أرشيف الوسم: ميلان كونديرا

ما أهمية (كونديرا) اليوم؟ مقالة مطوّلة مترجمة

في ثمانينات القرن الماضي، كان الجميع يقرأ (كائن لا تحتمل خفته) و(كتاب الضحك والنسيان). لكن الآن وقد قام بنشر روايته الأولى منذ اثني عشر سنة، ما هي سمعة الكاتب التشيكي اليوم، وهل تأثرت فعلا بسبب صورة المرأة فيها؟

في الصفحة الأولى من رواية (ميلان كونديرا) الجديدة التي نشرت في فرنسا السنة الفارطة وقد صار عمر كاتبها 85 سنة، رجل يتنزه في شارع باريسي في شهر جوان، “وقد كانت الشمس تنبثق من بين السحب“. اسم الرجل (آلان)، لكننا لا نعرف شيئا عن عمره ولا مظهره الخارجي، لكننا نعلم أنه مثقف، لأن رؤية سرر [جمع سرّة] الفتيات المكشوفة التي اعترضته في الشارع تلهمه سلسلة من التأملات، كل واحدة من هذه التأملات تحاول أن “تصف وتعرف خصوصية توجه إيروتيكي ما“.

من يمكن إذن أن يكون كاتب هذا المقطع غير (ميلان كونديرا)؟

اثنتان من الاستعارات الأساسية في رواياته حاضران بقوّة منذ الصفحة والنصف الأولى:

أولا، أهميّة النظرة الذكوريّة المركّزة على جسد المرأة، و”المفتونة” به، ثم نسج نظرية دقيقة حوله، انطلاقا مما يرى.

ثانيا: النتيجة التي تأخذنا إليها تلك النظرية، والتي تتجسد في “مركز قوة الإغراء الأنثوي” ليس فقط من وجهة نظر “رجل ما“، بل من وجهة نظر “حقبة زمنية“.

مما يؤكد لنا طموح هذا الروائي، الذي كرّس أعماله من أجل صياغة علاقات وروابط بين الوعي الفردي وبين الراهن والمتغيّرات التاريخية والسياسية.

(حفلة التفاهة) إذن هي بالتأكيد رواية كونديريّة بامتياز، إن لم نعتبرها من كلاسيكياته. إنه كتاب لكاتبٍ شيخ، وبما أنه يحتوي على وميض مؤشرات على ضرب من النشوة والحكمة المرحة، سيكون من المفاجئ ألا تتضمن روحا خريفيّة.

في لمحة على أغلفة روايات (كونديرا) في دار فابير للنشر Faber editions نجد مجموعة من أقوال الإطراء التي كتبها كلّ من (إيان ماكيوان) و(سلمان رشدي) و(كارلوس فوينتس)، وأغلب هؤلاء قد تخطّى العقد الثالث من العمر، حيث يذكّروننا أن شهرة الكاتب كانت في ذروتها في الثمانينات، عندما كان الجميع يقرؤون (كتاب الضحك والنسيان) و(كائن لا تحتمل خفته).

لم بدت تلك الكتب ضرورية ولا غنى عنها في ذلك الوقت؟

هل كان ذلك لملاءمتها بصفة عابرة لروح العصر آن ذاك، أم أنها تحتوي على شيء أكثر متانة وقدرة على الاستمرار؟ كيف سيحكم التاريخ إذن عليها؟

من المنصف القول أن سمعته ستبقى دائما مرتبطة برواياته الكبرى الثلاث، التي كتبها في المرحلة الوسطى من مسيرته وهي: (كتاب الضحك والنسيان)، (كائن لا تحتمل خفته)، و(الخلود).

قبلها، كان هناك ثلاث روايات ساخرة وهي: (المزحة)، (الحياة في مكان آخر) و(فالس الوداع)، والتي استدعى فيها بشكل واضح أجواء ما بعد الحرب والحكم الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، دون أن يغفل فيها عن إضفاء النفس المميّز لأعماله عليها.

بعد ذلك، نجد ثلاثية متكوّنة من ثلاث روايات كتبها على شكل نوفيلات صغيرة؛ وهي (البطء)، (الهويّة)، و(الجهل)، والتي تدل عناوينها على منحاها الفلسفي إلى جانب طبيعتها كأعمال روائية متخيّلة.

تلك الكتب التي كتبها في أواسط مشواره، هي الشاهدة على عثور (كونديرا) ليس فقط على صوته الروائي الفريد، بل وكذلك الأسلوب الأمثل. إنها روايات الاغتراب، المكتوبة في المنفى.

غادر (كونديرا) تشيكوسلوفاكيا سنة 1975 بعد أن تم تسريحه من وظيفته كمدرس وحرمانه من حقه في العمل، ومصادرة رواياته من المكتبات العامة، وقد تزامن قدومه إلى باريس مع حصول تغيرات هامة في التوجه الأدبي.

تخلّى (كتاب الضحك والنسيان) عن الاسترسال التقليدي لخط السرد، واكتشف عوضا عنه، تركيبة من الحكايات المترابطة في ما بينها، من خلال حضور بعض الشخصيات أحيانا، لكن بشكل أكبر، من خلال تواتر مجموعة من الثيمات والمصطلحات، والرموز ..

كان (كونديرا) مع مغادرته بلده الأم وكأنه قد حرر نفسه كذلك من قيود الكتابة التقليدية، وقد اتسمت الرواية بانسيابية لافتة، وبهدوء لذيذ في انتقالها من سرد للأحداث إلى أسلوب كتابة المقال، ثم العودة إلى السرد.

عدم الفصل بين الشكل والمضمون: يعتبر من أهم الأشياء التي يمكن أن نتعلمها من أعمال (كونديرا).

في كتابته في نوفيلا (البطء) عن أشهر كتب (بيير شادرلو دولاكلوس)، يفكر (كونديرا):

الطريقة التي كُتبت بها العلاقات الخطرة في شكل سلسلة مراسلات، ليست محض طريقة تقنيّة يمكن استبدالها بأخرى بسهولة. الشكل هنا إذن هو ناطق عن نفسه، ويخبرنا أن كل ما تعيشه الشخصيات، إنما تعيشه من أجل أن تتحدث عنه، وتنقله وتعترف به وتكتبه. في عالم كهذا، حيث يقال كل شيء، يصبح السلاح الأكثر توفرا في المتناول والأكثر فتكا هو الإفصاح.

هذه الملاحظة بالطبع لا تصدر فقط عن مؤرخ أدبي فذ، بل عن شخص عاش تحت رقابة البوليس السري. الكتابة، وما يمكن أن “تفشي” عن الكُتّاب، تمثل إحدى أكثر المواضيع الملحّة في أعمال (كونديرا)، منذ ظهور (المزحة).

في (كتاب الضحك والنسيان)، تعيش (تامينا)، وهي مهاجرة تشيكية، في مدينة غربية غير مسماة، وهي مستعدة لفعل المستحيل في سبيل أن تستردّ إحدى عشر وثيقة من مذكراتها الضائعة التي تركتها في بلدها الأم، لكنها تواجه في المقابل عراقيل كثيرة لعل من أهمها عدم قدرة الغربيين على فهمها: “من أجل أن تسهّل فهم الناس هنا لأي شيء عن حياتها, كان عليها أن تقوم بتبسيط الأشياء“.

تعمد إذن إلى إخبارهم أن المذكرات المقصودة هي عبارة عن “وثائق سياسية“، والحال أنها لم تكن سوى كتبا لذكرياتها، كانت تريد استعادتها ليس لأسباب سياسية، وإنما بسبب إحساسها بأن ذاكرتها عن حياتها السابقة قد بدأت تتلاشى، وهي بذلك تأمل في أن “تعيد لها جسدها الضائع. ما يدفعها لفعل ذلك ليس الرغبة في الجمال، بل هي الرغبة في الحياة“.

من خلال هذه القصة، والقصص الأخرى المرتبطة بها، يسلط (كتاب الضحك والنسيان) الضوء على نقاط في حياتنا حيث تتقاطع الهويّة، بكونها البناء المكوّن لذواتنا عن طريق الذاكرة، مع القوى السياسية التي هي في صراع معها.

إنها ثيمة لا يمكن فصلها عن سياق الظروف التي عاشها (كونديرا)، وهي الحقبة الشيوعية السوفييتية، وهو سياق كان قد فتن، وفي بعض الأحيان أربك المراقبين الغربيين في السبعينات والثمانينات، وهو ما فتحت عليه روايات (كونديرا) نافذة فريدة، من خلال عرض تعقيداتها بأسلوب ساخر لا مثيل له، وسوداويّة وصرامة فكريّة كبيرة.

في أعقاب تلك الروايات، أتى كتاب آخر كان من بين مهامه أن يفسرها: (فن الرواية)، وهي مجموعة متكونة من سبع مقالات طرح (كونديرا) من خلالها تصوّره عن التقاليد الروائية الأوروبية وموقعه هو ضمنها.

النص المفتاح الذي استعمله في تحليله هذا كان (السائرون نياما)، لـ(هيرمان بروخ)، وهي ثلاثية روائية كان القليل من القراء البريطانيين يعرفونها في ذلك الوقت، ولعلهم صاروا أقل بكثير في أيامنا هذه، إذ لم يعد حتى في مقدور القارئ أن يعثر على نسخة مطبوعة منها في بريطانيا اليوم.

في هذه الكتب، قدّم بروخ كذلك تركيبة متكوّنة من عديد الأساليب المختلفة، التي رآها (كونديرا)؛ “تعددا في العناصر، كالقصيدة، والسرد، والأقوال المأثورة، والروبرتاج والمقالة. وهي بذلك تشكل توليفة بوليفونية متماسكة“.

على ضوء ذلك، فإنه من الصّعب ألا نلاحظ أن جميع أعمال (كونديرا) التي كتبها في المهجر، كانت عبارة عن محاولة، وقد كانت ناجحة، لمواصلة المشروع الذي بدأه (بروخ)، بما أنّ عمله الخاص على مزج تلك العناصر كان على حد كبير من السّلاسة والإقناع.

لكن هل حقق كونديرا ذلك على حساب شيء آخر مهم، وهو الحقيقة السيكولوجية عن الحياة؟

رواياتي ليست روايات سيكولوجية“، يؤكد في كتاب (فن الرواية).

هي بصفة أدقّ تقع خارج الحقل الجمالي للرواية المصنّفة عادة سيكولوجية“.

كان هذا موقفه السّلبي، أي ما لم تكنه رواياته، لكن لمّا كان عليه أن يحدد ماهيتها، كانت إجابته أكثر تعقيدا:

كل الروايات في جميع الأزمنة، هي معنيّة بالبحث في اللغز البشري .. وأنا بتصنيفي أعمالي خارج ما يسمّى الرواية السيكولوجية، لا أروم بذلك تجريد شخصياتي من عالم داخلي نفسي، بل ذلك فقط يعني أن لرواياتي معضلات وأسئلة أخرى تسعى للوصول إليها في المقام الأوّل. إن إدراك الذات في رواياتي يتطلّب الإمساك بجوهر إشكاليتها الوجودية, أي إدراك رمزها الوجودي.

هذا “الرمز الوجودي“، يواصل التوضيح، قد يتم التعبير عنه بواسطة سلسلة من الكلمات المفاتيح. بالنسبة إلى (تيريزا) في (كائن لا تحتمل خفته)، على سبيل المثال، هذه الكلمات هي: “الجسد، الروح، الدوار، الضعف، الأنشودة، الفردوس“.

مفتونين بالذكاء الفلسفي لهذه الرواية، ومن دون شك مأخوذين بالنفس الإيروتيكي فيها، خاصة بالنسبة للقراء الذكور، تقبّل عشاق (كونديرا) استعماله للرمز الوجودي كوسيلة لنحت الشخصيّات، أو حتّى نستعمل مصطلحات أكثر قربا من مجال النقد الأدبي التقليدي، ساهم ذلك في أن ينسيهم ما في الرواية من ضعف في وصف للشخصيات. لكن الحال أنّ الشخصيات لطالما عاشت في ذاكرة القارئ أكثر من الأفكار.

منذ سنوات قليلة في هذه الصّحيفة، كتب (جون بانفيل) مقالا مهما يعيد فيه تقييم (كائن لا تحتمل خفته) بعد عقدين من صدورها. النبرة التي تكلم بها كانت شغوفة لكن مع بعض الرّيبة: “كنت مندهشا من قلّة ما استطعت تذكره“، يقول أيضًا: “كما يحيل العنوان، لقد انساب الكتاب خارجا من ذاكرتي كما لو كان بالونا مملوءا بالهواء الساخن ينسلّ من حبله ويحلق بعيدا … لم أستطع الاحتفاظ بأي شيء عن الشخصيات، ولا حتى أسماؤها“.

لكنه اعترف أن الرواية استطاعت مع ذلك أن تحافظ على أهمّيتها السياسية، حيث أضاف: “لكن أهميّتها (السّياسية) في المقابل لا يمكن مقارنتها بالإحساس بالحياة، والتي لا يمكن أن ينقلها لنا سوى العظماء من الرّوائيين“.

من خلال كتاباته، لا يبدو أن (كونديرا) يعتبر نفسه جزءا من تلك الزمرة من “الروائيين العظام” التي أشار لها (بانفيل) ضمنيا، فالعديد من الروائيين المفضلين لديه؛ (ستيرن)، (ديدرو)، (بروخ)، (موزيل)، (غومبروفيتش)، ينتمون فعلا إلى ذلك الاتجاه في الكتابة الساخرة والمبهمة، التي تتحمّل أكثر من تأويل، والتي يكون فيها الكتّاب أنفسهم واعين تماما بكل ضروب التناقضات والانزلاقات والآليات التي تنطوي عليها عملية خلق العوالم المتخيّلة، ما يجعل من كتبهم في مرحلة ما، أعمالا مضادّة لنفسها، أو على الأقل تقوم باستجواب نفسها.

الشخصيات النسائية في روايات (كونديرا)

من هنا تبدو لنا مكانة كونديرا ضمن هذه النخبة من الكتاب العظام مضمونة، مع ضرورة التنبيه إلى تفصيل مهم، وهو أن روح “الإحساس بالحياة” غائبة بطريقة لافتة في تصويره لشخصياته النسائية.

لطالما قامت الحركة النسوية باتهام (كونديرا)، لكن تلك التهمة لم تبلغ أوج بلاغتها إلا مع (جوان سميث) في كتابها Misogynies أو (كراهية النساء) حيث تتمسّك أنّ “العداء هو الصّفة الأساسية في ما يكتبه (كونديرا) عن النّساء”.

ومضت الكاتبة في ضرب أمثلة عدّة، من بينها تلك التي جاءت في (كائن لا تحتمل خفته) وفيه يتحدّث الراوي عن لقاء سري جمعه بناشرة بإحدى المجلات، كانت بنشرها لمقالاته تعرض نفسها للخطر.

ولأنّها متوتّرة بسبب هذا اللّقاء، تفقد الناشرة السيطرة على أحشائها، تدخل الحمام بصفة متكررة. كردة فعله حيال ذلك، كان الانطباع الذي أبداه الراوي غريبا وصعب التفسير: “رغبة جامحة في اغتصابها .. أردت أن أحتويها كلّيا، بخرائها وبروحها العصيّية على الوصف

لا شك أن هذا المقطع متهجّم، لكنني شخصيا أراه إدانة للرجال أكثر من أي شيء آخر!

في مقابل أمثلة الإدانة التي قدمتها (سميث)، يتوجّب علينا أن نعرض عدد من الشخصيات النسائية خاصة في الروايات الأخيرة لـ(كونديرا)، حيث تبدو هذه متساوية في حضورها مع الرجال.

بالنسبة لي فإن رواية (الجهل) هي بشكل ما المفضلة لدي من بين أعماله الأخيرة، لعدة أسباب لعلّ أهمها كون بطلتها (إيرينا)، وهي شخصية مركبة ومرهفة، يقدّم لنا سلوكها في المنفى بمزيج من الهزل والتعاطف. لكن حتى هنا، في نهاية الكتاب، تبدو لنا الصورة النهائية لـ(إيرينا) متلصّصة والتعامل معها يكون كشيء لا كشخص. (voyeuristic, objectifying)

حيث تنام عارية “مباعدة بين ساقيها بلامبالاة“، بينما يثبت عشيقها نظره على ما بين فخذيها و”يراقب لوقت طويل ذلك المكان الحزين“.

لماذا يشعر (كونديرا) بالحاجة لعرض نسائه بهذا القدر من الدقّة والقسوة؟

وانطلاقا من ذلك، كيف كان له أن يكتب كتابا من 150 صفحة عن الرواية الأوروبية دون أن يذكر فيه أيّ روائية باستثناء (أغاثا كريستي

لا أستطيع منع نفسي من التفكير، في أنه إذا كان هناك ما يمكن أن يقوّض سمعة (كونديرا) في المستقبل، فلن يكون ذلك أي غياب لـ”الإحساس بالحياة” في رواياته، أو كون أعماله قد تبلورت في ظروف سياسية قد يتم نسيانها؛ بل سيكون ذلك طغيان المركزية الذكورية لديه.

لقد تجنبت كلمة “العداء للنساء” لأنني لا أعتقد أنه يكره النّساء، أو أنه معادٍ لهم بشكل ثابت، لكنه حتما يرى العالم من وجهة نظر ذكورية خالصة، وهذا يمثل نقيصة تؤخذ عليه، رغم ما استطاع أن يحققه من انجازات كروائي وككاتب.

لحسن الحظ، تعتبر (حفلة التفاهة) الأقل تشوّها بهذه النزعة من بين كل ما كتب تقريبا، ورغم أنها ليست عملا جوهريا في مسيرته، لكنها قد تمثل نقطة جيّدة للإقبال مجددا على قراءته، بالنسبة لمن نفروا في الماضي من الإشكاليات الجنسية، السياسية، والتي جعلت حتى أفضل كتبه تنطوي على تلميحات غير مريحة.


[المصدر]

ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان

Milan-Kundera-006

(ميلان كونديرا)، روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه (الستارة) حيث يحكي مستفتحًا:

أتذكر لقائي مع بعض زملائي في الثانوية بعد عشرين عامًا من البكالوريا؛ يخاطبني (ج) بفرح: “ما زلت أراك تقول لأستاذنا في الرياضيات: تبًا يا سيدي الأستاذ”، والحال فإن اللفظ التشيكي لكلمة “تبًا” نفّرني على الدوام، وكنتُ على ثقة تامة بأنني لم أقل ذلك، لكن الجميع من حولنا انفجروا ضاحكين، متظاهرين بأنهم تذكروا تصريحي الظريف. أدركتُ أن تكذيبي وإنكاري لن يقنع أحدًا، فابتسمت بتواضع دون احتجاج لأنه، وأُضيف هذا إلى خجلي، سرَّني أن أرى نفسي وقد تحوّلت إلى بطل يطلق كلامًا بذيئًا في وجه الأستاذ الملعون.

عاش الجميع مثل هذه الحكايا. عندما يستشهد أحدهم بما قُلته في محادثة، فإنك لن تتعرف أبدًا على نفسك؛ تغدو عباراتك في أحسن الأحوال مبسطة على نحوٍ فظ وأحيانًا مشوّهة -عندما يُؤخذ تهكمكم على محمل الجد- وغالبًا غير منسجمة البتة مع ما سبق لك أن قلته أو فكرت به. وينبغي أن لا تدهش أو تسخط، لأن هذه بديهية البديهيات: الإنسان منفصل عن الماضي -الماضي القديم كما الماضي القريب جدًا منذ بضع ثوانٍ- بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان، التي تمحي، وقوة الذاكرة، التي تُحوِّر.

هذه بديهية البديهيات، لكن من الصعب قبولها لأنه، عندما نفكر فيها حتى النهاية، ماذا ستصبح كل الشهادات التي يستند إليها التأريخ، ماذا تصبح يقينياتنا عن الماضي، وماذا يصبح التاريخ نفسه الذي نرجع إليه يوميًا بسذاجة وحسن نية وعفوية؟ خلف بطانة المُسلّم به الرقيقة -ليس ثمة شك أن (نابليون) خسر معركة (واترلو)- يَنتشر فضاءٌ لا نهائي، فضاء التقريب والاختلاق والتشويه والتبسيط والمبالغة وسوء الفهم، فضاءٌ لا نهائي من اللا حقائق التي تتكاثر كالفئران وتَتَخلَّد.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يعطي النشاط الدائم للنسيان لكل واحد من تصرفاتنا طابعًا شجيًا وغير حقيقي وضبابي .. ماذا تغذينا قبل البارحة؟ ماذا روى لي صديقي بالأمس؟ وحتى: بماذا فكرت منذ ثلاث ثواني؟ كل هذا يُنسى، وما هو أسوأ بكثير، لا يستحق شيئًا آخر. ومقابل عالمنا الواقعي الزائل والجدير بالنسيان في حد ذاته، تنتصب الأعمال الفنية كعالم آخر، عالم مثالي وراسخ، لكل تفصيل فيه أهميته ومعناه، وكل ما يوجد فيه، كل كلمة، كل جملة، تستحق ألا تُنسى وأن تُفهم كما هي.

مع ذلك لا يُفلت الإدراك الحسي للفن أيضًا من سلطة النسيان. وبهذه الدقة، يوجد كل فن من الفنون في موقع مختلف إزاء النسيان. من وجهة النظر هذه، الشِعر محفوظ. مَن يقرأ نشيد (بودلير)، لا يسعه أن يقفز فوق كلمة واحدة منه. وإذا أحبه، سيقرؤه عدة مرات وربما بصوت مرتفع. وإذا أحبه إلى درجة الجنون، سيحفظه عن ظهر قلب. فالشعر الغنائي هو معقل الغناء.

أما الرواية، بالعكس، هي قصر محصّن بردائة إزاء النسيان. وعندما أخصص ساعة لقراءة عشرين صفحة، فإن رواية من أربعمئة صفحة ستأخذ مني عشرين ساعةولنقل إذًا أسبوعًا. ونادرًا ما أجد أسبوعًا بكامله فارغًا. وعلى الأرجح ستخلل جلسات القراءة انقطاعات لعدة أيام، سيقيم خلالها النسيان ورشته على الفور، لكن النسيان لا يعمل في فترات الانقطاع فقط، بل يشترك في القراءة بشكل مستمر، بلا أي توقف، وأنا أقلب الصفحة أنسى ما قرأته توًا؛ ولا أحتفظ منه إلا بنوع من المختصر الضروري لفهم ما يليه، بينما تُمحى جميع التفاصيل والملاحظات الصغيرة والعبارات المثيرة للإعجاب. وذات يوم بعد سنوات، ستراودني الرغبة في التحدث إلى صديق عن الرواية، عندئذ ستتأكد أن ذاكرتينا اللتين لم تحتفظا من القراءة إلا ببعض المقتطفات، أعادتا بناء كتابين مختلفين لدى كل واحد منا.

ومع ذلك، يكتب الروائي روايته كما لو كان يكتب نشيدًا. انظروا إليه، إنه مذهول بالتأليف الذي يراه يرتسم أمامه؛ أدنى تفصيل مهم بالنسبة له، يحوّله إلى موتيف -موضوع فني أو أدبي صغير- وسيعيده في تكرارات عديدة وتنويعات وتلميحات كما في مقطوعة الفوغ -تنويع موسيقي تتكرر أجزاؤه. لهذا السبب هو لأنه واثق من أن الجزء الثاني من روايته سيكون أجمل وأقوى من الأول، لأنه كلما تقدم في قاعات هذا القصر، تضاعفت أصداء الجمل الملفوظة والثيمات المعروضة سابقًا، وبعد أن تتجملع في تناغم، ترن في كل الأجاء.

ميلان كونديرا، وتعدد معاني كلمة “التاريخ”

1milan_kundera1

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي. لديه العديد من الروايات العالمية الشهيرة، أبرزها (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه النقدي (الستارة) عن تعدد معاني كلمة “التاريخ“، فيقول مستفتحًا:

في هاتين العبارتين: “تاريخ ألمانيا”، “تاريخ فرنسا”، يختلف المُضاف إليه بينما يحتفظ مفهوم التاريخ بالمعنى ذاته. وفي عبارات “تاريخ الإنسانية”، “تاريخ التقنية”، “تاريخ العلم”، “تاريخ هذا الفن أو ذاك” ليس المُضاف إليه هو المختلف فقط، بل حتى كلمة “تاريخ” تعني كل مرة شيئًا مختلفًا.

ثم يضرب مثلًا ، لأجل توضيح الفارق في كلمة “تاريخ“:

يكتشف الطبيب (أ) طريقة عبقرية لعلاج أحد الأمراض، لكن الطبيب (ب) يضع بعد عشر سنوات طريقة أخرى أكثر فعالية بحيث تُهمَل الطريقة السابقة، رغم أنها عبقرية، وتُنسى. تاريخ العلم له طابع التقدم.

أما إذا طبّقنا مفهوم التاريخ على الفن، لن تعود له صلة بالتقدم؛ فهو لا يتضمن إتقانًا وتحسينًا وارتقاءً؛ يشبه الإقدام على رحلة لاكتشاف أراضٍ مجهولة وتدوينها على خريطة. ليس طموح الروائي أن يكتب أفضل من سابقيه وحسب، بل وأن يرى ما لم يروه، أن يقول ما لم يقولوه. لم تقلل شعرية (فلوبير) من شأن شعرية (بلزاك) كما أن اكتشاف القطب الشمالي لم يُلغِ اكتشاف أمريكا.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

لا يتعلق تاريخ التقنية بالإنسان وحريته؛ ولا يمكنه أن يختلف عمّا كانه ولا عمّا سيكونه، بخضوعه لمنطقه الخاص؛ وبهذا المعنى هو غير إنساني؛ لو أن (أديسون) لم يخترع المصباح، لكان آخرَ اخترعه، لكن لو لم تخطر ببال (لورانس ستيرن) الفكرة المجنونة لكتابة رواية دون أية “قصة”، لما حلّ أحد مكانه ولما صار تاريخ الرواية على النحو الذي نعرفه.

“تاريخ الأدب، على العكس من التاريخ فقط، يجب ألا يتضمن إلا أسماء الانتصارات، ما دامت الهزائم فيه ليست انتصارًا لأحد”. تلخّص هذه الجملة الألمعية لـ(جوليان غراك) كل النتائج حيث إن تاريخ الأدب، “على العكس من التاريخ فقط”، ليس تاريخ أحداث، وإنما تاريخ قيم. فلولا (واترلو) لكان تاريخ فرنسا غير مفهوم، لكن كُتّاب (واترلو) الصغار وحتى الكبار لا مكان لهم إلا في النسيان.

التاريخ “فقط”، تاريخ الإنسانية، هو تاريخ أحداث لم تعُد موجودة ولا تُسهم بشكل مباشر في حياتنا. أما تاريخ الفن، لأنه تاريخ القيم، أي تاريخ الوقائع الضرورية لنا، فهو حاضر دائمًا، معنا دومًا؛ ويصغي إلى (مونتيفيردي)، و(سترافينسكي)، في الحفلة الموسيقية ذاتها.

ويختتم مقالته بعد ذلك:

وما دامت قيم الأعمال الفنية معنا دومًا، فإنها تثير الشك باستمرار، تُمنع، تُحاكم، وتعاد محاكمتها، لكن كيف تُحاكم؟ ليس هناك في مجال الفن معايير دقيقة لأجل ذلك. كل حكم جمالي هو رهانٌ شخصي؛ لكن رهانًا لا ينغلق على ذاتيته التي تواجه أحكامًا أخرى، يميل إلى أن يُعرف، ويصبو إلى الموضوعية. في الوعي الجمعي، تاريخ الرواية بكل زمانه الممتد من (رابليه) حتى أيامنا هذه، يوجد هكذا في تحوُّل مستمر يشارك فيه الذكاء والغباء، الكفاءة وعدم الكفاءة، وفوق ذلك النسيان الذي لا يفتأ يوسع مقبرته الفسيحة التي ترقد فيها، إلى جانب اللاقيم، قيم منتَقَصٌ من قدرا، مستخفٌ بها أو منسية. وهذا الظلم المحتوم يجعل تاريخ الفن إنسانيًا بعمق.

عن التأني ولذة البطء عند كونديرا

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا، هوكاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشكية ، ولد في عام 1929. كتب في روايته (البطء) عن التأني والرويّة في مقارنة مع زمن السرعة عبر قصتي حب كل منهما حدثت في زمن، فيتساءل في حنين لتلك الأزمنة على لسان آحدى الشخصيات:

لماذا اختفت لذة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكُسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى آخرى، وينامون في العراء، هل أختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات، وباختفاء الطبيعة؟ ثمة مثل تشيكي يحدد خمولهم الوديع بالاستعارة الآتية: أنهم يتأملون نوافد الإله، ومن يتأمل نوافد الإله لا يسأم بل يكون دوماً سعيداً، لقد تحول الخمول في عالمنا إلى البطالة، التي هي شيْ آخر تماما، العاطل خلافاً للخامل محروم ومستاء، هو في بحث دائم عن الحركة التي يفتقدها.

يعني (كونديرا) في تمجيده للبطء هو لذة المتعة وارتشاف الذاكرة للحظات، حيث يربط البطء بالتذكر والسرعة بالنسيان فيقول:

ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان، لنذكر بهذا الصدد وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمرٍ ما، لكن الذاكرة لا تسعفه، في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو، أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له تواً، على العكس يسرع لا شعورياً في مشيته، كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريباً جداً منه.

في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذة التجربة شكل معادلتين أوليتين، تقوم الاولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة، والثانية على درجة السرعة مع حدة النسيان.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.