أرشيف الوسم: موسيقى

عن علم الجمال، عند شوبنهور

Schopenhauer

آرثر شوبنهور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني، معروف بفلسفته التشاؤمية يرى في الحياة شر مطلق فهو يبجل العدم، وقد كتب كتاب (العالم إرادة وتمثل) الذي سطر فيه فلسفته فلذلك تراه يربط بين العلاقة بين الإرادة والعقل فيرى أن العقل أداة بيد الإرادة وتابع لها. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بسرد فصل يشرح فيه أفكار (شوبنهور) حول علم الجمال أو الاستطيقيا، مستندًا في شرحه على كتاب (شوبنهور) المذكور مسبقًا. يقول (ويليم كيلي رايت) مبتدئًا كلامه:

إن الأفكار، كما رأينا، أزلية، وتقف بين الإرادة من حيث إنها شيء في ذاته والأشياء الفردية المتغيرة التي تتمثل فيها الأفكار. وتظل المعرفة، عادة، خاضعة للإرادة ؛ فنحن لا نعرف إلا لكي ننفذ رغباتنا التي تنبثق من الإرادة. ومثل هذا الخضوع ثابت في حالة الحيوانات. ومع ذلك يستطيع الإنسان في خبرات استاطيقية مختصرة أن يلغي الخضوع للإرادة، ويركز تأمله مباشرة في الأفكار، بغض النظر عن إشباع الرغبات. وعندما يفعل ذلك، يخفي التمييز بالنسبة له بين الذات والموضوع، لأن هذا التمييز لا يوجد إلا في أفراد يتميز بعضهم عن بعض عن طريق مبدأ العلّة الكافية، ولا يتمسك بالأفكار التي تسبق هذا التمييز. ففي العالم فقط من حيث إنه تمثل، أي عالم الموضوعات المدركة، تكون الذات متميزة عن الموضوعات التي تدركها. ومن يصبح مستغرقًا في إدراك الطبيعة التي يفقدها كل إحساس بالفردية، ينتبه إلى معرفة أنه هو والطبيعة أصلًا  شيئًا واحدًا.

ثم يقول عن معنى الفن وقيمة الفنان عند (شوبنهور):

إن أحداث العالم، بالنسبة لأي شخص يفهم تلك الحقيقة، ليس لها أهمية إلا من حيث إنها الحروف التي نقرأ بها الأفكار. وهذا النوع من المعرفة، الذي يهتم بالأفكار، التي تكون المضامين الثابتة لكل الأشياء المتغيرة، هو الفن. فهو ينتج من جديد الأفكار الأزلية في وسيط مادي، مثل النحت، والتصوير، والشعر، والموسيقى. والإنسان الذي ينتج الأفكار أو يدركها في عمل من أعمال الفن يكون عبقريًا ؛ لأن أعمال الفن الفعلية هي في الغالب الأعم نسخ غير كاملة من الأفكار، وهي تفتن عبقريًا ذا خيال لكي يقوم بتمييز الفكرة فيها. ويظهر العبقري غالبًا، للناس العاديين القاصرين في التخيل، ولا يدركون موضوعات عادية بينما يرى العبقري فكرة، إنسانًا مجنونًا، وذلك ما يبينه (أفلاطون) في أسطورة الكهف وفي أماكن أخرى، وأشار إليه شعراء كثيرون. وفي حين أن معظمنا ليسوا عباقرة، إلا أن كل إنسان لديه القدرة على المتعة الأستاطيقية يمتلك مقدرة قليلة لإدراك الأفكار التي تكون أساسًا لموضوعات الطبيعة والفن التي ينتجها من جديد.

ثم يتحدث بتفصيل عن عدد من أشكال الفنون، اخترنا لكم بعضًا منها، فنون العمارة مثلًا:

ويوضح فن العمارة، من حيث إنه فن جميل، بعضًا من الأفكار التي تؤلف الدرجات الدنيا من تموضع الإرادة في الثقا والتماسك، والصلابة، والصلادة – الصفات الكلية للحجر، وتجليات الإرادة الأكثر بساطة وإبهامًا. والموضوع الوحيد لجماليات العمارة هو الصراع بين الثقل والصلابة، الذي يكشف عنه الفن بتمييز تام بالنسبة إلى الضوء. واستطاع الفنان المعماري أن ينتج هذه الآثار بحُرّية أكثر في المناخ المعتدل في الهند، ومصر، واليونان، وروما. أما في أوروبا الشمالية فقد قيّد المناخ القاسي حريته، ولابد من تزيين عربات الذخيرة الحربية، والأسطح المحددة، وأبراج العمارة القوطية بزخرفات مستعارة من فن النحت.

يتطرق بعد ذلك إلى فن آخر، وهو الشِعر عند (شوبنهور). يقول:

الشعر هو أعلى الفنون التي تكشف عن الأفكار، الذي يصور الناس في سلسلة مترابطة من مجهوداتهم وأفعالهم. إن الشاعر يصور الخصائص التي لها مغزى ودلالة في أفعال لها مغزى، ويكون أكثر نجاحًا في الكشف الحقيقي عن الأفكار من المؤرخ، الذي يكون مجبرًا على اختيار أشخاص وظروف كما تأتي في علاقاتها المتشابكة والمؤقتة من علل ومعلولات. ولذلك لابد أن ننسب حقيقة داخلية حقيقية بالفعل إلى الشعر أكثر من التاريخ. ويدرك الشاعر في الشعر الغنائي، والأغاني، حالته الداخلية الخاصة ويصفها. […] ويتوارى الشاعر بصورة كبيرة أو قليلة وراء تمثلاته في أنواع أخرى من الشعر، إلى حد ما في القصيدة الروائية، وبصورة كلية في الدراما الشعرية، التي تكون الصورة الأكثر موضوعية، وكمالًا  وصعوبة في الشعر. إن الشاعر هو مرآة البشرية، ويجلب إلى وعيها ما تشعر به، وما تفعله.

وبطبيعة (شوبنهور) المتشائمة، فقد تطرق بشكل أكبر إلى التراجيديا، وهي الأعمال الفنية الدرامية المائلة إلى التصوير المأساوي. فيقول عنها:

 التراجيديا هي ذروة الفن الشعري، بسبب عظمة تأثيرها، وصعوبة إنجازها. فهي تصور الجانب المرعب من الحياة، تصور الألم الذي يتعذر التعبير عنه، وشكوى البشر، وانتصار الشر، وسقوط البريء العادل. إنها صراع الإرادة مع نفسها، والمعنى الحقيقي للتراجيديا هو أن البطل يُكفِّر، لا عن خطيئته الفردية الخاصة، وإنما عن جريمة الوجود الفردي، وتحطم الإرادة إلى أشخاص منفصلين.

وفي النهاية يذكر الموسيقى كأحد أنواع الفنون:

أما الموسيقى فهي تقف وحدها، مختلفة عن كل الفنون الأخرى. لأن الفنون الأخرى تكشف عن الأفكار، في حين أن الموسيقى تنفذ وراء الأفكار وتكشف عن الإرادة من حيث هي شيء في ذاته. وتصور النغمات المنخفضة، في انسجام الألحان، الدرجات الدنيا لتموضع الإرادة، أي الطبيعة غير العضوية، وضخامة كوكب الأرض، في حين أن النغمات العالية تصور عالم النباتات والحيوانات. وتسير فواصل السلم الموسيقي في موازاة مع درجات التموضع في الطبيعة، أي الأنواع المختلفة.

وأخيرًا يختتم كلماته بالحديث عن المتعة، وعلاقتها بالجمال:

وتمكننا المتعة التي نستقبلها من الجمال بأسره، والعزاء الذي يقدمه لنا الفنان من أن نستغرق لحظة فيما كتب وننسى أنفسنا من حيث أننا أفراد، وننسى كل همومنا الشخصية. وندرك أننا واحد مع الطبيعة بأسرها من حيث إنها تعبير عن الإرادة، وندرك أن كل حياة، وليست حياتنا الخاصة، معاناة تذهب سدى. ويقدم لنا نسيان أنفسنا بهذه الطريقة راحة مؤقتة من الآلام المضنية لرغبات فردية تعي ذاتها.

الطابع الطفولي للفن والعبقرية عند سمير الحاج شاهين

stradivarius-violin

 

في كتاب (روح الموسيقى) للكاتب (سمير الحاج شاهين) أورد بعض الفقرات يبيّن فيها التشابه بين الطفل والفنان، والفروقات ما بين الفنانين وغيرهم من الراشدين، ما هو السر الذي يجعل لأحدهم القابلية لأن يكون فنانًا؟ ولم لا يكون الجميع فنانين؟ يجيب (سمير الحاج) فيقول بداية عن العبقرية والفن عند الأطفال:

 

إن للعبقرية طابعًا طفوليًا. وبالفعل إن الجهاز العصبي والدماغي عند الطفل كما عند العبقري له أسبقية ملحوظة، لأنه ينضج ويحقق نموّه قبل بقية الأعضاء، بنوع أنه يبلغ حجمه وكثافته الكاملة في سن السابعة. وهذا سر ذكاء معظم الأطفال وحكمتهم وفضولهم وطاعتهم. إنهم مؤهلين أكثر من الراشدين للاهتمامات النظرية. إنهم يحوزون من الفكر أكثر مما يملكون من الإرادة. إذ أن التكوين الجنسي، الذي هو مصدر الميول والرغبات والأهواء، لا يظهر تقريبًا إلا بعد خروج المرء من مرحلة الحداثة الأولى. من هنا إن الطفولة هي عهد البراءة وجنة عدن المفقودة التي نظل نهفو إليها دائمًا بحنين، لأن وجودنا خلالها يتكثف في المعرفة أكثر مما يتركز في الغريزة. فرغباتنا الضعيفة، وميولها الحائرة، وهمومها الطفيفة ليست بشيءٍ يذكر إذا ما قيست بغلبة نزعتها الفكرية. وأفضل بُرهان على ذلك هو الألوان الزاهية النضرة الطريفة، والبريق السحري الطاغي الذي يكسو العالم في فجر الحياة. هو نظرة الأولاد البكر الصافية التي تفرح قلوبنا، وتبلغ عند البعض هذا التعبير التأملي السامي الذي زيّن به (رافائيل) رؤوس الملائكة في لوحاته.

ثم يقول موجِزًا:

وبالحقيقة إن كل طفل هو عبقري بمعنى ما، وكل عبقري هو طفل إلى حد معين. إن التشابه والقرابة بين هذين الكائنين يبدوان أول الأمر في جلالة البساطة، التي هي الطابع المميز لكل إبداع. (ألم يقل (ديبوسي): أريد أن أكتب حلمي الموسيقي بأكمل تجرد عن ذاتي، أريد أن أغني منظري الداخلي بطهارة الطفل الساذجة).

ويكمل بعد ذلك، عن التحول الذي تفرضه الحياة على الغالبية:

إن (موزارت) مثلًا كان إنسانًا ناضجًا في فنه، أما في نواحي الحياة الأخرى فإنه يظل صبيًا يافعًا. وهذه هي حال المُلهَمين، الذين ينظرون إلى العالم نظرتهم إلى عنصر مستقل عنهم، إلى مشهد، أي بفضول موضوعي بحت، والذين لا يملكون، أسوة بالصغار، تلك الصرامة والرصانة الجافة التي تُميّز الأشخاص العاديين العاجزين عن أن يروا مصلحة غير منفعتهم الخاصة، وأن يتجلوا في الأشياء سوى حوافز على العمل. إن ذاك الذي لا يبقى طوال عمره طفلًا بمعنى ما، بل يصبح رجلًا جديدًا وباردًا، معتدلًا وعاقلًا على الدوام، قد يصير مواطنًا مفيدًا وقديرًا للغاية، لكنه لن يكون قط ذلك العبقري الذي يتحلّى بصفة فريدة هي احتفاظه حتى آخر أيامه وبصورة دائمة ومتواصلة بأولوية الوظائف العصبية والنشاطات العقلية التي تميّز سنوات العمر الباكرة، والتي يستمر قبس من روحها الخالدة متوقدًا في صدور بعض العامة حتى مرحلة الشباب، ومن هنا هذه النزعة المثالية الشعرية لدى قسم من الطلاب. لكن الحياة سرعان ما تأخذ مجراها الطبيعي عندهم، فإذا بهم يتحولون بعد بلوغهم طور الرجال إلى أناس جشعين وصوليين ننفر ونخاف منهم إذا ما قابلناهم في الأعوام اللاحقة.

الوجه البشع للموسيقى عند إدوارد سعيد

إدوارد سعيد

كان إدوارد سعيد (1 نوفمبر 1935- 25 سبتمبر 2003) شغوفًا بالموسيقى إلى حد كبير. فقد كان مستمعا جيدا مخلِصًا للموسيقى الكلاسيكية ذوقيا ، فقد تعود و تدرب على سماعها منذ صِغره و تعلم العزف على البيانو في عمر مبكرة – حتى اقتنع انه سيكون مستقبلا عازفا كبيرا لآلة البيانو – كنوع من الدخول في أسلوب الحياة البرجوازية الذي حاول والده آنذاك يعوّده عليه بزعمه. و بالفعل كان له ما توقع و لو قليلا على الأقل فقد عزف البيانو في بعض الحفلات التي حضرها قبل أن يتغير مستقبله كليا و يصير المفكر و الناقد الثقافي الذي نعرفه. رغم ما صار إليه إدوارد سعيد من موضع آخر بعيد عن الموسيقى إلا أنه كتب ماهو ليس بالقليل عنها فقد ألف كتابين هما ” توضيحات موسيقية ” و ” موسيقى بلا حدود ” و العديد من المقالات مثل مقالاته في مجلة الأمة الأمريكية الشهيرة.

و قد تأثر إدوارد سعيد في تحليله الموسيقي و آثار الموسيقى الإجتماعية تأثرًا جليا بالفيلسوف الكبير ثيودور أدورنو الذي اختص بمجال الجماليات و علمها في مدرسة فرانكفورت الفلسفية ولا يكاد يخلو كتاب ولا مقال لإدوارد عن الموسيقى ولا يأتي ذكر أدورنو كأب روحي لسعيد في هذا الجانب. يلتقي إدوارد سعيد بأدورنو في كون أن الموسيقى لا تنفصل عن النشاط الإجتماعي ، خاصة المفارقة غير الإنسانية التي ما ربطت كثير بين الموسيقى كونها في جوهرها فن نبيل و بين ممارسات بشعة مثل سوق المعتقلين في السجون النازية على موسيقى الموسيقار الشهير فاغنر. و كان أدورنو أول من بدأ هذه الإشارة إلى الربط بين الموسيقى و الإعتقال و التعذيب و سوْق المعتلقين إلى غرف الإعدام على أنغام الموسيقى الكلاسيكية. و لم يلبث طويلا حتى سار إدوارد على نفس النهج و الأخذ بالمقارنة ذاتها و إنزالها على أفعال إحتلال الإسرائيلي في سجونها تجاه الفلسطينيين ، حيث تُمارِس نفس الأسلوب فيذكر سعيد استخدامها موسيقى الميتال ” روك ميتال ميوزك ” لإزعاج المحاصرين في كنيسة المهد في بيت لحم عام 2002 في الإجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية آنذاك.

يذكر سعيد في أحد المقالات:

إنني مهتم جدا بالأثر و المكون الإجتماعي للموسيقى. وما تصنعه من إشكاليات أخلاقية ربما بحسب أدورنو ، الذي استفزه عزف الموسيقى الكلاسيكية في معسكرات أوشفيتز الشهيرة ، فالضابط كان يقتل الناس نهارا ليعزف باخ ليلا !

و يكمل سعيد عن الممارسات الإسرائيلية في سجونها ذاكراً أن القوات الإسرائيلية و منها المخابرات كانت تبث موسيقى بيتهوفن أثناء تعذيب المعتقلين الفلسطينيين كنوع من ” الضغط البدني المعتدل ” كما يصفه الإسرائيليون. و يذكر أيضا أن صديق ابنه و الذي كان عضوا في حركة المقاومة الإسلامية ” حماس ” لم يكن يحتمل موسيقى بيتهوفن التي كانت تدوي في منزل إدوارد. فعندما سأله لماذا ؟ قال له بأن الإسرائيليين كان يضعونه في زنزانة مجهزة بمكبرات الصوت و يعزفون الموسيقى الكلاسيكية بأعلى صوت ممكن كنوع من أنواع الضغط.

إن جوهر القضية بالنسبة لإدوارد سعيد يتلخص ربما في قوله :

إن استخدام الموسيقى الكلاسيكية من جانب أناس لديهم ثقافة موسيقية رفيعة المستوى – حيث أن فرقة الأوركسترا الإسرائيلية كانت تعزف أعمال بيتهوفن و موتسارت و آخرين مثل أي فرقة بالعالم – في مراكز الإستجواب ضد الفلسطينيين هو ، ببساطة أمر لا يمكن الدفاع ولا السكوت عنه.

عن تاريخ الموسيقى الكردية

ens

نلاحظ أن أكثر الشعوب المتمسكة بتراثها الفني خاصة في موضوع الموسيقى والغناء، هي تلك التي تكون تحت الاضطهاد أو النفي. كي لا تموت هي تمد صوت موسيقاها وتعليه في أي وضع كانت، وفي أي مكان تحط رحالها فيه. الموسيقى هي كاشفة للبعد الاجتماعي لشعوبها، تكشف عن مدى سعادتها أو شقائها أو حالتها القائمة، فنستطيع ملاحظة بعض الموسيقى التي تحمل في طبيعة تكوينها الموسيقية صوت ثائر أو صامد أو متأهب للقتال، ونلحظ بعض الموسيقى تحمل لون حزين يحوي لغة نداء ورجاء لاستجلاب السلام بعد القلق، الموسيقى لا تنفصل أبداً عن رحلة الحقيقة، ولهذا نستطيع أن نسمع صوت الأكراد جلياً عبر موسيقى تحمل معاناة إنسان.

الشعب الكردي في حقيقته شعب محب للموسيقى وخالق لها لأن الموسيقى بالنسبة إليه آداة التعبير عما يحتويه وجدانهم وعن فيض شعورهم، ونستطيع أن نلحظ تفاعل موسيقاهم وتداخلها مع موسيقى من حولهم من الشعوب حين احتوت المقامات الموسيقية الشرقية على مقامين كرديين هما “مقام كرد، ومقام نهاوند“. فيقول الباحث الدكتور أحمد خليل:

للموسيقى الكردية الشعبية طابعها الخاص، شأنها في ذلك شأن موسيقى بقية الشعوب، وكل من له خبرة بموسيقى شعوب غربي آسيا، يمكنه تمييز الموسيقى الكردية عن الموسيقى الفارسية والأرمنية والتركية والعربية، على أن ذلك لا يعني أن ثمة قطيعة بين الموسيقى الكردية وموسيقى الجيران، ففي المناطق التي يتجاور فيها الكرد مع جيرانهم، نجد تمازجاً بين موسيقى أولئك وهؤلاء، وثمة ألحان كردية دخلت موسيقى الشعوب المجاورة للكرد، على أيدي الملحّنين الكرد الذي عاشوا بين تلك الشعوب، ولا سيّما في تركيا وبلاد الشام.

رغم تداخل موسيقى الأكراد بالتركية وغيرها إلا أنها تنفصل بعمق أغانيها عنها جميعاً وتتفرد في صورتها فتقول الصحفية منى كريم:

هنالك ثلاثة أنواع من المؤدين في الموسيقى الكردية: المنشدون، رواة القصة والشعراء. وقامت الموسيقى الكردية الكلاسيكية على نوع معين يتعلق بالمحاكم الكردية يؤدى بين الحشود خلال فترة المساء. بالإضافة إلى العديد من الأغاني والملحميات التي تعكس الطبيعة الكردية الجميل كـ’اللاوكس’ الشعبي وهو عبارة عن أغنية أو ملحمة شعبية بطولية تعيد سرد حكايات الأبطال الأكراد، والـ’هيرانس’ أو أغنية الحب الشهيرة التي تتحدث عن كآبة الفراق أو الحب المستحيل. وهناك موسيقى دينية (اللاوجي) وأغاني الخريف (بايزوكس) والأغاني الإيروتيكية التي تتحدث عن الحب والجنس وتفاصيل حياة الإنسان الكردي البسيط.
أما بالنسبة للآلات الموسيقية فهي البزق (شكل آخر من العود) والمزمار والناي في شمال وغرب كردستان، بينما ينتشر الناي الطويل والطبل في الجنوب والشرق.

نلاحظ أن الأغنية لا تأتي دائماً مصحوبة بموسيقى تغذي كلماتها، بل أحياناً الغناء وحده وصاحب الحنجرة التي تؤدي هذا الغناء كفيلة بأن تؤثر فيمن يسمعها دون أن يتفهم حرفياً لما يحمله المعنى التفصيلي حين تختلف اللغة بل المعنى عالجملة و حسب النظرة العامة للتاريخ يستطيع أن يستخرج ويصيب في فهم المعنى العميق، لكن هل الأغنية الكردية تأتي منفردة وبمعزل عن الموسيقى؟ يجيب الباحث الدكتور أحمد خليل بذكره لبعض الملاحظات عن الموسيقى :الكردية، فيقول

الملاحظة الأولى: تُسمَع الموسيقى الكردية منفردةً، من غير مصاحبة الغناء، وعندئذ تبرز خصائصها الصوتية والسيكولوجية على نحو أفضل، ويحتاج تذوّقها إلى قدر عال من رهافة الحس الجمالي الموسيقي، وإلى قدرات تأملية متقدمة، لذا يجد هذا النمط رواجاً عند النخب الكردية المثقفة، أكثر من رواجها عند الجماهير الشعبية. وتُسمع الموسيقى الكردية مصاحبة للغناء، والجماهير الشعبية أكثر إقبالاً على هذا النمط، وتكتسب الموسيقى حينذاك أكبر قدر من الروعة حينما تتناغم معها نبرات صوت المغنّي، ويا لبؤسها حينما تكون هي في واد ونبرات صوت المغنّي في واد آخر.

الملاحظة الثانية: الموسيقى- سواء أكانت منفردة أم مصحوبة بالغناء- عميقة الجذور في الميثولوجيا الكردية، وما زلنا نرى إلى اليوم حضور الموسيقى في المناسبات الدينية عند الكرد الكاكَه ئي والكرد الأيزدي، وما يثير الانتباه أن الطابع الغالب على الموسيقى في تلك المناسبات ليس كئيباً، وإنما هو طابع تغلب عليه الحيوية والإشراق؛ وهذه الظاهرة في حد ذاتها جديرة بالدرس والتمحيص.

الملاحظة الثالثة: لا أزعم أنني استمعت إلى الموسيقى في جميع مناطق كردستان، لكن لاحظت- في حدود ما سمعت- أن الموسيقى الكردية التراثية أكثر تطوراًً وفنّية في جنوب وشرقي كردستان إذا قيست بالموسيقى في شمال وغربي كردستان، 
والدليل على صحة ملاحظتنا أن آلة السَّنتور، بألحانها المتنوعة العذبة الرقيقة، حاضرة في الكَوْرس الموسيقي عند كرد الجنوب والشرق، إضافة إلى آلة الكمنجة، في حين لا نرى لهاتين الآلتين حضوراً في الكورس الموسيقي عند كرد الشمال والغرب، أما الكمنجة المستطيلة الصندوق المستعملة عند بعض كرد الشمال فالأرجح أنها دخيلة على التراث الموسيقي الكردي، وأحسب أنها مقتبسة من التراث الموسيقي التركماني، لذا ثمة تنافر واضح بين أنغام تلك الكمنجة ونبرات الصوت الكردي عند الغناء، وأظن أن المنطقة التي تُستعمَل فيها الكمنجة المستطيلة الصندوق هي منطقة حصل فيها تجاور كردي- تركماني منذ عهد السلاجقة.

لا تستطيع أن تستمع إلى الموسيقى الكردية دون أن تلحظ ارتباطها بالحزن والألم، بل ربما يتفشى داخلك المعنى الانساني حين تتأمل رسائل البسطاء من الأكراد خلال أحزانهم، لهذا يقال بأنها الموسيقى الشرقية الأكثر إثارة وخصوصية.

للاستماع إلى بعض الأغاني والموسيقى الكردية  :


 روابط للاستزادة حول الموسيقى الكردية وتاريخها : [1]، [2]، [3]

التانغو: من بيوت البغاء إلى العالمية

tango2

رقصة التانغو في أذهاننا عبارة عن لوحة أرجنتينية يرسمها رجل أنيق يرتدي البدلة السوداء يراقص امرأة في كامل أنوثتها وأناقتها متشاركين اللحظة في صالون ارستقراطي فخم، ينسدل من سقفه ثريات مرصعة بالكريستالات ولها سلاسل مذهبة ، أو ربما أضواء خافتة تسلط فقط على تلك الأجساد التي تحكي قصة حب على إيقاعات معينة تاركة للأجساد حرية التعبير عن ذاتها بتبادل الحركات والإلتواءات وحتى الوقفات لتحكي وتروي قصصاً بخفة متباينة ونمط بديع ، في حين أن مجموعة كبيرة من عشاق تلك الرقصة يجلسون متحلقين وراء الكواليس وخلف الأضواء بصمت حتى تسحب الموسيقى نفسها وتتوقف، فيختفي الظلام عنهم لتكون نقطة النهاية بدلا من اسدال الستائر هي صفقات الحاضرين، وارسال ذبذبات سعادتهم عبرها امتنانا، ليرد الراقصان الإمتنان بلمعة في العينين وابتسامة.

لكن الصدمة وكل الصدمة حين تبدأ في القراءة عن التانغو لتكتشف بدايتها فيصيبك الذهول من تلك النقلة النوعية وتطورها.

بدأت موسيقا التانغو كما تقول أ. كارمن:

منذ 1880، سادت الموسيقى الهجينة العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيريس. ويومها كانت المدينة في طور التوسّع والتمدد. وارتفع عدد سكانها من 210 آلاف نسمة، في 1880، إلى مليون نسمة ونصف في 1910.
في أثناء ثلاثة عقود، خلفت موجات الهجرة الكبيرة من أوروبا الى الارجنتين أثراً كبيراً في اللغة والعادات والتقاليد الموروثة من حقبة الاستعمار. وتدفقُ المهاجرين، ومعظمهم من الرجال، وقد أسهم ذلك في انتشار البغاء. وبلغ عدد فتيات الهوى نحو 30 ألفاً. 
وفي 1914، استقبلت العاصمة الأرجنتينية ربع سكان البلد. وحملت المضاربات العقارية المترتبة على التوسع العمراني، المهاجرين على النزول في أحزمة بؤس أو عشوائيات، وعلى الاقامة في مبان تطل شققها على باحات داخلية. وحضنت الباحات هذه علاقات التكافل والتضامن والاختلاط. وكانت هذه «البؤر» بوتقة انصهار الثقافات. واستقى التانغو كلماته وشخصياته منها.

رقصة التانغو وسيلة دفعت الكثير من الرجال بعد أن زاد عددهم عن النساء بالترويج لذواتهم عن طريق اتقان الرقصات فبذلك يشد انتباه النساء للمشاركة ليس لأجل الرقص ذاته بل لأجل المرأة والعلاقة الجسدية، فكثرت في تلك الفترة بيوت الدعارة لعدة أسباب ومن بينها اليأس فذكرت أ. كارمن :

التانغو هو رقص الافكار الحزينة، هي أشبه بأحزان راقصة. هو رقص التأمل في المصير البائس. وعلى خلاف الموسيقى اللاتينية الفرحة، ينقل التانغو معالم هويتهم الأساسية، مثل الإحباط والحنين والنقمة، ومعنى الوجود المأسوي.

وأولى الإشارات إلى التانغو الحديث تعود إلى سبعينات القرن التاسع عشر. وحاكى رقص التانغو مسيرة عسكرية اسمها «أل كويكو»، أي بيت البغاء. وخطوات هذه الرقصة مليئة بالإيحاءات. فالجنود يرقصون مع فتيات «الثكنة».

ثم بعد الحرب انتقل هذا الفن وانتقلت تلك الموسيقى وغزت صالونات الارستقراطيين في مدن عريقة كباريس وتطور التانغو في معناه وفحواه الذي كان لصيقا ببيوت الدعارة ليصبح مظهرا من مظاهر الترف حتى لا تعود طبقة برجوازية لا يعرف أفرادها التانغو وربما منذ تلك اللحظة تغير مفهوم رقص التانغو وتغيرت أغراضها وباتت ملجأ الحب ووسيلة المحبين ذات الطبقات العريقة لينسجوا عبرها رواياتهم، فتقول أ. كارمن:

غزا التانغو الصالونات الأريستوقراطية والشعبية في أوروبا، وبلغ روسيا القيصرية، في عهد نقولا الثاني. وفي بوينس آيريس، انتقلت الرقصة من بيوت الدعارة إلى الأماكن الراقية. وبلغ الشغف بموسيقى التانغو ذروته بأوروبا عشية الحرب الأولى، وحذفت منها الكلمات التي تخدش الحياء البورجوازي. وفي 1917، كتب كارلوس غارديل أغنية «ليلتي الحزينة» ولحنها. وغلبت على الاغنية مفردات عاطفية، وغاب عنها عالم البغاء ومفرداته. ومايؤكد كلماتها هو فرناردو الذي ذكر في مقاله مراحل تطور التانغو ومنها هي أن مجموعة من محترفي رقصات التانغو الأرجنتينية بعد الحرب أقاموا جولة حول العالم يؤدون رقصاتهم بإحتراف حتى صار لها حيزها من الشهرة والمعرفة.

أما عن الموسيقى ذاتها فهي تعتبر من جذور أسبانية أوروبية ثم تطورت وتغيرت حتى أخذت بعض مظاهر موسيقى الجاز ببعض إيقاعاته، وقد قيل أن فرق التانغو تتكون من ستة عازفين يعزفون على عدة آلات أساسية وهي الكمان والبيانو والباص والأكورديون والهرمونيكا إلى جانب إضافة الفلوت أو الكلارينيت يقول فرناردو  أن الأوربيين والأمريكان أعادوا صياغة موسيقى التانغو وكان من أهم أولئك المحدثين هو بيزولا piazzolla حيث جعلها أكثر ملائمة للطبقات الوسطى فقد بسطها وأضاف بعض جمل موسيقية من الجاز بحيث تصبح وسيلة ليستمتعوا بها وأداة للرقص بعد أن كانت الموسيقى الكلاسيكية للإستماع فقط

الموسيقى وتاريخها هي روايات الشعوب السياسية والإقتصادية والإجتماعية أيضاً، هي حياة الشارع وانعكاس الوقت ومرآة الشعب و هي الوثيقة المفصلة لردود الأفعال الشعبية البسيطة التي غدت مع الوقت رمزا ثقافياً

وهنا بعض المقاطع للمشاهدة

للإستزادة :

التانغو أول موسيقى تعولمت من غير أن تنفك رمزاً للأمة الأرجنتينية
عاشق التانغو
E L  T A N G O at a glance
Dancing to the music of love in Buenos Aires