أرشيف الوسم: نسوية

تعريف الحركة النسوية بألسن ناشطاتها

عُرف مفهوم الحركه النسوية بشكل عام بأنه كل نشاط يهدف اعطاء المرأه حقها في الحياة . لكن ذلك لم يثني عدد من الناشطات إعطاء هذا المصطلح أبعاد مختلفه تبعا لكل لنظرة كل واحده للـ(نسوية). في هذه المقالة نستعرض عددًا من تعاريف الناشطات لمفهوم الحركة النسوية.
تقول (ميليسنت غاريت) عن الحركة النسوية:
هي إعطاء كل إمرأه الفرصه لتحقيق أفضل ماتجعلها ملكاتها الطبيعيه قادره على ان تحققه.
أما (ربيكا ليون)، فهي تصف النسوية قائلة:
إنها نظريه تدعو إلى حصول النساء على حقوق اجتماعيه وسياسيه واقتصاديه ، وعلى فرص مساويه لتلك التي يمتلكها الرجال، فهي كذلك نموذج للوضع الاجتماعي المثالي المنشود من الكمال لم يتم تحقيقه في العالم بعد.
في حين أن (ساره ميثلاند) تصفها:
إنها الساحره الطيبه التي في قصة سندريلا التي تحول جميع الأشياء القديمه الباليه إلى جديده ومفيده ، إضافه الى إدخال بهجه بلا حدود إلى قلب الفتاة الصغير.
(ليز ستانلي وسو وايز) عبرت عنها بقولها:
مجموعه من المعتقدات والتفسيرات النظريه حول طبيعة اضطهاد المرأه ، والدور الذي يلعبه الاضطهاد ضمن الواقع الإجتماعي بشكل أعم.
(اليس ديوير ملير) اختارت أن تعبر عنها بشكل حوار بين أم وابنتها، فتقول:
– أمي من هي النسويه ؟
– النسويه يا ابنتي هي أية امرأه الآن تهتم بأن تفكر بمشاكلها الخاصة بحيث يعتقد الرجال بأنها لا شيء.
وأخيرًا، (المرأة الحكيمة):
شخص ما، ذكر أو أنثى، نظرته للعالم تضع الأنثى في مركز الحياة والمجتمع، و / أو غير متحيز بناء على الجنوسة (النوع الاجتماعي) أو التفضيل الجنسي، وكذلك أي شخص في مجتمع يهيمن عليه الذكور أو أبوي، ويعمل للتوجه نحو المساواة السياسيه والاجتماعيه والاقتصاديه والروحيه والجنسيه للمرأة.

المرأة وتحقيق الذات، عند المسيري

عبدالوهاب المسيري

عبدالوهاب المسيري (1938-2008) مفكر وعالم اجتماع مصري، تدور أغلب أعماله عن اليهود والصهيونية، وعن العالم المعاصر الحديث ونقده وتفكيكه. في كتابه الذي لا يتجاوز ٦٠ صفحة (قضية المرأة: بين التحرير والتمركز حول الأنثى) يتحدث عن استقامة الحياة البشرية/المجتمع الإنسانى بعقد شراكة إنسانية/تكاملية بين الرجل والمرأة تبدأ فى إطار الأسرة وتنمو خلالها إلى حدود المجتمع.

بداية يرى (المسيري) أن هناك فرقا جوهريا بين حركتين رئيسيتين موضوعهما المرأة، الأولى هي حركة “تحرير المرأة” وهي:

حركة نشأت من رؤية “إنسانية” تنطلق من كون المرأة جزء من المجتمع وهي تتفهم الحقيقة الانسانية البديهيه البسيطة وهي أن ثمة اختلافات بيولوجية ونفسية واجتماعية بين الرجل والمرأة و بدلا من محاولة محو هذه الاختلافات  فإن دعاة تحرير المرأة يبذلون جهدهم للحيلولة دون تحولها إلى ظلم وتفاوت اجتماعي أو انساني يؤدي الى توسيع الهوة بين الذكور والإناث. ومن ثم يطالبون بأن تحصل المرأة على حقوقها سياسية كانت (حق المرأة في الانتخاب والمشاركة في السلطة) أم اجتماعيه (حق المرأة في الطلاق وفي حضانة الأطفال) أم اقتصادية (مساوة المرأة في الأجور مع الرجل). أي ان حركة تحرير المرأة ترى أنه ثمة إنسانية مشتركة بين كل البشر، رجالاً ونساءً، وأنها الإطار الذي نبحث داخله عن تحقيق المساواة.

بينما الحركة الثانية هي مايُطلق عليه feminism ويترجمها (المسيري) بحركة “التمركز حول الأنثى” وهي:

حركة ظهرت في عصر ما بعد الحداثة تتمركز حول الأنثى كموضوع مادي، تبحث لها عن هوية/ ذات/ إنتماء مستقل عن المجتمع. و المرأة هنا: متمركزة حول ذاتها، مكتفية بذاتها، تود اكتشاف ذاتها وتحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، في حالة صراع كوني أزلي مع الرجل المتمركز حول ذاته، وكأنها الشعب المختار في مواجهة الأغيار. هذه الحركة تنكر الانسانية المشتركة ولذا لا يمكن ان ينضم إليها الرجال، فالرجل لا يمكنه ان يشعر بمشاعر المرأة كما انه مذنب يحمل وزر التاريخ الذكوري الأبوي كله رغم أنه ليس من صنعه!

تتضمن هذه الحركة ايضا محاولة تحييد اللغة وجعل كل ماهو خاص بالذكر موضع لشراكة أنثوية، “مثلا في الإنجليزية تغيير استخدام he إلى s/he، وتغيير women إلى womyn، وتغيير spokesman إلى spokesperson واستخدام ألفاظ حيادية لا تحدد جنسًا”. ويصل هذا الأمر إلى تطرفه في تمجيد السحاق، حيث المرأة لا تحتاج إلى الرجل للذة، ولا تحتاج إليه للإنجاب وبالتالي انقسام العالم إلى ذكور متمركزين على ذواتهم، وإناث متمركزات على ذواتهن. هذا الخطاب التفكيكي يعلن حتميه الصراع بين الذكر والانثى وضرورة وضع نهاية للتاريخ الذكوري الابوي كما يهدف الى توليد القلق والضيق والملل وعدم الطمأنينة في نفس المرأة عن طريق إعادة تعريفها بحيث لا يمكن لها ان تحقق هويتها الا خارج اطار الاسرة. فإذا انسحبت المرأة من الأسره، تآكلت الاسره وتهاوت أهم المؤسسات التي يحتفظ الإنسان من خلالها بذاكرته التاريخية وهويته القوميه ومنظومته القيميه و أهم الحصون ضد التغلغل و الهيمنة الغربية.

أما بالنسبة إلى الأمومة فيرى (المسيري) أنه بالرغم من أنها قد تكون فطرية في كل أنثى كرغبة قبل أن تكون واجبا، إلا أنها قد تصبح عبئا في مجتمع تتولى فيه ربات المنزل – المتفرغات – الانشغال بالغيبة والتلفاز وتوافه الأمور عموما، حتى ليبدو أن العمل خارجا هو الوسيلة الوحيدة للمرأة كي تنأى عن هذه الأجواء وتفرغ حاجتها لإثبات الذات و التواصل الاجتماعي. ولذلك قد يكون من الصعب على المرأة أن تستقر في المنزل إذا كان الزوج لا يقاسمها شيئا من أعباء المنزل ولا يقدر جهودها فيغدو هو (محققا لذاته بشكل مطلق) و هي (لاغية لذاتها بشكل مطلق). كما يطالب أيضا بإعادة صياغة رؤية الناس لمفهوم العمل من أنه:

مجرد عمل المرأة في رقعة الحياة العامة نظير أجر – أي العمل الذي يؤدي إلى منتج مادي مثل سلع / خدمات فقط-  ليصبح أيضا العمل المنتج إنسانياً ( وبذلك نؤكد أسبقية الإنساني على المادي والطبيعي). وهنا تصبح الأمومة أهم “الأعمال المنتجة” وماذا يمكن أن يكون أكثر أهمية من تحويل الطفل الطبيعي إلى إنسان اجتماعي؟ ومن ثم يقل إحساس المرأة العاملة في المنزل بالغربة وعدم الجدوى, ويزداد احترام الرجل لها ويكف الجميع عن القول بأن المرأة العاملة في المنزل لا تمارس عملا! وبالتالي ينقذ المرأة من التوتر الناشئ عن الرغبة في تحقيق الذات المشروط بالتخلي عن الأسرة إلى تحقيق الذات ضمن نطاق الأسرة.

و بالتالي بدلا من أن يكون الحديث عن تحرير المرأة حتى “تحقق ذاتها” ومتعتها قد يكون من المفيد ان ندرس ماحولنا لنكتشف ان:

أزمة المرأة هي جزء من أزمة الإنسان الحديث والتي تنبع من الحركية المرتبطة بتزايد معدلات الاستهلاك ومن وجود هذه الاختيارات الاستهلاكية التي لاحصر لها والتي تحاصرنا وتحد من حركتنا” ولذلك “قد يكون من الأكثر رشداً وعقلانية ألا نطالب بـ”تحرير المرأة” وألا نحاول أن نقذف بها هي الأخرى في عالم السوق و الحركية الاستهلاكية وخاصة من خلال صناعتي الأزياء و التجميل واللتان تولدان في المرأة – من خلال الآف الإعلانات- الإحساس بأنها إن لم تستخدم هذه المساحيق والعطور والكريمات تفقد جاذبيتها وتصبح قبيحة/غير مرغوبة ومع ترسيخ هذه القناعة وتغيير المساحيق كل عام تصبح المرأة سوقا متجددا لا ينتهي. وأن نطالب بدلاً من ذلك بتقييد الرجل أو وضع قليل من الحدود عليه وعلى حركيته بحيث نبطئ من حركته فينسلخ قليلاً عن عالم السوق والاستهلاك وبذلك يتناسب إيقاعه مع إيقاع المرأة و الأسرة و حدود إنسانيتنا المشتركة انطلاقاً من هذه الرؤية لا بد أن يعاد تعليم الرجل بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوة و العيش داخل الأسرة و الجماعة.

ويختتم (المسيري) كتابة بالرجاء أن لا يُفهم أنه ينكر وجود قضية للمرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو أنه لا يوجد درجات من التمييز ضدها أو حتى أنه يطالب بمنع المرأة من العمل في رقعة الحياة العامة:

كل ما أطالب به هو أن ندرس قضيه المرأة داخل إطارها التاريخي والإنساني وأن ننفض عن أنفسنا غبار التبعية الإدراكية و نبحث عن حلول لمشاكلنا نولّدها من نماذجنا المعرفية ومنظوماتنا القيمية والأخلاقية ومن إيماننا بإنسانيتنا المشتركة، و هي منظومات تؤكد أن المجتمع الإنساني يسبق الفرد (تماماً كما يسبق الإنسان الطبيعة/المادة) ولذا بدلاً من الحديث عن “حقوق الإنسان” مما يضطرنا إلى الحديث عن “حقوق المرأة” الفرد، ثم عن “حقوق الطفل” الفرد، قد يكون من الأجدر بنا أن نتحدث عن “حقوق الأسرة” كنقطة بدء ثم يتفرع عنها وبعدها “حقوق الأفراد” الذين يكوّنون هذه الأسرة. أي أننا سنبدأ بالكل (الإنسان الاجتماعي) ثم نتبعه بالأجزاء الفردية.

نظرة في مذكرات دي بوفوار

دي بوفوار

سيمون دو بوڤوار (1908-1986)، كاتبة فرنسية وفيلسوفة وجودية، تعد أحد أبرز النسويات التي أثّر خطابها على الفكر النسوي إلى اليوم. ففي رواية (مذكرات فتاة ملتزمة)، والتي هي في حقيقة الأمر سيرة ذاتية، عرضت (بوڤوار) لنا قصة حياتها في السنوات العشرين الأولى منها؛ والتي ربما شكّلت لها أهم الأسئلة التي لازمتها طيلة مشوارها.

ولدت (بوڤوار) في باريس، عام 1908، ومنذ طفولتها سرت في شخصيتها الروح الاستقلالية، كانت تقول: “منذ الصغر كانت تُسْكِرني فكرة أن أمتلك حياة تخصني وحدي!” ، ومن هنا بدأ يتشكل فكرها المتمرد والمختلف عن حياة البرجوازية المحيطة بها آنذاك، خصوصاً حول وضع المرأة في تلك الفترة؛ والتي كان يتكثّف دورها في الاقتصار في الدوارة ضمن حلقة الزواج.

كانت (بوڤوار) ترى فكرة الزواج بنمطه التقليدي الذي ينحى ناحية العبودية بنظرة استياء ونفور يسلبها حريتها، تقول:

كنت أؤثر، إلى ما لا نهاية، أن أمتهن مهنةً على أن أتزوّج، وكانت هذة الفكرة تفسح لي في طريق الأمل؛ فقد عرف العالم أشخاصاً عملوا أشياء، وسوف أعمل أنا الأخرى شيئاً ما.

عندما تكون العلاقة الزوجية قائمة على التفاضلية وليست تكاملية، حينها لا ترى المرأة المستقلة لها حاجة بمثل هذة العلاقة، فالزواج أبعد مايكون عن اقتصاره على الحضور المادي. وقد وصفت (بوڤوار) الزواج بصورة قد تبدو ردةً على التقاليد الاجتماعي آنذاك، فقالت:

لا أرى فرقاً بين امرأة تتزوج زواج مصلحة وبين بغيّ، وكانوا قد لقّنوها أنّ على المرأة المسيحية أن تحترم جسدها، وأنها لا تحترمه إذا هي استسلمت من غير حب، بدافع من مال أو من استنساب.

لازمت (بوڤوار) حرقة انعكست بالسخونة ذاتها على نصوصها، وهي ترى الذكورية وقد تجذّرت في مجتمعها، فمثلاً، كان القانون يقرّ للرجال من الحقوق ما لا يقرّه للنساء، تقول:

كنت أود أن أخضع الرجال للقوانين نفسها التي تخضع لها النساء. كان أبي ومعظم الكتّاب والرأي العام يشجعون الشبان أن يغامروا، حتى إذا آن الأوان، فإنهم سيتزوجون الفتاة التي تنتمي لعالمهم، وفي إبان الانتظار لا بأس من التسلية مع فتيات عابرات!

وكما يبدو أننا لا زلنا عالقين حتى اليوم عند هذه الحروف، وسط منظومة فكرية ذكورية هي السائد في المجتمع والمحرك الأساسي لكل تفاصيل الحياة، وسنجد أن المرأة والاعتبارات المحيطة بها، هي فعلاً في قالب المتعة المجرّدة فقط، سواء أكانت زوجة أو فتاة عابرة، كما تعبّر (بوڤوار).

تقول (بوڤوار)، أنه “لم يكن يؤسفني طبعاً أن أكون امرأة، بل كنت أستمدّ من ذلك ألواناً كثيرة من الرضى!“، وهي محقة، فلو أدركت كل امرأةٍ أن رؤيتها لنفسها ستنعكس على رؤية الآخرين لها لاستوعبت قيمتها واكتشفت مواطن الإبداع والتميز بها، فأصدق الإيمان و أعمقه هو إيمانك بنفسك وبقدرتك على صناعة بصمة لك في هذة الحياة.

وتتجلى مشاعرها وحديثها الداخلي في رحلة التعرف على نفسها واكتشاف قناعاتها في مذكّراتها، تقول: “لقد كانت الظواهر تخدعني، وكان العالم الذي لقنوني إياه مغشوشاً كلّه وزائفاً“. ويبدو أن هذا أول درس في حياة كل شخص خرج من عالم الطفولة إلى العالم الحقيقي الذي سيواجهه بمختلف الطرق وعثرات الخطى التي يجب أن يتخطاها كي يستطيع أن يعيش.

وفي سياق الاستقلال العاطفي الذي تتحدث عنه (بوڤوار)، تقول:

إن اللذة تبقى مدنّسة إذا لم تُصهر بنار العاطفة. ثم إني كنت متطرفة: كنت أريد كل شيء، وإما لا شيء. وإذا أحببت فسأحبّ إلى الأبد، وسأنخرط بكليتي، بجسمي وقلبي وفكري وماضيّ.

تقول: “لم يكن هناك من يحبني كما كنت، ولم يكن هناك من يحبني، لذا عزمت على أن أحبّ نفسي لأعوّض هذا الفراغ”. فعندما تحصر الحب بقالب جامد، حينها لن تلامس وجوده وتستمع بصور عطاءاته المختلفة. لابد أن تؤمن بوجود الحب حولك، حينها سيجد الحب طريقه إليك.

هنا، يستوقفنا تساؤل (لبوڤوار): “عما إذا كان من الواجب أن يخضع الإنسان للحب أم للسعادة؟“، وأتوقع، أنه من الصعب جداً التخيير بينهما، إذا ما افترضنا أنه من المحال الفصل بين الحب والسعادة، فكلاهما مكملٌ لبعضه؛ فلا سعادة دون حب، ولا يكون الحبُّ قريناً بشيء بقدر اقترانه بالسعادة. إن أصعب ما يواجهه الإنسان هو أن يفهم مشاعره المتضاربة ويهتدي إلى أيّها، تلك التي قد تكلفه عمراً كاملاً ليفهمها.

“كنت أشجّع نفسي على أن أعيش كل يوم بيومه، بلا أمل ولا خوف”، وهذه العدالة التي اقتنعت بها (بوڤوار)، فما يفعله الخوف والتردّد هو حصيلة كبيرة من خيبات الأمل، وفرص تضيع في سبيل هذا، فالبدايات الجديدة، والتغيير، يبدأ بحياتك حين تعرف مواطن الضعف لديك وتشرع بمعالجتها.

لم تجد (سيمون) الله في الكنيسة، ولم تشعر أنها تخلّصت من ذنوبها بعد الاعتراف. شعرت (بوڤوار) أنها لامست وجوده في الطبيعة من حولها، ولذلك نجد حبها للأرياف، إلى أن فقدته تدريجياً وهي في (پاريس)، في إشارة للحياة المدنية:

كنت أحسّ وجود الله حولي أكثر مما كنت أحسه في پاريس. وكنت كلما التصقت بالأرض كلما ازددتُ قرباً منه، وكانت كل نزهة صلاة عبادة له. ولم تكن سيادته لتنزع منّي سيادتي.

وفي نفس السياق تقول:

كانت الطبيعة تحدثني عن الله، ولكنه كان يبدو لي دون شك غريباً على العالم الذي يموج فيه البشر.

وتكمل:

كنت أصلّي وأتأمّل وأحاول أن ينفعل قلبي بحضور الله. ولكن في الواقع بينما كنت أسمو فكرياً إلى المعرفة يوماً بعد يوم، لم أكن أشعر بأني أقترب من الله.

ووسط هذه الحيرة، تقول (بوڤوار):

كنت أتمنى أن يتجلّى لي، أو أن تأخذني نشوة، أو أن يحدث فيّ، أو خارجاً عني، شيء ما. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.

بوفوار والعيش في عالم الرجال

دي بوفوار

سيمون دي بوفوار (1908-1986) أديبة فرنسية، مثقفة ساهمت بدورها الريادي في حركة تحرير المرأة. عاشت (دي بوفوار) هاجساً استحكم جل نشاطها الفكري، وهو هاجس حرية المرأة ومن خلال ذلك حرية الكائن الإنساني عموماً. يعد كتابها (الجنس الآخر) -نشر في عام ١٩٤٩- من أهم مؤلفاتها والذي كان -ومازال- المرجع والمُعبّر عمّا كتب عن المسألة النسوية لاسيما أنه من من المحاولات المبكرة لمواجهة التاريخ البشري من وجهة نظر نسوية حاولت فيه فهم الإشكالية المطروحة في كيفية اعتبار المرأة هي “الآخر” من خلال دراسة الأوضاع التاريخية والاجتماعية والنفسية والخضوع الثقافي للمرأة.

تبني (بوفوار) أطروحتها الرئيسية على أن اضطهاد الرجل للمرأة يعتمد بشكل جوهري على رؤيته للمرأة “كالآخر” فلايمكن تعريفها إلا من خلال كونها النقيض له. يحتل الرجل دائماً دور الأنا والفاعل والأصل والمطلق، بينما المرأة هي ليست سوى الآخر والمغيّب والناقص. ولذا تحاول المؤلفة في “الجنس الآخر”أن تجيب عن تساؤلها الرئيسي “كيف تمكن أحد الجنسين فقط من فرض نفسه كجوهر وحيد منكراً وجود كل نسبية تربطه بالجنس الآخر، معرفاً إياه بأنه الآخر الصرف .ومن أين اتى للمرأة هذا الرضوخ ؟!” (١٠)

أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبرراً لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولايمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناءً على تلك المعطيات ولكن يحدث ذلك لأنهم يخضعون للعرف ولذا لا يتوّلد لدى الشخص الشعور بذاته بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمُعتقدات والعادات، )تقول (بوفوار:

لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من الزاوية الإنسانية. ولا يعرف الإنسان إلا بأنه كائن غير مُعْطَى وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه. وكما قال (ميرلو بونتي) : ليس الإنسان نوعًا طبيعيًا بل هو فكرة تاريخية، والمرأة ليست واقعًا لازماً بل هي صيرورة، لذلك ينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها: إن ما يعيب كثير من المناظرات، أنها تريد أن تقصر المرأة على ما كانت عليه أو ما هي عليه الآن…
ليس المجتمع نوعًا من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود، ويجاوز نفسه نحو العالم والمستقبل، وأخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا، والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري، ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ولا يستكمل نفسه، بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد إن الفزيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل العكس، إن المعطيات الفزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإن أفضلية الرجل العضلية مثلا تفقد سلطتها.
هكذا ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية والاجتماعية، والنفسية، إن خضوع المرأة لواجب النوع، وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم، إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها، إذ ليس له واقع وجودي إلا عن طريق الشعور، ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.
ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة الجنس الآخر؟ علينا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.”(٢٠)

تتحدث (بوفوار) لاحقاً عن الرجل الذي فرض وجوده كجوهر وحيد وكيف كانت المرأة نتيجة لذلك مغيبة وتائهة ومحدودة الأفق لا لقصورٍ فيها ولكن لأنها لم تُعط فرص مساوية لتلك التي تُعطى للرجل لاكتشاف العالم من حوله. ولذا فمن البديهي أن تكون المرأة حالمة ذات وخيال جامح وعلى اتصال بواقع سحري كوسيلة للهروب من واقع لايستجيب لأي من أفكارها ورغباتها بينما يعيش الرجل في عالم متماسك في واقع يخضع للتفكير  :

إن المرأة تقر بأن العالم في مجموعِه عالم ذكور، فالرجال هم الذين صاغوه وأداروه وهم الذين يحكمونه اليوم. وهي تتلقف نفسها ككيان سلبي أمام هذه الآلة التي لها وجوه البشر والتي تحدد الغايات والقيم، أما نصيب المرأة فتقديم الخضوع والطاعة وإبداء الاحترام…. إنها لاتجهل ماهو العمل الحقيقي القادر على تبديل سطح العالم فحسب بل إنها ضائعة وسط هذا العالم كما لو كانت في قلب السديم.
ولما كانت لاتعمل شيئاً في مملكة الرجال فإن تفكيرها لايتميز عن الحلم ولا تملك الحس بالحقيقة. على كل حال، ليس من شأنها التبصر بالأشياء فقد علموها أن ترضخ لإرادة الذكور. فماعليها إذن إلا أن تزهد في النقد والتفحص وإبداء الأحكام تاركة كل هذه الأمور للطبقة العالية. لذلك يبدو لها عالم الذكور كواقع متسام، كشيء مطلق.
لا تؤمن المرأة بتحريرها لأنها، على الأخص، لم تشعر قط بإمكانيات الحرية. ويبدو لها أن العالم يديره قدر غامض لايمكن مجابهته. ولكن إذا مافتحنا أمامها أبواب المستقبل فلن تتشبث بالماضي…. إننا نحبس المرأة في المطبخ أو في المخدع وبعد ذلك ندهش إذ نرى أفقاً محدوداً، ونقص جناحيها ثم نشكو من أنها لاتعرف التحليق.” (٢١٦-٢١٧)

ولذا طالبت (دي بوفوار) بتحريك أزمة القيم الأنثوية التي تعتبر ممارسات قائمة عملياً ولكنها غائبة على الصعيد النظري حيث أن المرأة هي أيضاً تعرّف القيم التي يقوم الذكر بتحقيقها بصورة فعلية، والحقيقة أن النساء لم يجابهن قيم الرجال بقيم أنثوية كوسيلة لمقاومة الوضع الراهن.

التأليف عند فرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

تعد الكاتبة الإنجليزية (فرجينيا وولف) أحد أيقونات الأدب الحديث للقرن العشرين، كما اشتهرت أعمالها على مستوى العالم وتم ترجمتها إلى ما يزيد عن خمسين لغة.

ومن أهم أعمالها كتاب “غرفة تخص المرء وحدهفعلى صغر حجمه وبساطة رسالته، والتي كثيراً مّا اختزلت في جملة واحدة تقول: ” إذا أرادت امرأة الكتابة فيجب أن تكون لها غرفة، و دخل منتظم مهما كان ضئيلاً”. إلا أن تلك النتيجة البسيطة والتي تنطبق على كل مبدع أياً كان جنسه، تؤصّلها فرجينيا في حالة النساء بالذات تأصيلاً مرهفاً إلى أبعد حد، و بنفاذ بصيرة فائق عبر ما يزيد عن المائة صفحة، متملية متفحصة، وفي الأساس متسائلة، عن المعوقات والتوقعات والظروف الاجتماعية التاريخية التي أقعدت و أحبطت جهود النساء في إثبات ذواتهن و الإفصاح عن رؤيتهن للعالم.

لأن التأليف عملية دقيقة وعميقة كما تذكر فرجينيا وولف في كتابها:

… التأليف -بمعنى العمل الإبداعي- ليس حصاة تلقى على الأرض، مثل العلم ربما؛ إنما العمل الإبداعي مثله مثل خيوط العنكبوت؛ قد يكون اتصاله بالحياة بخفّة متناهية ولكنه متصل بها من كل ركن من أركانه الأربعة. و قد يكون اتصاله بالكاد محسوساً؛ فمسرحيات (شكسبير) على سبيل المثال تبدو وكأنها كاملة متكاملة في نفسها ولكن إذا جذبنا الخيوط عن جنب ورفعناها إلى أعلى ومزّقناها في المنتصف لتبيّن لنا أن تلك الخيوط العنكبوتية لم تغزلها مخلوقات بلا أجسام وتركتها معلقة في الهواء، و إنما هي من عمل بشر: تألّموا وارتبطوا بأشياء مادية ملموسة مثل الصحة والمال والبيوت التي نحيا فيها.

تأملات فاطمة المرنيسي في تحرر المرأة في المجتمعات المسلمة

فاطمة المرنيسي

إذا أردنا الحديث عن النسوية في عالمنا العربي لابد أن نذكر بعض الأسماء النسوية المُلهمة، وإن كانت قليلة، أحد أهم هذه الأسماء هي عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي، وهي من مواليد فاس عام 1940، والتي تابعت دراستها الجامعية بالرباط ثم درست العلوم السياسية في جامعة السوربون بفرنسا، فجامعة برانديز في الولايات المتحدة حيث حصلت على شهادة الدكتوراه، ومنذ الثمانينات أصبحت مُدرسة في جامعة محمد الخامس بالرباط. لها العديد من المؤلفات التي تُرجمت لعدة لُغات، والتي تُسلط فيها الضوء على المرأة المُسلمة وأوضاعها في المغرب والوطن العربي والعالم الإسلامي، مع عقد المُقارنات بين أوضاع النساء وحقوقهن قديمًا وحديثًا. المرنيسي كانت كتساؤلات وأفكار نسائية مسموعة، عبرت بقلمها عن هواجس النساء وتساؤلاتهن في كُتبها، اهتمت المرنيسي بمسألة تعليم المرآة وحقها في الثقافة والتعبير عن نفسها بحرية، كما اهتمت بالنسوية والمفاهيم الخاصة بالمرأة في المجتمع الإسلامي وتحرر المرأة فيه. وناقشت قضايا شائكة عدة في مؤلفاتها، خاصة في كتاب (تمرد المرأة والذاكرة الإسلامية)، حيث ناقشت قضايا تحرر المرأة وجنسانيتها في المجتمعات المسلمة الحديثة، والذي انطلقت فيه من أساس أن إشكالية التحرر في المقام الأول هي إشكالية مادية لا روحانية وأن التحرر في المقام الأول مسألة توزيعٍ للموارد. والإشكال الثاني بالنسبة لفاطمة المرنيسي هو قلة النماذج المؤثرة (للنساء المتحررات)، فتذكر المرنيسي:

“إن ردة الفعل القوية من قبل المسلمين تجاه مسألة تحرر المرأة إشكالية تُعزى إلى قلة النماذج (للنساء المتحررات). فالنموذجين الرئيسين أحدهما هو النموذج العربي الداخلي، ذلك الخاص بالعائلة وأنماط الجنسانية في حقبة ما قبل الإسلام، والثاني هو النموذج الغربي. إن النماذج الاشتراكية مثلا رغم أهميتها لأنماط العائلة والجنسانية بالكاد معروفة ويتم تجاهلها بشكل ممنهج ومقصود. وكلا النموذجين الإسلامي والغربي يقدمان نموذجا مجروحًا للجنسانية”.

فتشرح فاطمة المرنيسي أن إشكالية الجنوسة في الإسلام تنطلق من مفهوم الجنسانية ما قبل الإسلام. وأن الجنوسة في ما قبل الإسلام توصف عادةً بأنها فوضوية، وتتفشى فيها العلاقات الجنسية غيرُ الشرعية، التي أساسها هو حرية إرادة المرأة، وحرية اختيار شريكها في العملية الجنسية وعدم أهمية الشرعية لدى الأب البيولوجي:

“إن الفكرة من حرية إرادة الأنثى الجنسية المُشار إليها (تحرر المرأة) تثير على الأرجح مخاوفًا موروثة من هذه المرأة (غير المتحضرة) الجاهلية، التي كان الذكر قبلها محروم من سيطرته وجميع امتيازاته عليها”.

تؤكد المرنيسي أن خلط حرية الإرادة الجنسية للمرأة مع الفوضوية الجنسية، لم يقتصر فقط على المجتمعات المسلمة التي تواجه تغييرات بالغة في بنية العائلات فيها، بل أن هذا الخلط كان موجودًا من قبل حتى في المجتمعات غير المُسلمة:

“هذا الخلط وجد، ولا يزال موجودا في أي مجتمع يقوم نظامه العائلي على اضطهاد المرأة. فقد كان على ماركس وإنجلز مهاجمة هذا الخلط لدى الكتاب البرجوازيين بشكلٍ متكرر، الذين شوهوا تفكيرهم عن أية عائلة لم يتمُ فيها الحط من مكانة المرأة إلى منزلة دُنيا خاضعة، وكان عليهما أن يُـبينا مرارًا وتكرارًا أن الجنسانية غير البرجوازية القائمة على أساس المساواة بين الجنسين لا تؤدي بالضرورة إلى علاقات جنسية غير شرعية”.

ثم تعرّج على الفكرة السابقة بالنسبة للمجتمعات الإسلامية:

“الزواج الإسلامي يقوم على افتراض أن النظام الاجتماعي يمكن المحافظة عليه فقط إذا تم تقييد خطورة الفوضى الكامنة للمرأة من قِبل الزوج المسيطر. ولذلك فإن المخاوف المرتبطة بنظام العائلة تبدو مبررة، حيث هذه المخاوف مغروسة في الثقافة عبر قرون من اضطهاد المرأة. فمن المفهوم أن الذكور المسلمين يشعرون برعب من فكرة تحول أنماط عائلاتهم وحياتهم الجنسية إلى أنماط غربية. من حيث أن صفات الجنسانية في الثقافة الغربية هي تشويه لاستقامة المرأة. وهذا أيضا يبدو مفهوما فقد اقترض تحرر المرأة المسلمة كثير من صفات المرأة الغربية مثل الزي الغربي في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن العشرين والذي كان بالمناسبة هو لباس المرأة المستعمِرة”.

هذا المنحى الذي سلكه تحرر المرأة لأسباب يطول ذكرها، جعل فاطمة المرنيسي تبحث في معقولية مخاوف الرجل المسلم من فكرة تحرر المرأة، والتي تجدها مفهومة في كثيرٍ من الأوقات:

 “إن المخاوف التي أيقظها تغريب المرأة والذي لازم تحرير المرأة منذ أوائل القرن العشرين إلى يومنا هذا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها مثال آخر سلسلة تمييز الذكر بصفته كائن عقلاني أكثر من المرأة، فالمجتمع المسلم مؤمن بأن الذكور قادرين على اختيار ما هو جيد في الحضارة الغربية، وترك ونبذ ما هو سيء وغير نافع. في حين النساء غير قادرة على الاختيار بشكل صحيح وهذا ما يتوافق مع الآراء الإسلامية بشكلٍ عام. وهناك عامل آخر يساعد في فهم مخاوف الرجال من التغييرات التي تحدث الآن، وهو أن تغريب المرأة قد عزز من قدرتها الإغرائية. وهو ما يعارض الأخلاق الإسلامية، ومن المثير للاهتمام أنه لما كان على حركات تحرر المرأة الغربية رفض ظهور جسد المرأة واستغلاله في وسائل الإعلام الإباحية، كانت المرأة المسلمة على الأرجح تطالب بحقها في جسدها كجزء من تحررها والذي يملكه بالأساس الذكر الزوج أو الأب أو الشقيق. ونستطيع ربما أن نفهم من انتشار صالونات التجميل هو تمهيد لإلحاح المرأة على المطالبة بجسدها”.