته وذا دلالة ومعنى واعتبار وامتلاء وانطلاق، مما يمكن أن يلخص في بناء هوية نجاح هذا الوجود. الهدر على هذا المستوى هو نقيض بناء التمكين والاقتدار وصناعة المصير. ومن ذلك يتضح كيف أن الهدر يستوعب القهر، بحيث إنه لايصبح ممكناً –أي القهر- إلا بعد هدر قيمة الإنسان واستباحة حرمته وكيانه في عملية الإخضاع والإتباع. كذلك فإن القهر حين يحدث في علاقة الاستبداد أو علاقة تسلط بالإرغام، فإنه يترسخ ويعيد إنتاج الهدر ذاته، من خلال كل آليات الدفاع التي يلجأ إليها الإنسان المهدور في قهره (أبرزها التماهي بالمتسلط في سلوكه وأحكامه).

رغم أن الهدر أشمل وأعم من القهر، فإن كليهما يؤديان لذات النتائج:

ويشترك كل من الهدر والقهر في تفاقم المأزق المتراكم بحيث يصبح الوجود غير قابل للاحتمال والمواجهة. وهو ما يؤدي إلى بروز كل آليات الدفاع السلبية التي، وإن حملت توازناً بديلاً من نوع ما يجعل الحياة قابلة للاحتمال، إلا أنها تكرس الهدر والقهر وتعيد إنتاجهما من خلال تعطيل طاقات المجابهة والتغيير والنماء والانطلاق. وبذلك يدخل الإنسان المهدور في في حلقة مفرغة: يهرب من هدره وقهره (بوسائل دفاعية سلبية) كي يقع في عطالة المشروع الوجودي من خلال تبديد الطاقات الحيوية في خدمة الدفاعات التي توفر توازناً مرضياً. في الحالتين نحن بصدد كارثة وجودية من هدر الكيان، لابد من الوعي بدينامياتها وألعابها البائسة المدمرة، خارجياً (من قبل وكالات الهدر والقهر) أو ذاتياً من خلال الدفاعات المرضية تجاهها، وصولاً إلى مجابهتها، ذاتياً على الأٌقل، بانتظار توفر ظروف المجابهة الخارجية. ومن هنا يلعب كل من التفكير الإيجابي وتنشيطه عن قصد ووعي، والعواطف الإيجابية وتنميتها، والارتباط بقضايا كبرى دور فتح آفاق التحرر من الهدر والقهر.

تكوين الهوية الذاتية لدى الشباب عند مصطفى حجازي

د. مصطفى حجازي

الدكتور (مصطفى حجازي)، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا. شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كتب في المجالات التالية: علم النفس، والبحوث والدراسات السكانية، الشباب المراهقون، الصحة العقلية، والسلوك النفسي. وصدرت له العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية، الكتب التي قام بتأليفها هي كالتالي:

يتحدث د. مصطفى في هذا الاقتباس عن تكوين الهوية. فيقول مستفتحًا:

لا يوجد إنسان بدون هوية ذاتية، أو هوية مواطنة أو هوية حضارية، إنها من مكونات الوجود الأساسية. ولذلك فلا مبرر إطلاقًا للخوف من أن يصبح الشاب العربي بلا هوية. تكمن المسألة في نوعية هذه الهوية، وليس في وجودها أو غيابها.

الهوية الإنسانية ذات جذور بيولوجية راسخة تتمثل في التعلق بالأرض والانتماء إلى مجال حيوي. ويتساوى الإنسان في ذلك مع كل الكائنات الحية التي لها مجال حيوي تدافع عنه بضراوة.

[…]

يتحدث د.(حجازي) بعد ذلك في موضع آخر من كتابه عن تكوين الهوية لدى كلٍ من الأطفال والمراهقين والشباب، فيقول مبتدئًا بمرحلة الطفولة:

الطفل يبحث عن هوية ويبني هوية، بدءًآ من اسمه الشخصي واسم عائلته ومكانته بين الأخوة، ثم توسعًا إلى الأسرة الممتدة والحي والمدرسة والوطن والمنطقة الحضارية. إنها عملية مدفوعة ذاتيًا، لا تفرض أو تخلق من فوق، بل هي توجه على صعيد المحتوى والقيمة. تُطرح الهوية الذاتية بحدة خاصة، تتخذ تسمية “أزمة الأصالة” في المراهقة وأول الشباب.

[…ّ]

تتجلى الصحة النفسية للمراهق ومرحلة أوائل الشباب في بزوغ هوية شخصية متماسكة، وصورة عن الذات واضحة ومصدر قيمة، واعتزاز بالكيان الذاتي، مما يشكل مدخل العبور إلى سن الرشد. وفي المقابل يمثل الفشل في بناء هوية متكاملة وطغيان انتشار الأدوار إلى الضياع والتشتت في النظرة إلى الذات، والوقوع في مشاعر الضياع والغربة عن هذه الذات، مما يشكل المدخل إلى الاضطرابات النفسية والسلوكية.

[…]

يتابع بعد ذلك حديثه عن بناء الهوية المتماسكة لدى الشباب، فيقول:

ينخرط الشباب في بناء الهوية المتماسكة من خلال الشغل على مفهوم الذات؛ ما هي هذه الذات وما سيرورتها وما خصائصها، وتميّزها؟ وتنشط في هذه الحالة مسألة الاستبطان والتأمل الذاتي، والوعي الحاد بالذات والكيان الشخصي، التي تشكل أحد خصائص مرحلة الشباب.

[…]

ولا يتحقق الشباب كتجربة ذاتية، إلا إذا قام كل منهم بقدر أدنى من الاشتغال بالذات، وبناء الموقع والمكانة والدلالة ضمن الجماعات المرجعية. وكلما تبلور مفهوم متماسك ومصدر قيمة عن الذات، عبر الشاب إلى مرحلة النضج والرشد، كما يذهب إليه (إريك أريكسون) في حديثه عن مراحل العمر الثمانية ومهامها.

د. مصطفى حجازي – الشباب الخليجي والمستقبل


المصدر: