أرشيف الوسم: ميلان كونديرا

ما أهمية (كونديرا) اليوم؟ مقالة مطوّلة مترجمة

في ثمانينات القرن الماضي، كان الجميع يقرأ (كائن لا تحتمل خفته) و(كتاب الضحك والنسيان). لكن الآن وقد قام بنشر روايته الأولى منذ اثني عشر سنة، ما هي سمعة الكاتب التشيكي اليوم، وهل تأثرت فعلا بسبب صورة المرأة فيها؟

في الصفحة الأولى من رواية (ميلان كونديرا) الجديدة التي نشرت في فرنسا السنة الفارطة وقد صار عمر كاتبها 85 سنة، رجل يتنزه في شارع باريسي في شهر جوان، “وقد كانت الشمس تنبثق من بين السحب“. اسم الرجل (آلان)، لكننا لا نعرف شيئا عن عمره ولا مظهره الخارجي، لكننا نعلم أنه مثقف، لأن رؤية سرر [جمع سرّة] الفتيات المكشوفة التي اعترضته في الشارع تلهمه سلسلة من التأملات، كل واحدة من هذه التأملات تحاول أن “تصف وتعرف خصوصية توجه إيروتيكي ما“.

من يمكن إذن أن يكون كاتب هذا المقطع غير (ميلان كونديرا)؟

اثنتان من الاستعارات الأساسية في رواياته حاضران بقوّة منذ الصفحة والنصف الأولى:

أولا، أهميّة النظرة الذكوريّة المركّزة على جسد المرأة، و”المفتونة” به، ثم نسج نظرية دقيقة حوله، انطلاقا مما يرى.

ثانيا: النتيجة التي تأخذنا إليها تلك النظرية، والتي تتجسد في “مركز قوة الإغراء الأنثوي” ليس فقط من وجهة نظر “رجل ما“، بل من وجهة نظر “حقبة زمنية“.

مما يؤكد لنا طموح هذا الروائي، الذي كرّس أعماله من أجل صياغة علاقات وروابط بين الوعي الفردي وبين الراهن والمتغيّرات التاريخية والسياسية.

(حفلة التفاهة) إذن هي بالتأكيد رواية كونديريّة بامتياز، إن لم نعتبرها من كلاسيكياته. إنه كتاب لكاتبٍ شيخ، وبما أنه يحتوي على وميض مؤشرات على ضرب من النشوة والحكمة المرحة، سيكون من المفاجئ ألا تتضمن روحا خريفيّة.

في لمحة على أغلفة روايات (كونديرا) في دار فابير للنشر Faber editions نجد مجموعة من أقوال الإطراء التي كتبها كلّ من (إيان ماكيوان) و(سلمان رشدي) و(كارلوس فوينتس)، وأغلب هؤلاء قد تخطّى العقد الثالث من العمر، حيث يذكّروننا أن شهرة الكاتب كانت في ذروتها في الثمانينات، عندما كان الجميع يقرؤون (كتاب الضحك والنسيان) و(كائن لا تحتمل خفته).

لم بدت تلك الكتب ضرورية ولا غنى عنها في ذلك الوقت؟

هل كان ذلك لملاءمتها بصفة عابرة لروح العصر آن ذاك، أم أنها تحتوي على شيء أكثر متانة وقدرة على الاستمرار؟ كيف سيحكم التاريخ إذن عليها؟

من المنصف القول أن سمعته ستبقى دائما مرتبطة برواياته الكبرى الثلاث، التي كتبها في المرحلة الوسطى من مسيرته وهي: (كتاب الضحك والنسيان)، (كائن لا تحتمل خفته)، و(الخلود).

قبلها، كان هناك ثلاث روايات ساخرة وهي: (المزحة)، (الحياة في مكان آخر) و(فالس الوداع)، والتي استدعى فيها بشكل واضح أجواء ما بعد الحرب والحكم الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، دون أن يغفل فيها عن إضفاء النفس المميّز لأعماله عليها.

بعد ذلك، نجد ثلاثية متكوّنة من ثلاث روايات كتبها على شكل نوفيلات صغيرة؛ وهي (البطء)، (الهويّة)، و(الجهل)، والتي تدل عناوينها على منحاها الفلسفي إلى جانب طبيعتها كأعمال روائية متخيّلة.

تلك الكتب التي كتبها في أواسط مشواره، هي الشاهدة على عثور (كونديرا) ليس فقط على صوته الروائي الفريد، بل وكذلك الأسلوب الأمثل. إنها روايات الاغتراب، المكتوبة في المنفى.

غادر (كونديرا) تشيكوسلوفاكيا سنة 1975 بعد أن تم تسريحه من وظيفته كمدرس وحرمانه من حقه في العمل، ومصادرة رواياته من المكتبات العامة، وقد تزامن قدومه إلى باريس مع حصول تغيرات هامة في التوجه الأدبي.

تخلّى (كتاب الضحك والنسيان) عن الاسترسال التقليدي لخط السرد، واكتشف عوضا عنه، تركيبة من الحكايات المترابطة في ما بينها، من خلال حضور بعض الشخصيات أحيانا، لكن بشكل أكبر، من خلال تواتر مجموعة من الثيمات والمصطلحات، والرموز ..

كان (كونديرا) مع مغادرته بلده الأم وكأنه قد حرر نفسه كذلك من قيود الكتابة التقليدية، وقد اتسمت الرواية بانسيابية لافتة، وبهدوء لذيذ في انتقالها من سرد للأحداث إلى أسلوب كتابة المقال، ثم العودة إلى السرد.

عدم الفصل بين الشكل والمضمون: يعتبر من أهم الأشياء التي يمكن أن نتعلمها من أعمال (كونديرا).

في كتابته في نوفيلا (البطء) عن أشهر كتب (بيير شادرلو دولاكلوس)، يفكر (كونديرا):

الطريقة التي كُتبت بها العلاقات الخطرة في شكل سلسلة مراسلات، ليست محض طريقة تقنيّة يمكن استبدالها بأخرى بسهولة. الشكل هنا إذن هو ناطق عن نفسه، ويخبرنا أن كل ما تعيشه الشخصيات، إنما تعيشه من أجل أن تتحدث عنه، وتنقله وتعترف به وتكتبه. في عالم كهذا، حيث يقال كل شيء، يصبح السلاح الأكثر توفرا في المتناول والأكثر فتكا هو الإفصاح.

هذه الملاحظة بالطبع لا تصدر فقط عن مؤرخ أدبي فذ، بل عن شخص عاش تحت رقابة البوليس السري. الكتابة، وما يمكن أن “تفشي” عن الكُتّاب، تمثل إحدى أكثر المواضيع الملحّة في أعمال (كونديرا)، منذ ظهور (المزحة).

في (كتاب الضحك والنسيان)، تعيش (تامينا)، وهي مهاجرة تشيكية، في مدينة غربية غير مسماة، وهي مستعدة لفعل المستحيل في سبيل أن تستردّ إحدى عشر وثيقة من مذكراتها الضائعة التي تركتها في بلدها الأم، لكنها تواجه في المقابل عراقيل كثيرة لعل من أهمها عدم قدرة الغربيين على فهمها: “من أجل أن تسهّل فهم الناس هنا لأي شيء عن حياتها, كان عليها أن تقوم بتبسيط الأشياء“.

تعمد إذن إلى إخبارهم أن المذكرات المقصودة هي عبارة عن “وثائق سياسية“، والحال أنها لم تكن سوى كتبا لذكرياتها، كانت تريد استعادتها ليس لأسباب سياسية، وإنما بسبب إحساسها بأن ذاكرتها عن حياتها السابقة قد بدأت تتلاشى، وهي بذلك تأمل في أن “تعيد لها جسدها الضائع. ما يدفعها لفعل ذلك ليس الرغبة في الجمال، بل هي الرغبة في الحياة“.

من خلال هذه القصة، والقصص الأخرى المرتبطة بها، يسلط (كتاب الضحك والنسيان) الضوء على نقاط في حياتنا حيث تتقاطع الهويّة، بكونها البناء المكوّن لذواتنا عن طريق الذاكرة، مع القوى السياسية التي هي في صراع معها.

إنها ثيمة لا يمكن فصلها عن سياق الظروف التي عاشها (كونديرا)، وهي الحقبة الشيوعية السوفييتية، وهو سياق كان قد فتن، وفي بعض الأحيان أربك المراقبين الغربيين في السبعينات والثمانينات، وهو ما فتحت عليه روايات (كونديرا) نافذة فريدة، من خلال عرض تعقيداتها بأسلوب ساخر لا مثيل له، وسوداويّة وصرامة فكريّة كبيرة.

في أعقاب تلك الروايات، أتى كتاب آخر كان من بين مهامه أن يفسرها: (فن الرواية)، وهي مجموعة متكونة من سبع مقالات طرح (كونديرا) من خلالها تصوّره عن التقاليد الروائية الأوروبية وموقعه هو ضمنها.

النص المفتاح الذي استعمله في تحليله هذا كان (السائرون نياما)، لـ(هيرمان بروخ)، وهي ثلاثية روائية كان القليل من القراء البريطانيين يعرفونها في ذلك الوقت، ولعلهم صاروا أقل بكثير في أيامنا هذه، إذ لم يعد حتى في مقدور القارئ أن يعثر على نسخة مطبوعة منها في بريطانيا اليوم.

في هذه الكتب، قدّم بروخ كذلك تركيبة متكوّنة من عديد الأساليب المختلفة، التي رآها (كونديرا)؛ “تعددا في العناصر، كالقصيدة، والسرد، والأقوال المأثورة، والروبرتاج والمقالة. وهي بذلك تشكل توليفة بوليفونية متماسكة“.

على ضوء ذلك، فإنه من الصّعب ألا نلاحظ أن جميع أعمال (كونديرا) التي كتبها في المهجر، كانت عبارة عن محاولة، وقد كانت ناجحة، لمواصلة المشروع الذي بدأه (بروخ)، بما أنّ عمله الخاص على مزج تلك العناصر كان على حد كبير من السّلاسة والإقناع.

لكن هل حقق كونديرا ذلك على حساب شيء آخر مهم، وهو الحقيقة السيكولوجية عن الحياة؟

رواياتي ليست روايات سيكولوجية“، يؤكد في كتاب (فن الرواية).

هي بصفة أدقّ تقع خارج الحقل الجمالي للرواية المصنّفة عادة سيكولوجية“.

كان هذا موقفه السّلبي، أي ما لم تكنه رواياته، لكن لمّا كان عليه أن يحدد ماهيتها، كانت إجابته أكثر تعقيدا:

كل الروايات في جميع الأزمنة، هي معنيّة بالبحث في اللغز البشري .. وأنا بتصنيفي أعمالي خارج ما يسمّى الرواية السيكولوجية، لا أروم بذلك تجريد شخصياتي من عالم داخلي نفسي، بل ذلك فقط يعني أن لرواياتي معضلات وأسئلة أخرى تسعى للوصول إليها في المقام الأوّل. إن إدراك الذات في رواياتي يتطلّب الإمساك بجوهر إشكاليتها الوجودية, أي إدراك رمزها الوجودي.

هذا “الرمز الوجودي“، يواصل التوضيح، قد يتم التعبير عنه بواسطة سلسلة من الكلمات المفاتيح. بالنسبة إلى (تيريزا) في (كائن لا تحتمل خفته)، على سبيل المثال، هذه الكلمات هي: “الجسد، الروح، الدوار، الضعف، الأنشودة، الفردوس“.

مفتونين بالذكاء الفلسفي لهذه الرواية، ومن دون شك مأخوذين بالنفس الإيروتيكي فيها، خاصة بالنسبة للقراء الذكور، تقبّل عشاق (كونديرا) استعماله للرمز الوجودي كوسيلة لنحت الشخصيّات، أو حتّى نستعمل مصطلحات أكثر قربا من مجال النقد الأدبي التقليدي، ساهم ذلك في أن ينسيهم ما في الرواية من ضعف في وصف للشخصيات. لكن الحال أنّ الشخصيات لطالما عاشت في ذاكرة القارئ أكثر من الأفكار.

منذ سنوات قليلة في هذه الصّحيفة، كتب (جون بانفيل) مقالا مهما يعيد فيه تقييم (كائن لا تحتمل خفته) بعد عقدين من صدورها. النبرة التي تكلم بها كانت شغوفة لكن مع بعض الرّيبة: “كنت مندهشا من قلّة ما استطعت تذكره“، يقول أيضًا: “كما يحيل العنوان، لقد انساب الكتاب خارجا من ذاكرتي كما لو كان بالونا مملوءا بالهواء الساخن ينسلّ من حبله ويحلق بعيدا … لم أستطع الاحتفاظ بأي شيء عن الشخصيات، ولا حتى أسماؤها“.

لكنه اعترف أن الرواية استطاعت مع ذلك أن تحافظ على أهمّيتها السياسية، حيث أضاف: “لكن أهميّتها (السّياسية) في المقابل لا يمكن مقارنتها بالإحساس بالحياة، والتي لا يمكن أن ينقلها لنا سوى العظماء من الرّوائيين“.

من خلال كتاباته، لا يبدو أن (كونديرا) يعتبر نفسه جزءا من تلك الزمرة من “الروائيين العظام” التي أشار لها (بانفيل) ضمنيا، فالعديد من الروائيين المفضلين لديه؛ (ستيرن)، (ديدرو)، (بروخ)، (موزيل)، (غومبروفيتش)، ينتمون فعلا إلى ذلك الاتجاه في الكتابة الساخرة والمبهمة، التي تتحمّل أكثر من تأويل، والتي يكون فيها الكتّاب أنفسهم واعين تماما بكل ضروب التناقضات والانزلاقات والآليات التي تنطوي عليها عملية خلق العوالم المتخيّلة، ما يجعل من كتبهم في مرحلة ما، أعمالا مضادّة لنفسها، أو على الأقل تقوم باستجواب نفسها.

الشخصيات النسائية في روايات (كونديرا)

من هنا تبدو لنا مكانة كونديرا ضمن هذه النخبة من الكتاب العظام مضمونة، مع ضرورة التنبيه إلى تفصيل مهم، وهو أن روح “الإحساس بالحياة” غائبة بطريقة لافتة في تصويره لشخصياته النسائية.

لطالما قامت الحركة النسوية باتهام (كونديرا)، لكن تلك التهمة لم تبلغ أوج بلاغتها إلا مع (جوان سميث) في كتابها Misogynies أو (كراهية النساء) حيث تتمسّك أنّ “العداء هو الصّفة الأساسية في ما يكتبه (كونديرا) عن النّساء”.

ومضت الكاتبة في ضرب أمثلة عدّة، من بينها تلك التي جاءت في (كائن لا تحتمل خفته) وفيه يتحدّث الراوي عن لقاء سري جمعه بناشرة بإحدى المجلات، كانت بنشرها لمقالاته تعرض نفسها للخطر.

ولأنّها متوتّرة بسبب هذا اللّقاء، تفقد الناشرة السيطرة على أحشائها، تدخل الحمام بصفة متكررة. كردة فعله حيال ذلك، كان الانطباع الذي أبداه الراوي غريبا وصعب التفسير: “رغبة جامحة في اغتصابها .. أردت أن أحتويها كلّيا، بخرائها وبروحها العصيّية على الوصف

لا شك أن هذا المقطع متهجّم، لكنني شخصيا أراه إدانة للرجال أكثر من أي شيء آخر!

في مقابل أمثلة الإدانة التي قدمتها (سميث)، يتوجّب علينا أن نعرض عدد من الشخصيات النسائية خاصة في الروايات الأخيرة لـ(كونديرا)، حيث تبدو هذه متساوية في حضورها مع الرجال.

بالنسبة لي فإن رواية (الجهل) هي بشكل ما المفضلة لدي من بين أعماله الأخيرة، لعدة أسباب لعلّ أهمها كون بطلتها (إيرينا)، وهي شخصية مركبة ومرهفة، يقدّم لنا سلوكها في المنفى بمزيج من الهزل والتعاطف. لكن حتى هنا، في نهاية الكتاب، تبدو لنا الصورة النهائية لـ(إيرينا) متلصّصة والتعامل معها يكون كشيء لا كشخص. (voyeuristic, objectifying)

حيث تنام عارية “مباعدة بين ساقيها بلامبالاة“، بينما يثبت عشيقها نظره على ما بين فخذيها و”يراقب لوقت طويل ذلك المكان الحزين“.

لماذا يشعر (كونديرا) بالحاجة لعرض نسائه بهذا القدر من الدقّة والقسوة؟

وانطلاقا من ذلك، كيف كان له أن يكتب كتابا من 150 صفحة عن الرواية الأوروبية دون أن يذكر فيه أيّ روائية باستثناء (أغاثا كريستي

لا أستطيع منع نفسي من التفكير، في أنه إذا كان هناك ما يمكن أن يقوّض سمعة (كونديرا) في المستقبل، فلن يكون ذلك أي غياب لـ”الإحساس بالحياة” في رواياته، أو كون أعماله قد تبلورت في ظروف سياسية قد يتم نسيانها؛ بل سيكون ذلك طغيان المركزية الذكورية لديه.

لقد تجنبت كلمة “العداء للنساء” لأنني لا أعتقد أنه يكره النّساء، أو أنه معادٍ لهم بشكل ثابت، لكنه حتما يرى العالم من وجهة نظر ذكورية خالصة، وهذا يمثل نقيصة تؤخذ عليه، رغم ما استطاع أن يحققه من انجازات كروائي وككاتب.

لحسن الحظ، تعتبر (حفلة التفاهة) الأقل تشوّها بهذه النزعة من بين كل ما كتب تقريبا، ورغم أنها ليست عملا جوهريا في مسيرته، لكنها قد تمثل نقطة جيّدة للإقبال مجددا على قراءته، بالنسبة لمن نفروا في الماضي من الإشكاليات الجنسية، السياسية، والتي جعلت حتى أفضل كتبه تنطوي على تلميحات غير مريحة.


[المصدر]

ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان

Milan-Kundera-006

(ميلان كونديرا)، روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه (الستارة) حيث يحكي مستفتحًا:

أتذكر لقائي مع بعض زملائي في الثانوية بعد عشرين عامًا من البكالوريا؛ يخاطبني (ج) بفرح: “ما زلت أراك تقول لأستاذنا في الرياضيات: تبًا يا سيدي الأستاذ”، والحال فإن اللفظ التشيكي لكلمة “تبًا” نفّرني على الدوام، وكنتُ على ثقة تامة بأنني لم أقل ذلك، لكن الجميع من حولنا انفجروا ضاحكين، متظاهرين بأنهم تذكروا تصريحي الظريف. أدركتُ أن تكذيبي وإنكاري لن يقنع أحدًا، فابتسمت بتواضع دون احتجاج لأنه، وأُضيف هذا إلى خجلي، سرَّني أن أرى نفسي وقد تحوّلت إلى بطل يطلق كلامًا بذيئًا في وجه الأستاذ الملعون.

عاش الجميع مثل هذه الحكايا. عندما يستشهد أحدهم بما قُلته في محادثة، فإنك لن تتعرف أبدًا على نفسك؛ تغدو عباراتك في أحسن الأحوال مبسطة على نحوٍ فظ وأحيانًا مشوّهة -عندما يُؤخذ تهكمكم على محمل الجد- وغالبًا غير منسجمة البتة مع ما سبق لك أن قلته أو فكرت به. وينبغي أن لا تدهش أو تسخط، لأن هذه بديهية البديهيات: الإنسان منفصل عن الماضي -الماضي القديم كما الماضي القريب جدًا منذ بضع ثوانٍ- بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان، التي تمحي، وقوة الذاكرة، التي تُحوِّر.

هذه بديهية البديهيات، لكن من الصعب قبولها لأنه، عندما نفكر فيها حتى النهاية، ماذا ستصبح كل الشهادات التي يستند إليها التأريخ، ماذا تصبح يقينياتنا عن الماضي، وماذا يصبح التاريخ نفسه الذي نرجع إليه يوميًا بسذاجة وحسن نية وعفوية؟ خلف بطانة المُسلّم به الرقيقة -ليس ثمة شك أن (نابليون) خسر معركة (واترلو)- يَنتشر فضاءٌ لا نهائي، فضاء التقريب والاختلاق والتشويه والتبسيط والمبالغة وسوء الفهم، فضاءٌ لا نهائي من اللا حقائق التي تتكاثر كالفئران وتَتَخلَّد.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يعطي النشاط الدائم للنسيان لكل واحد من تصرفاتنا طابعًا شجيًا وغير حقيقي وضبابي .. ماذا تغذينا قبل البارحة؟ ماذا روى لي صديقي بالأمس؟ وحتى: بماذا فكرت منذ ثلاث ثواني؟ كل هذا يُنسى، وما هو أسوأ بكثير، لا يستحق شيئًا آخر. ومقابل عالمنا الواقعي الزائل والجدير بالنسيان في حد ذاته، تنتصب الأعمال الفنية كعالم آخر، عالم مثالي وراسخ، لكل تفصيل فيه أهميته ومعناه، وكل ما يوجد فيه، كل كلمة، كل جملة، تستحق ألا تُنسى وأن تُفهم كما هي.

مع ذلك لا يُفلت الإدراك الحسي للفن أيضًا من سلطة النسيان. وبهذه الدقة، يوجد كل فن من الفنون في موقع مختلف إزاء النسيان. من وجهة النظر هذه، الشِعر محفوظ. مَن يقرأ نشيد (بودلير)، لا يسعه أن يقفز فوق كلمة واحدة منه. وإذا أحبه، سيقرؤه عدة مرات وربما بصوت مرتفع. وإذا أحبه إلى درجة الجنون، سيحفظه عن ظهر قلب. فالشعر الغنائي هو معقل الغناء.

أما الرواية، بالعكس، هي قصر محصّن بردائة إزاء النسيان. وعندما أخصص ساعة لقراءة عشرين صفحة، فإن رواية من أربعمئة صفحة ستأخذ مني عشرين ساعةولنقل إذًا أسبوعًا. ونادرًا ما أجد أسبوعًا بكامله فارغًا. وعلى الأرجح ستخلل جلسات القراءة انقطاعات لعدة أيام، سيقيم خلالها النسيان ورشته على الفور، لكن النسيان لا يعمل في فترات الانقطاع فقط، بل يشترك في القراءة بشكل مستمر، بلا أي توقف، وأنا أقلب الصفحة أنسى ما قرأته توًا؛ ولا أحتفظ منه إلا بنوع من المختصر الضروري لفهم ما يليه، بينما تُمحى جميع التفاصيل والملاحظات الصغيرة والعبارات المثيرة للإعجاب. وذات يوم بعد سنوات، ستراودني الرغبة في التحدث إلى صديق عن الرواية، عندئذ ستتأكد أن ذاكرتينا اللتين لم تحتفظا من القراءة إلا ببعض المقتطفات، أعادتا بناء كتابين مختلفين لدى كل واحد منا.

ومع ذلك، يكتب الروائي روايته كما لو كان يكتب نشيدًا. انظروا إليه، إنه مذهول بالتأليف الذي يراه يرتسم أمامه؛ أدنى تفصيل مهم بالنسبة له، يحوّله إلى موتيف -موضوع فني أو أدبي صغير- وسيعيده في تكرارات عديدة وتنويعات وتلميحات كما في مقطوعة الفوغ -تنويع موسيقي تتكرر أجزاؤه. لهذا السبب هو لأنه واثق من أن الجزء الثاني من روايته سيكون أجمل وأقوى من الأول، لأنه كلما تقدم في قاعات هذا القصر، تضاعفت أصداء الجمل الملفوظة والثيمات المعروضة سابقًا، وبعد أن تتجملع في تناغم، ترن في كل الأجاء.

ميلان كونديرا، وتعدد معاني كلمة “التاريخ”

1milan_kundera1

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي. لديه العديد من الروايات العالمية الشهيرة، أبرزها (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه النقدي (الستارة) عن تعدد معاني كلمة “التاريخ“، فيقول مستفتحًا:

في هاتين العبارتين: “تاريخ ألمانيا”، “تاريخ فرنسا”، يختلف المُضاف إليه بينما يحتفظ مفهوم التاريخ بالمعنى ذاته. وفي عبارات “تاريخ الإنسانية”، “تاريخ التقنية”، “تاريخ العلم”، “تاريخ هذا الفن أو ذاك” ليس المُضاف إليه هو المختلف فقط، بل حتى كلمة “تاريخ” تعني كل مرة شيئًا مختلفًا.

ثم يضرب مثلًا ، لأجل توضيح الفارق في كلمة “تاريخ“:

يكتشف الطبيب (أ) طريقة عبقرية لعلاج أحد الأمراض، لكن الطبيب (ب) يضع بعد عشر سنوات طريقة أخرى أكثر فعالية بحيث تُهمَل الطريقة السابقة، رغم أنها عبقرية، وتُنسى. تاريخ العلم له طابع التقدم.

أما إذا طبّقنا مفهوم التاريخ على الفن، لن تعود له صلة بالتقدم؛ فهو لا يتضمن إتقانًا وتحسينًا وارتقاءً؛ يشبه الإقدام على رحلة لاكتشاف أراضٍ مجهولة وتدوينها على خريطة. ليس طموح الروائي أن يكتب أفضل من سابقيه وحسب، بل وأن يرى ما لم يروه، أن يقول ما لم يقولوه. لم تقلل شعرية (فلوبير) من شأن شعرية (بلزاك) كما أن اكتشاف القطب الشمالي لم يُلغِ اكتشاف أمريكا.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

لا يتعلق تاريخ التقنية بالإنسان وحريته؛ ولا يمكنه أن يختلف عمّا كانه ولا عمّا سيكونه، بخضوعه لمنطقه الخاص؛ وبهذا المعنى هو غير إنساني؛ لو أن (أديسون) لم يخترع المصباح، لكان آخرَ اخترعه، لكن لو لم تخطر ببال (لورانس ستيرن) الفكرة المجنونة لكتابة رواية دون أية “قصة”، لما حلّ أحد مكانه ولما صار تاريخ الرواية على النحو الذي نعرفه.

“تاريخ الأدب، على العكس من التاريخ فقط، يجب ألا يتضمن إلا أسماء الانتصارات، ما دامت الهزائم فيه ليست انتصارًا لأحد”. تلخّص هذه الجملة الألمعية لـ(جوليان غراك) كل النتائج حيث إن تاريخ الأدب، “على العكس من التاريخ فقط”، ليس تاريخ أحداث، وإنما تاريخ قيم. فلولا (واترلو) لكان تاريخ فرنسا غير مفهوم، لكن كُتّاب (واترلو) الصغار وحتى الكبار لا مكان لهم إلا في النسيان.

التاريخ “فقط”، تاريخ الإنسانية، هو تاريخ أحداث لم تعُد موجودة ولا تُسهم بشكل مباشر في حياتنا. أما تاريخ الفن، لأنه تاريخ القيم، أي تاريخ الوقائع الضرورية لنا، فهو حاضر دائمًا، معنا دومًا؛ ويصغي إلى (مونتيفيردي)، و(سترافينسكي)، في الحفلة الموسيقية ذاتها.

ويختتم مقالته بعد ذلك:

وما دامت قيم الأعمال الفنية معنا دومًا، فإنها تثير الشك باستمرار، تُمنع، تُحاكم، وتعاد محاكمتها، لكن كيف تُحاكم؟ ليس هناك في مجال الفن معايير دقيقة لأجل ذلك. كل حكم جمالي هو رهانٌ شخصي؛ لكن رهانًا لا ينغلق على ذاتيته التي تواجه أحكامًا أخرى، يميل إلى أن يُعرف، ويصبو إلى الموضوعية. في الوعي الجمعي، تاريخ الرواية بكل زمانه الممتد من (رابليه) حتى أيامنا هذه، يوجد هكذا في تحوُّل مستمر يشارك فيه الذكاء والغباء، الكفاءة وعدم الكفاءة، وفوق ذلك النسيان الذي لا يفتأ يوسع مقبرته الفسيحة التي ترقد فيها، إلى جانب اللاقيم، قيم منتَقَصٌ من قدرا، مستخفٌ بها أو منسية. وهذا الظلم المحتوم يجعل تاريخ الفن إنسانيًا بعمق.

عن التأني ولذة البطء عند كونديرا

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا، هوكاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشكية ، ولد في عام 1929. كتب في روايته (البطء) عن التأني والرويّة في مقارنة مع زمن السرعة عبر قصتي حب كل منهما حدثت في زمن، فيتساءل في حنين لتلك الأزمنة على لسان آحدى الشخصيات:

لماذا اختفت لذة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكُسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى آخرى، وينامون في العراء، هل أختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات، وباختفاء الطبيعة؟ ثمة مثل تشيكي يحدد خمولهم الوديع بالاستعارة الآتية: أنهم يتأملون نوافد الإله، ومن يتأمل نوافد الإله لا يسأم بل يكون دوماً سعيداً، لقد تحول الخمول في عالمنا إلى البطالة، التي هي شيْ آخر تماما، العاطل خلافاً للخامل محروم ومستاء، هو في بحث دائم عن الحركة التي يفتقدها.

يعني (كونديرا) في تمجيده للبطء هو لذة المتعة وارتشاف الذاكرة للحظات، حيث يربط البطء بالتذكر والسرعة بالنسيان فيقول:

ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان، لنذكر بهذا الصدد وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمرٍ ما، لكن الذاكرة لا تسعفه، في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو، أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له تواً، على العكس يسرع لا شعورياً في مشيته، كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريباً جداً منه.

في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذة التجربة شكل معادلتين أوليتين، تقوم الاولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة، والثانية على درجة السرعة مع حدة النسيان.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.

د.علاء جواد والعلاقة بين الفن وماهية الإنسان

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) حاول تتبع تطور مفهوم الفرد والإنسان عبر التاريخ، وفي أفكار الفلاسفة والمثقفين. فيقول في أحد الفصول الأخيرة بنهاية الكتاب، كان عنوانها “أسئلة الفرد أو عوالم الرواية من منظور سوسيولوجي“:

يبدو أن السؤاال: عن ماهية الإنسان؟ أكثر أهمية من السؤال عن حقيقته؟ لكن كلا السؤالين تهربت العلوم الإنسانية من البت فيهما وهي المعنية بهما فعلًا.

وبحسب رأيه فإن كلًا من هذه السؤالين تم التنازل عنهما لصالح الفن والأدب:

ثم ألحقا -أقصد السؤالين- نهائيًا بفضاءات الفن والأدب والأشكال الفنية الأخرى، لذا تم ترحيل السؤال حول حجم أصالتنا والمعنى من وجودنا إلى عمق الموجود الرمزي، وتحطم الفرد في المجتمع في (الحياة في مكان آخر) لـ(ميلان كونديرا)، و(المكعبات اللونية) في لوحة (مودلياني) لـ(بيكاسو)، ومساحات الضباب والحلم والعمق الوجداني في سوناتات البيانو الخاصة بـ(بيتهوفن) أو (شوبان)؛ بوصفها أفعال إبداعية أو العوالم التي “تحاول وتعمل على إعادة تعريف الإنسان“. لكن هذا لا يعني أننا في مشكلة أو في قبو مظلم بلا مخارج أبدًا .. لأن في عوالم الأدب هنالك دائمًا متسع للتأمل في حال الدنيا وأحوال الإنسان. وإذ ذهبنا وراء سحر هذه التأملات فلأننا على يقين أن هؤلاء الذين يبحثون عن المعنى هم الذين اكتشفوا مقولات الفن والتوصيفات السايكو-سوسيولوجية التي تعمل اليوم داخل النص والنماذج الأدبية.

ثم يخصص حديثه عن الرواية فيقول:

الرواية كما ظهرت في تفصيلات هذا البحث ليست إلا شكلًا من أشكال تأمل هؤلاء، الساعين والباحثين عن المعنى، كما أن جنس الرواية وهذه إحدى معضلات (سوسيولوجيا الرواية) اليوم لم يتح له أو يولد لولا تصاعد سخط فردي انفعالي على بنى اجتماعية لم يصغ مفاهيم عامة محددة أو “نمو تطلع انفعالي نحو التحقيق المباشر لقيم كيفية سواء تصاعد هذا السخط أو نما هذا التطلع في المجتمع كله، أو حدث ذلك فقط بين الفئات الوسطى التي خرج من ظهرانيها أغلب الروائيين“.

ويقول في ختام هذا الفصل:

لقد انشغلت أعمال الكثيرين من الروائيين في الإجابة عن ناهية الإنسان وحقيقته وحالة المصير المرتقب. (رينيه جيرار) بحث عن محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة في أغلب دراساته، فخلص في قراءاته لنصوص خمس من أكبر روائيي العالم -(ثيربانتس)، (ستندال)، (فلوبير)، (بروست)، (دستويفسكي)- وهم جميعًا بالرغم من الاختلافات التي توجد بينهم، إلا أنهم جميعًا كشفوا عن حقيقة قلقة، صاغوا بالاستناد إليها إجابة احتجاجية مفادها: عدم أصالة الكائن الإنساني. وأكذوبة العالم ووهميته وتوصلوا أخيرًا إلى أن تحديات المصير تفوق قدرة الإنسان على الاستمرار.

ثم يكمل الحديث عن الروايات في فصل آخر، حمل عنوان “الرواية: بوصفها أنموذجًا جماليًا لأنثروبولوجيا المصير“:

تعد الرواية وفق تنظير (سوسيولوجيا الأدب الحديث) محاولة تراجيدية لفرد إشكالي، خلاق لاجتياز الحواجز والقفز على جدران الذات، الجسد، المجتمع، الدولة، الجغرافيا، محاولة فردية مأساوية لكسر حواجز البنية والنسق، كما أنها لا تخرج أبدًا عن كونها سيرة الذات المعذبة، وسيرة الفرد الإشكالي.

مما يجعل الفن وعلاقته بالفرد:

إن عملية تشكيل المتخيل الجمالي: [النص – الألوان – الموسيقى] في نظام جمالي إبداعي. تمر من هنا بوصفها فعالية فردانية احتجاجية ترفض وتنقض مبهمات المصير، مشحونة بدوافع سايكولوجية محضة، لكنها تدعم ويتم تصعيدها بفعاليات سوسيولوجية تظهر إبداعيًا من خلال مواجهة الفرد (المشكِل للنص) للعوائق الاجتماعية التي تضعها قوى التاريخ والمجتمع في طريقه والتي يحاول جاهدًا اجتيازها، القفز والاتفاف عليها في نصوصه الإبداعية من خلال لغة وأبطاله، حواراته وتقنيات السرد التي يوظفها في تأسيسه للنص المتضمن بالضرورة على [مجتمع متخيل] يشغله الفرد الذي يصارع تساؤلات المصير فينقض عليه الواقع. ما يدفعه إلى الالتفاف عليه إبداعيًا .. إن التشابك الأساسي بين البطل والعالم، والإخفاق الناجم عن هذا التشابك هو شرط أساس لكل شكل روائي إبداعي، أما الانقطاع بينهما فلا يمكن تجاوزه.

ثم يكمل، فيقول عن الروايات:

إن ظهور الرواية كجنس أدبي يرتبط إلى حد كبير بتحول مجتمع ما من مجتمع ذي طابع جماعي (ترتبط به الملحمة) إلى مجتمع فردي النزعة، نستطيع هنا التأكيد على هذه الفرضية من خلال تقديم الملاحظة الأساسية التي وردت في أعمال (غولدمان) على أن الأعمال الروائية والأدبية والفنية الأصيلة هي “تلك التي تعكس ذاك الانتقال بين فترتين أو عالمين؛ تعكس صيرورة عالم تهاوت فيه كونية القيم القديمة، وأحذت قيم جديدة تبزغ إلى الوجود. وإذا ما بحثنا عن دلالة هذه الأعمال سنجد بأن هؤلاء الكتاب أو الفنانين، مع تقبلهم للقيم الجديدة وتمثلهم لها، يحاولون العثور على الكونية المفقودة بعد انهيار العالم القديم”. بعد أن يكوّن الفنان رؤيته إلى العالم تأتي المهمة الأكثر صعوبة: وهي خلق الأشكال الأكثر انسجامًا مع تلك الرؤية للعالم.

لقاء مع الروائي ميلان كونديرا

ميلان كونديرا

 

ميلان كونديرا، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. من مواليد عام 1929 في تشيكوسلوفاكيا. وهذا لقاء مترجم بشكل حصري لدى ساقية (المصدر)، يشرفنا أن ننقله لكم، وقد قام بهذا اللقاء الصحفي (كريستيان سلمون). يقول الصحفي في تقديمه للقاء:

هذا اللقاء كان نتاجًا لبضعة لقاءات مع (ميلان كونديرا) بخريف 1983 في باريس. وقد أقيمت هذه اللقاءات في شقة علوية بالقرب من برج مونبارناس، اتخذها (كونديرا) كمكتب له. بأرففها المليئة بكتب الفلسفة والموسيقى، الطابعة قديمة الطراز على الطاولة هناك، مما يعطيها طابعًا أقرب لغرف دراسة الطلاب، أكثر منها غرفة دراسية لكاتب مشهور عالميًا. على أحد الجدران، صورتان معلقتان جنبًا إلى جنب؛ الأولى لوالده عازف البيانو، والأخرى لـ(ليوش ياناتشيك) الملحن التشيكي، الذي ينال تقديرًا كبيرًا من (كونديرا).

أجريت هذه المقابلة بعد فترة قريبة من نشر رواية (كائن لا تحتمل خفته) لـ(ميلان كونديرا)، وبعد أن أضحت الأكثر مبيعًا فور نشرها. لم يستقبل (كونديرا) هذه الشهرة المفاجئة بصدر رحب، ولم يكن مرتاحًا لها أبدًا، ولعله يتفق مع (مالكوم لوري) في مقولته: “النجاح هو كارثة عظيمة، أشد سوءًا من اشتعال النيران في بيت أحدهم، الشهرة تستحوذ على البيت وعلى روح البيت”. سألته مرة عن بعض تعليقات الصحافة على رواياته، فأجاب بأنه “يأخذ جرعات زائدة من نفسي”.

رغبة (كونديرا) في عدم التحدث عن نفسه تبدو كردة فعل غريزية ضد ميل النقاد لدراسة الكاتب، وشخصية الكاتب، وسياساته وحياته الخاصة، عوضًا عن التركيز على عمل الكاتب. “الاشمئزاز من وجوب التحدث عن ذواتنا هو ما يفرّق بين موهبة الكاتب الروائي وموهبة كاتب القصائد الغنائية”، هكذا قال (كونديرا) لأحد الصحف المحلية، فرفض التحدث عن ذواتنا إذًا، هي الطريقة المثلى لأن تضع أعمالك الأدبية كموضع الاهتمام المباشر، ومكمن التركيز. وهذا هو الهدف من هذا اللقاء، فن التكثيف، البُنْية والتراكيب.

 

kundera_milan

 

صرّحت سابقًا بأن أقرب الروائيين إليك هما (روبيرت موزيل) و(هيرمان بروخ) من فيينا، أكثر من أي روائي آخر في الأدب المعاصر. (بروخ) يعتقد، كما تعتقد أنت أيضًا، أن عصر الروايات السيكلوجية – المهتمة بتحليل النفس البشرية – قد شارف على الانتهاء. عوضًا عن ذلك، آمن بما أطلق عليه روايات الـ”بوليـهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة.

(موزيل) و(بروخ) أثقلوا الروايات بمسؤوليات هائلة. يرونها كتأليف فكري متعمق، يرونها كآخر الأمكنة التي يمكن التساؤل فيها عن الكون ككُل. كانوا مقتنعين بأن قوة التأليف عظيمة في الرواية، مما يُمكّنها من أن تكون أشبه بالشعر، الخيال، الفلسفة، الحكمة، ومقالة، وكل ذلك معًا. وقد تعمّق (بروخ) في هذا الموضوع في أحد رسائله. ولكن يبدو لي بأنه لم يحسن اختياره لمصطلح “بوليهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة. في الحقيقة أن هذا المصطلح تم تأليفه من قِبل (ادالبيرت ستيفتر) الروائي النمساوي الكلاسيكي، وقد اخترع هذا المصطلح في روايته (الصيف الهندي)، والتي نُشرت في عام 1857. الرواية مشهورة، حتى أن (نيتشه) قد اعتبرها من أفضل أربعة أعمال في الأدب الألماني. ولكنها حاليًا غير قابلة للقراءة، فهي محشيّة بمعلومات عن الجيولوجيا، علم النباتات، علم الحيوان، الحِرَف، الرسم، الطلاء، الفنون البنائية. لكن هذه الموسوعة الهائلة، قادرة على إسعادك، لكنها لن تتركك تدخل عالمها. بالضبط لأنها متعددة الأزمنة، (الصيف الهندي) تفتقد تمامًا لما يجعلها رواية مميزة. لكن هذه ليست الحالة مع (بروخ). بالعكس! إنه يندفع حتى يكتشف، فالموضوع الوحيد الذي يحب (بروخ) أن يطلق عليه “معرفة روائية” هو “الوجود”. في نظري أن مصطلح “الأزمنة المتعددة” ينبغي أن يُعرّف  بأنه “ما يأتي بالنصائح وأشكال المعرفة بغرض أن يشع نورًا على الوجود”. نعم، إني أحس بالقرب من هكذا منهج.

 نشرت سابقًا مقالة مطولة في أحد المجلات الفرنسية، وكانت السبب في أن الفرنسيين أعادوا اكتشاف (بروخ) مرة أخرى. تحدثت عنه بتقدير كبير، ومع ذلك قمت بانتقاده أيضًا. فكتبت في نهاية المقالة: “كل الأعمال العظيمة، تكمن عظمتها في أننا علِمنا مسبقًا بأنها عظيمة، ومع ذلك فهي نوعًا ما غير مكتملة”.

(بروخ) هو إلهام لنا جميعًا، ليس بسبب إنجازاته فحسب، وإنما لكل أهدافه التي لم يحققها أيضًا. يمكن للا كمال في أعماله أو يمكن للنقص في أعماله أن تساعدنا على فهم الحاجة لأشكال فنية مختلفة، مما يشمل: [1] التجريد الجذري من كل ما هو غير ضروري، لأجل الحصول على تعقيد الوجود دون فقدان النقاء البنائي في الرواية، [2] التناغم الروائي، من خلال توحيد الفلسفة والسرد والحلم في معزوفة واحدة، [3] المقالة بأسلوب روائي، فبدلًا عن الإدعاء بنشر وتضمين رسائل معينة، تبقى في النهاية افتراضية، ساخرة وغير حقيقية، لا تلامس حياتنا البشرية.

يبدو بأن هذه النقاط الثلاث تختصر كل برنامجك الفني.

 من أجل أن تكون رواياتنا “متعددة الأزمنة”، وبمسحة وجودية، يجب أن نتقن مهارة الانتقال المفاجئ، فن التكاثف، وإلا، سقطت في فخ طويل بلا نهاية. رواية (موزيل) مثلًا، (رجل بلا صفات)، واحدة من أكثر ثلاث روايات أحبها. لكن لا تطلب مني أن أقدِّر تمددها الكبير والغير متناهي! أتخيلها قلعة كبيرة جدًا، للدرجة التي تعجز العين أن تحصرها بنظرة واحدة. أتخيلها سلسلة رباعية طالت لتسع ساعات. هناك حدود أنثروبولوجية، وأبعاد إنسانية، لا يجب أن تُخترق، حدود الذاكرة مثلًا. عندما تنتهي من القراءة، يجب أن تكون قادرًا على تذكر البداية. إن لم تتمكن من ذلك فقدت من روايتك شكلها، ويصبح وضوحها البنائي مشوبًا أيضًا.

 

Milan-Kundera-006

 

 (كتاب الضحك والنسيان) مكوّن من سبعة أجزاء. لكن الملاحظ عليها بأن كل جزء منها يمكن أن يكون رواية مختلفة إن تخليت أنت عن الانتقال المفاجئ الذي تحدثت عنه.

لكني إذا ما كتبت سبعة روايات مختلفة، فقدت تبعًا لذلك الشيء الأكثر أهمية، لم أكن لأحكِم صورة “التعقيد في وجودية الإنسان في العصر الحديث” في كتاب واحد. فن الانتقال المفاجئ أساسي جدًا، حتى يقدر المرء على الوصول لخلاصة الموضوع مباشرة. بهذا الاتصال، أنا أفكر دائمًا بـ(لويس جانايك) الموسيقي التشيكي العظيم، والذي أقدّره عاطفيًا منذ الصغر. هو أحد أعظم الموسيقيين الحداثيين. كانت له مثابرة وإصرار لتجريد الموسيقى من أساسياتها الثورية. بالطبع، كل تركيبة موسيقية تتطلب الكثير من المهارة: الكشف عن الشكل العام، تطوراته، اختلافاته، تعدد الأصوات فيه، التزامن وملؤ الفراغات بالآلات الموسيقية، الانتقالات، إلخ.

أما اليوم، فيستطيع المرء أن يكتب الموسيقى عن طريق كمبيوتره، لكن الكمبيوتر فعلًا في فِكر الكاتب الموسيقي. يستطيع أن يجد بعض الإيقاعات والتوصيفات الجاهزة، ليقوم هو بعد ذلك بمجرد الاختيار والترتيب.

لهذا عمِد (جانايك) على تدمير كمبيوتره! تجاوز قاسي بدلًا من الانتقال والتكرار، وتغيير قوي لقَلب الأمور، ولن تبقى غير الذاكرة، التي تحمل شيئًا مهمًا يستحق الوجود. وتقريبًا فالأمر ذاته بالنسبة للروايات؛ إنها مثقلة بالتقنين، بقوانين تقوم بعمل الكاتب بدلًا عنه: تقديم الشخصيات، وصف المكان والبيئة، خلق الأحداث في المكانة التاريخية، ملئ حياة الشخصيات بأحداث أو حلقات مفرغة. كل تغيير في المشهد يتطلب إيضاحًا وتقديمًا جددًا، أوصافًا، وتفسيرات. يمكنني القول بأن أهدافي قريبة من أهداف (جانايك): أن أخلص الرواية من التكنيكات الروائية المعتادة، من الدوران المحوري للكلمات والأوصاف.

 الهيئة الثانية للفن التي ذكرتها كانت (التناغم الروائي).

فكرة أن الرواية هي عمل تركيبي عظيم، تقوم تلقائيًا -تقريبًا- بمحو مشكلة (تعدد الأزمنة). هذه المشكلة ما زالت بحاجة للتمحيص. وليكن الجزء الثالث من رواية (المشاة أثناء النوم) لـ(بروخ). فهي مكونة من خمسة عناصر مختلفة: [1] الروائية، السرد والقصة المؤسسة على ثلاثة شخصيات رئيسية، [2] الوصف الواقعي للحياة في مستشفى الجيش، [3] سرد قصة فتاة في جيش الخلاص، [4] القصة الواقعية لـ(هانا ويندلينق)، [5] المقال الفلسفي عن مهانة المبادئ. كل جزء فيها مذهل بحد ذاته. وبالرغم من ذلك، وبغض النظر عن التعامل بالتساوي معها كلها، وبتغيير ثابت، تبقى العناصر الخمسة غير متحدة. بكلمة أخرى، فهي لا تمثل (بوليفونيك) حقيقي.

باستخدام التعبير المجازي (بوليفونيك)(*) وتطبيقاته الأدبية، ألا تطلب هنا من الرواية مالايمكن استيفاؤه ؟

الرواية تستطيع أن تدمج عواملًا خارجية بطريقتين. في مجرى السرد، دون اقتباس، تجعلك تسرد قصص مختلف الشخصيات. بهذه الطريقة، القصص المستقلة تُدمج ككُل متناسقة في إطار الرواية. هذا التركيب منتشر عادة في روايات القرن السابع عشر والثامن عشر. (بروخ)، على الرغم من ذلك، وبدلًا من أن ينسّق قصة (هانا ويندلينق) وقصة الثلاث شخصيات الرئيسية الأخرى، قام بكتابتها كلها بشكل مستقل. (سارتر) في (التأجيل) و(دوس باسسوس) قبله، أيضًا استخدموا هذا التكنيك في التزامن. هدفهم، مع ذلك، أن يجلبوا معًا القصص السردية المختلفة، بكلمات أخرى، عناصر متجانسة بدلًا من غير التجانس الحاضر عند (بروخ) مثلًا. وأيضًا، استخدامهم لتكنيكات صادمة، كميكانيكية طاغية وخالية من المعنى. لا أستطيع التفكير في مصطلح أفضل من (بوليفونيك) أو (طباق) لوصف هذا النوع من الأعمال، وبالإضافة إلى ذلك، التجانس في الموسيقى مهم. على سبيل المثال، أكثر ما يزعجني في الجزء الثالث من (المشاة أثناء النوم) هو أن العناصر الخمسة غير متساوية. فيما أن المساواة بين كل الأصوات في التكامل الموسيقي -فن مزج الألحان- هو القاعدة الأساسية للتأليف الموسيقي. في عمل (بروخ)، العنصر الأول -السرد للثلاثة شخصيات- تأخذ مساحة فيزيائية أكبر بكثير من العناصر الأخرى، والأهم، أنها حظيت بارتباط أكبر مع الجزئين السابقين للرواية. وهي بذلك تجذب اهتمامًا أكبر، وتهدد بتحويل بقية الأجزاء إلى قصص فرعية غير مهمة. الشيء الثاني المزعج هو أن كلًا من قصة (هانا ويندلينق) والمقالة الفلسفية، لديهما القدرة على أن يكونا عملين مستقلين. وباستقلاليتهما، لن يفقدوا أيًا من معناهم وجودتهم.

في وجهة نظري، المتطلبات الأساسية للطباق الروائي هي: [1] التساوي بين كل العناصر، [2] تماسك الرواية ككل، كجزء واحد. أتذكر اليوم الذي أنهيت فيه (الملائكة)، الجزء الثالث من (كتاب الضحك والنسيان)، كنت فخورًا بذاتي بشكل سيء. كنت متأكدًا من أنني وجدت المفتاح لطريقة جديدة في تركيب سرد القصة. النص كان مصنوعًا من الأجزاء التالية: [1] حكاية طالبتين وتحليقهما، [2] سيرة ذاتية، [3] تقرير نقدي عن أحد كتب حقوق المرأة، [4] أسطورة عن ملاك وشيطان، [5] قصة لأحلام (باول اليوارد) وطيرانه في سماء (براغ). ليس لأحد هذه الأجزاء أن يتواجد دون الأخريات. كل واحد منها يشرح الأخريات كما لو أنها بمجملها تكشف فكرة أساسية واحدة، وتسأل سؤالًا واحدًا عن ماهية الملاك.

الجزء الثالث معنون أيضًا بـ(الملائكة)، مكون من: [1] سرد لحلم موت (تامينا)، [2] سيرة ذاتية لموت والدي، [3] انعكاسات موسيقية، [4] انعكاسات عن وباء نسيان مدمر في (براغ). ما هو الرابط بين والدي وتعذيب (تامينا)؟ إنه لقاء مكينة خياطة ومظلة، في استعارة لصورة (لاوتريمونت) الشهيرة. أن تتعدد الأصوات الروائية أقرب للشعر من كونها تكنيك روائي. لا أستطيع أن أجد أي مثال لتعدد الأصوات في الأدب أقرب من الشعر، لكنني لطالما كنت منبهرًا بآخر أفلام (آلاين ريسنايز). استعمالاته لفن التكامل جدير بالتقدير.

(*): البوليفونيك هي كلمة تُستخدم في الموسيقى، تعني الانسجام والتناغم في الحنين لأكثر من شخصية

kundera1

 

هذا التكامل الروائي كان أقل حضورًا في روايتك (كائن لا تحتمل خفته).

كان ذلك هدفًا للرواية. أردت من الأحلام، وسرد القصة، والانعكاسات، أن يسيروا معًا ككل لا يتجزأ وكمجرى طبيعي. لكن الشخصيات وتعدد أصواتها في الرواية كانا مدهشين في الجزء السادس. قصة (ابن ستالين)، الانعكاس اللاهوتي، الأحداث السياسية في آسيا، موت (فرانز) في (بانكوك)، وجنازة (توماس) في (بوهيميا) كلها مرتبطة معًا بسؤال واحد، عن ما هو الفن الهابط؟ المرور المتعدد للأصوات هو حجر الأساس الذي يربط هيكل الرواية، إنه المفتاح للفن البنائي.

بوصفك “مقال روائي” كنت عن عبرت عن عدة تحفظات في المقالة عن الغش وإهانة القيم الظاهرة في (المشاة أثناء النوم).

إنها مقالة مذهلة.

لديك بعض الشكوك حول طريقة اندماج أجزاء الرواية. (بروخ) لم يتخلى عن أية من المصطلحات العلمية، فقد عبّر عن رؤياه بطريقة مباشرة دون الاختفاء خلف أحد الشخصيات. ألا يُعتبر ذلك إسهامًا من (بروخ) في الحقيقة، تحديه الجديد لشكل الرواية؟

هذا صحيح، وكان على وعي تام بشجاعته. لكن هناك بعض الخطورة أيضًا؛ مقالته يمكن أن تُقرأ وتُفهم كمفتاح أيدلوجي للرواية، كما هي “الحقيقة”، وهذا من الممكن أن يحول بقية الرواية إلى مجرد شرح للفكرة الأساسية. عند ذلك، ستضطرب بقية الرواية، حقيقة المقالة ستصبح ثقيلة جدًا، وبناء الرواية الرقيق سيواجه خطرًا بالتهاوي. الرواية التي لا تضمر شرح نظرية فلسفية (وبروخ كان يحتقر هذا الشكل من الروايات)، قد تنتهي بأن تُقرأ بهذه الطريقة. كيف يستطيع إنسان أن يدمج مقالة مع رواية؟ من المهم أن يكون لديك حقيقة واحدة في البال؛ الجوهر هو الانعكاس(**) المتغير تمامًا في الدقيقة التي تجمّله في جسد الرواية. خارج الرواية أنت في عالم التأكيدات والحقائق، كل الفلاسفة والسياسيين متأكدين تمامًا من أقوالهم. الرواية، مع ذلك، هي منطقة لا يقوم فيها أحد بالتأكيد أو فرض أفكاره كحقائق، إنها مسرحية للنظريات. الانعكاسات في الرواية هي احتماليات جوهرية جدًا.

لكن لماذا يمنع الروائي نفسه من طرح فلسفته جهارًا وبحزم في الرواية؟

لأنه ليس بيده أكثر من ذلك !! بالعادة يبحث الناس عن فلسفات (تشيخوف) أو (كافكا) أو (موزيل). لكن حاول أن تعثر على فلسفة محكمة في كتاباتهم! حتى أولئك الذين يعبرون عن أفكارهم في دفاترهم، يعدون ذلك تمرينًا ذهنيًا. التحكم بالمفارقات أو الارتجال بدلًا من التأكيد الفلسفة، وحتى الفلاسفة الذين يستعملون الروايات كشكل يشرحون في آراءهم. لم يستطع أي من (فولتير) أو (ألبير كامو) أن يكتشف ما تستطيع الرواية وحدها أن تكتشفه. أستثني من ذلك رواية (جاك القدري). فهي معجزة بحق! بتعديها على حدود الرواية الفلسفية الجادة، أضحت أشبه بمفكرة لعوب. ليس هناك جملة واحدة جادة في الرواية، كل ما فيها أقرب للمسرحية. ولذلك فالرواية غير مقدّرة بشكل شنيع في فرنسا. في الروايع، تحتوي الرواية على كل ما فقدته فرنسا، وترفض أن تستعيده. في فرنسا، الأفكار مفضّلة على العمل، والرواية بهذا الشكل لا تستطيع أن تُترجم للغة الأفكار، ولذلك فهي غير مفهومة في عالم الأفكار.

في روايتك (المزحة)، كان (جاروسلاف) هو من كوّن نظريته الموسيقية. الشخصية الافتراضية لأفكاره واضحة وجلية في ذلك. بينما التأمل الموسيقي في (كتاب الضحك والنسيان) كان خاصًا بالكاتب، الذي هو أنت. كيف أستطيع أن أفهم إذا ما كانت تلك النظريات افتراضية أو مؤكدة؟

كل ذلك يعتمد على النبرة. من الكلمات الأولى، كان هدفي أن أعطي هذه الانعكاسات نغمة لعوبة، ساخرة، مستفزة، تجريبية ومتسائلة. كل الجزء السادس من (كائن لا تحتمل خفته) هو مقالة عن الفن الهابط، شرحًا للفكرة الرئيسية: الفن الهابط هو إنكار تام لوجود الخراء. لهذا التأمل للفن الهابط أهمية شديدة بالنسبة إليّ. فهو مبني على الكثير من التفكر، التجارب، الدراسة، والشغف أيضًا. إنها مستفزة. هذه المقالة لا يمكن التفكير فيها خارج الرواية، إنها تأمل وراثي نقي.

تعدد الأصوات في رواياتك يحتوي عنصرًا آخرًا، هو سرد الأحلام. فالجزء الثاني كاملًا من (الحياة في مكان آخر)، هو أساسًا الجزء السادس من (كتاب الضحك والنسيان)، ويجري أيضًا في (كائن لا تحتمل خفته) في حلم (تيريزا).

هذه الأجزاء أيضًا هي الأكثر قابلية للفهم بشكل خاطئ. فالقراء يريدون أن يجدوا الرسالة الرمزية فيها. بينما لم يكن هناك أي تشفير في حلم (تيريزا). إنه إشعار بالموت. معناه في جماله، والذي ينوّم (تيريزا) تنويمًا مغناطيسيًا. على فكرة، هل لاحظت بأن الناس لا يستطيعون قراءة (كافكا) لمجرد فك شفراته؟ بدلًا من أن يسمحوا لأنفسهم بالاتجراف معه بعيدًا في مخيلته الفذة. تجدهم يبحثون عن الاستعارات والتشبيهات، فلا يستطيعون أن يجدوا شيئًا غير الأفكار المتداولة دائمًا. ككل الأشياء التي تضحي سخيفة من كثرة استعمال الناس لها: الحياة عبثية، أو غير عبثية، الرب بعيد عن المتناول، أو في المتناول، وغير ذلك. لا تستطيع أن تفهم شيئًا عن الفن، خاصة الفن الهابط، إذا لم تفهم بأن الخيال بحد ذاته هو قيمة عالية. (نوڤاليس) عرف ذلك عندما مجّد الأحلام. إنها “تحمينا من رتابة الحياة” كما قال، فهي “تحررنا من الجدية بخفتها وخفة ألعابها”. فكان هو أول من فهم دور الأحلام والخيالات الشبيهة بالأحلام في الروايات. فقرر أن يكتب الحلقة الثانية من قصائد (هاينريش فون أوفتردنقين) كسرد تتشابك فيه الأحلام مع الواقع، بشكل لا يمكن التفرقة بينهما. وللأسف فكل ما تبقى من الحلقة الثانية هي النوتات التي وصف فيها (نوڤاليس) النوايا الحسنة. بعد ذلك بمئة عام كان الطموح هو التحقيق في روايات (كافكا). روايات (كافكا) في الانصهار بين العلم والحقيقة، والحقيقة ليست واقعًا ولا أحلام. معجزة جميلة. بالطبع لا يمكن لأحد أن يكرر ما فعله (كافكا) مرة أخرى، ولكنني أشارك (نوڤاليس) رغبته في جلب الأحلام والخيال للرواية. طريقتي في فعل ذلك هو بالمصارحة متعددة الأصوات، بدلًا عن انصهار الأحلام والحقيقة. سرد الأحلام هو أحد عناصر فن التكامل.

(**): الانعكاسات هي الأفكار التي يستنتجها القارئ من الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

لم تستعمل تعدد الأصوات في آخر أجزاء (كتاب الضحك والنسيان)، وبالرغم من ذلك، فعلى الأرجح أن هذا الجزء هو الأكثر جاذبية في الكتاب، بحكاياته عن المواقف الغرامية/الجنسية في حياة شخصية واحدة.

هناك مصطلح موسيقي آخر في هذه الرواية، هو “الموضوع الأساسي مع التغيير”، فالموضوع الأساسي هو الحد الذي تفقد الأشياء معناها عند تجاوزه. حياتنا تتجلى في الجوار المباشر لهذا الحد، ونحن نخاطر بتجاوزه في كل لحظة. الأربعة عشر فصلًا في الجزء الأخير، هي أوجه مختلفة جنسية لذات الموقف، في الحد بين المعنى وانعدامه.

لقد وصفت (كتاب الضحك والنسيان) بأنه رواية في تشكل مختلف لذات الشيء. ولكن، أما زالت تحتفظ بمسمّاها كـ(رواية)؟

ليست هناك اتحاد للأفعال، ولهذا لا تبدو كـ(رواية). ولكن الناس لا يتخيلون رواية دون تلك الوحدة، حتى تجارب شكل الرواية الفرنسية الجديدة كانت مبنية على اتحاد الأفعال، أو عدم الأفعال. رحلة (جاكوس) وسيّده تأخذ الجزء الأقل من رواية (جاك القدري)، ليست سوى حجج هزلية حتى تُآلف بين الحكايات والقصص والأفكار. وبالرغم من ذلك، فهذه الحجج، في هذا الإطار، مهمة لجعل الرواية تبدو كرواية. في (كتاب الضحك والنسيان) ليس هناك أية من هذه الحجج. إنه اتحاد الموضوع الأساسي وأوجهه المتعددة التي تعطي التماسك للشكل النهائي ككل. أهي رواية؟ نعم. الرواية هي تأمل في الوجود، مرئي من خلال تاريخها، الرواية لم تعرف ميف تستغل احتمالاتها غير المتناهية. لقد فقدت فرصتها لذلك.

باستثناء (كتاب الضحك والنسيان)، رواياتك مبنية أيضًا على اتحاد الأحداث. غير أنها، بالتأكيد لها اختلاف أوجها. وقد أعتبر بأن (كائن لا تحتمل خفته) هي الأقل تماسكًا.

نعم، هي عدة قصص ترتب سوية وتتحد في أحداثها: ذات الأسئلة الغيبية، ذات الدوافع، (دافع الأبوة/الأمومة على سبيل المثال في (رقصة الوداع))، وبعد ذلك الأوجه المتعددة. لكنني أود أن أشدد على أنه بالرغم من كل ذلك، فالرواية مبنية أساسًا على عدد من الكلمات الأساسية، كسلسلة مسودات (شوينبرغ) في (كتاب الضحك والنسيان)، السلسلة كالآتي: نسيان، ضحك، ملاءمة، ليتوست، الحدود. من خلال الرواية يمكن تحليل هذه الكلمات الأساسية، ودراستها وإعادة تعريفها. الكلمات الأساسية في رواية (كائن لا تحتمل خفته) هي: الوزن، الخفة، الروح، الجسم، الزحف العظيم، الخراء، الفن الهابط، التعاطف، الدوخة، القوة، والضعف. بسبب صفاتهم التصنيفية. هذه الكلمات لا يمكن أن تتبدل بمرادفات. وهذا ما يجب أن يُفسّر دائمًا للمترجمين، أولئك الذين يحاولون تفادي التكرار، بدعوى اهتمامهم بالأسلوب الجيد.

بخصوص الوضوح البنائي، كنت قد صُدمت عندما لاحظت بأن كل رواياتك، ما عدا واحدة، مقسمة إلى سبعة أقسام.

عندما انتهيت من روايتي الأولى (المزحة) لم يكن هناك أي سبب يدو للاستغراب من كونها مقسمة إلى سبعة أقسام. بعد ذلك كتبت روايتي (الحياة في مكان آخر) وكان لها ستة أقسام عندما شارفت على إنهائها. لكنني لم أشعر بالرضى فجأة فخطر ببالي أن أضيف جزءًا يأخذ مكانته بعد موت الشخصية الرئيسية بثلاث سنوات، خارج إطار القصة الأساسية. وبذلك أصبح الجزء السادس من السبعة معنون بـ(الرجل في منتصف العمر)، وفي الحال، اختلفت بنية الرواية بشكل كامل. بعد ذلك استوعبت بأن الجزء السادس هنا أصبح مشابهًا للجزء السادس من (المزحة). وأيضًا بفتح نافذة سرية في جدار الرواية. كقصة عشق مضحكة بدأت كعشر قصص قصيرة. وعندما كنت أضع الشكل النهائي للرواية حذفت ثلاثة من هذه القصص. أصبح بذلك المجموع أكثر ترابطًا، مؤذنًا ببداية تكوّن (كتاب الضحك والنسيان). شخصية واحدة (الطبيب هاڤل) يربط القصة الرابعة والسادسة معًا، في (كتاب الضحك والنسيان) أيضًا يرتبط الجزء الرابع والسادس بشخصية واحدة أيضًا: (تامينا).

عندما كتبت (كائن لا تحتمل خفته) كنت عازمًا على كسر لعنة الرقم سبعة، فقررت المحافظة على ستة أجزاء فقط، ولكن الجزء الأول بدا لي غير متشكل بالطريقة المناسبة. ففهمت بأنه مكوّن أصلًا من جزئين. كالتوأم السيامي، يجب أن يُفصل بعملية دقيقة. السبب الوحيد لتذكر ذلك هو أنني لست منغمسًا في حب أسطوري للأرقام السحرية، أو أنني أقوم بحساب ذلك بطريقة واعية. لكنني أُقاد بحاجة عميقة، غير واعية، وغير ممكنة الاستيعاب، طراز نموذجي في الرسم لا أستطيع الهروب منه. كل رواياتي هي أشكال مختلفة مبنية على الرقم سبعة.

1milan_kundera1
استخدامك لسبعة أجزاء مقسّمة بعناية، مرتبط – بالتأكيد – بهدفك في توليف أكثر العناصر اختلافًا إلى وحدة كاملة متكاملة. كل جزء من روايتك هو عامل مستقل ومختلف عن البقية، بسبب هيئته المختلفة. لكن إذا كانت الرواية مقسمة إلى أجزاء مرقمة، فلماذا كانت هذه الأجزاء مقسمة إلى فصول مرقمة ؟
الفصول ذاتها يجب عليها أن تخلق عوالمًا صغيرة خاصة بها، ويجب أن تكون أيضًا مستقلة نسبيًا. لهذا أجدني دائمًا ما أتأكد من أن ناشريي يوضحون هذه الأرقام للفصول والأجزاء بشكل جيد. الفصول هي مقطوعات موسيقية، هناك أجزاء حيث الفصل طويل أحيانًا، وقصير أحيانًا أخرى، وقد يكون طويل بشكل غير اعتيادي حتى. لكل جزء دلالته ونبضه الموسيقي: رسل، سريع، بطيء، أو معتدل ..إلخ. فالجزء السادس مثلًا من (الحياة في مكان آخر) هو معتدل البطئ، هادئ وكئيب. فهو يسرد لقاءً بين رجل في منتصف العمر مع شابة كانت قد أُطلق سراحها من السجن حديثًا. بينما كان الجزء الأخير سريعًا جدًا، فصوله قصيرة جدًا أيضًا، يتناول سردًا لـ(جاروميل) الذي ينازع الموت، لـ(ريمباود)، (يرمونتوث) و(بشكين). في البداية، فكّرت في (كائن لا تحتمل خفته) بشكل موسيقي، علِمت بأن الجزء الأخير فيها يجب أن يكون رقيقًا وبطيئًا لأبعد درجة ؛ فهو يحكي عن فترة زمنية قصيرة، بدون أحداث، تتركز في مكان واحد، نبرتها هادئة جدًا. وأيضًا علِمت بأنه يجب أن يُسبق بجزء سريع جدًا، لهذا كان الجزء الذي حمل اسم (الزحف العظيم).
هناك استثناء للرقم سبعة .. أقصة روايتك (رقصة الوداع) المكوّنة من خمسة أجزاء فقط.
(رقصة الوداع) كانت على طراز فني آخر: فهي متجانسة تمامًا، تتعامل مع موضوع واحد فقط، تُسرد بنفس سرعة النبض، مسرحية جدًا، تنطبق على أسلوب معين، تشتق هيئتها من كونها مسرحية هزلية. قصة حب مضحكة وهزلية، معنونة بـ(النقاش)، مبنية تمامًا بنفس الطريقة، مسرحية هزلية مجزّأة.
ماذا تعني بالمسرحية الهزلية ؟
أعني التركيز على حبكة القصة وكل زخارفها من مصادفات غير متوقعة وغير قابلة للتصديق. لا شيء يصبح متشابهًا فيها، سخيف، مبتذل، منعدم الذوق في الرواية،، أقصد في الحبكة ومبالغاتها الهزلية. بداية من (فلوبير)، حاول الروائيون أن يبتعدوا عن الحيل الدارجة في الحبكة. مما جعل الروايات مملة أكثر من ممل الحياة. وبالرغم من ذلك، فهناك طرق أخرى للالتفاف حول المتشابه والعوامل المهلكة للحبكة، بقصد تحريرها من متطلبات ما هو محتمل وقابل للتصديق. أن تسرد قصة غير متوقعة بأن تختار أن تجعلها غير متوقعة وغير قابلة للتصديق ! هكذا تمامًا كما كتب (كافكا) روايته (أمريكا)، الطريقة التي التقى بها عمه (كارل) في الفصل الأول، من خلال سلسلة من الأحداث غير المتوقعة. (كافكا) دخل إلى عالم سيريالي عظيم في (التداخل بين العلم والواقع) في الفصل الأول. وبسخرية واضحة في الحبكة، كبوابة للمسرحية الهزلية.
 لكن لماذا اخترت هذا الشكل المسرحي الهزلي لرواية، ليس المراد منها -على الإطلاق- أن تكون مسلية أو ترفيهية؟
لكنها ترفيهية !! لا أفهم احتقار الفرنسيين للترفيه.  لماذا يشعرون بالعار من كلمة ترفيه؟ إنهم يخاطرون بشكل أقل عندما يكونون مسليين بدلًا من كونهم مملين. هم أيضًا يخاطرون بالوقوع في الفن الهابط، المحلي، الكاذب، ذو الزخرفة. فالأضواء الوردية للأعمال الحداثية في الشعر الوارد، أو في فيلم (سكوت) الأخير، يجعل التاريخ الفرنسي كفن هابط. نعم، فن هابط، وليس ترفيهًا، إنه مرض للجمال الحقيقي. الرواية الأوروبية العظيمة بدأت كنوع من الترفيه، وكل رواية في الحقيقة تلهف لأن تكون كذلك. في الحقيقة، إن الموضوع الأساسي لهذا الترفيه العظيم في (رقصة الوداع) كان السؤال “هل يستحق الإنسان أن يعيش على هذه الأرض؟ أليس من المفترض أن نحرر هذا الكوكب من براثن الإنسان؟“. كان طموحي في الحياة أن أوجد جدية لهذا السؤال مع أقصى خفة وترفيه. وليس هذا طموح فني تقني بحت. فالجمع بين الشكل الهزلي والموضوع الجاد يكشف قناعًا من الدراما الخاصة بنا. ذلك الذي يحدث في أسرّتنا والتي نمثلها على مسرح التاريخ العظيم. نحن نخوض خفة الكائن غير المحتملة.
إذا كان بإمكانك أن تستخدم عنوانًا آخرًا لروايتك (رقصة الوداع)، فماذا سيكون ؟ 
كل رواياتي يمكن لها أن تحمل عنوان: (كائن لا تحتمل خفته)، (المزحة)، أو (الحب المضحك). العناوين قابلة للتبديل. فهي انعكاس لعدد صغير ومحدد من المواضيع الأساسية التي تصيبني بالهوس. تقوم بتعريفي، ولسوء الحظ، تضع أمامي الكثير من الحدود. بعيدًا عن هذه المواضيع التي أجد شيئًا لأقوله.
هناك شكلان في رسمك لتكوين الرواية ؛ (١) تعدد الأصوات، والذي يُوجد مواضيعًا مختلفة كبناء مبني على الرقم سبعة. (٢) الهزلية، والتي بدورها تقوم بالمجانسة بشكل مسرحي يتجنب التوقعات. هل يمكن لـ(ميلان كونديرا) التواجد خارج هذين الشكلين؟
أنا دائمًا أحلم بخيانة زوجية عظيمة وغير متوقعة. لكنني لم أستطع الهروب من الشخصية المرتبطة بزوجين أو عشيقتين.
[تمت]

ميلان كونديرا وحالة تغيير التاريخ

ميلان كونديرا

“التاريخ يكتبه المنتصرون”، “التاريخ يُعيد نفسه”، عباراتان دارجتان تخرجان إلى السطح مع كل مناقشة بين مجموعة من البشر عن التاريخ، ولا أعرف لماذا يميل الناس لتفسير العبارة الأولى بنوع من الانهزامية والتباكي، ولماذا يصورون الأقوياء الذين يكتبون التاريخ على أنهم أشرار؟ واقعيًا، القوة وحدها هي ما تجعل التغيير حدثًا مُمكنًا، ومن حق تلك القوة أن يُخلد اسمها، أنها صنعت ذلك التغيير، كلنا نؤمن بفكرة مُعينة، وندافع عنها بكل ما لدينا من قوة الإقناع أو حتى التدخل لجعل الأمور تسير لصالحها، وكُلنا يعتقد أنه على صواب وأن فكرته ونظرته وإيمانه هو الصحيح، والأقوى حجة فينا أو حتى قُدرة هو من تتمكن فكرته من النجاح والاستمرار والخلود كتغيير طال التاريخ. وبدون أن نذهب بعيدًا، نحن أيضًا كعرب مسلمون كتبنا التاريخ يومًا وكُنا مُنتصرين، فتوحات امتدت للصين والأندلس كُنا فيها أصحاب إيمان سيّرنا تجاه تلك البقاع، أصحاب حلم، وأمل، نحن أيضًا هزمنا أقوامًا نظروا لقوتنا أحيانًا على أنها بطشًا، ويُمكن القول بأن هذا الاختلاف في نظرة البشر للهزيمة والنصر والتاريخ ككل ناتج عن اختلاف الثقافات، فيما يُعرف في العصر الحديث بصراع الحضارات، لكن حتى القوة يجب أن تكون مسئولة، لنستطيع أن ننطق مقولة “التاريخ يكتبه المنتصرون” بإتزان من يوقن أن البقاء للفكرة الأقوى دون الشعورالتام بالقهر، ورُبما هنا بالتحديد مربض الفرس، أن القوة أحيانًا مغرورة باطشة وليست دومًا عادلة، تُزيح من طريقها كل ما يُخالفها ولو كان مُسالمًا لمجرد المزيد من إثبات ذاتها.
هل حياة الناس مُنفصلة عن التاريخ؟ بقليلٍ من التمعن نُدرك أن الأحداث السياسية والحروب تُسهم بشكل مُباشر في تشكيل الحياة اليومية، تصبغها بلونها وتمنحها مسارًا يُحدده كل تصعيد أو تغيير أوحتى سلام، تُغير العادات والتقاليد وتُغير نُظم الإقتصاد والقوانين حتى، تزول بلدان من وجه خارطة الدُنيا وتزول معها ثقافات وعرقيات وتندثر لغات وتراث إنساني بأكمله نتيجة حدث سياسي ما، كان الأقوى فيه يرى أنه على صواب، وكان استخدامه لقوته المُفرطة أيضًا يراها حق، لأعود لنفس المقولة وأقول، ولكن تلك المرة بحسرة أشترك فيها مع المنهزمون بكسرة ما في الروح: “التاريخ يكتبه المنتصرون”.

ميلان كونديرا من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. يبتدئ كتابه (كتاب الضحك والنسيان) بذكر قصة تاريخية :

في شهر فبراير من عام ١٩٤٨ وقف الزعيم الشيوعي (كليمان غوتوالد) على شرفة قصر من العصر باروكي من قصور براغ ليخطب في مئات الآلاف من المواطنين المتجمهرين في ساحة المدينة القديمة. كان هذا منعطفًا كبيرًا في تاريخ بوهيميا (منطقة في وسط أوروبا). بل لحظة مشهودة وحاسمة في ذلك التاريخ فيه.
كان (غوتوالد) محاطًا برفاقه، وبجانبه وقف (كليمانتس). بدأ الثلج يسقط في جوّ من البرد القارص، وكان (غوتوالد) عاري الرأس. فقام (كليمانتس) بنزع قبعته من الفرو ووضعها بعناية على رأس (غوتوالد).
وقد أعادت شعبة الدعاية والإعلام إنتاج مئات آلاف النسخ من صورة (غوتوالد) المحاط برفاقه وهو يطل بقبعة الفرو من الشرفة، ويتحدث إلى الشعب. وهكذا بدأ التاريخ الشيوعي لبوهيميا من هذه الشرفة. كل الأطفال كانوا يعرفون هذه الصورة، لكثرة ما شاهدوها في الملصقات أو في الكتب المدرسية أو في المتاحف.
بعد ذلك بأربع سنوات اتُّهم (كليمانتس) بالخيانة، وشُنق، فقامت شعبة الدعاية بحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية. ومنذ ذلك الحين صار (غوتوالد) يظهر وحيدًا على الشرفة. ولم يعد يظهر حيث كان يقف (كليمانتس) سوى حائط القصر الفارغ. ولم يبقَ من (كليمانتس) سوى قبعته على هامة (غوتوالد).
يبدأ بعد ذلك في وصف مشهد عادي من أيامنا الحالية، يُبين فيه كيف نتعامل مع الماضي والمستقبل كبشر :
كان (ميريك) يريد محو بعض الصور من حياته، فليس لأنه لم يكن يحبها، بل لأنه أحبها حقًا. محاها هي وحبها. لقد مسح الصور مثلما مسحت شعبة الدعاية صورة (كليمانتس) من الشرفة التي ألقى منها (غوتوالد) خطبته التاريخية. فـ(ميريك) يعيد كتابة التاريخ تمامًا كما يفعل الحزب الشيوعي، وكما تفعل كل الأحزاب السياسية، وكما تفعل كل الشعوب. وإجمالًا كما يفعل الإنسان. جميعهم يعلنون الرغبة في صنع غد أفضل، لكن الأمر غير صحيح، لأن المستقبل ليس سوى فراغ مهمل لا يهم أحدًا، مقابل الماضي المفعم بالحياة، ووجهه مزعج وبغيض إلى حد أننا نرغب في تدميره أو إعادة تلوينه. لذلك لا يطمح الناس إلى التحكم في المستقبل إلا بقصد اكتساب القدرة على تغيير الماضي. فهم يتصارعون من أجل الوصول إلى المختبرات التي تُجرى فيها الروتوشات على الصور، ومن ثم تُعاد كتابة السير والتواريخ.

ميلان كونديرا وعوالم الروائيين

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، روائي فرنسي من أصول تشيكية و هو من أشهر الروائيين اليساريين، حصل على جائزة الإندبندنت لأدب الخيال الأجنبي في العام 1991، نشر أثناء فترة دراسته شعرا ومقالاتٍ ومسرحيات، والتحق بقسم التحرير في عدد من المجلات الأدبية، نشر في العام 1953 أول دواوينه الشعرية لكنه لم يحظ بالاهتمام الكافى، ولم يُعرف كونديرا ككاتب هام إلا عام 1963 بعد نشر مجموعته القصصية الأولى غراميات مضحكة، فقد كونديرا وظيفته عام 1968 بعد الغزو السوفييتى لتشيكوسلوفاكيا، بعد انخراطه فيما سُمى ربيع براغ، اضطر للهجرة إلى فرنسا عام 1975 بعد منع كتبه من التداول لمدة خمس سنوات.

من كتبه: ( كائن لاتحتمل خفته، فالس الوداع)، مقالات سابقة في ساقية: (ما أهمية كونديرا اليوم؟ ، ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان).

يقول ميلان كونديرا:

عندما يكتب الإنسان الرواية يتحول إلى عالَم (ألا نتحدث عن عالَم بلزاك وعالم تشيكوف وعالم كافكا؟)، وما يميّز العالم هو فرادته. لذلك فإن وجود عالم آخر يهدد وجوده ذاته.

فقد يعيش إسكافيان بانسجام تام طالما أن دكاناهما لا يوجدان في الشارع نفسه. لكنهما ما إن يشرعا في تأليف كتاب عن الإسكافيين حتى يشعر كل منهما بالانزعاج من وجود الآخر، وبذلك سيتساءلان: هل يمكن أن يحيى الإسكافي إذا كان يحيى إسكافيون آخرون؟

تشعر فتاة ما بأن نظرة واحدة من غريب تستطيع أن تدمر قيمة كراساتها الحميمة، في حين يعتقد (غوته) أن نظرة واحدة من بشري لا تسلط على أسطر نتاجه تضع وجود (غوته) ذاته موضع تساؤل. فالفرق بين الفتاة والكاتب هو نفسه الفرق بين الإنسان والكاتب.

فمن يؤلف الكتب يكون هو كل شيء (عالم فريد لنفسه وللآخرين جميعًا) أو لا شيء. وبما أن لا أحد بمقدوره أن يكون كل شيء، فإننا -نحن من نؤلف الكتب- لسنا لا شيء. نحن مهملون وحُسّاد وساخطون ونتمنى الموت للآخرين. وهذا أمر نتساوى فيه : بانكا وبيبي وأنا وغوته.

إن تنامي هوس الكتابة بين الساسة وسائقي سيارات الأجرة والنادلات والعاشقات والقتلة والسارقين والعاهرات والحكام والأطباء والمرضى يثبت لي أن كل إنسان، وبدون استثناء، يحمل في قرارة نفسه قدرة كامنة على الكتابة، بحيث يمكن أن ينزل كل إنسان إلى الشارع ويهتف: كلنا كُتاب.

فكل من يخشى فكرة الزوال من عالم لا يبالي بوجوده، الزوال دون أن يراه أو يسمعه أحد. ولهذا يسعى كل واحد إلى أن يتحول إلى عالم من الكلمات خاص به قبل فوات الآوان. وعندما يأتي يوم (وهو غير بعيد) يلفى فيه كل الناس أنفسهم كتّابًا، سنكون قد بلغنا زمن الصمم وانتفاء التفاهم الشاملين.

ميلان كونديرا والولع بالكتابة

 

ميلان كونديرا روائي وفيلسوف تشيكي، لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل “كائن لا تحتمل خفته“. يتحدث في كتابه “كتاب الضحك والنسيان” عن الولع بالكتابة حيث يقول:

منذ زمن ليس بالبعيد، عبرت باريس على متن سيارة أجرة كان سائقها ثرثارًا. لم يكن يستطيع النوم ليلًا، لأنه يعاني من سهاد مزمن أصيب به أيام الحرب. كان بحّارًا، غرقت سفينته، فسبح ثلاثة أيام وثلاث ليال إلى أن انتُشِل. قضى شهورًا عديدة بين الحياة والموت شُفي بعدها، لكنه أصيب بالسهاد.

قال باسمًا : خلّفت ورائي الثلث من حياتي، وهو الذي أكبرك به.

سألته : وماذا عساك تفعل بهذا الثلث الزائد ؟

أجابني : أكتب.

فوددت أن أعرف ماذا يكتب. كان يكتب حياته. حكاية رجل سبح لمدة ثلاثة أيام في البحر، وصارع الموت، وفقد النوم، لكنه حافظ على رغبته في الحياة.

– أتكتب ذلك لأولادك ؟ يوميات للعائلة ؟

ابتسم بمرارة وقال : لأولادي ؟ هذا لا يهمهم. هو مجرد كتاب أكتبه هكذا. أعتقد أنه قد يساعد كثير من الناس.

هذه المحادثة مع سائق سيارة الأجرة جعلتني أكتشف فجأة جوهر النشاط الذي يمارسه الكاتب. نحن نؤلف الكتب لأن أبناءنا لايهتمون بنا. نخاطب عالمًا مجهولًا  لأن زوجاتنا تغلقن آذانهن عندما نكلمهن.

ستعترضون عليّ بأن سائق الأجرة مهووس بالكتابة عن نفسه وليس بكاتب. لذا يجدر الشروع بتدقيق المفاهيم. فالمرأة التي تكتب لعشيقها أربع رسائل في اليوم ليست مولعة بالكتابة، إنها بالأحرى ولهانة. أما صديقي الذي ينسخ رسائله الأنيقة بغرض نشرها ذات يوم، فمهووس بالكتابة. ذلك أن هوس الكتابة Graphomanie ليس هو الرغبة في كتابة الرسائل أو اليوميات أو مذكرات الأسرة (أي الكتابة للنّفس وللأقربين)، بل هو تأليف الكتب (أي الكتابة لجمهور مجهول). بهذا المعنى يكون ولع سائق الأجرة هو نفسه ولع (غوته). وما يميّز واحدهما عن الآخر ليس اختلاف الولع، بل النتيجة المختلفة لهذا الولع.

فالولع بالكتابة (عادة تأليف الكتب) يصبح بالضرورة وباء حين تتحقق في المجتمع ثلاثة شروط أساسية :

١. مستوى عالٍ من الرفاهية العامة تسمح للناس بالتفرغ لنشاط غير ذي جدوى.

٢. درجة عالية من تفتت الحياة الاجتماعية، ومن ثمة درجة عالية من عزلة الأفراد.

٣. خلو الحياة الداخلية للأمة من التغيرات الكبرى (ومن هذا المنظور، يبدو لي ذا دلالة كون النسبة المئوية لعدد الكتّاب في فرنسا أعلى بواحد وعشرين مرة منه في إسرائيل ).

غير أن النتيجة قد تنعكس على العلة من خلال صدمة مرتدة. فالعزلة العامة قد تولد الهوس بالكتابة، وهوس الكتابة المعمّم بدوره يقوّي العزلة ويفاقمها. ذلك أن اختراع الآلة الطابعة مكّن الناس قديمًا من أن يفهم بعضهم بعضًا. أما في عصر هوس الكتابة الكوني، فقد اكتسب تأليف الكتب معنى مناقض : كل واحد يحيط نفسه بكلماته الخاصة كما لو كان يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج.