أرشيف الوسم: نيتشه

التحولات الثلاثة للعقل، كما يذكرها نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء.

في كتابه الشهير (هكذا تكلم زرادشت)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (علي مصباح)، تحدث (نيتشه) عن ثلاثة تحولات للعقل، في أحد خطب شخصيته الأشهر (زرادشت). فيقول مستفتحًا حديثه:

أذكر لكم ثلاث تحولات للعقل: كيف يتحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

فيبدأ حديثه عن التحول إلى الجمل فيقول:

أثقال كثيرة هناك بالنسبة للعقل القوي المكابد، العقل الممتلئ احترامًا ؛ إلى الثقيل والأكثر ثقلًا ترنو قوته.

ما الثقيل؟ هكذا يسأل العقل المكابد، وهكذا يجثو على ركبتيه مثل الجمل ويطلب حملًا جيدًا.

ما هو الأكثر ثقلًا أيها الأبطال؟ يسأل العقل المكابد، كي أحمله وأغبط لقوتي.

أيس هذا ما يعني أن يحط الواحد من نفسه كي يكسر شوكة غروره؟ وأن يدع حمقه يشع كي يسخر من حكمته؟

أم ترى: أن نتخلى عن قضيتنا في اللحظة التي نحتفل فيها بانتصارها؟ أن نتسلق جبالًا شاهقة من أجل أن نجرب المجرَّب؟

أم هو هذا: أن نتغذى من عروق وأعشاب المعرفة، ونجعل الروح تكابد الجوع من أجل الحقيقة؟

أم هو هذا: أن تكون مريضًا تصد المواسين وتعقد صداقة مع الصم الذين لن يسمعوا أبدًا ما الذي تريده؟

أم هو هذا: أن يلج الواحد المياه القذرةإن كانت تلك ماء الحقيقة، وأن لا يدفع عنه الضفادع الباردة والعلاجيم السامة؟

أم هو هذا: أن تحب أولئك الذين يحتقروننا، وأن نمد يدنا إلى الشبح عندما يريد أن يرعبنا؟

بكل هذه الأثقال يأخذ العقل المكابد على عاتقه، وكما الجمل الذي يسعى حثيثًا بأثقاله عبر الصحراء، كذلك يسعى هو حثيثًا في صحرائه.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) من وصف “العقل المكابد”، أو ما شبهه بالجمل، إلى التحول التالي للعقل، فيقول:

لكن في الصحراء الأكثر خلاء ووحدة يحدث التحول الثاني: أسدًا يستحيل العقل، يريد انتزاع الحرية، وسيدًا يريد أن يكون في صحرائه الخاصة. 

هنا يبحث عن آخر أسياده: عدوًا يريد أن يصير لآخر أسياده ولآخر آلهته، ومن أجل النصر يريد الاشتباك مع أعظم تنين.

ما هو هذا التنين الأكبر الذي لم يعد يرغب فيه العقل سيدًا وإلهًا؟

“ينبغي عليك” يُدعى التنين الأكبر. لكن عقل الأسد يقول: “أريد”.

“ينبغي عليك” تسد عليه الطريق ملتمعة ببريق الذهب؛ حيوان حرشفي، وفوق كل حرشفة تلتمع مق،لة “ينبغي عليك” ببريق ذهبي.

قيم آلاف السنين تلتمع فوق تلك الحراشف، وهكذا يتكلم التنين الأشد قوة: “قيمة الأشياء بكليتها تلتمع فوق جسدي”.

كل القيم التي قد تم خلقها، وكل القيم التي تم خلقها هي: أنا. حقًا، لم يعد هناك من مكان لأي “أريد”! هكذا يتكلم التنين.

لكن ما ضرورة الأسد للعقل يا إخوتي؟ ما الذي ينقص دابة الحمل والمكابدة المتبتلة والمفعمة احترامًا؟

خلق قيم جديدة، ذلك ما لا يقدر عليه الأسد بعد ؛ أما اكتساب الحرية من أجل إبداع جديد، فلذلك ما تقدر عليه قوة الأسد.

اكتساب الحرية وإعلان الـ”لا” المقدسة تجاه الواجب أيضًا، ذلك هو ما يحتاج إليه الأسد.

اكتساب حرية ابتداع قيم جديدة، إنه الكسب الأكثر فظاظة بالنسبة لعقل مكابد ومفعم بالاحترام. لكنه في الحقيقة مجرد صيد وعمل حيوان مفترس.

في ما مضى كان العقل يحب “ينبغي عليك” ويجلها كأرقى مقدساته؛ أما الآن فلا بد أنه واجدٌ جنونًا واستبدادًا في أكبر المقدسات أيضًا، كي ينزع إلى افتكاك حريته من حبه هذا؛ إنه بحاجة إلى الأسد من أجل هذه الغنيمة المنتزعة.

فالعقل المكابد كما يقول (نيتشه) هو العقل الذي يحمل المعلومات والأفكار. أما ما يحتاجه الأسد فهو الحرية للإبداع، ضد جميع الموروثات وواجبات الإنسان.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) إلى التحول الأخير من العقل، فيقول:

لكن قولوا لي يا إخوتي، ما الذي يقدر عليه الطفل مما لا يقدر عليه حتى الأسد؟ ولمَ ينبغي على الأسد المفترس أن يتحول أيضًا إلى طفل؟

براءةٌ هو الطفل ونسيان. بدء جديد، لعب، دولاب يدفع نفسه بنفسه، حركة أولى، “نعم” مقدسة.

أجل، إن لعبة الابتكار يا إخوتي تتطلب “نعم” مقدسة: إرادته الخاصة، يريد العقل الآن؛ والذي يكون غريبًا في العالم يكسب عالمه الخاص.

فالمرحلة الأخيرة للعقل هي “العقل المريد”، ذلك الذي يزيح “التنين” والمقدسات الموروثة عن معادلته، في سبيل أن يصنع طريقه الخاصة، بعيدًا عن الخصام مع ما يختاره العالم والمجتمع.

ثلاث تحولات للعقل ذكرت لكم: كيف تحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

هكذا تكلم (زرادشت). وكان آنذاك مقيمًا في المدينة التي تدعى “البقرة المرقطة”.

في معنى الفلسفة الوجودية

كراش كورس (Crash Course) هي قناة يوتيوب تعليمية أنشأت من قبل الأخوين غرين (green brothers)، وهما (هانك جرين) و(جون غرين)، وهما معروفين بقناتهماVlogbrothers قدَّم الأخوان جون وهانك في الأساس دورات للمشاهدين في عدة مجالات من العلوم والعلوم الإنسانية، وتوسع البرنامج منذ ذاك الحين، ليشمل حلقات مشتركة تقدم من قبل ضيوف إضافيين.

في أحد الحلقات، تحدثت حلقة كراش كورس عن الفلسفة الوجودية بطريقة مبسطة جدًا. فكانت الافتتاحية التالية:

ما الذي يعطي حياتك معنى؟ الآلهة؟ الحب؟ المال؟ الوظيفة؟ أدب المعجبين؟ كرة القدم؟ التسوق؟ (شيرلوك

ربما لديك مفهومك الشخصي عن هدفك في الحياة،أو ربما نأمل من مشاهدتك لهذه الحلقة أن تساعدك على إيجاده.

أو ربما تعتقد أنك خُلقت بجوهر Eseesnce خاص كإنسان، وأن هدفك في الحياة مكتوب عليك بواسطة الإله.

أيًا ما كان الموضوع، فلن يلومك أحد، فقط لأنك تبحث لحياتك عن معنى. فالمعنى هو شيء كلنا نرغب به بشدة، بل وربما نحتاج إليه.

[…]

ربما تجد المعنى عبر التدين، أو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو تثقيف الآخرين، أو البحث عن الجمال بطريقة فنية

لا يهم كيف تقوم بالأمر، فهناك مجموعة من الفلاسفة “الوجوديين” The Existentialists يقولون أن أي، أو جميع، هذه الأشياء يمكن أن تعطي لحياتك معنى. لكن في نفس الوقت يقولون أن أيًا منها لا تستطيع ذلك.

يبدأ المقطع بشرح الفلسفة الماهوية، والتي تقرر بأن المعنى لحياتنا، وُجد قبلنا. فيقول:

كما تعرفون الآن، الفلسفة عبارة عن جدل ؛ يقوم شخص ما بطرح فكرة، ثم يقوم شخص آخر بالرد عليها. أحيانًا يكون الرد مباشرًا، وفي بعض الحالات قد يستغرق آلاف السنين.

في اليونان القديمة (أفلاطون) و(أرسطو) أكدا بشكل قاطع بأن لكل شيء جوهر، وسبب للوجود ؛ مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ليكون على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخصائص مفقودة، فسيكون ذلك الشيء شيئًا مختلفًا.

على سبيل المثال: قد يكون للسكين مقبض من خشب أو مقبض من معدن، هذا لا يهم. لكن إذا لم تمتلك نصلًا (شفرة السكين) فلن تكون سكينًا. النصل هو خاصية أساسية Essential Property في السكين، لأنه هو ما يحدد وظيفة السكين.

(أفلاطون) و(أرسطو) اعتقدا بأن لكل شيء جوهره الخاص، بما في ذلك البشر. واعتقدا بأن جوهرنا يكمن فينا قبل أن نوجد. وفقًا لهذا التفكير، جزء من معنى أن تكون إنسانًا جيدًا هو تمسكك بجوهرك. ربما تعلم أو لا تعلم ما هو جوهرك، وقد تكون جيدًا في العيش وفقًا لجوهرك، أو سيئًا فيه، لكن الأهم هو أن جوهرك هو ما يعطيك غاية، لأنك ولدت لتكون شيئًا ما.

هذا التفكير المعروف بـ”الماهوية” Essentialism والذي انتشر عالميًا حتى أواخر القرن ١٩ وما زال مقبولًا من قِبل البعض حتى الآن.

يمكن القول بأن نقطة التحول في هذه الفلسفة الماهوية، عندما جاء الرد من أشخاص آخرين بعد آلاف السنين. فيقول:

لكن في أواخر ١٨٠٠م، بعض المفكرين بدؤوا في تحدي في فكرة أننا نمتلك جوهرًا أو غاية. الفيلسوف الألماني (فريدريتش نيتشه) على سبيل المثال، تبنى فكرة “العدمية” Nihilism أو الاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة. 

لكن في أواسط القرن العشرين، عُبِّد الطريق للفيلسوف الفرنسي (جان-بول سارتر) ليعيد سؤال الجوهر، ويسأل: ماذا لو وُجِدنا أولًا؟ ماذا لو وُلدنا من دون أي غاية، ومن ثم يعود الأمر إلينا في إيجاد جوهرنا الخاص؟ أصبح هذا هيكل ما يُعرف الآن بـ”الوجودية” Existentialism ونقطتها الأساسية هي أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى آخر، وجودنا يحدث أولًا، ومن ثم يعود الأمر إلى كل واحد منا لتحديد من يكون، وما هي غاياته، علينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها. لكن ليس لدينا فعليًا غاية أو هدف مسبق، ليس هناك طريق معبّد يجب اتباعه.

يمكنكم متابعة بقية التفاصيل حول الفلسفة الوجودية، وعدد من الأسئلة المرتبطة بهذه الفلسفة، في المقطع التالي، إذ يطرح المقطع عددًا من الأسئلة المهمة، مثل أسباب نشوء الفلسفة الوجودية، وعن ارتباطها بالإلحاد أو عده، وغيرها من النقاط المهمة.

 

 

عن القراءة والكتابة، من ديوان نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء، وفي (ديوان نيتشه) والذي نقله الأستاذ (محمد بن صالح) إلى اللغة العربية، كتب (نيتشه) في فصل بعنوان أسماه “القراءة والكتابة”، فقال:

مِن كل ما كُتب، لا أحب إلا ما كتبه المرء بدمه. اكتب بدمك؛ وستعرف أن الدم روح.

ليس سهلًا أن يفهم المرء دمًا غريبًا؛ إنني أكره القراء التافهين.

الذي يعرف القارئ، لا ينفعه في شيء. قرنٌ آخر من القراء، ويتعفن الفكر ذاته.

إذا أعطيَ الحق في تعلم القراءة لكل إنسان، فإن هذا سيُفسده، مع الوقت، لا الكتابة فحسب، ولكنه سيُفسد الفكر أيضًا.

قديمًا كان الفكر إلهًا، ثم إنسانًا، وها هو الآن رعاع.

إن من يكتب بحروف من الدم، وفي أمثالٍ لا يريد أن يُقرأ، بل أن يُحفظ عن ظهر قلب.

على الجبال، الطريق الأقصر تجري من قمة إلى أخرى؛ إنما لكي نأخذ لا بد لك من رجلين جيدتين. على الأمثال أن تكون قممًا، وعلى الذين نتكلم إليهم أن يكونوا عظماء وجبابرة.

الهواء العليل والصافي، والخطر المحدق، والفكر الممتلئ بالأذى المغبط؛ هذا ما يوافق بعضه بعضًا.

أريد أن تحيط بي أقزام حارسة الكنوز، لأنني شجاع.

الشجاعة التي تطرد الأشباح تخلق بذاتها أقزامها؛ الشجاعة ترغب في الضحك.

ما عدت على ود معكم؛ هذا السحاب الذي أراه تحتي، هذا الاسوداد وهذه الكثافة التي فيها أضحك، هي بالضحك غمامتكم العاصفة.

تنظرون إلى الأعلى حين تريدون القيام، أنا أنظر إلى الأسفل لأنني علوت.

من منكم قادر، في الوقت ذاته، على الضحك وعلى التعالي؟

من يصعد أعلى الجبال يسخر من مسرح الحياة وجديتها.

غير عابثين، ساخرين، عنيفين، هكذا تُريدنا الحكمة؛ إنها امرأة وهي لا تقدر أن تحب إلا المحارب.

تقولون لي: “الحياة عِمل ثقيل”، ولكن لم جعلتم الصباح غروركم، والمساء خضوعكم؟

الحياة حمل ثقيل؛ لا تفرطوا في الرقة! فنحن جميعًا أحمرة وأُتن محمّلة كما يجب.

ماذا لنا من مشترك مع برعم الوردة إذ يرتجف لأن قطرة ندى عليه قد وقعت.

الحق؛ إننا نحب الحياة، لأننا متعودون، لا على الحياة، ولكن على الحب.

يوجد في الحب دومًا شيء من الجنون، ولكن يوجد في الجنون دومًا شيء من العقل.

حتى أنا، أنا مندفع إلى الحياة، أجد أن الفراشات، وكرات الصابون، وما يشبهها من الناس، هي التي تعرف السعادة أفضل.

إن رؤية هذه الكائنات الصغيرة والخفيفة والمجنونة واللطيفة والمتنقلة تعطي لـ(زرادشت) الرغبة في البكاء وفي الغناء.

[…]

لا يُقتل المرء عن غضب، وإنما عن ضحك يُقتل، لنقتل معًا روح الثقالة.

تعلمت المشي؛ مذاك صرت أسمح لنفسي بالركض.

تعلمت الطيران؛ مذاك ما عدت أنتظر أن يُدفع بي لأغير مكاني.

إنني الآن خفيف، الآن أحلق، الآن أراني فوق ذاتي، الآن إله في داخلي يرقص.

هكذا تكلم (زرادشت).

10 نصائح عن أسلوب الكتابة من نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء.

تحت عنوان “نحو تعليم الأسلوب الفني” قامت (لو أندرياس سالومي) بنشر النصائح العشرة للكتابة والتي أرسلها (نيتشه) لها كوصايا، حيث قام بكتابتها ضمن سلسلة من الرسائل لتقوم (سالومي) بنشرها بعد حوالي عشرين عاماً.
يقول (نيتشه) في نصائحه:
  1. الحياة هي أهم ضرورة يجب أخذها بالحسبان، فالكتابة نمط حياة يجب أن يحيا.
  2. يجب أن يكون أسلوب الكتابة ملائماً للجمهور الذي تود مخاطبته (حسب قانون العلاقة المتبادلة).
  3. يجب على الكاتب أولاً أن يحدد بدقة ما الذي سيقوله وما الذي سيقدمه، وذلك قبل أن يبدأ بالكتابة. ففي هذه الحالة يجب أن تكون الكتابة أشبه بعملية محاكاة.
  4. بما أن الكاتب يفتقد للأساليب التي يجب عليه امتلاكها كمتحدث أو محاور، فيتوجب عليه أن يستخدم في نموذجه العام نوعاً معبراً من التقديم الضروري، فالنسخة المكتوبة ستكون أكثر ضعفاً.
  5. إن غنى النص بالإيماءات يعكس مدى غنى الحياة. حيث يجب على المرء أن يتعلم ضرورة الإحساس بكل شيء تماماً مثل الإيماءات أو الإشارات، وذلك مثل ما يتعلق بطول الجملة، موضع علامات الترقيم، اختيار الكلمات، مواضع التوقف وتسلسل الحوارات.
  6. كن حذراً عند استخدام النقاط. فالأشخاص الذين يتمتعون بنفس طويل أثناء التحدث هم المخولون باستخدام تلك النقاط. فمعظم الأشخاص يرون أن تلك النقاط هي شكل من أشكال التكلّف أو التصنّع.
  7. إن أسلوب الكتابة يجب أن يقدم ما يعتقد به الكاتب بفكرة معينة، ولا يجب عليه تقديم ما يفكر به فقط بل ما يشعر به أيضاً.
  8. كلما كانت الحقيقة التي يريد أن يقدمها الكاتب أكثر تجريداً، وجب عليه أن يقوم بإغواء الحواس أولاً.
  9. إن الاستراتيجية التي يستخدمها كاتب النثر الجيد تتألف من عملية اختيار وسائله التي تجعله يقترب من الشعر دون الوصول إليه.
  10. إن حرمان القارئ من أكثر الاعتراضات وضوحاً ليس بالأسلوب الذكي أو الجيد. فالأسلوب الذكي يقتضي ترك القارئ ليعبر بمفرده عن جوهر الحكمة لدينا.

[المصدر]

في ذاته و لذاته و اللاتناهي عند هيجل

image

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

(هيجل) وكما سبق التعريف عنه في مقالة سابقة، يتناول مصطلح “في ذاته و لذاته”En soi et pour soi

و الذي هو عنده على خلاف ما جاء به (كانط) لا يرادف “ما هو لذاته” بل يتقابل معه. غير “أن الوجود لذاته” فكرة معقدة و ليس السبب في ذلك أنها تقابل “الوجود في ذاته” فحسب، بل لأنها أيضاً تقابل مصطلح “الوجود للآخر”.

الفكرة التي تقول إذا كان شيء ما وجود لذاته فإن ذلك يعني أنه مدرك لذاته – تؤدي إلى فكرة أبعد هي القول أن للكائن في ذاته خصائص معينة ليست من أجل ذاته. فالطفل عاقل في ذاته. و لكن ليس من أجل ذاته، طالما أنه ليس مدركاً أنه عاقل، والعبد بوصفه إنساناً فهو حر في نفسه، لكنه لا يكون حراً من أجل ذاته. والطور عند (هيجل) يتضمن عودة إلى البداية أو إلى ما هو في ذاته، فالثبات في النهاية ينتج بذوراً من جديد، والشيخوخة هي عودة من صراع خصائص الشباب إلى نسخة راقية من تآلف الطفولة ورضاها عن العالم. 

الوجود في ذاته ولذاته ؛ كثيراً ما يرى على أن المرء في بيته و مع نفسه، أو يعني وصول المرء إلى ذاته في الآخر.

و ذلك شبيه باللاتناهي و بصفة عامة فإن استخدامات (هيجل) لتعبيرات “ذاته” متنوعة ومرنة.


(هيجل) واللاتناهي “L’Infinie

مصطلحات “اللاتناهي” و”اللامتناهي” تقابل “التناهي” و”المتناهي“، وهي تشير إلى غياب النهاية أو الحد “اللامحدود“.

ولقد رأى (شلنج) و(هيجل) مشكلتين أساسيتين في اللامتناهي:

أولاً: إذا كان اللاتناهي متميزاً عن (التناهي) فهو بذلك محدود بواسطة المتناهي، هكذا يكون متناهياً وليس لا متناهياً. فإذا كان الله مثلاً متميزاً عن العالم فهو متناه.

و من ثم فقد ذهبا، مثل (فتشه)، إلى أن اللامتناهي ليس متميزاً عن المتناهي، لكنه يتضمن المتناهي كوجه له أو لحظة من لحظاته.

ثانياً: التراجع اللامتناهي أو التقدم اللامتناهي (فاسد) فهو غير متماسك من الناحية العقلية ويقضي على نفسه من الناحية العملية.

وهكذا يعترضان على فكرة (كانط) و(فتشه) القائلة:

يأن للبشرية هدفاً ينبغي عليها أن تكافح من أجله، لكنها لا يمكن أن تبلغ متناه.

(هيجل) حاول أن يستعيد، على مستوى أعلى العالم المتناهي المنغلق على ذاته عند (أرسطو) في مقابل العالم ذي النهاية المفتوحة في عصر التنوير و في علم (نيوتن) المليء بالاضداد بين الذات والله والعالم، وبضروب من المتناهي عسرة الهضم، غير أن هذه الضروب من اللاتناهي يصعب اسبعادها:

إذ يذهب (هيجل) إلى أن الزمان و المكان هما ضربان من اللامتناهي “الفاسد“.

ولم يلمح إلى أن المكان دائري حتى أن الحركة في خط مستقيم لا بد في النهاية أن ترتد بنا إلى نقط البداية من جديد . كما أنه لم يعمد مثل (نيتشه) إلى إحياء الفكرة الفيثاغورثية التي تتضمن العود الذي لا نهاية له للشيء نفسه بالضبط، و لا حتى الأحداث الممتدة في هوية واحدة من الناحية الكمية.

ففكرة العود الأبدي تتعارض مع إيمان (هيجل) أن التاريخ يتقدم نحو هدف ما. لكن إهماله لها جعله يتأرجح بالتساوي بين النظرة التي تقول أن التاريخ يصل أو أنه وصل إلى نهاية، وبين النظرة التي تقول أنه يسير نحو لا متناه، حتى لو استطعنا أن نعرف كيف سيواصل سيره وأننا لا بد أن نحضر أنفسنا في اللامتناهي الحقيقي الخاص بالحاضر.