أرشيف الوسم: ميلان كونديرا

د.علاء جواد والعلاقة بين الفن وماهية الإنسان

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) حاول تتبع تطور مفهوم الفرد والإنسان عبر التاريخ، وفي أفكار الفلاسفة والمثقفين. فيقول في أحد الفصول الأخيرة بنهاية الكتاب، كان عنوانها “أسئلة الفرد أو عوالم الرواية من منظور سوسيولوجي“:

يبدو أن السؤاال: عن ماهية الإنسان؟ أكثر أهمية من السؤال عن حقيقته؟ لكن كلا السؤالين تهربت العلوم الإنسانية من البت فيهما وهي المعنية بهما فعلًا.

وبحسب رأيه فإن كلًا من هذه السؤالين تم التنازل عنهما لصالح الفن والأدب:

ثم ألحقا -أقصد السؤالين- نهائيًا بفضاءات الفن والأدب والأشكال الفنية الأخرى، لذا تم ترحيل السؤال حول حجم أصالتنا والمعنى من وجودنا إلى عمق الموجود الرمزي، وتحطم الفرد في المجتمع في (الحياة في مكان آخر) لـ(ميلان كونديرا)، و(المكعبات اللونية) في لوحة (مودلياني) لـ(بيكاسو)، ومساحات الضباب والحلم والعمق الوجداني في سوناتات البيانو الخاصة بـ(بيتهوفن) أو (شوبان)؛ بوصفها أفعال إبداعية أو العوالم التي “تحاول وتعمل على إعادة تعريف الإنسان“. لكن هذا لا يعني أننا في مشكلة أو في قبو مظلم بلا مخارج أبدًا .. لأن في عوالم الأدب هنالك دائمًا متسع للتأمل في حال الدنيا وأحوال الإنسان. وإذ ذهبنا وراء سحر هذه التأملات فلأننا على يقين أن هؤلاء الذين يبحثون عن المعنى هم الذين اكتشفوا مقولات الفن والتوصيفات السايكو-سوسيولوجية التي تعمل اليوم داخل النص والنماذج الأدبية.

ثم يخصص حديثه عن الرواية فيقول:

الرواية كما ظهرت في تفصيلات هذا البحث ليست إلا شكلًا من أشكال تأمل هؤلاء، الساعين والباحثين عن المعنى، كما أن جنس الرواية وهذه إحدى معضلات (سوسيولوجيا الرواية) اليوم لم يتح له أو يولد لولا تصاعد سخط فردي انفعالي على بنى اجتماعية لم يصغ مفاهيم عامة محددة أو “نمو تطلع انفعالي نحو التحقيق المباشر لقيم كيفية سواء تصاعد هذا السخط أو نما هذا التطلع في المجتمع كله، أو حدث ذلك فقط بين الفئات الوسطى التي خرج من ظهرانيها أغلب الروائيين“.

ويقول في ختام هذا الفصل:

لقد انشغلت أعمال الكثيرين من الروائيين في الإجابة عن ناهية الإنسان وحقيقته وحالة المصير المرتقب. (رينيه جيرار) بحث عن محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة في أغلب دراساته، فخلص في قراءاته لنصوص خمس من أكبر روائيي العالم -(ثيربانتس)، (ستندال)، (فلوبير)، (بروست)، (دستويفسكي)- وهم جميعًا بالرغم من الاختلافات التي توجد بينهم، إلا أنهم جميعًا كشفوا عن حقيقة قلقة، صاغوا بالاستناد إليها إجابة احتجاجية مفادها: عدم أصالة الكائن الإنساني. وأكذوبة العالم ووهميته وتوصلوا أخيرًا إلى أن تحديات المصير تفوق قدرة الإنسان على الاستمرار.

ثم يكمل الحديث عن الروايات في فصل آخر، حمل عنوان “الرواية: بوصفها أنموذجًا جماليًا لأنثروبولوجيا المصير“:

تعد الرواية وفق تنظير (سوسيولوجيا الأدب الحديث) محاولة تراجيدية لفرد إشكالي، خلاق لاجتياز الحواجز والقفز على جدران الذات، الجسد، المجتمع، الدولة، الجغرافيا، محاولة فردية مأساوية لكسر حواجز البنية والنسق، كما أنها لا تخرج أبدًا عن كونها سيرة الذات المعذبة، وسيرة الفرد الإشكالي.

مما يجعل الفن وعلاقته بالفرد:

إن عملية تشكيل المتخيل الجمالي: [النص – الألوان – الموسيقى] في نظام جمالي إبداعي. تمر من هنا بوصفها فعالية فردانية احتجاجية ترفض وتنقض مبهمات المصير، مشحونة بدوافع سايكولوجية محضة، لكنها تدعم ويتم تصعيدها بفعاليات سوسيولوجية تظهر إبداعيًا من خلال مواجهة الفرد (المشكِل للنص) للعوائق الاجتماعية التي تضعها قوى التاريخ والمجتمع في طريقه والتي يحاول جاهدًا اجتيازها، القفز والاتفاف عليها في نصوصه الإبداعية من خلال لغة وأبطاله، حواراته وتقنيات السرد التي يوظفها في تأسيسه للنص المتضمن بالضرورة على [مجتمع متخيل] يشغله الفرد الذي يصارع تساؤلات المصير فينقض عليه الواقع. ما يدفعه إلى الالتفاف عليه إبداعيًا .. إن التشابك الأساسي بين البطل والعالم، والإخفاق الناجم عن هذا التشابك هو شرط أساس لكل شكل روائي إبداعي، أما الانقطاع بينهما فلا يمكن تجاوزه.

ثم يكمل، فيقول عن الروايات:

إن ظهور الرواية كجنس أدبي يرتبط إلى حد كبير بتحول مجتمع ما من مجتمع ذي طابع جماعي (ترتبط به الملحمة) إلى مجتمع فردي النزعة، نستطيع هنا التأكيد على هذه الفرضية من خلال تقديم الملاحظة الأساسية التي وردت في أعمال (غولدمان) على أن الأعمال الروائية والأدبية والفنية الأصيلة هي “تلك التي تعكس ذاك الانتقال بين فترتين أو عالمين؛ تعكس صيرورة عالم تهاوت فيه كونية القيم القديمة، وأحذت قيم جديدة تبزغ إلى الوجود. وإذا ما بحثنا عن دلالة هذه الأعمال سنجد بأن هؤلاء الكتاب أو الفنانين، مع تقبلهم للقيم الجديدة وتمثلهم لها، يحاولون العثور على الكونية المفقودة بعد انهيار العالم القديم”. بعد أن يكوّن الفنان رؤيته إلى العالم تأتي المهمة الأكثر صعوبة: وهي خلق الأشكال الأكثر انسجامًا مع تلك الرؤية للعالم.

لقاء مع الروائي ميلان كونديرا

ميلان كونديرا

 

ميلان كونديرا، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. من مواليد عام 1929 في تشيكوسلوفاكيا. وهذا لقاء مترجم بشكل حصري لدى ساقية (المصدر)، يشرفنا أن ننقله لكم، وقد قام بهذا اللقاء الصحفي (كريستيان سلمون). يقول الصحفي في تقديمه للقاء:

هذا اللقاء كان نتاجًا لبضعة لقاءات مع (ميلان كونديرا) بخريف 1983 في باريس. وقد أقيمت هذه اللقاءات في شقة علوية بالقرب من برج مونبارناس، اتخذها (كونديرا) كمكتب له. بأرففها المليئة بكتب الفلسفة والموسيقى، الطابعة قديمة الطراز على الطاولة هناك، مما يعطيها طابعًا أقرب لغرف دراسة الطلاب، أكثر منها غرفة دراسية لكاتب مشهور عالميًا. على أحد الجدران، صورتان معلقتان جنبًا إلى جنب؛ الأولى لوالده عازف البيانو، والأخرى لـ(ليوش ياناتشيك) الملحن التشيكي، الذي ينال تقديرًا كبيرًا من (كونديرا).

أجريت هذه المقابلة بعد فترة قريبة من نشر رواية (كائن لا تحتمل خفته) لـ(ميلان كونديرا)، وبعد أن أضحت الأكثر مبيعًا فور نشرها. لم يستقبل (كونديرا) هذه الشهرة المفاجئة بصدر رحب، ولم يكن مرتاحًا لها أبدًا، ولعله يتفق مع (مالكوم لوري) في مقولته: “النجاح هو كارثة عظيمة، أشد سوءًا من اشتعال النيران في بيت أحدهم، الشهرة تستحوذ على البيت وعلى روح البيت”. سألته مرة عن بعض تعليقات الصحافة على رواياته، فأجاب بأنه “يأخذ جرعات زائدة من نفسي”.

رغبة (كونديرا) في عدم التحدث عن نفسه تبدو كردة فعل غريزية ضد ميل النقاد لدراسة الكاتب، وشخصية الكاتب، وسياساته وحياته الخاصة، عوضًا عن التركيز على عمل الكاتب. “الاشمئزاز من وجوب التحدث عن ذواتنا هو ما يفرّق بين موهبة الكاتب الروائي وموهبة كاتب القصائد الغنائية”، هكذا قال (كونديرا) لأحد الصحف المحلية، فرفض التحدث عن ذواتنا إذًا، هي الطريقة المثلى لأن تضع أعمالك الأدبية كموضع الاهتمام المباشر، ومكمن التركيز. وهذا هو الهدف من هذا اللقاء، فن التكثيف، البُنْية والتراكيب.

 

kundera_milan

 

صرّحت سابقًا بأن أقرب الروائيين إليك هما (روبيرت موزيل) و(هيرمان بروخ) من فيينا، أكثر من أي روائي آخر في الأدب المعاصر. (بروخ) يعتقد، كما تعتقد أنت أيضًا، أن عصر الروايات السيكلوجية – المهتمة بتحليل النفس البشرية – قد شارف على الانتهاء. عوضًا عن ذلك، آمن بما أطلق عليه روايات الـ”بوليـهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة.

(موزيل) و(بروخ) أثقلوا الروايات بمسؤوليات هائلة. يرونها كتأليف فكري متعمق، يرونها كآخر الأمكنة التي يمكن التساؤل فيها عن الكون ككُل. كانوا مقتنعين بأن قوة التأليف عظيمة في الرواية، مما يُمكّنها من أن تكون أشبه بالشعر، الخيال، الفلسفة، الحكمة، ومقالة، وكل ذلك معًا. وقد تعمّق (بروخ) في هذا الموضوع في أحد رسائله. ولكن يبدو لي بأنه لم يحسن اختياره لمصطلح “بوليهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة. في الحقيقة أن هذا المصطلح تم تأليفه من قِبل (ادالبيرت ستيفتر) الروائي النمساوي الكلاسيكي، وقد اخترع هذا المصطلح في روايته (الصيف الهندي)، والتي نُشرت في عام 1857. الرواية مشهورة، حتى أن (نيتشه) قد اعتبرها من أفضل أربعة أعمال في الأدب الألماني. ولكنها حاليًا غير قابلة للقراءة، فهي محشيّة بمعلومات عن الجيولوجيا، علم النباتات، علم الحيوان، الحِرَف، الرسم، الطلاء، الفنون البنائية. لكن هذه الموسوعة الهائلة، قادرة على إسعادك، لكنها لن تتركك تدخل عالمها. بالضبط لأنها متعددة الأزمنة، (الصيف الهندي) تفتقد تمامًا لما يجعلها رواية مميزة. لكن هذه ليست الحالة مع (بروخ). بالعكس! إنه يندفع حتى يكتشف، فالموضوع الوحيد الذي يحب (بروخ) أن يطلق عليه “معرفة روائية” هو “الوجود”. في نظري أن مصطلح “الأزمنة المتعددة” ينبغي أن يُعرّف  بأنه “ما يأتي بالنصائح وأشكال المعرفة بغرض أن يشع نورًا على الوجود”. نعم، إني أحس بالقرب من هكذا منهج.

 نشرت سابقًا مقالة مطولة في أحد المجلات الفرنسية، وكانت السبب في أن الفرنسيين أعادوا اكتشاف (بروخ) مرة أخرى. تحدثت عنه بتقدير كبير، ومع ذلك قمت بانتقاده أيضًا. فكتبت في نهاية المقالة: “كل الأعمال العظيمة، تكمن عظمتها في أننا علِمنا مسبقًا بأنها عظيمة، ومع ذلك فهي نوعًا ما غير مكتملة”.

(بروخ) هو إلهام لنا جميعًا، ليس بسبب إنجازاته فحسب، وإنما لكل أهدافه التي لم يحققها أيضًا. يمكن للا كمال في أعماله أو يمكن للنقص في أعماله أن تساعدنا على فهم الحاجة لأشكال فنية مختلفة، مما يشمل: [1] التجريد الجذري من كل ما هو غير ضروري، لأجل الحصول على تعقيد الوجود دون فقدان النقاء البنائي في الرواية، [2] التناغم الروائي، من خلال توحيد الفلسفة والسرد والحلم في معزوفة واحدة، [3] المقالة بأسلوب روائي، فبدلًا عن الإدعاء بنشر وتضمين رسائل معينة، تبقى في النهاية افتراضية، ساخرة وغير حقيقية، لا تلامس حياتنا البشرية.

يبدو بأن هذه النقاط الثلاث تختصر كل برنامجك الفني.

 من أجل أن تكون رواياتنا “متعددة الأزمنة”، وبمسحة وجودية، يجب أن نتقن مهارة الانتقال المفاجئ، فن التكاثف، وإلا، سقطت في فخ طويل بلا نهاية. رواية (موزيل) مثلًا، (رجل بلا صفات)، واحدة من أكثر ثلاث روايات أحبها. لكن لا تطلب مني أن أقدِّر تمددها الكبير والغير متناهي! أتخيلها قلعة كبيرة جدًا، للدرجة التي تعجز العين أن تحصرها بنظرة واحدة. أتخيلها سلسلة رباعية طالت لتسع ساعات. هناك حدود أنثروبولوجية، وأبعاد إنسانية، لا يجب أن تُخترق، حدود الذاكرة مثلًا. عندما تنتهي من القراءة، يجب أن تكون قادرًا على تذكر البداية. إن لم تتمكن من ذلك فقدت من روايتك شكلها، ويصبح وضوحها البنائي مشوبًا أيضًا.

 

Milan-Kundera-006

 

 (كتاب الضحك والنسيان) مكوّن من سبعة أجزاء. لكن الملاحظ عليها بأن كل جزء منها يمكن أن يكون رواية مختلفة إن تخليت أنت عن الانتقال المفاجئ الذي تحدثت عنه.

لكني إذا ما كتبت سبعة روايات مختلفة، فقدت تبعًا لذلك الشيء الأكثر أهمية، لم أكن لأحكِم صورة “التعقيد في وجودية الإنسان في العصر الحديث” في كتاب واحد. فن الانتقال المفاجئ أساسي جدًا، حتى يقدر المرء على الوصول لخلاصة الموضوع مباشرة. بهذا الاتصال، أنا أفكر دائمًا بـ(لويس جانايك) الموسيقي التشيكي العظيم، والذي أقدّره عاطفيًا منذ الصغر. هو أحد أعظم الموسيقيين الحداثيين. كانت له مثابرة وإصرار لتجريد الموسيقى من أساسياتها الثورية. بالطبع، كل تركيبة موسيقية تتطلب الكثير من المهارة: الكشف عن الشكل العام، تطوراته، اختلافاته، تعدد الأصوات فيه، التزامن وملؤ الفراغات بالآلات الموسيقية، الانتقالات، إلخ.

أما اليوم، فيستطيع المرء أن يكتب الموسيقى عن طريق كمبيوتره، لكن الكمبيوتر فعلًا في فِكر الكاتب الموسيقي. يستطيع أن يجد بعض الإيقاعات والتوصيفات الجاهزة، ليقوم هو بعد ذلك بمجرد الاختيار والترتيب.

لهذا عمِد (جانايك) على تدمير كمبيوتره! تجاوز قاسي بدلًا من الانتقال والتكرار، وتغيير قوي لقَلب الأمور، ولن تبقى غير الذاكرة، التي تحمل شيئًا مهمًا يستحق الوجود. وتقريبًا فالأمر ذاته بالنسبة للروايات؛ إنها مثقلة بالتقنين، بقوانين تقوم بعمل الكاتب بدلًا عنه: تقديم الشخصيات، وصف المكان والبيئة، خلق الأحداث في المكانة التاريخية، ملئ حياة الشخصيات بأحداث أو حلقات مفرغة. كل تغيير في المشهد يتطلب إيضاحًا وتقديمًا جددًا، أوصافًا، وتفسيرات. يمكنني القول بأن أهدافي قريبة من أهداف (جانايك): أن أخلص الرواية من التكنيكات الروائية المعتادة، من الدوران المحوري للكلمات والأوصاف.

 الهيئة الثانية للفن التي ذكرتها كانت (التناغم الروائي).

فكرة أن الرواية هي عمل تركيبي عظيم، تقوم تلقائيًا -تقريبًا- بمحو مشكلة (تعدد الأزمنة). هذه المشكلة ما زالت بحاجة للتمحيص. وليكن الجزء الثالث من رواية (المشاة أثناء النوم) لـ(بروخ). فهي مكونة من خمسة عناصر مختلفة: [1] الروائية، السرد والقصة المؤسسة على ثلاثة شخصيات رئيسية، [2] الوصف الواقعي للحياة في مستشفى الجيش، [3] سرد قصة فتاة في جيش الخلاص، [4] القصة الواقعية لـ(هانا ويندلينق)، [5] المقال الفلسفي عن مهانة المبادئ. كل جزء فيها مذهل بحد ذاته. وبالرغم من ذلك، وبغض النظر عن التعامل بالتساوي معها كلها، وبتغيير ثابت، تبقى العناصر الخمسة غير متحدة. بكلمة أخرى، فهي لا تمثل (بوليفونيك) حقيقي.

باستخدام التعبير المجازي (بوليفونيك)(*) وتطبيقاته الأدبية، ألا تطلب هنا من الرواية مالايمكن استيفاؤه ؟

الرواية تستطيع أن تدمج عواملًا خارجية بطريقتين. في مجرى السرد، دون اقتباس، تجعلك تسرد قصص مختلف الشخصيات. بهذه الطريقة، القصص المستقلة تُدمج ككُل متناسقة في إطار الرواية. هذا التركيب منتشر عادة في روايات القرن السابع عشر والثامن عشر. (بروخ)، على الرغم من ذلك، وبدلًا من أن ينسّق قصة (هانا ويندلينق) وقصة الثلاث شخصيات الرئيسية الأخرى، قام بكتابتها كلها بشكل مستقل. (سارتر) في (التأجيل) و(دوس باسسوس) قبله، أيضًا استخدموا هذا التكنيك في التزامن. هدفهم، مع ذلك، أن يجلبوا معًا القصص السردية المختلفة، بكلمات أخرى، عناصر متجانسة بدلًا من غير التجانس الحاضر عند (بروخ) مثلًا. وأيضًا، استخدامهم لتكنيكات صادمة، كميكانيكية طاغية وخالية من المعنى. لا أستطيع التفكير في مصطلح أفضل من (بوليفونيك) أو (طباق) لوصف هذا النوع من الأعمال، وبالإضافة إلى ذلك، التجانس في الموسيقى مهم. على سبيل المثال، أكثر ما يزعجني في الجزء الثالث من (المشاة أثناء النوم) هو أن العناصر الخمسة غير متساوية. فيما أن المساواة بين كل الأصوات في التكامل الموسيقي -فن مزج الألحان- هو القاعدة الأساسية للتأليف الموسيقي. في عمل (بروخ)، العنصر الأول -السرد للثلاثة شخصيات- تأخذ مساحة فيزيائية أكبر بكثير من العناصر الأخرى، والأهم، أنها حظيت بارتباط أكبر مع الجزئين السابقين للرواية. وهي بذلك تجذب اهتمامًا أكبر، وتهدد بتحويل بقية الأجزاء إلى قصص فرعية غير مهمة. الشيء الثاني المزعج هو أن كلًا من قصة (هانا ويندلينق) والمقالة الفلسفية، لديهما القدرة على أن يكونا عملين مستقلين. وباستقلاليتهما، لن يفقدوا أيًا من معناهم وجودتهم.

في وجهة نظري، المتطلبات الأساسية للطباق الروائي هي: [1] التساوي بين كل العناصر، [2] تماسك الرواية ككل، كجزء واحد. أتذكر اليوم الذي أنهيت فيه (الملائكة)، الجزء الثالث من (كتاب الضحك والنسيان)، كنت فخورًا بذاتي بشكل سيء. كنت متأكدًا من أنني وجدت المفتاح لطريقة جديدة في تركيب سرد القصة. النص كان مصنوعًا من الأجزاء التالية: [1] حكاية طالبتين وتحليقهما، [2] سيرة ذاتية، [3] تقرير نقدي عن أحد كتب حقوق المرأة، [4] أسطورة عن ملاك وشيطان، [5] قصة لأحلام (باول اليوارد) وطيرانه في سماء (براغ). ليس لأحد هذه الأجزاء أن يتواجد دون الأخريات. كل واحد منها يشرح الأخريات كما لو أنها بمجملها تكشف فكرة أساسية واحدة، وتسأل سؤالًا واحدًا عن ماهية الملاك.

الجزء الثالث معنون أيضًا بـ(الملائكة)، مكون من: [1] سرد لحلم موت (تامينا)، [2] سيرة ذاتية لموت والدي، [3] انعكاسات موسيقية، [4] انعكاسات عن وباء نسيان مدمر في (براغ). ما هو الرابط بين والدي وتعذيب (تامينا)؟ إنه لقاء مكينة خياطة ومظلة، في استعارة لصورة (لاوتريمونت) الشهيرة. أن تتعدد الأصوات الروائية أقرب للشعر من كونها تكنيك روائي. لا أستطيع أن أجد أي مثال لتعدد الأصوات في الأدب أقرب من الشعر، لكنني لطالما كنت منبهرًا بآخر أفلام (آلاين ريسنايز). استعمالاته لفن التكامل جدير بالتقدير.

(*): البوليفونيك هي كلمة تُستخدم في الموسيقى، تعني الانسجام والتناغم في الحنين لأكثر من شخصية

kundera1

 

هذا التكامل الروائي كان أقل حضورًا في روايتك (كائن لا تحتمل خفته).

كان ذلك هدفًا للرواية. أردت من الأحلام، وسرد القصة، والانعكاسات، أن يسيروا معًا ككل لا يتجزأ وكمجرى طبيعي. لكن الشخصيات وتعدد أصواتها في الرواية كانا مدهشين في الجزء السادس. قصة (ابن ستالين)، الانعكاس اللاهوتي، الأحداث السياسية في آسيا، موت (فرانز) في (بانكوك)، وجنازة (توماس) في (بوهيميا) كلها مرتبطة معًا بسؤال واحد، عن ما هو الفن الهابط؟ المرور المتعدد للأصوات هو حجر الأساس الذي يربط هيكل الرواية، إنه المفتاح للفن البنائي.

بوصفك “مقال روائي” كنت عن عبرت عن عدة تحفظات في المقالة عن الغش وإهانة القيم الظاهرة في (المشاة أثناء النوم).

إنها مقالة مذهلة.

لديك بعض الشكوك حول طريقة اندماج أجزاء الرواية. (بروخ) لم يتخلى عن أية من المصطلحات العلمية، فقد عبّر عن رؤياه بطريقة مباشرة دون الاختفاء خلف أحد الشخصيات. ألا يُعتبر ذلك إسهامًا من (بروخ) في الحقيقة، تحديه الجديد لشكل الرواية؟

هذا صحيح، وكان على وعي تام بشجاعته. لكن هناك بعض الخطورة أيضًا؛ مقالته يمكن أن تُقرأ وتُفهم كمفتاح أيدلوجي للرواية، كما هي “الحقيقة”، وهذا من الممكن أن يحول بقية الرواية إلى مجرد شرح للفكرة الأساسية. عند ذلك، ستضطرب بقية الرواية، حقيقة المقالة ستصبح ثقيلة جدًا، وبناء الرواية الرقيق سيواجه خطرًا بالتهاوي. الرواية التي لا تضمر شرح نظرية فلسفية (وبروخ كان يحتقر هذا الشكل من الروايات)، قد تنتهي بأن تُقرأ بهذه الطريقة. كيف يستطيع إنسان أن يدمج مقالة مع رواية؟ من المهم أن يكون لديك حقيقة واحدة في البال؛ الجوهر هو الانعكاس(**) المتغير تمامًا في الدقيقة التي تجمّله في جسد الرواية. خارج الرواية أنت في عالم التأكيدات والحقائق، كل الفلاسفة والسياسيين متأكدين تمامًا من أقوالهم. الرواية، مع ذلك، هي منطقة لا يقوم فيها أحد بالتأكيد أو فرض أفكاره كحقائق، إنها مسرحية للنظريات. الانعكاسات في الرواية هي احتماليات جوهرية جدًا.

لكن لماذا يمنع الروائي نفسه من طرح فلسفته جهارًا وبحزم في الرواية؟

لأنه ليس بيده أكثر من ذلك !! بالعادة يبحث الناس عن فلسفات (تشيخوف) أو (كافكا) أو (موزيل). لكن حاول أن تعثر على فلسفة محكمة في كتاباتهم! حتى أولئك الذين يعبرون عن أفكارهم في دفاترهم، يعدون ذلك تمرينًا ذهنيًا. التحكم بالمفارقات أو الارتجال بدلًا من التأكيد الفلسفة، وحتى الفلاسفة الذين يستعملون الروايات كشكل يشرحون في آراءهم. لم يستطع أي من (فولتير) أو (ألبير كامو) أن يكتشف ما تستطيع الرواية وحدها أن تكتشفه. أستثني من ذلك رواية (جاك القدري). فهي معجزة بحق! بتعديها على حدود الرواية الفلسفية الجادة، أضحت أشبه بمفكرة لعوب. ليس هناك جملة واحدة جادة في الرواية، كل ما فيها أقرب للمسرحية. ولذلك فالرواية غير مقدّرة بشكل شنيع في فرنسا. في الروايع، تحتوي الرواية على كل ما فقدته فرنسا، وترفض أن تستعيده. في فرنسا، الأفكار مفضّلة على العمل، والرواية بهذا الشكل لا تستطيع أن تُترجم للغة الأفكار، ولذلك فهي غير مفهومة في عالم الأفكار.

في روايتك (المزحة)، كان (جاروسلاف) هو من كوّن نظريته الموسيقية. الشخصية الافتراضية لأفكاره واضحة وجلية في ذلك. بينما التأمل الموسيقي في (كتاب الضحك والنسيان) كان خاصًا بالكاتب، الذي هو أنت. كيف أستطيع أن أفهم إذا ما كانت تلك النظريات افتراضية أو مؤكدة؟

كل ذلك يعتمد على النبرة. من الكلمات الأولى، كان هدفي أن أعطي هذه الانعكاسات نغمة لعوبة، ساخرة، مستفزة، تجريبية ومتسائلة. كل الجزء السادس من (كائن لا تحتمل خفته) هو مقالة عن الفن الهابط، شرحًا للفكرة الرئيسية: الفن الهابط هو إنكار تام لوجود الخراء. لهذا التأمل للفن الهابط أهمية شديدة بالنسبة إليّ. فهو مبني على الكثير من التفكر، التجارب، الدراسة، والشغف أيضًا. إنها مستفزة. هذه المقالة لا يمكن التفكير فيها خارج الرواية، إنها تأمل وراثي نقي.

تعدد الأصوات في رواياتك يحتوي عنصرًا آخرًا، هو سرد الأحلام. فالجزء الثاني كاملًا من (الحياة في مكان آخر)، هو أساسًا الجزء السادس من (كتاب الضحك والنسيان)، ويجري أيضًا في (كائن لا تحتمل خفته) في حلم (تيريزا).

هذه الأجزاء أيضًا هي الأكثر قابلية للفهم بشكل خاطئ. فالقراء يريدون أن يجدوا الرسالة الرمزية فيها. بينما لم يكن هناك أي تشفير في حلم (تيريزا). إنه إشعار بالموت. معناه في جماله، والذي ينوّم (تيريزا) تنويمًا مغناطيسيًا. على فكرة، هل لاحظت بأن الناس لا يستطيعون قراءة (كافكا) لمجرد فك شفراته؟ بدلًا من أن يسمحوا لأنفسهم بالاتجراف معه بعيدًا في مخيلته الفذة. تجدهم يبحثون عن الاستعارات والتشبيهات، فلا يستطيعون أن يجدوا شيئًا غير الأفكار المتداولة دائمًا. ككل الأشياء التي تضحي سخيفة من كثرة استعمال الناس لها: الحياة عبثية، أو غير عبثية، الرب بعيد عن المتناول، أو في المتناول، وغير ذلك. لا تستطيع أن تفهم شيئًا عن الفن، خاصة الفن الهابط، إذا لم تفهم بأن الخيال بحد ذاته هو قيمة عالية. (نوڤاليس) عرف ذلك عندما مجّد الأحلام. إنها “تحمينا من رتابة الحياة” كما قال، فهي “تحررنا من الجدية بخفتها وخفة ألعابها”. فكان هو أول من فهم دور الأحلام والخيالات الشبيهة بالأحلام في الروايات. فقرر أن يكتب الحلقة الثانية من قصائد (هاينريش فون أوفتردنقين) كسرد تتشابك فيه الأحلام مع الواقع، بشكل لا يمكن التفرقة بينهما. وللأسف فكل ما تبقى من الحلقة الثانية هي النوتات التي وصف فيها (نوڤاليس) النوايا الحسنة. بعد ذلك بمئة عام كان الطموح هو التحقيق في روايات (كافكا). روايات (كافكا) في الانصهار بين العلم والحقيقة، والحقيقة ليست واقعًا ولا أحلام. معجزة جميلة. بالطبع لا يمكن لأحد أن يكرر ما فعله (كافكا) مرة أخرى، ولكنني أشارك (نوڤاليس) رغبته في جلب الأحلام والخيال للرواية. طريقتي في فعل ذلك هو بالمصارحة متعددة الأصوات، بدلًا عن انصهار الأحلام والحقيقة. سرد الأحلام هو أحد عناصر فن التكامل.

(**): الانعكاسات هي الأفكار التي يستنتجها القارئ من الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

لم تستعمل تعدد الأصوات في آخر أجزاء (كتاب الضحك والنسيان)، وبالرغم من ذلك، فعلى الأرجح أن هذا الجزء هو الأكثر جاذبية في الكتاب، بحكاياته عن المواقف الغرامية/الجنسية في حياة شخصية واحدة.

هناك مصطلح موسيقي آخر في هذه الرواية، هو “الموضوع الأساسي مع التغيير”، فالموضوع الأساسي هو الحد الذي تفقد الأشياء معناها عند تجاوزه. حياتنا تتجلى في الجوار المباشر لهذا الحد، ونحن نخاطر بتجاوزه في كل لحظة. الأربعة عشر فصلًا في الجزء الأخير، هي أوجه مختلفة جنسية لذات الموقف، في الحد بين المعنى وانعدامه.

لقد وصفت (كتاب الضحك والنسيان) بأنه رواية في تشكل مختلف لذات الشيء. ولكن، أما زالت تحتفظ بمسمّاها كـ(رواية)؟

ليست هناك اتحاد للأفعال، ولهذا لا تبدو كـ(رواية). ولكن الناس لا يتخيلون رواية دون تلك الوحدة، حتى تجارب شكل الرواية الفرنسية الجديدة كانت مبنية على اتحاد الأفعال، أو عدم الأفعال. رحلة (جاكوس) وسيّده تأخذ الجزء الأقل من رواية (جاك القدري)، ليست سوى حجج هزلية حتى تُآلف بين الحكايات والقصص والأفكار. وبالرغم من ذلك، فهذه الحجج، في هذا الإطار، مهمة لجعل الرواية تبدو كرواية. في (كتاب الضحك والنسيان) ليس هناك أية من هذه الحجج. إنه اتحاد الموضوع الأساسي وأوجهه المتعددة التي تعطي التماسك للشكل النهائي ككل. أهي رواية؟ نعم. الرواية هي تأمل في الوجود، مرئي من خلال تاريخها، الرواية لم تعرف ميف تستغل احتمالاتها غير المتناهية. لقد فقدت فرصتها لذلك.

باستثناء (كتاب الضحك والنسيان)، رواياتك مبنية أيضًا على اتحاد الأحداث. غير أنها، بالتأكيد لها اختلاف أوجها. وقد أعتبر بأن (كائن لا تحتمل خفته) هي الأقل تماسكًا.

نعم، هي عدة قصص ترتب سوية وتتحد في أحداثها: ذات الأسئلة الغيبية، ذات الدوافع، (دافع الأبوة/الأمومة على سبيل المثال في (رقصة الوداع))، وبعد ذلك الأوجه المتعددة. لكنني أود أن أشدد على أنه بالرغم من كل ذلك، فالرواية مبنية أساسًا على عدد من الكلمات الأساسية، كسلسلة مسودات (شوينبرغ) في (كتاب الضحك والنسيان)، السلسلة كالآتي: نسيان، ضحك، ملاءمة، ليتوست، الحدود. من خلال الرواية يمكن تحليل هذه الكلمات الأساسية، ودراستها وإعادة تعريفها. الكلمات الأساسية في رواية (كائن لا تحتمل خفته) هي: الوزن، الخفة، الروح، الجسم، الزحف العظيم، الخراء، الفن الهابط، التعاطف، الدوخة، القوة، والضعف. بسبب صفاتهم التصنيفية. هذه الكلمات لا يمكن أن تتبدل بمرادفات. وهذا ما يجب أن يُفسّر دائمًا للمترجمين، أولئك الذين يحاولون تفادي التكرار، بدعوى اهتمامهم بالأسلوب الجيد.

بخصوص الوضوح البنائي، كنت قد صُدمت عندما لاحظت بأن كل رواياتك، ما عدا واحدة، مقسمة إلى سبعة أقسام.

عندما انتهيت من روايتي الأولى (المزحة) لم يكن هناك أي سبب يدو للاستغراب من كونها مقسمة إلى سبعة أقسام. بعد ذلك كتبت روايتي (الحياة في مكان آخر) وكان لها ستة أقسام عندما شارفت على إنهائها. لكنني لم أشعر بالرضى فجأة فخطر ببالي أن أضيف جزءًا يأخذ مكانته بعد موت الشخصية الرئيسية بثلاث سنوات، خارج إطار القصة الأساسية. وبذلك أصبح الجزء السادس من السبعة معنون بـ(الرجل في منتصف العمر)، وفي الحال، اختلفت بنية الرواية بشكل كامل. بعد ذلك استوعبت بأن الجزء السادس هنا أصبح مشابهًا للجزء السادس من (المزحة). وأيضًا بفتح نافذة سرية في جدار الرواية. كقصة عشق مضحكة بدأت كعشر قصص قصيرة. وعندما كنت أضع الشكل النهائي للرواية حذفت ثلاثة من هذه القصص. أصبح بذلك المجموع أكثر ترابطًا، مؤذنًا ببداية تكوّن (كتاب الضحك والنسيان). شخصية واحدة (الطبيب هاڤل) يربط القصة الرابعة والسادسة معًا، في (كتاب الضحك والنسيان) أيضًا يرتبط الجزء الرابع والسادس بشخصية واحدة أيضًا: (تامينا).

عندما كتبت (كائن لا تحتمل خفته) كنت عازمًا على كسر لعنة الرقم سبعة، فقررت المحافظة على ستة أجزاء فقط، ولكن الجزء الأول بدا لي غير متشكل بالطريقة المناسبة. ففهمت بأنه مكوّن أصلًا من جزئين. كالتوأم السيامي، يجب أن يُفصل بعملية دقيقة. السبب الوحيد لتذكر ذلك هو أنني لست منغمسًا في حب أسطوري للأرقام السحرية، أو أنني أقوم بحساب ذلك بطريقة واعية. لكنني أُقاد بحاجة عميقة، غير واعية، وغير ممكنة الاستيعاب، طراز نموذجي في الرسم لا أستطيع الهروب منه. كل رواياتي هي أشكال مختلفة مبنية على الرقم سبعة.

1milan_kundera1
استخدامك لسبعة أجزاء مقسّمة بعناية، مرتبط – بالتأكيد – بهدفك في توليف أكثر العناصر اختلافًا إلى وحدة كاملة متكاملة. كل جزء من روايتك هو عامل مستقل ومختلف عن البقية، بسبب هيئته المختلفة. لكن إذا كانت الرواية مقسمة إلى أجزاء مرقمة، فلماذا كانت هذه الأجزاء مقسمة إلى فصول مرقمة ؟
الفصول ذاتها يجب عليها أن تخلق عوالمًا صغيرة خاصة بها، ويجب أن تكون أيضًا مستقلة نسبيًا. لهذا أجدني دائمًا ما أتأكد من أن ناشريي يوضحون هذه الأرقام للفصول والأجزاء بشكل جيد. الفصول هي مقطوعات موسيقية، هناك أجزاء حيث الفصل طويل أحيانًا، وقصير أحيانًا أخرى، وقد يكون طويل بشكل غير اعتيادي حتى. لكل جزء دلالته ونبضه الموسيقي: رسل، سريع، بطيء، أو معتدل ..إلخ. فالجزء السادس مثلًا من (الحياة في مكان آخر) هو معتدل البطئ، هادئ وكئيب. فهو يسرد لقاءً بين رجل في منتصف العمر مع شابة كانت قد أُطلق سراحها من السجن حديثًا. بينما كان الجزء الأخير سريعًا جدًا، فصوله قصيرة جدًا أيضًا، يتناول سردًا لـ(جاروميل) الذي ينازع الموت، لـ(ريمباود)، (يرمونتوث) و(بشكين). في البداية، فكّرت في (كائن لا تحتمل خفته) بشكل موسيقي، علِمت بأن الجزء الأخير فيها يجب أن يكون رقيقًا وبطيئًا لأبعد درجة ؛ فهو يحكي عن فترة زمنية قصيرة، بدون أحداث، تتركز في مكان واحد، نبرتها هادئة جدًا. وأيضًا علِمت بأنه يجب أن يُسبق بجزء سريع جدًا، لهذا كان الجزء الذي حمل اسم (الزحف العظيم).
هناك استثناء للرقم سبعة .. أقصة روايتك (رقصة الوداع) المكوّنة من خمسة أجزاء فقط.
(رقصة الوداع) كانت على طراز فني آخر: فهي متجانسة تمامًا، تتعامل مع موضوع واحد فقط، تُسرد بنفس سرعة النبض، مسرحية جدًا، تنطبق على أسلوب معين، تشتق هيئتها من كونها مسرحية هزلية. قصة حب مضحكة وهزلية، معنونة بـ(النقاش)، مبنية تمامًا بنفس الطريقة، مسرحية هزلية مجزّأة.
ماذا تعني بالمسرحية الهزلية ؟
أعني التركيز على حبكة القصة وكل زخارفها من مصادفات غير متوقعة وغير قابلة للتصديق. لا شيء يصبح متشابهًا فيها، سخيف، مبتذل، منعدم الذوق في الرواية،، أقصد في الحبكة ومبالغاتها الهزلية. بداية من (فلوبير)، حاول الروائيون أن يبتعدوا عن الحيل الدارجة في الحبكة. مما جعل الروايات مملة أكثر من ممل الحياة. وبالرغم من ذلك، فهناك طرق أخرى للالتفاف حول المتشابه والعوامل المهلكة للحبكة، بقصد تحريرها من متطلبات ما هو محتمل وقابل للتصديق. أن تسرد قصة غير متوقعة بأن تختار أن تجعلها غير متوقعة وغير قابلة للتصديق ! هكذا تمامًا كما كتب (كافكا) روايته (أمريكا)، الطريقة التي التقى بها عمه (كارل) في الفصل الأول، من خلال سلسلة من الأحداث غير المتوقعة. (كافكا) دخل إلى عالم سيريالي عظيم في (التداخل بين العلم والواقع) في الفصل الأول. وبسخرية واضحة في الحبكة، كبوابة للمسرحية الهزلية.
 لكن لماذا اخترت هذا الشكل المسرحي الهزلي لرواية، ليس المراد منها -على الإطلاق- أن تكون مسلية أو ترفيهية؟
لكنها ترفيهية !! لا أفهم احتقار الفرنسيين للترفيه.  لماذا يشعرون بالعار من كلمة ترفيه؟ إنهم يخاطرون بشكل أقل عندما يكونون مسليين بدلًا من كونهم مملين. هم أيضًا يخاطرون بالوقوع في الفن الهابط، المحلي، الكاذب، ذو الزخرفة. فالأضواء الوردية للأعمال الحداثية في الشعر الوارد، أو في فيلم (سكوت) الأخير، يجعل التاريخ الفرنسي كفن هابط. نعم، فن هابط، وليس ترفيهًا، إنه مرض للجمال الحقيقي. الرواية الأوروبية العظيمة بدأت كنوع من الترفيه، وكل رواية في الحقيقة تلهف لأن تكون كذلك. في الحقيقة، إن الموضوع الأساسي لهذا الترفيه العظيم في (رقصة الوداع) كان السؤال “هل يستحق الإنسان أن يعيش على هذه الأرض؟ أليس من المفترض أن نحرر هذا الكوكب من براثن الإنسان؟“. كان طموحي في الحياة أن أوجد جدية لهذا السؤال مع أقصى خفة وترفيه. وليس هذا طموح فني تقني بحت. فالجمع بين الشكل الهزلي والموضوع الجاد يكشف قناعًا من الدراما الخاصة بنا. ذلك الذي يحدث في أسرّتنا والتي نمثلها على مسرح التاريخ العظيم. نحن نخوض خفة الكائن غير المحتملة.
إذا كان بإمكانك أن تستخدم عنوانًا آخرًا لروايتك (رقصة الوداع)، فماذا سيكون ؟ 
كل رواياتي يمكن لها أن تحمل عنوان: (كائن لا تحتمل خفته)، (المزحة)، أو (الحب المضحك). العناوين قابلة للتبديل. فهي انعكاس لعدد صغير ومحدد من المواضيع الأساسية التي تصيبني بالهوس. تقوم بتعريفي، ولسوء الحظ، تضع أمامي الكثير من الحدود. بعيدًا عن هذه المواضيع التي أجد شيئًا لأقوله.
هناك شكلان في رسمك لتكوين الرواية ؛ (١) تعدد الأصوات، والذي يُوجد مواضيعًا مختلفة كبناء مبني على الرقم سبعة. (٢) الهزلية، والتي بدورها تقوم بالمجانسة بشكل مسرحي يتجنب التوقعات. هل يمكن لـ(ميلان كونديرا) التواجد خارج هذين الشكلين؟
أنا دائمًا أحلم بخيانة زوجية عظيمة وغير متوقعة. لكنني لم أستطع الهروب من الشخصية المرتبطة بزوجين أو عشيقتين.
[تمت]

ميلان كونديرا وحالة تغيير التاريخ

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. يبتدئ كتابه (كتاب الضحك والنسيان) بذكر قصة تاريخية :
في شهر فبراير من عام ١٩٤٨ وقف الزعيم الشيوعي (كليمان غوتوالد) على شرفة قصر من العصر باروكي من قصور براغ ليخطب في مئات الآلاف من المواطنين المتجمهرين في ساحة المدينة القديمة. كان هذا منعطفًا كبيرًا في تاريخ بوهيميا (منطقة في وسط أوروبا). بل لحظة مشهودة وحاسمة في ذلك التاريخ فيه.
كان (غوتوالد) محاطًا برفاقه، وبجانبه وقف (كليمانتس). بدأ الثلج يسقط في جوّ من البرد القارص، وكان (غوتوالد) عاري الرأس. فقام (كليمانتس) بنزع قبعته من الفرو ووضعها بعناية على رأس (غوتوالد).
وقد أعادت شعبة الدعاية والإعلام إنتاج مئات آلاف النسخ من صورة (غوتوالد) المحاط برفاقه وهو يطل بقبعة الفرو من الشرفة، ويتحدث إلى الشعب. وهكذا بدأ التاريخ الشيوعي لبوهيميا من هذه الشرفة. كل الأطفال كانوا يعرفون هذه الصورة، لكثرة ما شاهدوها في الملصقات أو في الكتب المدرسية أو في المتاحف.
بعد ذلك بأربع سنوات اتُّهم (كليمانتس) بالخيانة، وشُنق، فقامت شعبة الدعاية بحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية. ومنذ ذلك الحين صار (غوتوالد) يظهر وحيدًا على الشرفة. ولم يعد يظهر حيث كان يقف (كليمانتس) سوى حائط القصر الفارغ. ولم يبقَ من (كليمانتس) سوى قبعته على هامة (غوتوالد).
يبدأ بعد ذلك في وصف مشهد عادي من أيامنا الحالية، يُبين فيه كيف نتعامل مع الماضي والمستقبل كبشر :
كان (ميريك) يريد محو بعض الصور من حياته، فليس لأنه لم يكن يحبها، بل لأنه أحبها حقًا. محاها هي وحبها. لقد مسح الصور مثلما مسحت شعبة الدعاية صورة (كليمانتس) من الشرفة التي ألقى منها (غوتوالد) خطبته التاريخية. فـ(ميريك) يعيد كتابة التاريخ تمامًا كما يفعل الحزب الشيوعي، وكما تفعل كل الأحزاب السياسية، وكما تفعل كل الشعوب. وإجمالًا كما يفعل الإنسان. جميعهم يعلنون الرغبة في صنع غد أفضل، لكن الأمر غير صحيح، لأن المستقبل ليس سوى فراغ مهمل لا يهم أحدًا، مقابل الماضي المفعم بالحياة، ووجهه مزعج وبغيض إلى حد أننا نرغب في تدميره أو إعادة تلوينه. لذلك لا يطمح الناس إلى التحكم في المستقبل إلا بقصد اكتساب القدرة على تغيير الماضي. فهم يتصارعون من أجل الوصول إلى المختبرات التي تُجرى فيها الروتوشات على الصور، ومن ثم تُعاد كتابة السير والتواريخ.

ميلان كونديرا وعوالم الروائيين

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. يكتب عن تصوره عن عوالم الروائيين في كتابه (كتاب الضحك والنسيان) والذي نُشر في 1978 فيقول:

عندما يكتب الإنسان الرواية يتحول إلى عالَم (ألا نتحدث عن عالَم بلزاك وعالم تشيكوف وعالم كافكا؟)، وما يميّز العالم هو فرادته. لذلك فإن وجود عالم آخر يهدد وجوده ذاته.

فقد يعيش اسكافيان بانسجام تام طالما أن دكاناهما لا يوجدان في الشارع نفسه. لكنهما ما إن يشرعا في تأليف كتاب عن الإسكافيين حتى يشعر كل منهما بالانزعاج من وجود الآخر، وبذلك سيتساءلان : هل يمكن أن يحيى الإسكافي إذا كان يحيى إسكافيون آخرون ؟

تشعر فتاة ما بأن نظرة واحدة من غريب تستطيع أن تدمر قيمة كراساتها الحميمة، في حين يعتقد (غوته) أن نظرة واحدة من بشري لا تسلط على أسطر نتاجه تضع وجود (غوته) ذاته موضع تساؤل. فالفرق بين الفتاة والكاتب هو نفسه الفرق بين الإنسان والكاتب.

فمن يؤلف الكتب يكون هو كل شيء (عالم فريد لنفسه وللآخرين جميعًا) أو لا شيء. وبما أن لا أحد بمقدوره أن يكون كل شيء، فإننا -نحن من نؤلف الكتب- لسنا لا شيء. نحن مهملون وحُسّاد وساخطون ونتمنى الموت للآخرين. وهذا أمر نتساوى فيه : بانكا وبيبي وأنا وغوته.

إن تنامي هوس الكتابة بين الساسة وسائقي سيارات الأجرة والنادلات والعاشقات والقتلة والسارقين والعاهرات والحكام والأطباء والمرضى يثبت لي أن كل إنسان، وبدون استثناء، يحمل في قرارة نفسه قدرة كامنة على الكتابة، بحيث يمكن أن ينزل كل إنسان إلى الشارع ويهتف : كلنا كُتاب.

فكل من يخشى فكرة الزوال من عالم لا يبالي بوجوده، الزوال دون أن يراه أو يسمعه أحد. ولهذا يسعى كل واحد إلى أن يتحول إلى عالم من الكلمات خاص به قبل فوات الآوان. وعندما يأتي يوم (وهو غير بعيد) يلفى فيه كل الناس أنفسهم كتّابًا، سنكون قد بلغنا زمن الصمم وانتفاء التفاهم الشاملين.

ميلان كونديرا والولع بالكتابة

milan-kondera

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل “كائن لا تحتمل خفته“- يتحدث في كتابه “كتاب الضحك والنسيان” عن الولع بالكتابة حيث يقول:

منذ زمن ليس بالبعيد، عبرت باريس على متن سيارة أجرة كان سائقها ثرثارًا. لم يكن يستطيع النوم ليلًا، لأنه يعاني من سهاد مزمن أصيب به أيام الحرب. كان بحارًا، غرقت سفينته، فسبح ثلاثة أيام وثلاث ليال إلى أن انتُشِل. قضى شهورًا عديدة بين الحياة والموت شفي بعدها، لكنه أصيب بالسهاد.

قال باسمًا : خلّفت ورائي الثلث من حياتي، وهو الذي أكبرك به.

سألته : وماذا عساك تفعل بهذا الثلث الزائد ؟

أجابني : أكتب.

فوددت أن أعرف ماذا يكتب. كان يكتب حياته. حكاية رجل سبح لمدة ثلاثة أيام في البحر، وصارع الموت، وفقد النوم، لكنه حافظ على رغبته في الحياة.

– أتكتب ذلك لأولادك ؟ يوميات للعائلة ؟

ابتسم بمرارة وقال : لأولادي ؟ هذا لا يهمهم. هو مجرد كتاب أكتبه هكذا. أعتقد أنه قد يساعد كثير من الناس.

هذه المحادثة مع سائق سيارة الأجرة جعلتني أكتشف فجأة جوهر النشاط الذي يمارسه الكاتب. نحن نؤلف الكتب لأن أبناءنا لا يهتمون بنا. نخاطب عالمًا مجهولًا  لأن زوجاتنا تغلقن آذانهن عندما نكلمهن.

ستعترضون عليّ بأن سائق الأجرة مهووس بالكتابة عن نفسه وليس بكاتب. لذا يجدر الشروع يتدقيق المفاهيم. فالمرأة التي تكتب لعشيقها أربع رسائل في اليوم ليست مولعة بالكتابة، إنها بالأحرى ولهانة. أما صديقي الذي ينسخ رسائله الأنيقة بغرض نشرها ذات يوم، فمهووس بالكتابة. ذلك أن هوس الكتابة Graphomanie ليس هو الرغبة في كتابة الرسائل أو اليوميات أو مذكرات الأسرة (أي الكتابة للنفس وللأقربين)، بل هو تأليف الكتب (أي الكتابة لجمهور مجهول). بهذا المعنى يكون ولع سائق الأجرة هو نفسه ولع (غوته). وما يميّز واحدهما عن الآخر ليس اختلاف الولع، بل النتيجة المختلفة لهذا الولع.

فالولع بالكتابة (عادة تأليف الكتب) يصبح بالضرورة وباء حين تتحقق في المجتمع ثلاثة شروط أساسية :

١. مستوى عالٍ من الرفاهية العامة تسمح للناس بالتفرغ لنشاط غير ذي جدوى.

٢. درجة عالية من تفتت الحياة الاجتماعية، ومن ثمة درجة عالية من عزلة الأفراد.

٣. خلو الحياة الداخلية للأمة من التغيرات الكبرى (ومن هذا المنظور، يبدو لي ذا دلالة كون النسبة المئوية لعدد الكتّاب في فرنسا أعلى بواحد وعشرين مرة منه في إسرائيل. ).

غير أن النتيجة قد تنعكس على العلة من خلال صدمة مرتدة. فالعزلة العامة قد تولد الهوس بالكتابة، وهوس الكتابة المعمّم يدوره يقوّي العزلة ويفاقمها. ذلك أن اختراع الآلة الطابعة مكّن الناس قديمًا من أن يفهم بعضهم بعضًا. أما في عصر هوس الكتابة الكوني، فقد اكتسب تأليف الكتب معنىً مناقضًا : كل واحد يحيط نفسه بكلماته الخاصة كما لو كان يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج.