أرشيف الوسم: نسوية

تعريف الحركة النسوية بألسن ناشطاتها

عُرف مفهوم الحركه النسوية بشكل عام بأنه كل نشاط يهدف اعطاء المرأه حقها في الحياة . لكن ذلك لم يثني عدد من الناشطات إعطاء هذا المصطلح أبعاد مختلفه تبعا لكل لنظرة كل واحده للـ(نسوية). في هذه المقالة نستعرض عددًا من تعاريف الناشطات لمفهوم الحركة النسوية.
تقول (ميليسنت غاريت) عن الحركة النسوية:
هي إعطاء كل إمرأه الفرصه لتحقيق أفضل ماتجعلها ملكاتها الطبيعيه قادره على ان تحققه.
أما (ربيكا ليون)، فهي تصف النسوية قائلة:
إنها نظريه تدعو إلى حصول النساء على حقوق اجتماعيه وسياسيه واقتصاديه ، وعلى فرص مساويه لتلك التي يمتلكها الرجال، فهي كذلك نموذج للوضع الاجتماعي المثالي المنشود من الكمال لم يتم تحقيقه في العالم بعد.
في حين أن (ساره ميثلاند) تصفها:
إنها الساحره الطيبه التي في قصة سندريلا التي تحول جميع الأشياء القديمه الباليه إلى جديده ومفيده ، إضافه الى إدخال بهجه بلا حدود إلى قلب الفتاة الصغير.
(ليز ستانلي وسو وايز) عبرت عنها بقولها:
مجموعه من المعتقدات والتفسيرات النظريه حول طبيعة اضطهاد المرأه ، والدور الذي يلعبه الاضطهاد ضمن الواقع الإجتماعي بشكل أعم.
(اليس ديوير ملير) اختارت أن تعبر عنها بشكل حوار بين أم وابنتها، فتقول:
– أمي من هي النسويه ؟
– النسويه يا ابنتي هي أية امرأه الآن تهتم بأن تفكر بمشاكلها الخاصة بحيث يعتقد الرجال بأنها لا شيء.
وأخيرًا، (المرأة الحكيمة):
شخص ما، ذكر أو أنثى، نظرته للعالم تضع الأنثى في مركز الحياة والمجتمع، و / أو غير متحيز بناء على الجنوسة (النوع الاجتماعي) أو التفضيل الجنسي، وكذلك أي شخص في مجتمع يهيمن عليه الذكور أو أبوي، ويعمل للتوجه نحو المساواة السياسيه والاجتماعيه والاقتصاديه والروحيه والجنسيه للمرأة.

الفكر التنويري في قضية النوع

دوريندا أوترام

يرى (كانط) التنوير أنه خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام عقله دون أن يشوهه التعصب ودون أن يوجهه الآخرون. فالتنوير حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية. تقوم على إعمال العقل ونبذ الجهل والخرافة، نشأت في إنجلترا في القرن الثامن العشر بينما كان تطورها الحقيقي في فرنسا، كما أن الثورة الفرنسية استلهمت أفكار التنوير الذي لم يكن مقصوراً على أوروبا وحدها  بل امتدا إلى أمريكا.

(دوريندا أوترام)، تدرس التاريخ في جامعة كورك، وكانت أستاذة زائرة في جامعة هارفارد وقامت بتدريس مادة تاريخ العلوم، صدر لها كتاب (الجسم والثورة الفرنسية). وفي كتابها (التنوير)، من ترجمة د. (ماجد موريس إبراهيم)، تناولت الكاتبة في الفصل السادس “الفكر التنويري في قضية النوع” تستفتح حديثها بقتباس لـ(ماري وولستون كرافت): 

من ذا الذي جعل من الرجل الحكم الأوحد إذا كانت المرأة تشاركه في نعمة العقل؟

عند كل من الرجل والمرأة لا بد وأن تكون “الحقيقة” واحدة، هذا لو أنني أعرف الحكمة بمعناها الصحيح، إلا أنه في الشخصية الخيالية للمرأة والتي رسم صورتها الشعراء والروائيون بطلاوة بالغة كان من المتطلب تنحية الحقيقة والصدق وهكذا أصبحت الفضيلة فكرة نسبية لا تقوم إلا على ما تجلبه من فائدة، وبناء على هذا المنطلق يتظاهر الرجال بارتجالية أنهم يطلقون أحكامهم وأنهم يشكلونها كي تتفق مع ما يؤدي إلى راحتهم. الرجل يكون رجلاً في بعض اللحظات فقط أما المرأة فهي المرأة على مدى سني عمرها .. كل شيء وبصفة مستمرة يستدعي أنوثتها إليها .. المرأة الكاملة والرجل الكامل لم يعد عليهما أن يشابه أحدهما الآخر من ناحية العقل بأي قدر أكثر مما يفرضه التشابه الشكلي بينهما.

كرس التنوير جهداً عظيماً من أجل تعريف “النوع” – الذكر والأنثى. وكان هذا الجهد عظيماً فعلاً حتى إن بعض المؤرخين ما لبثوا أن رأوا أن هذه الفترة كانت مصباً لمحاولات الثقافة الأوروبية لتعرف على الاختلاف بين الجنسين.

بذل جهد كبير في التنوير من أجل تعريف الأنوثة. الصور الشائعة للمرأة في سالف الزمان والتي صورتها سليطة اللسان، بغي، أو مسترجلة .. أخذت تتوارى وقد حلت محل هذه الصور محاولات متعددة طبية وعلمية لتعريف الفروق الاجتماعية والثقافية بين الرجل والمرأة باعتبارها فروقاً طبيعية ومن ثم تصبح هذه الفروق صحيحة وحتمية. دار جدل كثير حول التكوين الجسماني للأنثى وحول أهمية دور المرأة كأم. وفي هذه المناقشات شارك كل من العلم والطب بنصيب بالغ الأهمية .

بدا  باضطراد وكأن الكتابات الطبية تعني أن الأنثى كانت حقيقة نوعاً منفصلاً من الجنس البشري مخصصاً للوظائف التناسلية وللممارسة الجنسية التي كانت في الغالب مكبوته أو موضع إنكار. وعلى النقيض من هذا كانت النساء تضطلعن بمهمة الحرص على الأخلاق والدين في الحياة الأسرية. كانت هذه الصورة للمرأة تتضمن عناصر كثيرة لا تتفق مع بعضها لبعض. إنها الصورة التي تنكر على المرأة حقها الكامل كفرد، وفي الوقت نفسه الذي كان الرجال يتمادون فيه في تعريف أنفسهم كأفراد مستقلين يلعبون دورهم على الصعيد القانوني والاقتصادي. 

ومن الكتب التي كان لها دور في نقاش قضية النوع في فكر التنوير . كان كتاب (وولستون كرافت) مهماً ليس فقط بسبب وضعيته الكلاسيكية التي اكتسبها في فكر المرأة المعاصر ولكن أيضاً بسبب أنه كان واحداً من الكتب الأولى التي واجهت مباشرة تلك التناقضات المتضمنة في فكر التنوير عن  النوع وأبرزت مشاكلها “المرأة” فيما يختص ببناء فكر التنوير. أوضحت (وولستون كرافت) أن الأفكار عن الأنوثة، مدعمة من قبل كتاب من أمثال (روسو) والتي صورت المرأة بحال أدنى من الرجال ومختلف عنه، ولم تفعل أكثر مما سبق وأن أشار إليه (فولتير) من حيث إنها كررت في الحياة العائلية النظام السياسي نفسه، الذي تأسس على الأفضلية والقوة الافتراضية التي تمتعت بها السلالات الحاكمة والطبقة الارستقراطية مقارنة بالأفراد العاديين، أو ما تمتع به ملاك الرقيق من سلطان على عبيدهم، وهوما كان الكتاب أنفسهم على أتم استعداد لمهاجمته في مواقف أخرى. وضعت (وولستون كرافت) يدها أيضاً على تناقضات أكثر خطورة في فكر التنوير حال تناوله لموضوع “النوع“. أوضحت أن التنوير قام على مثاليات مثل العقل والفضيلة والتي كان من المفترض أنها فطرية أو يمكن التماسها بواسطة كل البشر. إلا أن العقل كان هو بالتحديد ما أنكر على المرأة من قبل كتاب (روسو) ومن قبل كتاب الطبيعيين حيث تم التعريف “الفضيلة” عند المرأة من منطلق جنسي بحت. ومع هذا وكما توضح (وولستون كرافت) فإن هذه الأساليب تؤدي فقط إلى إلى نسبية أخلاقية خطيرة من شأنها أيضاً أن تعوق تقدم التنوير بسبب أنها أضفت على الأخلاق صفة جنسية. وإذا عرفنا الفضيلة تعريفاً خاصاً بالرجل وآخر يختص بالمرأة فإن أي محاولة لربط التنوير بالدين يمكن أيضاً أن تتداعى حتى إنها تقول .. لو أن النساء كن بالطبيعة أدنى من الرجل فإن الفضائل يجب أن تكون متماثلة في الكيفية لو لم تكن متماثلة من حيث الكم .. أم هل يمكن اعتبار الفضيلة فكرة نسبية، لا بد وأن يكون للفضيلة مقياس أبدي واحد .. إنه لمن المضحك أن نشيد بفضيلة أي امرئ لا تنتج فضيلته من أعمال عقله هو.

أن نقول إن الفضيلة عند بعض الكائنات البشرية “المرأة” غير مؤسسة على العقل وإنها معرفة تعريفاً يختلف عما تمارسه كائنات بشرية أخرى “الرجل” يعني أنك تضفي على الفضيلة خصائص تعني أنها لا يمكن أن تنبع من عند الله. حيث إن الله واحد أبدي عاقل.

تقول (وولستون كرافت) إنه لو كانت المرأة في الحقيقة غير عاقلة لكان من المفضل كثيراً أن نبتعد عن التظاهر وأن نستبعدها كلية من الحياة الاجتماعية بالطريقة نفسها التي نستبعد بها الحيوانات، ولو أن النساء كن عاقلا فعلاً فلا بد حينئذ ان يشاركن في الحياة نفسها الأخلاقية والمعرفية التي يعيشها الرجال:

إن خطابي ليس إلا من أجل هذا المبدأ البسيط “النضال من أجل المرأة” لو أن المرأة كانت غير مؤهلة تعليمياً كي تكون شريكاً للرجل فسوف يتوقف النمو العقلي في المعرفة والفضيلة لأن الحقيقة يجب أن تكون واحدة عند الجميع, وإلا فستصبح المرأة عديمة الفاعلية في تأثيرها على الحياة العامة.

اهتمام الفكر التنويري بالتعريفات الطبية والعلمية النوع:

في الآونة الأخيرة قال المؤرخون من أمثال (توماس لاكويير) إنه فيما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأ تعريف كل من الرجل والمرأة يعاد صياغته بطريقة شديدة التأثر بالتعريف الطبي لطبيعة التكوين الجسمي. وقد هيأت المكانة الثقافية المميزة للعلم والطب أن تحل حقائق “علم الحياة” كي تحل محل التعريفات السابقة التي اعتمدت على التسلسلات الهرمية المقننة إلهياً أو على العادات الطاعنة في القدم كقواعد لخلق أو لتوزيع القوى في العلاقات بين الرجال والنساء.

بحلول العقد الأخير من القرن الثامن عشر كان الكتاب من أمثال (هوكننر) يكررون فقط أفكار شديدة الشبه استعملها الكتاب المؤثرون من أمثال (جان جاك روسو) في وقت مبكر من القرن. واصفاُ (صوفيا) بالمرأة المثالية التي أبدعها في عمله التعليمي إميل [1762]. يتحدث (روسو) عن الطريقة التي يختلف بها بناء الجسماني لصوفيا وبطريقة حاسمة عن جسم إميل رفيقها المنتظر، ويمضي مؤكداً أولاً خضوعها له وثانياً تكريسها باتجاه الأمومة والبيتية.

وعن التفكير في قضية النوع في القرن العشرين ترى (أوترام) أنه:

أصبح معظم الناس يعتقدون أن الاختلافات بين الذكر والأنثى ترجع بدرجة كبرى إلى الاختلاف في التدريب والتعليم وتوقعات المجتمع أكثر من كونها ذات جذور في الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، على العكس من هذا نجد أنه في التنوير كانت الاختلافات البيولوجية و الأدوار التي تمليها البيئة على كل نوع على حدة تعتبر شيئاً واحداً. عند معظم مفكري القرن الثامن عشر أدت الاختلافات البيولوجية مباشرة إلى تحديد الدور الاجتماعي المطلوب من كل جنس على حدة، مثال ذلك التشديد على القدرة المميزة للمرأة كي تلعب دور الزوجة والأم. اختلاف أساسي آخر مع أسلوبنا في التفكير هو التعميم المعلن لدور النوع بينما في وقتنا هذا فإنه من المقرر غالباً أن كل شخص يتفرد في خليط ما به من الخصائص “الذكرية” و”الأنثوية“.

 

المرأة وتحقيق الذات، عند المسيري

عبدالوهاب المسيري

عبدالوهاب المسيري (1938-2008) مفكر وعالم اجتماع مصري، تدور أغلب أعماله عن اليهود والصهيونية، وعن العالم المعاصر الحديث ونقده وتفكيكه. في كتابه الذي لا يتجاوز ٦٠ صفحة (قضية المرأة: بين التحرير والتمركز حول الأنثى) يتحدث عن استقامة الحياة البشرية/المجتمع الإنسانى بعقد شراكة إنسانية/تكاملية بين الرجل والمرأة تبدأ فى إطار الأسرة وتنمو خلالها إلى حدود المجتمع.

بداية يرى (المسيري) أن هناك فرقا جوهريا بين حركتين رئيسيتين موضوعهما المرأة، الأولى هي حركة “تحرير المرأة” وهي:

حركة نشأت من رؤية “إنسانية” تنطلق من كون المرأة جزء من المجتمع وهي تتفهم الحقيقة الانسانية البديهيه البسيطة وهي أن ثمة اختلافات بيولوجية ونفسية واجتماعية بين الرجل والمرأة و بدلا من محاولة محو هذه الاختلافات  فإن دعاة تحرير المرأة يبذلون جهدهم للحيلولة دون تحولها إلى ظلم وتفاوت اجتماعي أو انساني يؤدي الى توسيع الهوة بين الذكور والإناث. ومن ثم يطالبون بأن تحصل المرأة على حقوقها سياسية كانت (حق المرأة في الانتخاب والمشاركة في السلطة) أم اجتماعيه (حق المرأة في الطلاق وفي حضانة الأطفال) أم اقتصادية (مساوة المرأة في الأجور مع الرجل). أي ان حركة تحرير المرأة ترى أنه ثمة إنسانية مشتركة بين كل البشر، رجالاً ونساءً، وأنها الإطار الذي نبحث داخله عن تحقيق المساواة.

بينما الحركة الثانية هي مايُطلق عليه feminism ويترجمها (المسيري) بحركة “التمركز حول الأنثى” وهي:

حركة ظهرت في عصر ما بعد الحداثة تتمركز حول الأنثى كموضوع مادي، تبحث لها عن هوية/ ذات/ إنتماء مستقل عن المجتمع. و المرأة هنا: متمركزة حول ذاتها، مكتفية بذاتها، تود اكتشاف ذاتها وتحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، في حالة صراع كوني أزلي مع الرجل المتمركز حول ذاته، وكأنها الشعب المختار في مواجهة الأغيار. هذه الحركة تنكر الانسانية المشتركة ولذا لا يمكن ان ينضم إليها الرجال، فالرجل لا يمكنه ان يشعر بمشاعر المرأة كما انه مذنب يحمل وزر التاريخ الذكوري الأبوي كله رغم أنه ليس من صنعه!

تتضمن هذه الحركة ايضا محاولة تحييد اللغة وجعل كل ماهو خاص بالذكر موضع لشراكة أنثوية، “مثلا في الإنجليزية تغيير استخدام he إلى s/he، وتغيير women إلى womyn، وتغيير spokesman إلى spokesperson واستخدام ألفاظ حيادية لا تحدد جنسًا”. ويصل هذا الأمر إلى تطرفه في تمجيد السحاق، حيث المرأة لا تحتاج إلى الرجل للذة، ولا تحتاج إليه للإنجاب وبالتالي انقسام العالم إلى ذكور متمركزين على ذواتهم، وإناث متمركزات على ذواتهن. هذا الخطاب التفكيكي يعلن حتميه الصراع بين الذكر والانثى وضرورة وضع نهاية للتاريخ الذكوري الابوي كما يهدف الى توليد القلق والضيق والملل وعدم الطمأنينة في نفس المرأة عن طريق إعادة تعريفها بحيث لا يمكن لها ان تحقق هويتها الا خارج اطار الاسرة. فإذا انسحبت المرأة من الأسره، تآكلت الاسره وتهاوت أهم المؤسسات التي يحتفظ الإنسان من خلالها بذاكرته التاريخية وهويته القوميه ومنظومته القيميه و أهم الحصون ضد التغلغل و الهيمنة الغربية.

أما بالنسبة إلى الأمومة فيرى (المسيري) أنه بالرغم من أنها قد تكون فطرية في كل أنثى كرغبة قبل أن تكون واجبا، إلا أنها قد تصبح عبئا في مجتمع تتولى فيه ربات المنزل – المتفرغات – الانشغال بالغيبة والتلفاز وتوافه الأمور عموما، حتى ليبدو أن العمل خارجا هو الوسيلة الوحيدة للمرأة كي تنأى عن هذه الأجواء وتفرغ حاجتها لإثبات الذات و التواصل الاجتماعي. ولذلك قد يكون من الصعب على المرأة أن تستقر في المنزل إذا كان الزوج لا يقاسمها شيئا من أعباء المنزل ولا يقدر جهودها فيغدو هو (محققا لذاته بشكل مطلق) و هي (لاغية لذاتها بشكل مطلق). كما يطالب أيضا بإعادة صياغة رؤية الناس لمفهوم العمل من أنه:

مجرد عمل المرأة في رقعة الحياة العامة نظير أجر – أي العمل الذي يؤدي إلى منتج مادي مثل سلع / خدمات فقط-  ليصبح أيضا العمل المنتج إنسانياً ( وبذلك نؤكد أسبقية الإنساني على المادي والطبيعي). وهنا تصبح الأمومة أهم “الأعمال المنتجة” وماذا يمكن أن يكون أكثر أهمية من تحويل الطفل الطبيعي إلى إنسان اجتماعي؟ ومن ثم يقل إحساس المرأة العاملة في المنزل بالغربة وعدم الجدوى, ويزداد احترام الرجل لها ويكف الجميع عن القول بأن المرأة العاملة في المنزل لا تمارس عملا! وبالتالي ينقذ المرأة من التوتر الناشئ عن الرغبة في تحقيق الذات المشروط بالتخلي عن الأسرة إلى تحقيق الذات ضمن نطاق الأسرة.

و بالتالي بدلا من أن يكون الحديث عن تحرير المرأة حتى “تحقق ذاتها” ومتعتها قد يكون من المفيد ان ندرس ماحولنا لنكتشف ان:

أزمة المرأة هي جزء من أزمة الإنسان الحديث والتي تنبع من الحركية المرتبطة بتزايد معدلات الاستهلاك ومن وجود هذه الاختيارات الاستهلاكية التي لاحصر لها والتي تحاصرنا وتحد من حركتنا” ولذلك “قد يكون من الأكثر رشداً وعقلانية ألا نطالب بـ”تحرير المرأة” وألا نحاول أن نقذف بها هي الأخرى في عالم السوق و الحركية الاستهلاكية وخاصة من خلال صناعتي الأزياء و التجميل واللتان تولدان في المرأة – من خلال الآف الإعلانات- الإحساس بأنها إن لم تستخدم هذه المساحيق والعطور والكريمات تفقد جاذبيتها وتصبح قبيحة/غير مرغوبة ومع ترسيخ هذه القناعة وتغيير المساحيق كل عام تصبح المرأة سوقا متجددا لا ينتهي. وأن نطالب بدلاً من ذلك بتقييد الرجل أو وضع قليل من الحدود عليه وعلى حركيته بحيث نبطئ من حركته فينسلخ قليلاً عن عالم السوق والاستهلاك وبذلك يتناسب إيقاعه مع إيقاع المرأة و الأسرة و حدود إنسانيتنا المشتركة انطلاقاً من هذه الرؤية لا بد أن يعاد تعليم الرجل بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوة و العيش داخل الأسرة و الجماعة.

ويختتم (المسيري) كتابة بالرجاء أن لا يُفهم أنه ينكر وجود قضية للمرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو أنه لا يوجد درجات من التمييز ضدها أو حتى أنه يطالب بمنع المرأة من العمل في رقعة الحياة العامة:

كل ما أطالب به هو أن ندرس قضيه المرأة داخل إطارها التاريخي والإنساني وأن ننفض عن أنفسنا غبار التبعية الإدراكية و نبحث عن حلول لمشاكلنا نولّدها من نماذجنا المعرفية ومنظوماتنا القيمية والأخلاقية ومن إيماننا بإنسانيتنا المشتركة، و هي منظومات تؤكد أن المجتمع الإنساني يسبق الفرد (تماماً كما يسبق الإنسان الطبيعة/المادة) ولذا بدلاً من الحديث عن “حقوق الإنسان” مما يضطرنا إلى الحديث عن “حقوق المرأة” الفرد، ثم عن “حقوق الطفل” الفرد، قد يكون من الأجدر بنا أن نتحدث عن “حقوق الأسرة” كنقطة بدء ثم يتفرع عنها وبعدها “حقوق الأفراد” الذين يكوّنون هذه الأسرة. أي أننا سنبدأ بالكل (الإنسان الاجتماعي) ثم نتبعه بالأجزاء الفردية.

الكتابة ضد غسيل الصحون، فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

تقول (فرجينيا وولف) في كتابها (غُرفَةٌ للمرءٍ وحده) أنّه لم يكن في وسع امرأة، أية امرأة على الإطلاق، أن تكتب مسرحيّات شكسبير في زمنه. ولتوضح حجتها ابتكسرت امرأة خيالية وقدمتها كأختٍ لـ(شكسبير)، اسمها (جودث). لنفترض للحظة أن جودث هذه كانت شغوفةً بالمسرح كما كان (شكسبير)، وتتمتّع بالموهبة نفسِها. فماذا سيكون مصيرها؟ هل كان لها أن تُسّخّر حياتها في تنمية موهبتها كما فعل (شكسبير)؟ تقول (فرجينيا):

الجواب هو لا، لأن هناك أنظمةً وقوانينَ مختلفة لكل من الرجال والنساء. تستطيع (جودث) أن تكون موهوبةً كيفما تشاء، مولعةٌ بالفنون والآداب كيفما تُحب، بيد أن طريقها ككاتبة سيكون مرصوفٌا بالعقبات، صغيرها وكبيرها. ستمر بوقتٍ عصيب لتجد فسحة متذبذبة بين الزوجة الاجتماعية والزوجة الرفيقة والأم المخلصة التي عليها أن تكونهن جميعًا. والأهم من ذلك أنها لن تجد، وهي متمزقة بين واجبات الأم والزوجة، أي وقتٍ للكتابة. سينقضي يومها مستغرقةً في أعمال المنزل الروتينية ؛ الطبخ والكّي والاهتمام بالأطفال والتبضّع للمنزل والاعتناء بكل مسؤولياتها العائلية، وقبل أن تنتبه، ستجد نفسها امرأةً منخولة ؛ يتسرّب وقت العالم كلّه من ثقوب حياتها. وحتّى تلك اللحظات النادرة التي تجد نفسها فيها وحيدة، فسوف تكرّسها للاسترخاء والتخلّص من التوتّر. كيف لها أن تكتب؟ متى ستقوم بذلك؟
منذ البدء، كان الفُرَص الُمتاحة لشكسبير محظورة على (جودث). في عالم تُثبًط فيه عزائم النساء عن تنمية فرديتهن، ويُلًقن بأن دورهنّ الأساسي في الحياة هو الوقوف كأم وزوجة صالحة فحسب، عالم فيه النساء مجرّد أصواتٍ في حيّز الثقافة الشفهيّة، ولكن لا أحد ينظّر إليهنّ داخل الثقافة الكتابية، لذلك فإنّ الكاتبات يبدأن اللعب منذ الخسارة: صفرًا مقابل سًبعة.

لنقم الآن بطرح سؤال (فرجينيا وولف) على الشرق الأوسط.

فمن يدري كم امرأة عاشَت في تاريخ الشرق الأوسط؟ نساء كان بإمكانهن أن يُصبحن شاعرات أو كاتبات، إلا أنه لم يُسمح لهنّ بذلك. نساءُ خبأنَ قصائدهن في قنّ الدجاج أو صناديق المهور، حيث فسدت إلى الأبد. وبعد سنوات طويلة، وهُن يحكين القصص لحفيداتهن، قد تقول إحداهن :
– كُنتَ مرةٌ أكتُبُ الشّعر! هل تعرفنّ ذلك؟
– وما ذاك يا جدتي؟
– الشّعر؟ إنه مكانٌ ساحرً، خلفَ جبل قاف!
– هل بإمكاني الذهاب إلى هناك أنا أيضًا؟ هل أستطيع ذلك؟
– بلى تستطعين ذلك يا عزيزتي. لكن لايمكنك المكوث هناك. زيارة قصيرة وحسب. هذا فقط ما يُسمحُ به لك.
وستقول ذلك هامسةً، وكأن ما قالته، إلى هذا الحدّ، إحدى حكايات العفاريت.

[المصدر]

نظرة في مذكرات دي بوفوار

دي بوفوار

سيمون دو بوڤوار (1908-1986)، كاتبة فرنسية وفيلسوفة وجودية، تعد أحد أبرز النسويات التي أثّر خطابها على الفكر النسوي إلى اليوم. ففي رواية (مذكرات فتاة ملتزمة)، والتي هي في حقيقة الأمر سيرة ذاتية، عرضت (بوڤوار) لنا قصة حياتها في السنوات العشرين الأولى منها؛ والتي ربما شكّلت لها أهم الأسئلة التي لازمتها طيلة مشوارها.

ولدت (بوڤوار) في باريس، عام 1908، ومنذ طفولتها سرت في شخصيتها الروح الاستقلالية، كانت تقول: “منذ الصغر كانت تُسْكِرني فكرة أن أمتلك حياة تخصني وحدي!” ، ومن هنا بدأ يتشكل فكرها المتمرد والمختلف عن حياة البرجوازية المحيطة بها آنذاك، خصوصاً حول وضع المرأة في تلك الفترة؛ والتي كان يتكثّف دورها في الاقتصار في الدوارة ضمن حلقة الزواج.

كانت (بوڤوار) ترى فكرة الزواج بنمطه التقليدي الذي ينحى ناحية العبودية بنظرة استياء ونفور يسلبها حريتها، تقول:

كنت أؤثر، إلى ما لا نهاية، أن أمتهن مهنةً على أن أتزوّج، وكانت هذة الفكرة تفسح لي في طريق الأمل؛ فقد عرف العالم أشخاصاً عملوا أشياء، وسوف أعمل أنا الأخرى شيئاً ما.

عندما تكون العلاقة الزوجية قائمة على التفاضلية وليست تكاملية، حينها لا ترى المرأة المستقلة لها حاجة بمثل هذة العلاقة، فالزواج أبعد مايكون عن اقتصاره على الحضور المادي. وقد وصفت (بوڤوار) الزواج بصورة قد تبدو ردةً على التقاليد الاجتماعي آنذاك، فقالت:

لا أرى فرقاً بين امرأة تتزوج زواج مصلحة وبين بغيّ، وكانوا قد لقّنوها أنّ على المرأة المسيحية أن تحترم جسدها، وأنها لا تحترمه إذا هي استسلمت من غير حب، بدافع من مال أو من استنساب.

لازمت (بوڤوار) حرقة انعكست بالسخونة ذاتها على نصوصها، وهي ترى الذكورية وقد تجذّرت في مجتمعها، فمثلاً، كان القانون يقرّ للرجال من الحقوق ما لا يقرّه للنساء، تقول:

كنت أود أن أخضع الرجال للقوانين نفسها التي تخضع لها النساء. كان أبي ومعظم الكتّاب والرأي العام يشجعون الشبان أن يغامروا، حتى إذا آن الأوان، فإنهم سيتزوجون الفتاة التي تنتمي لعالمهم، وفي إبان الانتظار لا بأس من التسلية مع فتيات عابرات!

وكما يبدو أننا لا زلنا عالقين حتى اليوم عند هذه الحروف، وسط منظومة فكرية ذكورية هي السائد في المجتمع والمحرك الأساسي لكل تفاصيل الحياة، وسنجد أن المرأة والاعتبارات المحيطة بها، هي فعلاً في قالب المتعة المجرّدة فقط، سواء أكانت زوجة أو فتاة عابرة، كما تعبّر (بوڤوار).

تقول (بوڤوار)، أنه “لم يكن يؤسفني طبعاً أن أكون امرأة، بل كنت أستمدّ من ذلك ألواناً كثيرة من الرضى!“، وهي محقة، فلو أدركت كل امرأةٍ أن رؤيتها لنفسها ستنعكس على رؤية الآخرين لها لاستوعبت قيمتها واكتشفت مواطن الإبداع والتميز بها، فأصدق الإيمان و أعمقه هو إيمانك بنفسك وبقدرتك على صناعة بصمة لك في هذة الحياة.

وتتجلى مشاعرها وحديثها الداخلي في رحلة التعرف على نفسها واكتشاف قناعاتها في مذكّراتها، تقول: “لقد كانت الظواهر تخدعني، وكان العالم الذي لقنوني إياه مغشوشاً كلّه وزائفاً“. ويبدو أن هذا أول درس في حياة كل شخص خرج من عالم الطفولة إلى العالم الحقيقي الذي سيواجهه بمختلف الطرق وعثرات الخطى التي يجب أن يتخطاها كي يستطيع أن يعيش.

وفي سياق الاستقلال العاطفي الذي تتحدث عنه (بوڤوار)، تقول:

إن اللذة تبقى مدنّسة إذا لم تُصهر بنار العاطفة. ثم إني كنت متطرفة: كنت أريد كل شيء، وإما لا شيء. وإذا أحببت فسأحبّ إلى الأبد، وسأنخرط بكليتي، بجسمي وقلبي وفكري وماضيّ.

تقول: “لم يكن هناك من يحبني كما كنت، ولم يكن هناك من يحبني، لذا عزمت على أن أحبّ نفسي لأعوّض هذا الفراغ”. فعندما تحصر الحب بقالب جامد، حينها لن تلامس وجوده وتستمع بصور عطاءاته المختلفة. لابد أن تؤمن بوجود الحب حولك، حينها سيجد الحب طريقه إليك.

هنا، يستوقفنا تساؤل (لبوڤوار): “عما إذا كان من الواجب أن يخضع الإنسان للحب أم للسعادة؟“، وأتوقع، أنه من الصعب جداً التخيير بينهما، إذا ما افترضنا أنه من المحال الفصل بين الحب والسعادة، فكلاهما مكملٌ لبعضه؛ فلا سعادة دون حب، ولا يكون الحبُّ قريناً بشيء بقدر اقترانه بالسعادة. إن أصعب ما يواجهه الإنسان هو أن يفهم مشاعره المتضاربة ويهتدي إلى أيّها، تلك التي قد تكلفه عمراً كاملاً ليفهمها.

“كنت أشجّع نفسي على أن أعيش كل يوم بيومه، بلا أمل ولا خوف”، وهذه العدالة التي اقتنعت بها (بوڤوار)، فما يفعله الخوف والتردّد هو حصيلة كبيرة من خيبات الأمل، وفرص تضيع في سبيل هذا، فالبدايات الجديدة، والتغيير، يبدأ بحياتك حين تعرف مواطن الضعف لديك وتشرع بمعالجتها.

لم تجد (سيمون) الله في الكنيسة، ولم تشعر أنها تخلّصت من ذنوبها بعد الاعتراف. شعرت (بوڤوار) أنها لامست وجوده في الطبيعة من حولها، ولذلك نجد حبها للأرياف، إلى أن فقدته تدريجياً وهي في (پاريس)، في إشارة للحياة المدنية:

كنت أحسّ وجود الله حولي أكثر مما كنت أحسه في پاريس. وكنت كلما التصقت بالأرض كلما ازددتُ قرباً منه، وكانت كل نزهة صلاة عبادة له. ولم تكن سيادته لتنزع منّي سيادتي.

وفي نفس السياق تقول:

كانت الطبيعة تحدثني عن الله، ولكنه كان يبدو لي دون شك غريباً على العالم الذي يموج فيه البشر.

وتكمل:

كنت أصلّي وأتأمّل وأحاول أن ينفعل قلبي بحضور الله. ولكن في الواقع بينما كنت أسمو فكرياً إلى المعرفة يوماً بعد يوم، لم أكن أشعر بأني أقترب من الله.

ووسط هذه الحيرة، تقول (بوڤوار):

كنت أتمنى أن يتجلّى لي، أو أن تأخذني نشوة، أو أن يحدث فيّ، أو خارجاً عني، شيء ما. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.