أرشيف الوسم: نيتشه

ملخص عام ٢٠٢٠ .. أبرز خمسة مقالات منشورة في ساقية؛ للشعر وللفلسفة وللتأمل

في كل عام، نقوم بنشر العديد من المقالات المختلفة سواءً المترجمة أو المقتبسة من شتى مصادر المعرفة، والتي تنال الكثير من تفاعل القراء في مختلف العالم العربي، والتي نستمتع بكتابتها كفريق في رحلاتنا الشخصية للبحث عن الحكمة والمعرفة.

نتفق جميعًا أن هذا العام كان مختلفًا عن جميع الأعوام السبع الماضيات، كان من المثير جدًا البحث عن مختلف المقالات المعرفية والأدبية، وسط كل تلك الأفكار والصفحات والكتب، في مواجهة تحديات الحياة حتى النهاية، وفي كل الخواطر التي نقلبها حين صفاء، والتأمل في السنوات الماضيات، وفي استغلال أوقاتنا بالشكل الذي نأمله من ذواتنا. أو كما يقول (سارتر):

إذا شعرت بالوحدة وأنت وحدك، فأنت في صحبة سيئة.

نتمنى لكم سنة سعيدة، في عامنا الثامن معكم في رحلتنا في أنهار المعرفة لانتقاء جواهر الأدب وعيون الحكمة والمزيد من الإلهام


١. مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

تقدّم الأستاذة (دلال الرمضان) ترجمتها عن اللغة الإنجليزية لمقالة الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عمّا يفعله بنا الشعر، وما الذي يتشاركه مع العلوم التطبيقية، ولماذا يقاومه البعض. من كتاب (حياة الشعر) للشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر).


٢. يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. لوك فيري في مقالة بعنوان: غسق العبقري

في ترجمة حصرية أخرى عن اللغة الفرنسية، يقدم الأستاذ (ماهر الفضلي) ترجمة لمقالة الفيلسوف الفرنسي المعاصر (لوك فيري) في مجلة (LE Point)، والتي حملت عنوان “غسق العبقري”.


٣. سيكون بولص .. وحديثه عن التحولات الثلاث للوعي البشري، ودورها في تشكيل رحلة الفنان المعاصر

كما نشرنا سابقًا عن التحولات الثلاث للوعي البشري كما يصفها الفيلسوف الألماني (فريدريش نيتشه)، يعود الشاعر العراقي الآشوري (سركون بولص) للكتابة عن انعكاس هذه التحولات الثلاث على مسيرة الفنان أو الشاعر. في مقالة من كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة).


٤. الحياة عقد إيجار .. من المدرسة الهيلينية؛ ورسالة (سينيكا) إلى الفيلسوف الراقي (بولينيوس)

من الفلسفة اليونانية القديمة، يكتب (خالد آل تركي) مقالته “الحياة عقد إيجار”، أو كما عيقول (سينيكا): “حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح”.


٥. عن (نيوتن)، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

في مقالة مترجمة أخرى من الأستاذة (دلال الرمضان) عن الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عن دور الحجر الصحي في عام ١٦٦٤م إثر انتشار الطاعون في أجزاء المملكة المتحدة، على نظريات (نيوتن) الفيزيائية واكتشافها، وكما يكشفها الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) في كتابه.

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

“هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.”

[سركون بولص] – الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

“ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.”

[…]

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

“لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.”

[…]

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

“وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.”

[…]

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.”

[…]

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

[…]

الجمل والأسد والطفل .. التحولات الثلاثة للعقل، كما يذكرها نيتشه في تشبيهه عن رحلة الوعي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا. بلغة ألمانية بارعة.

يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء. وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (أسئلة نيتشه للضمير)، (تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه)، (الفن والجمال عند نيتشه). وفي كتابه الشهير (هكذا تكلم زرادشت)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (علي مصباح)، تحدث نيتشه عن ثلاثة تحولات للعقل، في أحد خطب شخصيته الأشهر (زرادشت). فيقول مستفتحًا حديثه:

أذكر لكم ثلاث تحولات للعقل: كيف يتحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

فيبدأ حديثه عن التحول إلى الجمل فيقول:

أثقال كثيرة هناك بالنسبة للعقل القوي المكابد، العقل الممتلئ احترامًا؛ إلى الثقيل والأكثر ثقلًا ترنو قوته.

ما الثقيل؟ هكذا يسأل العقل المكابد، وهكذا يجثو على ركبتيه مثل الجمل ويطلب حملًا جيدًا.

ما هو الأكثر ثقلًا أيها الأبطال؟ يسأل العقل المكابد، كي أحمله وأغبط لقوتي.

أليس هذا ما يعني أن يحط الواحد من نفسه كي يكسر شوكة غروره؟ وأن يدع حمقه يشع كي يسخر من حكمته؟

أم ترى: أن نتخلى عن قضيتنا في اللحظة التي نحتفل فيها بانتصارها؟ أن نتسلق جبالًا شاهقة من أجل أن نجرب المجرَّب؟

أم هو هذا: أن نتغذى من عروق وأعشاب المعرفة، ونجعل الروح تكابد الجوع من أجل الحقيقة؟

أم هو هذا: أن تكون مريضًا تصد المواسين وتعقد صداقة مع الصم الذين لن يسمعوا أبدًا ما الذي تريده؟

أم هو هذا: أن يلج الواحد المياه القذرةإن كانت تلك ماء الحقيقة، وأن لا يدفع عنه الضفادع الباردة والعلاجيم السامة؟

أم هو هذا: أن تحب أولئك الذين يحتقروننا، وأن نمد يدنا إلى الشبح عندما يريد أن يرعبنا؟

بكل هذه الأثقال يأخذ العقل المكابد على عاتقه، وكما الجمل الذي يسعى حثيثًا بأثقاله عبر الصحراء، كذلك يسعى هو حثيثًا في صحرائه.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) من وصف “العقل المكابد”، أو ما شبهه بالجمل، إلى التحول التالي للعقل، فيقول:

لكن في الصحراء الأكثر خلاء ووحدة يحدث التحول الثاني: أسدًا يستحيل العقل، يريد انتزاع الحرية، وسيدًا يريد أن يكون في صحرائه الخاصة. هنا يبحث عن آخر أسياده: عدوًا يريد أن يصير لآخر أسياده ولآخر آلهته، ومن أجل النصر يريد الاشتباك مع أعظم تنين.

ما هو هذا التنين الأكبر الذي لم يعد يرغب فيه العقل سيدًا وإلهًا؟

“ينبغي عليك” يُدعى التنين الأكبر. لكن عقل الأسد يقول: “أريد”.

“ينبغي عليك” تسد عليه الطريق ملتمعة ببريق الذهب؛ حيوان حرشفي، وفوق كل حرشفة تلتمع مقولة “ينبغي عليك” ببريق ذهبي.

قيم آلاف السنين تلتمع فوق تلك الحراشف، وهكذا يتكلم التنين الأشد قوة: “قيمة الأشياء بكليتها تلتمع فوق جسدي”.

كل القيم التي قد تم خلقها، وكل القيم التي تم خلقها هي: أنا. حقًا، لم يعد هناك من مكان لأي “أريد”! هكذا يتكلم التنين.

لكن ما ضرورة الأسد للعقل يا إخوتي؟ ما الذي ينقص دابة الحمل والمكابدة المتبتلة والمفعمة احترامًا؟

خلق قيم جديدة، ذلك ما لا يقدر عليه الأسد بعد ؛ أما اكتساب الحرية من أجل إبداع جديد، فلذلك ما تقدر عليه قوة الأسد.

اكتساب الحرية وإعلان الـ”لا” المقدسة تجاه الواجب أيضًا، ذلك هو ما يحتاج إليه الأسد.

اكتساب حرية ابتداع قيم جديدة، إنه الكسب الأكثر فظاظة بالنسبة لعقل مكابد ومفعم بالاحترام. لكنه في الحقيقة مجرد صيد وعمل حيوان مفترس.

في ما مضى كان العقل يحب “ينبغي عليك” ويجلها كأرقى مقدساته؛ أما الآن فلا بد أنه واجدٌ جنونًا واستبدادًا في أكبر المقدسات أيضًا، كي ينزع إلى افتكاك حريته من حبه هذا؛ إنه بحاجة إلى الأسد من أجل هذه الغنيمة المنتزعة.

فالعقل المكابد كما يقول (نيتشه) هو العقل الذي يحمل المعلومات والأفكار. أما ما يحتاجه الأسد فهو الحرية للإبداع، ضد جميع الموروثات وواجبات الإنسان. ينتقل بعد ذلك (نيتشه) إلى التحول الأخير من العقل، فيقول:

لكن قولوا لي يا إخوتي، ما الذي يقدر عليه الطفل مما لا يقدر عليه حتى الأسد؟ ولمَ ينبغي على الأسد المفترس أن يتحول أيضًا إلى طفل؟

براءةٌ هو الطفل ونسيان. بدء جديد، لعب، دولاب يدفع نفسه بنفسه، حركة أولى، “نعم” مقدسة.

أجل، إن لعبة الابتكار يا إخوتي تتطلب “نعم” مقدسة: إرادته الخاصة، يريد العقل الآن؛ والذي يكون غريبًا في العالم يكسب عالمه الخاص.

فالمرحلة الأخيرة للعقل هي “العقل المريد”، ذلك الذي يزيح “التنين” والمقدسات الموروثة عن معادلته، في سبيل أن يصنع طريقه الخاصة، بعيدًا عن الخصام مع ما يختاره العالم والمجتمع.

ثلاث تحولات للعقل ذكرت لكم: كيف تحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

هكذا تكلم (زرادشت). وكان آنذاك مقيمًا في المدينة التي تدعى “البقرة المرقطة”.

في معنى الفلسفة الوجودية

كراش كورس (Crash Course) هي قناة يوتيوب تعليمية أنشأت من قبل الأخوين غرين (green brothers)، وهما (هانك جرين) و(جون غرين)، وهما معروفين بقناتهماVlogbrothers قدَّم الأخوان جون وهانك في الأساس دورات للمشاهدين في عدة مجالات من العلوم والعلوم الإنسانية، وتوسع البرنامج منذ ذاك الحين، ليشمل حلقات مشتركة تقدم من قبل ضيوف إضافيين.

في أحد الحلقات، تحدثت حلقة كراش كورس عن الفلسفة الوجودية بطريقة مبسطة جدًا. فكانت الافتتاحية التالية:

ما الذي يعطي حياتك معنى؟ الآلهة؟ الحب؟ المال؟ الوظيفة؟ أدب المعجبين؟ كرة القدم؟ التسوق؟ (شيرلوك

ربما لديك مفهومك الشخصي عن هدفك في الحياة،أو ربما نأمل من مشاهدتك لهذه الحلقة أن تساعدك على إيجاده.

أو ربما تعتقد أنك خُلقت بجوهر Eseesnce خاص كإنسان، وأن هدفك في الحياة مكتوب عليك بواسطة الإله.

أيًا ما كان الموضوع، فلن يلومك أحد، فقط لأنك تبحث لحياتك عن معنى. فالمعنى هو شيء كلنا نرغب به بشدة، بل وربما نحتاج إليه.

[…]

ربما تجد المعنى عبر التدين، أو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو تثقيف الآخرين، أو البحث عن الجمال بطريقة فنية

لا يهم كيف تقوم بالأمر، فهناك مجموعة من الفلاسفة “الوجوديين” The Existentialists يقولون أن أي، أو جميع، هذه الأشياء يمكن أن تعطي لحياتك معنى. لكن في نفس الوقت يقولون أن أيًا منها لا تستطيع ذلك.

يبدأ المقطع بشرح الفلسفة الماهوية، والتي تقرر بأن المعنى لحياتنا، وُجد قبلنا. فيقول:

كما تعرفون الآن، الفلسفة عبارة عن جدل ؛ يقوم شخص ما بطرح فكرة، ثم يقوم شخص آخر بالرد عليها. أحيانًا يكون الرد مباشرًا، وفي بعض الحالات قد يستغرق آلاف السنين.

في اليونان القديمة (أفلاطون) و(أرسطو) أكدا بشكل قاطع بأن لكل شيء جوهر، وسبب للوجود ؛ مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ليكون على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخصائص مفقودة، فسيكون ذلك الشيء شيئًا مختلفًا.

على سبيل المثال: قد يكون للسكين مقبض من خشب أو مقبض من معدن، هذا لا يهم. لكن إذا لم تمتلك نصلًا (شفرة السكين) فلن تكون سكينًا. النصل هو خاصية أساسية Essential Property في السكين، لأنه هو ما يحدد وظيفة السكين.

(أفلاطون) و(أرسطو) اعتقدا بأن لكل شيء جوهره الخاص، بما في ذلك البشر. واعتقدا بأن جوهرنا يكمن فينا قبل أن نوجد. وفقًا لهذا التفكير، جزء من معنى أن تكون إنسانًا جيدًا هو تمسكك بجوهرك. ربما تعلم أو لا تعلم ما هو جوهرك، وقد تكون جيدًا في العيش وفقًا لجوهرك، أو سيئًا فيه، لكن الأهم هو أن جوهرك هو ما يعطيك غاية، لأنك ولدت لتكون شيئًا ما.

هذا التفكير المعروف بـ”الماهوية” Essentialism والذي انتشر عالميًا حتى أواخر القرن ١٩ وما زال مقبولًا من قِبل البعض حتى الآن.

يمكن القول بأن نقطة التحول في هذه الفلسفة الماهوية، عندما جاء الرد من أشخاص آخرين بعد آلاف السنين. فيقول:

لكن في أواخر ١٨٠٠م، بعض المفكرين بدؤوا في تحدي في فكرة أننا نمتلك جوهرًا أو غاية. الفيلسوف الألماني (فريدريتش نيتشه) على سبيل المثال، تبنى فكرة “العدمية” Nihilism أو الاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة. 

لكن في أواسط القرن العشرين، عُبِّد الطريق للفيلسوف الفرنسي (جان-بول سارتر) ليعيد سؤال الجوهر، ويسأل: ماذا لو وُجِدنا أولًا؟ ماذا لو وُلدنا من دون أي غاية، ومن ثم يعود الأمر إلينا في إيجاد جوهرنا الخاص؟ أصبح هذا هيكل ما يُعرف الآن بـ”الوجودية” Existentialism ونقطتها الأساسية هي أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى آخر، وجودنا يحدث أولًا، ومن ثم يعود الأمر إلى كل واحد منا لتحديد من يكون، وما هي غاياته، علينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها. لكن ليس لدينا فعليًا غاية أو هدف مسبق، ليس هناك طريق معبّد يجب اتباعه.

يمكنكم متابعة بقية التفاصيل حول الفلسفة الوجودية، وعدد من الأسئلة المرتبطة بهذه الفلسفة، في المقطع التالي، إذ يطرح المقطع عددًا من الأسئلة المهمة، مثل أسباب نشوء الفلسفة الوجودية، وعن ارتباطها بالإلحاد أو عده، وغيرها من النقاط المهمة.

 

 

عن القراءة والكتابة، من ديوان نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (التحولات الثلاث للعقل)، (الفن والجمال عند نيتشه)، (تساؤل نيتشه حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي). أما في كتابه (ديوان نيتشه) والذي نقله الأستاذ (محمد بن صالح) إلى اللغة العربية، كتب (نيتشه) في فصل بعنوان أسماه “القراءة والكتابة”، فقال:

مِن كل ما كُتب، لا أحب إلا ما كتبه المرء بدمه. اكتب بدمك؛ وستعرف أن الدم روح.

ليس سهلًا أن يفهم المرء دمًا غريبًا؛ إنني أكره القراء التافهين.

الذي يعرف القارئ، لا ينفعه في شيء. قرنٌ آخر من القراء، ويتعفن الفكر ذاته.

إذا أعطيَ الحق في تعلم القراءة لكل إنسان، فإن هذا سيُفسده، مع الوقت، لا الكتابة فحسب، ولكنه سيُفسد الفكر أيضًا.

قديمًا كان الفكر إلهًا، ثم إنسانًا، وها هو الآن رعاع.

إن من يكتب بحروف من الدم، وفي أمثالٍ لا يريد أن يُقرأ، بل أن يُحفظ عن ظهر قلب.

على الجبال، الطريق الأقصر تجري من قمة إلى أخرى؛ إنما لكي نأخذ لا بد لك من رجلين جيدتين. على الأمثال أن تكون قممًا، وعلى الذين نتكلم إليهم أن يكونوا عظماء وجبابرة.

الهواء العليل والصافي، والخطر المحدق، والفكر الممتلئ بالأذى المغبط؛ هذا ما يوافق بعضه بعضًا.

أريد أن تحيط بي أقزام حارسة الكنوز، لأنني شجاع.

الشجاعة التي تطرد الأشباح تخلق بذاتها أقزامها؛ الشجاعة ترغب في الضحك.

ما عدت على ود معكم؛ هذا السحاب الذي أراه تحتي، هذا الاسوداد وهذه الكثافة التي فيها أضحك، هي بالضحك غمامتكم العاصفة.

تنظرون إلى الأعلى حين تريدون القيام، أنا انظر إلى الأسفل لأنني علوت.

من منكم قادر، في الوقت ذاته، على الضحك وعلى التعالي؟

من يصعد أعلى الجبال يسخر من مسرح الحياة وجديتها.

غير عابثين، ساخرين، عنيفين، هكذا تُريدنا الحكمة؛ إنها امرأة وهي لا تقدر أن تحب إلا المحارب.

تقولون لي: “الحياة عِمل ثقيل”، ولكن لم جعلتم الصباح غروركم، والمساء خضوعكم؟

الحياة حمل ثقيل؛ لا تفرطوا في الرقة! فنحن جميعًا أحمرة وأُتن محمّلة كما يجب.

ماذا لنا من مشترك مع برعم الوردة إذ يرتجف لأن قطرة ندى عليه قد وقعت.

الحق؛ إننا نحب الحياة، لأننا متعودون، لا على الحياة، ولكن على الحب.

يوجد في الحب دومًا شيء من الجنون، ولكن يوجد في الجنون دومًا شيء من العقل.

حتى أنا، أنا مندفع إلى الحياة، أجد أن الفراشات، وكرات الصابون، وما يشبهها من الناس، هي التي تعرف السعادة أفضل.

إن رؤية هذه الكائنات الصغيرة والخفيفة والمجنونة واللطيفة والمتنقلة تعطي لـ(زرادشت) الرغبة في البكاء وفي الغناء.

[…]

لا يُقتل المرء عن غضب، وإنما عن ضحك يُقتل، لنقتل معًا روح الثقالة.

تعلمت المشي؛ مذاك صرت أسمح لنفسي بالركض.

تعلمت الطيران؛ مذاك ما عدت أنتظر أن يُدفع بي لأغير مكاني.

إنني الآن خفيف، الآن أحلق، الآن أراني فوق ذاتي، الآن إله في داخلي يرقص.

هكذا تكلم (زرادشت).

في ذاته و لذاته و اللاتناهي عند هيجل

image

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

(هيجل) وكما سبق التعريف عنه في مقالة سابقة، يتناول مصطلح “في ذاته و لذاته”En soi et pour soi

و الذي هو عنده على خلاف ما جاء به (كانط) لا يرادف “ما هو لذاته” بل يتقابل معه. غير “أن الوجود لذاته” فكرة معقدة و ليس السبب في ذلك أنها تقابل “الوجود في ذاته” فحسب، بل لأنها أيضاً تقابل مصطلح “الوجود للآخر”.

الفكرة التي تقول إذا كان شيء ما وجود لذاته فإن ذلك يعني أنه مدرك لذاته – تؤدي إلى فكرة أبعد هي القول أن للكائن في ذاته خصائص معينة ليست من أجل ذاته. فالطفل عاقل في ذاته. و لكن ليس من أجل ذاته، طالما أنه ليس مدركاً أنه عاقل، والعبد بوصفه إنساناً فهو حر في نفسه، لكنه لا يكون حراً من أجل ذاته. والطور عند (هيجل) يتضمن عودة إلى البداية أو إلى ما هو في ذاته، فالثبات في النهاية ينتج بذوراً من جديد، والشيخوخة هي عودة من صراع خصائص الشباب إلى نسخة راقية من تآلف الطفولة ورضاها عن العالم. 

الوجود في ذاته ولذاته ؛ كثيراً ما يرى على أن المرء في بيته و مع نفسه، أو يعني وصول المرء إلى ذاته في الآخر.

و ذلك شبيه باللاتناهي و بصفة عامة فإن استخدامات (هيجل) لتعبيرات “ذاته” متنوعة ومرنة.


(هيجل) واللاتناهي “L’Infinie

مصطلحات “اللاتناهي” و”اللامتناهي” تقابل “التناهي” و”المتناهي“، وهي تشير إلى غياب النهاية أو الحد “اللامحدود“.

ولقد رأى (شلنج) و(هيجل) مشكلتين أساسيتين في اللامتناهي:

أولاً: إذا كان اللاتناهي متميزاً عن (التناهي) فهو بذلك محدود بواسطة المتناهي، هكذا يكون متناهياً وليس لا متناهياً. فإذا كان الله مثلاً متميزاً عن العالم فهو متناه.

و من ثم فقد ذهبا، مثل (فتشه)، إلى أن اللامتناهي ليس متميزاً عن المتناهي، لكنه يتضمن المتناهي كوجه له أو لحظة من لحظاته.

ثانياً: التراجع اللامتناهي أو التقدم اللامتناهي (فاسد) فهو غير متماسك من الناحية العقلية ويقضي على نفسه من الناحية العملية.

وهكذا يعترضان على فكرة (كانط) و(فتشه) القائلة:

يأن للبشرية هدفاً ينبغي عليها أن تكافح من أجله، لكنها لا يمكن أن تبلغ متناه.

(هيجل) حاول أن يستعيد، على مستوى أعلى العالم المتناهي المنغلق على ذاته عند (أرسطو) في مقابل العالم ذي النهاية المفتوحة في عصر التنوير و في علم (نيوتن) المليء بالاضداد بين الذات والله والعالم، وبضروب من المتناهي عسرة الهضم، غير أن هذه الضروب من اللاتناهي يصعب اسبعادها:

إذ يذهب (هيجل) إلى أن الزمان و المكان هما ضربان من اللامتناهي “الفاسد“.

ولم يلمح إلى أن المكان دائري حتى أن الحركة في خط مستقيم لا بد في النهاية أن ترتد بنا إلى نقط البداية من جديد . كما أنه لم يعمد مثل (نيتشه) إلى إحياء الفكرة الفيثاغورثية التي تتضمن العود الذي لا نهاية له للشيء نفسه بالضبط، و لا حتى الأحداث الممتدة في هوية واحدة من الناحية الكمية.

ففكرة العود الأبدي تتعارض مع إيمان (هيجل) أن التاريخ يتقدم نحو هدف ما. لكن إهماله لها جعله يتأرجح بالتساوي بين النظرة التي تقول أن التاريخ يصل أو أنه وصل إلى نهاية، وبين النظرة التي تقول أنه يسير نحو لا متناه، حتى لو استطعنا أن نعرف كيف سيواصل سيره وأننا لا بد أن نحضر أنفسنا في اللامتناهي الحقيقي الخاص بالحاضر.

حسين البرغوثي: محاولة أخرى لتقديم نفسي

WdKO8U22

حسين جميل البرغوثي (1954- 2002) شاعر ومفكر فلسطيني. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت حتى عام 1997، وأستاذًا للنقد الأدبي والمسرح في جامعة القدس حتى عام 2000. وأثناء هذه الفترة كان عضوا مؤسسا لبيت الشعر الفلسطيني وعضوا للهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورئيسا لتحرير مجلة اوغاريت ومديرًا لتحرير مجلة الشعراء حتى رحيله في عام 2002 مريضًا بالسرطان.

تحدث حسين البرغوثي في نص (محاولة أخرى لتقديم نفسي) كتبه لمجلة مشارف (عدد ٢) بتاريخ ١ سبتمبر ١٩٩٥ عن الشعر وذاته كشاعر يقول فيه:

الشعر بالنسبة لي حوار مرعب، مستفز، وله نشوته. بين القمم والهاوية، بين الحلم واليقظة، بين الموت والحياة، بين الموجود والوجود.إنه حدس بأن كل الكون صدفة، وبأن الصدفة لاتفسره. وبأن العابر والمستقر وجهان للتفسير وليسا تفسيرًا.

مضيفًا على كلامه معنىً للشعر الحقيقي:

أعني بأن الشعر الحقيقي رؤيا تشبه رؤية العدم في قبضة من تراب. ورؤية الرب على أصغر برعم ورد. ذهول مطلق من الموجود والوجود. يظهر في محاولة دائمة لإزاحة كل تفسير وكل معنى وكل رابطة تستأنف الموجود والوجود وحتى إزاحة لهذه اللغة التي تسمح لنا بـ“تسمية الأشياء”، وبالتالي بالبحث الدائم عن “اللا مُسمَّى”.

قال أيضاً :

إن الشعر ليس إلا فتحة في الكون على الكون، والشاعر يوسع الدهليز داخلًا  أعماقًا لم يرها أحد من قبل. خارجًا نحو سطوح لم يرها هو من قبل، وكثيرا مايحتاج ليس للحياة فقط. بل لتحويل “التجربة الحية” إلى معرفة. معرفة تشبة اللذة، لذة الكشف ،لذة إعادة الصياغة ،لذة القوة، وإرادة تصور الوجود.

اعتباره بأن الشعر هو الحقيقة:

الشعر هو الحقيقة، لأن الحقيقة مثلما أشار (نيتشه) مجرد تشبيه منسي. الشاعر لا ينسى الوجود كتشبيه، ولكنه ينسى باستمرار أي تشبيه هو بالضبط! والبحث عن تشابيه بحث عن حقائق من جهة وتعرية لـ “الحقيقة المألوفة” من ذاتها لتسترجع توهجها كتشبيه أصلي. وهكذا نلاحق الوجود، نحفر أمكنة تشبه الأمكنة.

نيتشه يضع وصفته للروائي الجيد

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء. في كتابه (إنساني مفرط في إنسانيته)، كتب وصفة للروائيين لكي يكونوا جيدين فيما يكتبون. يقول فيها:

الوصفة كي تصبح روائيًا جيدًا … من السهل قولها ، ولكن شق غمارها يستلزم مزايا يعتاد المرء على التقليل من شأنها حين يقول: “لا أملك موهبة كافية”. كل ما على المرء فعله هو وضع مئة مخطط تقريبًا للروايات، من دون أن تكون أطول من صفحتين ولكن ينبغي أن تكون دقيقة إلى درجة أن تكون كل كلمة فيها ضرورية ؛ وينبغي على المرء تدوين ملاحظاتٍ يوميًا إلى أن يتوصل إلى معرفة كيفية إعطائها الصيغة الأشد إثمارًا وفعالية؛ ولابد أن يكون المرء جادًا بلا كلل في جمع وتوصيف الأنماط والشخصيات البشرية؛
وعلى المرء، قبل أي شيء آخر أن يروي أمورًا للآخرين وينصت إلى آخرين يروون، مبقيًا عينيه وأذنيه مشرعة على الأثر الذي تتركه تلك التفاصيل على الحاضرين؛ وعلى المرء أن يسافر مثل رسام المناظر الطبيعية ومصمم الأزياء … ويجب على المرء أخيرًا ، تأمل دوافع الأفعال البشرية، وأن لا يترفع عن أي تفصيل بشأنها، وأن يكون جامعًا لتلك الأشياء ليلاً نهارًا. ولابد أن يتابع المرء هذا التمرين متعدد الجوانب قرابة عشر سنوات؛ وما سيتم إبداعه في تلك الورشة حينئذٍ … سيكون ملائمًا لإخراجه إلى العالم.

تساؤل فريدريش نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (التحولات الثلاث للعقل)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه).

أما في كتابه (ما وراء الخير والشر) يتساءل عن حقائق البحث العلمي والفلسفي، فنشارككم بعضًا من أقواله:

هل كل ما خرج به الفلاسفة والعلماء من حقائق، هي حقيقة بحد ذاتها؟

نظرًا لأنني تأملت الفلاسفة على مهلٍ، قرأت بين سطورهم وراقبت طريقة تعبيرهم عن أفكارهم، قلت لنفسي يجب أن يعدّ التفكير الواعي من ضمن الأنشطة الفكرية، والتفكير الفلسفي أيضًا؛ إن التفكير الواعي لفيلسوف ما، يوجّه في معظمه بشكل خفي من قبل ميولاته الفطرية ويصب بالضرورة في مذاهب محددة. وراء كل المنطق والسيادة الظاهرة في خطوات تفكيره، نعثر على تقييمات ما، أو بشكل أوضح، على مطالب فيسيولوجية تفرضها ضرورة الحفاظ على نمط حياة معيّن.

ويظن (نيتشه) أن الإنسان مفطور على الميل إلى الأحكام الخاطئة والأوهام بقوله:

وأن الإنسان لا يمكن أن يحيا دون أن يقرّ بالأوهام المنطقية، دون أن يقيس الواقع بالعالم اللامشروط والمماثل، الخيالي تمامًا، دون أن يزيف العالم باستمرار، إلى درجة الاستغناء عن الأحكام الخاطئة سيعني استغناء عن الحياة، نفيًا للحياة.

ويرى من هذا المنطلق أن الفلسفة التي تؤكد هذا الميل وتشجعه؛ “تضع نفسها مسبقًا وانطلاقًا من هذا، فيما وراء الخير والشر“. وباعتبار أن أية فلسفة يسعى ورائها هدف خفي، يقول:

لقد اكتشفت شيئًا فشيئًا أن كل فلسفة عظيمة حتى الآن، كانت اعترافًا ذاتيًا لصاحبها ونوعًا من مذكراته، من حيث لا يدري أو ينتبه. مثلما تحققت من أن النوايا الأخلاقية أو اللاأخلاقية شكّلت في كل فلسفة البذرة الحقيقية التي تولد منها النبتة كلها. من هنا، اذا اردنا أن نفسر كيف ولدت في الواقع كل التأكيدات الميتافيزيقية الأكثر تعاليًا لدى هذا الفيلسوف أو ذاك، فمن الحكمة أن نتساءل أولاً: أية أخلاق يريد هو؟

ولكن مالذي يحاول (نيتشه) أن يشجعه؟ حين يكفّ الإنسان عن اللهث وراء الحقائق ومحاولة إسقاط تصنيفات محددة على تصرفات البشر أو إيجاد تفسيرات واضحة لكل ما يدور في الحياة؟ حسنًا، يبدو أن الحل الوحيد هو الاستقلالية، على الرغم من المخاطرات وما ستدفعه ثمنًا لها، فيقول:

الاستقلالية أمر متعلق بأصغر فئة من الناس، إنها امتياز الأقوياء، ومن يحاول ذلك حتى وان كان على حق دون أن يجبر عليه، سيبرهن ليس فقط على انه قوي، بل يمتلك مع كل احتمال جرأة فائضة. يدخل إلى متاهة ما، يضاعف آلاف المرات الأخطار الملازمة مسبقًا لحياته، وأدناها أن لا احد يرى بأم عينه لا أين ولا كيف يتيه وينعزل ويهب نفسه للتمزق إربا إربا. عندما يهلك إنسان مماثل -يقصد المستقل- فإن ذلك سيتم بعيدًا عن فهم الناس بحيث لا يشعرون به ولا يتأثرون لحاله. فهو لا يستطيع أبدًا أن يعود إلى الوراء كما لا يستطيع أبدا أن يعود إلى رحمة الناس.

أخيرًا، ما هو دافعنا الحقيقي للبحث عن الحقيقة، إذا كان دافعنا خيرًا فيراهننا (نيتشه) أن لا حقيقة وراء هذا الدافع بقوله:

أيتها الإنسانية، أيتها الحماقة! إن الحقيقة والبحث عن الحقيقة، ليسا شيئين متلائمين، وعندما ينكبّ الإنسان عليهما بإنسانية مفرطة، عندما لا يبحث عن الحقيقة إلا من أجل فعل الخير، أراهن على أنه لن يعثر على شيء. 

عن المفكّر أو المثقف، على طريقة سيوران

إميل سيوران
في كتابه (المياه كلها بلون الغرق)، الذي يُعد أحد أشهر كتب إميل سيوران (1911-1995)، وأول كتاب تُرجم كاملًا  إلى اللغة العربية، تحدث (سيوران) في عدة مواضع عن المعالم الأساسية للمثقف أو المفكّر كما يراها، أو نصائحه الشخصية في ظل رؤيته وفكره. مثلًا  كانتقاده لأولئك الذين ينمقون الكلمات، فباعتقاده أن منمقي النصوص لا يجدون ما يقولونه، أو على وجه الدقة، يقول:
لا أسلوب مع اليقين.
الانشغال بتجويد القول من مميزات الذين لا ينامون على عقيدة. إنهم يتعلقون بالكلمات، تلك الشبيهة بالواقع، في غياب الأرضية الصلبة، فيما الآخرون الأقوياء بقناعتهم يهزؤون بمظهر الكلمات ويسترخون في الارتجال.
ويقول أيضًا عن هذه الخدعة في الأسلوب والتنميق:
خدعة الأسلوب: إعطاء الهموم اليومية مجرى غير مألوف، تجميل المتاعب التافهة، تأثيث الخواء، تحقيق الوجود بواسطة “الكلمة”، بواسطة شقشقة الشكوى أو الاستهزاء.
وبالانتقال إلى أحد نصائحه الأخرى، يقول (سيوران):
وحدها العقول السطحية تتقدم من الفكرة بلطف.
فالأكثر أثرًا أو عمقًا بين المثقفين، هم أولئك الذين يتناولون الأفكار بعنف. يقول:
إذا أمكن لـ(نيتشه)، (بروست)، (بودلير) أو (رامبو)، أن يتصدوا لتقلبات الموضة، فإنهم مدينون بذلك إلى وحشيتهم اللامبالية، إلى جراحتهم الشيطانية، إلى سخائهم بالسم .. ما من شيء يجعل أثرًا يدوم ويمنعه من التقادم سوى شراسته. تأكيد غير مبرر؟ انظروا إلى مجد الإنجيل، أليس الكتاب العدواني والمسموم بامتياز؟
 ويقول أيضًا في هذه النقطة، ساخرًا من المفكرين الإنسانيين:
الجمهور يتهافت على ما يسمى بالكتّاب الإنسانيين. هو واثق بأنه لا يخشى منهم شيئًا. إنه يعرف أنهم قد توقفوا – مثله – في منتصف الطريق، سيقترحون عليه صلحًا مع المستحيل، رؤية منسجمة للفوضى.
 أما المَعْلم الثالث، والأهم والأشد تكرارًا في كتاباته، فهو الشك. يقول:
لا شيء يصيب العقل بالجفاف مثل نفوره من تصوّر أفكار مبهمة.
 فالشكوك تحول بين فتور العقل، وهي الرياضة بالنسبة للعقل من أن يفقد قدرته على التفكير السليم. وعلى الرغم من الحيرة التي تصيب المرء عندما يشك في كل شيء، إلا أن الشكوكية ضرورية، وعلامة مهمة على النزاهة، يقول:
في ترددنا علامة على نزاهتنا، أما يقيننا فلا يدل إلا على دجلنا. يُعرَف المفكر الغشاش من حصيلة الأفكار “الدقيقة” التي يدافع عنها.
 ويقول أيضًا:
الخوف من العقم يدفع الكاتب إلى أن يُنتج فوق طاقته، وأن يضيف إلى الأكاذيب المعيشة أكاذيب أخرى لا تُحصى يستلفها أو يختلقها اختلاقًا. تحت كل “أعمال كاملة” يقبع دجال.
 ويقول في موضع آخر:
الشكوكية هي منهج الحضارات الفتيّة، وخجل الحضارات الهرمة.
 فالحضارات الفتية، تعمل بجد لتنال نهضتها، بينما الحضارات الهرمة تسعى للدفاع عن سمعتها، بغض النظر عن حقيقة هذه السمعة أو صوابها. وعن بشاعة التأكد من فهمنا لكل شيء، يقول:
اللحظة التي تُسوّل لنا أننا فهمنا كل شيء، تمنحنا هيئة القتلة. 
ولا ينكر (سيوران) أن للشكوكية حيرتها وعذابتها، بل إنه يقرّ ذلك في مقولته:
يتمنى الشكّاك لو أنه يتعذب مثل سائر البشر من أجل الأوهام التي تمنح القدرة على الحياة. لكنه لا يفلح في ذلك: إنه شهيد التفكير السليم.
كل ذلك يهيّئ الأرضية الثابتة للنقطة الرابعة، يقول (سيوران) عن أجدى منابع الكتابة:
لا مصادر للكاتب أفضل من أسباب إحساسه بالعار. الكاتب الذي لا يكتشف في ذاته أسبابًا للشعور بالخزي أو يتهرب من هذه الأسباب، ليس أمامه إلا السرقة أو النقد.
 ويقول أيضًا:
من لم يذق الإهانة لا يعرف معنى الوصول إلى آخر مراحل الذات.
وأخيرًا، يقول:
من السهل أن يكون المرء عميقًا، يكفي أن يستسلم لفيض ثغراته الخاصة.
 وتتمثل النقطة الخامسة، في التحرر من التحيزات. يقول:
الفكر الذي يتحرر من كل تحيز، هو فكرٌ يتفكك محاكيًا تناثر الأشياء التي يريد الإمساك بها ومحاكيًا عدم انسجامها. بأفكار “سائلة” نحن “نتمدد” على الواقع ونعانقه دون أن نفسره. هكذا ندفع غاليًا ثمن “النظام” الذي لم نرغب به.
ويقول أيضًا:

واجب الوعي: الوصول إلى يأس لائق.

 ونختتم المقالة بمقولة أخيرة، بعد أن وضعنا خمس علامات بالطريق للمثقفين والمفكرين، على طريقة (سيوران):
إنه لمَساس بالفكرة أن نعمقها: ذلك يعني أن ننتزع منها سحرها وربما حياتها.