أرشيف الوسم: نبذة

التعادلية عند توفيق الحكيم

Tawfiq-al-Hakim

أن تقرأ لتوفيق الحكيم هو أن تتجرد عن المادة وتنفصل عن الوجود، هو أن تترك قلبك يشعر وتطلق نطاق عقلك. لتأخذك حروفه إلى ما هو أبعد من الأرض، بجولة فكرية يغلبها الشعور، وأن تحس من خلال كتاباته وكأنك تستمع لترنيمة موسيقية تدخل الفرح لنفسك فرحةً ظاهرة على وجنتيك. كأنها نغمة شجية يلحنها فنان في عصر قديم لا تميزه، يحيطه أفراداً مثلك، أفراداً مجتمعون كالعلب المتناقضة، قدموا بوابل من الأسئلة. لكن وسط اختلاف الآراء، واجتماع الاتجاهات، وتداخل الإيقاع واختلاف التحليلات وتنازع الأديان، وجدوا مدخلاً آخر للسعادة والراحة، كان بعيداً جداً عن الأفق المنظور ألا وهو التعادلية..

الفيلسوف المفكر الأديب والناقد، توفيق الحكيم بصفاته التي قلما أن تجتمع في كاتب واحد، من خلال فكره التنويري يقدم آرائه في كتاب التعادلية مع الإسلام في شكل أجوبة شافية لأسئلة القارئ النهم بخصوص مذهبه في الفن والحياة، القارئ المهتم بدراسة شخصية توفيق الحكيم فكراً وعملاً.

ففي الفكر الحر يقول:

انضمام رجل الفكر إلى حزب من الأحزاب معناه تقيده والتزامه بتفكير الحزب.. وهذا الالتزام يناقض الحرية التي هي جوهر رسالته الفكرية…. لإن التزامه بمذهب حزبه يحرمه مباشرة سلطة الفكر في المراقبة والمراجعة، هذه السلطة الحرة التي هي أساس مسؤوليته الحقيقية.. وهو بذلك إما يخضع ويرضخ لحزبه وينزل راضياَ مختاراَ عن وظيفة رجل الفكر ويصبح رجل عمل.. وإما أن يصر على الصمود والاحتفاظ بسلطة وظيفته الفكرية ويناقش أفكار حزبه ويطورها بمطلق الحرية التي تخولها له مسؤولية رجل الفكر الحر وعندئذ سيجد نفسه مفصولاَ عن الحزب ومطروداَ أو مضطهداَ.

(..)

إن عصرنا الراهن قد ابتكر طريقة يستطيع بها رجل السلطان أن يسكت رجل الفكر، فهو اليوم لا يعذبه ولا يسجنه كما كان يفعل الحكام السابقون، لكنه يستدرجه إلى حظيرة السياسة العملية فيلغي بذلك وجوده لأنك إذا أدمجت الفكر في العمل لم يعد فكراَ.. فواجب رجل الفكر إذاَ أن يحافظ على كيان الفكر وأن يصون وجوده الذاتي حراَ مستقلاَ.

وفي إيمانه و التعادلية يقول:

قطبي الحياة هما الفكر و العمل.. يجب أن يحتفظ كل منهما بقوته الذاتية في نظر المذهب التعادلي حتي يتم بينهما التوازن .. لأن هذا التوازن هو الذي يكبح جماح كل منهما و يحول دون طغيانه المفسد لكيان البشرية العمل إرادة تجمدت و تقيدت و التزمت بوضع خاص. فالالتزام إذن من صفات العمل و الحرية من صفات الفكر و الفكر الذي يلتزم ينقلب إلى عمل و هذا بالضبط هو ما يحدث في الأحزاب السياسية و الاجتماعية .. فالبرنامج الحزبي أي المذهب السياسي أو الاجتماعي هو فكر تقيد به الحزب.

أنا أحس بشعوري الداخلي أن الإنسان ليس وحده في هذا الكون.. و هذا هو الإيمان. و ليس من حق أحد أن يطلب إلى الإيمان تعليلاً أو دليلاً. فإما أن نشعر أو لا نشعر، و ليس للعقل هنا أن يتدخل ليثبت شيئاً.. و إن أولئك الذين يلجأون إلى العقل و منطقه ليثبت لهم الإيمان، إنما يسيئون إلى الإيمان نفسه. فالإيمان لا برهان عليه من خارجه. إنى أومن بأنى لست وحدي … لأنى أشعر بذلك … و لم أفقد إيماني، لأني رجل معتدل.

الرأي عندي هو إعادة النظر فى طريقة الحساب و العقاب … فيما عدا عقوبة الإعدام للقتل العمد، فهي يجب أن تبقى … لا على أنها عقوبة، بل لأنها وضع طبيعي … فطبقاً لمذهب التعادل: لا شئ يعادل حياة الإنسان غير حياة الإنسان أما بقية الجرائم التى يعاقب عليها عادة بالحرمان من الحرية: أي بالحبس و السجن، فهي التى يجب أن تتغير و توضع على أساس جديد على أساس المعادلة-لا بين الحرية والشر-بل المعادلة بين الخير والشر. أي من يرتكب فعلاً يضر الغير يجب أن يعادله بفعل ينفع الغير … و على هذا الوضع يجب أن تلغى السجون، و يقام بدلاً منها مصانع و أدوات إنتاج فمن فعل شراً بالمجموع عليه أن ينتج خيراً يفيد المجموع، دون حاجة إلى أن يطرد من مجتمعه أو يقصى عن أهله و ذويه أو يحرم من حريته فى ممارسة حياته العادية. كل ما يطلب منه هو أن يؤدي ثمن الشر الذى ارتكبه من إنتاجه … يجب أن ينتج لحساب المجتمع ما يعادل فى الزمن و الكم جسامة الشر الذى صدر منه هذا الحساب الإيجابي المنتج أفيد و أنفع للمجتمع من السجن السلبي العقيم، و هو فضلاً عن ذلك مبق لكرامة المذنب، لأنه يبقيه بين مجتمعه و أهله، أي فى البيئة الصالحة لتوبته و تحركه فى اتجاه الخير.

الفلامنكو.. حينما يلتقي السحر الغجري مع الطرب العربي

raycoiacarlota121503

حين نقلب صفحات التاريخ لنتعرف على سبب نشأة وعراقة بعض الموسيقى نجد أن السبب الحقيقي الأول هو الإضطهاد وما الموسيقى والغناء والرقص إلا أدوات للمطالبة بالحرية والتخلص من شر العبودية. والفلامنكو الفن الاسباني العريق أحد أنواع الموسيقى التي بدأت كمزيج من أحزان وآلام أقوام مهزومين (وهم المسلمين) مع أقوام تائهين عابرين للقارات (وهم الغجر من شمال الهند) وأخيراً الأسبان أنفسهم (وهم الذين كان يحكمهم ملك ظالم يسمى “فريدناندفي”، حيث أمر بأن يغير أهل أسبانيا جميعهم ديانتهم ويوحدوها تحت ديانته الكاثوليكية).

هكذا تكونت موسيقى الفلامنكو عبر التاريخ خليطا من ثقافات مختلفة ونغمات منسجمة تعلن عن نفسها بعذوبة. فحين تستمع إلى عازف الجيتار وهو يضرب بأنامله الأوتار، تجد أن الموسيقى قائمة على نوتات شرقية أساسية، أما باقي الملحمة فهي تحتوي على شعر غجري منتظم يحكي الظلم ويفسر المعاناة الإنسانية التي يعيشها كل منهم. يقول محمد فايد في حديثه عن موسيقى الفلامنكو :

أعلن الفلامنكو عن نفسه في القرن 18 وعلى الرغم من أن العديد من تفاصيل تطوره مفقودة اليوم فإن جل الدراسات تشير إلى أن هذا الفن مرتبط بالغجر وبثقافات أخرى تعايشت في المنطقة ومن بينها الثقافة المورسكية ذات الأصول العربية الإسلامية إضافة إلى الثقافة الاسبانية المحلية. وتطور بفضل اجتهادات الغجر الذين لم يتخلوا عنه ولا عن لغاتهم وثقافتهم الأصلية خلال ترحالهم عبر ربوع الأندلس وغيرها من البلاد، فقد جلبوا موسيقاهم الخاصة لتمتزج مع ما هو قائم في البلاد التي احتضنتهم. ومازال الفلامنكو يحتفظ بعلامات تدل على أصوله الشرقية بشكل واضح، كاعتماد الحنجرة في الغناء، والطابع الشرقي في التأليف الموسيقي الذي يعتمد الهارموني العربي، مثلما هو شائع في العزف العربي على العود وغيره من الآلات التي تعطي التون ونصف التون، كما أن التشابه القائم بين مقامات الفلامنكو ومقامات الغناء العربي بارز العيان.

ذلك المزيج لم يتوقف عند تلك النقطة فقط، بل تموج تأثير الفلامنكو بين بحري العرب والغجر. فكلما أوغلنا في تفاصيل الفلامنكو من حيث تركيبة الموسيقى والكلمة نجد أن بعض المؤرخين أمثال بلاس انفانتي أرجؤوا معنى “الفلامنكو” لأصل عربي وهي “فلاح منكم”. كما قال البعض أيضا أن “Ole – أولي”  الكلمة التي يقولها جمهور الفلامنكو لفرط إعجابهم الشديد بالعرض والموسيقى على شكل صرخات هي في حقيقتها كانت “الله” تأثرا بالموركسيين لكنها تغيرت مع الزمن إلى “أولي”. حيث يفصل محمد فايد :

ولقد اختلف الباحثون والمؤرخون في تأصيل تسمية الفلامنكو فهناك من ينسبها إلى طائر الفلامنكو الوردي الراقص المهاجر وآخرون أرجعوها للكلمة العربية «فلاح منكوب» أو « فلاح منكم» وطبقا لبلاس انفانتي يرجع «فلاح منغو» إلى «فلاح من غير أرض» وهم الفلاحون الموريسكيون الذين اضطهدوا وأصبحوا بدون أرض فاندمجوا مع الغجر وأسسوا الفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم التي يشعر بها الناس بعد إبادة ثقافتهم.

لاينتهي جمال الفلامنكو هنا.. بل إنه لا يكتمل إلا في عنفوان راقصات الفلامنكو، أولئك اللواتي يعلن ثورة ضد الألم حين يضربن بأرجلهن أرضاً ثم يحركن أيديهن معلنات عن الحياة والحرية. فنلاحظ هنا أن الفلامنكو رقصة لا تتمحور حول قصة رومانسية بقدر أنها ملحمة إنسانية شامخة.. يواصل محمد فايد :

فن الفلامنكو يعكس بجلاء تقاليد وأعراف التنظيم الاجتماعي الغجري الذي يحتل فيه الذكور المكانة البارزة بينما تحتجب المرأة وراء أدوارها التقليدية. ولكن في حفل الرقص تبدو الطقوس مخالفة لهذا العرف متحررة منه. فبداية الرقصة تكرس بشكل قوي هيمنة النساء وتحكمهن في حلبته، بعد ذلك يلتحق الرجال بالحلبة بشكل تدريجي. ورقص النساء يستحث المغني على التفنن في تلاوة قصائد الغزل التي تتغنى بجمال وأنوثة الراقصة حيث يتيح حفل الرقص للغجريات فرصا كبيرة ومهمة لتغيير وضعهن الاجتماعي. تلبس الراقصة لباسا زاهيا ملونا عريضا فضفاضا على غرار لباس الغجر بينما يلبس الراقص قميصا ضيقا ملونا أو أبيض وسروالا أسود ضيقا أيضا وينتعل الذكور والإناث أحذية قوية تحدث فرقعات مسموعة خلال ضرب الأرض بها. وكان سلفهم يلبسون أحذية ذات كعوب عالية لإحداث الصوت القوي المسموع ويضعون على رؤوسهم قبعات تقليدية لم يعد يستسيغها الراقصون ولا المغنون اليوم. وهي تختلف عن الرقص الهادئ المتمايل كالرقص الشرقي أو الكلاسيكي حيث تعتمد راقصة الفلامنكو في حركاتها على قوتها الجسدية هذا بالإضافة  إلى حركات ذراعيها وقدمها بعنف مما يترجم الثورة على القيود. ويختلف أداء الراقصة عن أداء الراقص ببعض الحركات العنيفة عند الراقص التي تعبر بقوة عن هذا العنف مما يجعل الراقص الماهر يثير الإعجاب على الرغم من مكانته الثانوية في حفل الرقص في ظل مكانة المرأة التي تهيمن عليه تعبر راقصة الفلامنكو في رقصها عن الكبرياء والأنفة من خلال حركة الذراعين والقدمين مترجمة أحاسيسها الداخلية بحركات سريعة وقوية كالتصفيق والضرب بالقدمين والإغناء السريع للجسد وشموخ الهامة في كل الايقاعات.. وتعتمد الراقصة على حركة الأطراف (الأيدي والأرجل) وهذه الحركة لا تتجه نحو الهدر والرومانسية بقدر ما تتجه نحو التصعيد الحركي أو الدينامية المتنامية.

هنا تجد بعض فقرات رقصة الفلامنكو الإسباني الغجري ، كما تستطيع الاستماع لسحر جيتارها



للإستزادة: ورقة محمد فايد عن الفلامنكو بعنوان (الفلامنكو.. الغنائيات والعزف والراقصات) من دورية الثقافة الشعبية / مقال عن (تاريخ موسيقى الفلامنكو) من أكاديمية الفنون

غناء البلوز.. خطوة نحو الحرية

BBKing_36x48_120002

البلوز هو نوع من أنواع الموسيقى والغناء نشأ في ولاية المسيسيبي على يد الزنوج حين كانوا تحت حكم الأمريكان ذات البشرة البيضاء، حيث كانوا يرددون الأغاني بطريقة صيحات يبدؤها واحد ويردد خلفه الباقيين. تتبع صيحاتهم أصوات الفأس لتعطي نغماً موسيقيا متناسقاً. كان هذا الغناء في بدايته تعبيرا عن الغضب وطمعا في الحرية، وكان أحد سبل الخلاص. أما عن الكلمة، فكثيرا ما نسمع تعبير “بلو” على المزاج الحزين، وكذلك هي أغاني البلوز تحمل طابع الحزن والألم بقدر المعاناة التي عاناها الزنوج في تلك المرحلة. ولعل هذا التعبير له علاقة مباشرة بأغاني البلوز فقد قيل أن البلوز يعني “ممسوس بعفاريت زرق” أي الشخص الواقع تحت تأثير العفاريت التي تسبب الحزن والألم. وربما لا علاقة للون الأزرق بالتعبير (بلو) المعروف بالإنجليزية عن المزاج الحزين، لكن نستطيع القول أن “بلو” مصطلح أدخله الزنوج للغة الإنجليزية تزامنا مع غناء البلوز حيث كلاهما يعبران عن الحزن. تقول رشا عبدالمنعم :

ولا يعرف على وجه اليقين من الذي قام بإدخال هذا المصطلح “البلوز” إلى قاموس اللغة الإنجليزية، ولكننا نعلم أن أصول المصطلح ترجع مباشرة إلى الأميركيين الأفارقة الأوائل الذين نظموا كلمات هذه النوعية من الأغاني، وكذلك رجال الدين السود الذين ترنموا بهذه الأناشيد التي غلب عليها طابع الحزن. موسيقى الأحزان ويجمع بين أصول هذا النوع من الغناء أنها كلها كانت من أهم صور التعبير عما يجيش بصدور هؤلاء الفئة المضطهدة ولاسيما في الأعوام الأولى التي عاش فيها السود في أميركا بعد هجرتهم القسرية إليها، ومن ثم تأثر الموسيقيون والمغنون السود بقصائد الشعر الغنائية الاسكتلندية، والترانيم الكنسية لأصحاب مذهب الميثوديست والمعمدان.

تطور هذا الفن بعد تحرر الزنوج ولكن لم ينتهي الألم بعد قصدهم الحرية ونيلها، بل ظلوا يعانون من الفقر والجهل الشديدين، لكن غناءهم أخذ منحنى جيد بعد دخول آلتي الهرمونيكا والجيتار ومن ثم لاحقا البيانو.. حتى أصبح من أشهر أنواع الغناء الأمريكية.

وللبلوز طريقته وأسلوبه الفريد، فقد ذكرت رشا عبد المنعم :

تُؤدى موسيقى البلوز التقليدية في شكل 12 فاصلة موسيقية، تنقسم إلى ثلاثة مقاطع ويتكون كل مقطع من أربعة فواصل موسيقية. وتتألف معظم كلمات أغاني البلوز من العديد من المقاطع الشعرية كل منها مكون من ثلاثة أسطر. ويكون السطر الثاني من كل مقطع تكرارا للسطر الأول، ويعبّر السطر الثالث عن جواب للسطرين الأولين. وتعكس معظم الكلمات الشعرية لموسيقى البلوز الوحدة والحزن، ويعكس البعض الآخر ردود الفعل الساخرة والتحدي لمشاكل الحياة. وتعتمد موسيقى البلوز على الصوت والموسيقى ( آلة الغيتار تحديدا ) وعلى ما يسمى بالـ blue nots وهي النوتات المنخفضة والتي هي أساس موسيقى البلوز والجاز وهو الاسم الذي أخذته واحدة من أهم وأشهر شركات الإنتاج Blue Note والتي تخصصت في إنتاج البلوز والجاز ولها فضل كبير في نشر هذه الموسيقى في أنحاء العالم ودعم معظم الموسيقيين الذين أصبحوا أعلاما في تاريخ الموسيقى.

ومن أشهر موسيقي البلوز هي قطع كريستوفر هاندي الموسيقية التي نشأت عام 1912، وأحد هذه القطع هي “ممفيس بلوز” وأول تسجيل لها كان عبارة عن ٣ دقائق فقط.

ولعل الأكثر شهرة في هذا الغناء اليوم هو بيبي كنغ (المولود في 1925) حيث حازت ألبوماته على توزيعات هائلة وشهرة كبيرة. (للاستماع)

للاستزادة : تقرير من بي بي سي الانجليزية عن مقطوعة كريستوفر هاندي “ممفس بلوز” / «البلوز» .. موسيقى حصاد الزنوج زمن العبودية وصيحات الانعتاق” بقلم رشا عبد المنعم في صحيفة البيان

موسيقى الفادو: حياة وتاريخ

tumblr_m9rgzoIdNs1qfbkomo1_500

فادو لون غنائي برتغالي يلخص مفهوم المعاناة والألم نشأ في عام 1820 
أو ربما قبل ذلك. يستخدم في هذا اللون من الموسيقى آلة الجيتار لكنها تحمل في صوتها وطريقة العزف عليها الطابع الأفريقي والأندلسي العربي قليلاً وذلك لتأثرها بالموسيقى الإسبانية والفلامنكو. فادو لشبونة يعتبر اليوم من التراث البرتغالي الذي يحكي تاريخ البرتغال والثورات ومنها ثورة القرنفل التي عرف أنها حدثت في القرن الماضي حين وضع الشعب زهور القرنفل في فوهات بنادق الجنود حتى أنها كانت الأكثر سلمية على مر تاريخ البرتغال.

يحمل هذا الفن في طياته لوعة وحزن وشجن ويتمحور حول كلمة (saudade) البرتغالية، والتي قد تعني الحزن الممزوج بالأمل، أو ما يتفجر لحظة لقاء المحبوب، وربما كانت تعني (الوجد) أو (الشجن) والذي هو مزيج عجيب من مجموعة مشاعر متضاربة من العشق و الحزن و الأمل. تقول رجاء عالم

يذهب البعض للقول بأن الفادو موسيقى جاءت كرقصة من أفريقيا في القرن 19 ، و تبناها الفقراء في شوارع مدينة لشبونة ، أو ربما بدأت في البحر كتراجيع الأمواج لحنين و أغاني البحارة الحزينة . و مهما كان مصدر الفادو فلقد التزمت مواضيعه القدر ، و الخيانة و اليأس و الموت ، و يقال إن حفل الفادو لا يُعَدُّ ناجحاً مالم تهمي دموع الجمهور . و في أوائل القرن العشرين كان الفادو هو موسيقى المأزق الأرضي ، موسيقى معجونة بتراب و عرق الأحلام المستحيلة للطبقة العاملة ، واشتهر مغنوه بالفاديست ، ينتشرون أزقة أقدم أحياء برشلونة ، و في حاناتها و ملاهيها الطافحة بالفقراء ، تصدح حناجرهم بالغناء مع المساء و تخترق جوف الليل كختام ليوم عمل شاق و تنفيث لهمومه ، هو التوق الذي لا يُشبع على هذه الأرض ، بينما يستحضر الفادو للمهاجرين البرتغال الوطنَ الذي خلفوه وراءهم.

كسائر الموسيقى الشعبية، تعتبر الفادو لغة الروح للروح؛ لأنها تحكي البحر والموج والفقد. لدرجة أنه ذات مرة حاول أحد رؤساء البرتغال التضييق على هذا الفن واخراجه في شروط معينة دون ابتذال. ولأن الفادو أحد ثروات البرتغال استمر هذا الفن ونمى بين أجيالها حتى غدا اليوم هو الإحساس بالحياة.

وأما الطقوس، فللفادو  طقوسه أيضاً. فإلى جانب أنه حكايا إنسان ومعاناة وطن، فلحضوره هيبة عند جمهوره في الإصغاء. حيث أنه لمجرد أن يبدأ العزف على الجيتار ينغمس الجمهور إنغماسا كليا ليشاهد الصورة كاملة في السواد الذي يغطي كامل جسد مغنيات الفادو العريقات، ويرى في طريقة الغناء ولغة اليد خاصة قصة إما بوضعها خلف الخصر ليخرج الصوت من العمق أو أنها تكون بمحاذاة مقر الألم حيث القلب!

ولرجاء عالم وصف لطقوس اميليا رودريغوس التي تعتبر هي ملكة الفادو والعزفيين المرافقين لها حيث تقول

يبدأ العازفون الثلاثة منكبين على جيتاراتهم ، برؤوسهم منحنية على أجساد الآلات التي يضمونها و يغوصون بأصابعهم في أوتار قلوبهم ، لينبعث جيشانها موقِّعاً لوعته على حبال حنجرة صوت كريستينا ، و التي بدأت بيديها خلف خاصرتها ، و ترتعد مع كل اختلاج للحن .. اليد جزء من طقس الفادو ، فهي إما خلف الجسد مثل ركيزة لتسمح للحنجرة و الصدر بالانبثاق في الهواء ليرسل الصوت طليقاً من أسفل الجذع البشري ، أو هي عصافير جنة تُحَلِّق مرتعدة قليلاً في الهواء و لا تلبث أن تغوص منغرسة في الصدر ، تضرب عليه لتشق أبوابه للقلوب المنصتة..

من هنا يمكن مشاهدة ملكة الفادو اميليا رودريغوس وهي تغني إحدى أغانيها ، كما يمكنك الاستماع إلى مجموعة أغانيها في اليوتيوب من هذه القائمة.

وهنا يمكنك مشاهدة أغنية أخرى لهذا الطابع من الفن.

للاستزادة :

الفادو تروي حنين القنفل / مقال “الفادو” للكاتبة رجاء العالم / موسيقى الفادو إحساس بالحياة

عمدة قرطبة، “الخليفة الأحمر”… والجمهورية

tumblr_inline_mmg9ftytUX1qz4rgp

إنه خوليو أنغيتا، ابن قرية فوينخيرولا (“سهيل” سابقا) القريبة من مالقة في منطقة الأندلس، معلم التاريخ للصبيان(في مدرسة تحمل اسم بلاس إنفانتي) ومُعلي كلمة الشيوعيين ورافع رايتهم بين 1988 – 2000 وكان من أتباع الزعيم التاريخي سانتياغو كاريو خلال وبعد فترة العمل السري أيام ديكتاتورية فرانكو.

في المرحلة الانتقالية تزعم الشيوعيين واكتسح أصوات الصناديق ونال رضا الناخبين القرطبيين، واستمر في منصب عمدة قرطبة بين 19791986 وحصل بذلك على لقب الخليفة الأحمر El ‘califa rojo’.

يقضي قيلولة المساء (لاسييستا) على الأرض فوق فراش من جلد خروف كأي ”مورو” آخر، حسب تعبيره، وهو لقب المسلم المغاربي عند الإسبان، هذه الروح الأندلسية جعلته يعرض سنة 1981، على صديقه علي الكتاني، وهو مؤرخ مهتم بالأقليات المسلمة، أن يتخذ من دير سانتا كلارا مقرا لجمعيته الإسلامية، وهو مبنى تاريخي مغلق منذ مئة عام يعود للراهبات وقريب من جامع قرطبة بحوالي 800 متر.

وجاء في أحد الرسائل التي بعثها أنغيتا لعلي الكتاني والذي كان متواجدا بالظهران بالمملكة السعودية:

“…علاقتنا التاريخية مع العالم الإسلامي هي السبب في رغبتنا لربط معكم صلات الأخوة والصداقة والمحبة…”

سبتمبر 1980

الأمر الذي أشعل معركة بين أنغيتا وأسقف قرطبة، وأججت الموضوع صحافة اليمين العسكرية المسيحية واتهمت أنغيتا بتسليم المدينة للمسلمين.

image

بعد المقاطعة الإعلامية والمتابعة القضائية الشهيرة التي تعرض لها الفيلسوف الفرنسي روجيهغارودي، شد الرحال إلى قرطبة وفتح له خوليو أنغيتا أبوابها على مصراعيها.

يروي غارودي في سيرته الذاتية عن تواجده بمنطقة الأندلس:

«إن عمدة قرطبة، خوليو أنغيتا، كان من المؤمنين بمشروعي القائم على احياء هذا الماضي لإلقاء الضوء على المستقبل، وعرض علي أن نجعل من برج كالاهورا، وهي قلعة على حافة الوادي الكبير مركزا لمشروعنا »

والمشروع المقصود هو معهد للحوار بين الثقافات (مؤسسة روجيه غارودي) عبارة عن متحف سمعي بصري لإحياء ثقافة الأندلس والتركيز على فترات التعايش بين الثقافة المسيحية واليهودية والمسلمة.

خلال غزو العراق الأخير، الذي ساند فيه الرئيس الإسباني أثنار صديقه بوش وورط الدولة في الحرب، توفي أحد أبناء خوليو أنغيتا في بغداد والذي كان يعمل هناك كصحفي.

وبعد الحادث وقف أنغيتا أمام جمهوره وصرح:

الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله هو أنني سوف آتي مرة أخرى وأواصل النضال من أجل الجمهورية الثالثة. وملعونة هي الحروب وملعونون هم الأوباش الذين يؤيدونها.

كي نفهم كلمات أنغيتا، إسبانيا حاليا هي مملكة دستورية، حيث انهارت الجمهورية الثانية بعد انقلاب فرانكو ، لذلك ليس غريبا أن تجد إلى اليوم من يحن إلى الجمهورية في الشارع الإسباني، لكن أي جمهورية يطالب بها أنغيتا؟ يتسائل اليمين المتطرف، هل هي جمهورية شعبية، أو جمهورية سوفيتية أم جمهورية إسلامية؟؟

image

رغم اعتزاله العمل السياسي إلا أنه استمر في إلقاء المحاضرات وتعبئة الشباب بخطابه الذي يتمتع بصدى كبير في إسبانيا خصوصا بين أتباعه وحتى بين خصومه، فكان آخر ما قام به إنشاء مجموعة بروميثيوس، وهو مختبر أفكار شيوعي، ما يلفت الانتباه هو اسم هذه المجموعة، بروميثيوس، أحد آلهة الأساطير اليونانية، الذي اشتهر بسرقة النار من الآلهة الكبار لإعطائها للإنسان ليستخدمها، فعاقبه زيوس على ذلك. كان روجيه غارودي مولعا بهذه الشخصية، بسبب جرأته لخدمة البشرية، بل ذكر الفيلسوف الفرنسي، في كتابه نحو حرب دينية (1995) فكرة إنشاء حزب بروميثيوس… هل كان لهذا تأثير على مجموعة خوليو أنغيتا ؟ …بعيدا عن الأساطير فأنغيتا هو من بين السياسيين القليلين الذين تنازلوا عن المعاش التقاعدي كونه نائب سابق في البرلمان واكتفى بمعاش معلم التاريخ للصبيان.

* مصدر الصور:

1: El Confidencial, EFE

2 : La Mancha Roja

3: lainformacion.com