أرشيف الوسم: نيوتن

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

“في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.”

صموئيل بيبس

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

“لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.”

[جيمس جليك] – إسحاق نيوتن

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”


*يقصد بها عبارة نيوتن الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

[المصدر]

في ذاته و لذاته و اللاتناهي عند هيجل

image

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

(هيجل) وكما سبق التعريف عنه في مقالة سابقة، يتناول مصطلح “في ذاته و لذاته”En soi et pour soi

و الذي هو عنده على خلاف ما جاء به (كانط) لا يرادف “ما هو لذاته” بل يتقابل معه. غير “أن الوجود لذاته” فكرة معقدة و ليس السبب في ذلك أنها تقابل “الوجود في ذاته” فحسب، بل لأنها أيضاً تقابل مصطلح “الوجود للآخر”.

الفكرة التي تقول إذا كان شيء ما وجود لذاته فإن ذلك يعني أنه مدرك لذاته – تؤدي إلى فكرة أبعد هي القول أن للكائن في ذاته خصائص معينة ليست من أجل ذاته. فالطفل عاقل في ذاته. و لكن ليس من أجل ذاته، طالما أنه ليس مدركاً أنه عاقل، والعبد بوصفه إنساناً فهو حر في نفسه، لكنه لا يكون حراً من أجل ذاته. والطور عند (هيجل) يتضمن عودة إلى البداية أو إلى ما هو في ذاته، فالثبات في النهاية ينتج بذوراً من جديد، والشيخوخة هي عودة من صراع خصائص الشباب إلى نسخة راقية من تآلف الطفولة ورضاها عن العالم. 

الوجود في ذاته ولذاته ؛ كثيراً ما يرى على أن المرء في بيته و مع نفسه، أو يعني وصول المرء إلى ذاته في الآخر.

و ذلك شبيه باللاتناهي و بصفة عامة فإن استخدامات (هيجل) لتعبيرات “ذاته” متنوعة ومرنة.


(هيجل) واللاتناهي “L’Infinie

مصطلحات “اللاتناهي” و”اللامتناهي” تقابل “التناهي” و”المتناهي“، وهي تشير إلى غياب النهاية أو الحد “اللامحدود“.

ولقد رأى (شلنج) و(هيجل) مشكلتين أساسيتين في اللامتناهي:

أولاً: إذا كان اللاتناهي متميزاً عن (التناهي) فهو بذلك محدود بواسطة المتناهي، هكذا يكون متناهياً وليس لا متناهياً. فإذا كان الله مثلاً متميزاً عن العالم فهو متناه.

و من ثم فقد ذهبا، مثل (فتشه)، إلى أن اللامتناهي ليس متميزاً عن المتناهي، لكنه يتضمن المتناهي كوجه له أو لحظة من لحظاته.

ثانياً: التراجع اللامتناهي أو التقدم اللامتناهي (فاسد) فهو غير متماسك من الناحية العقلية ويقضي على نفسه من الناحية العملية.

وهكذا يعترضان على فكرة (كانط) و(فتشه) القائلة:

يأن للبشرية هدفاً ينبغي عليها أن تكافح من أجله، لكنها لا يمكن أن تبلغ متناه.

(هيجل) حاول أن يستعيد، على مستوى أعلى العالم المتناهي المنغلق على ذاته عند (أرسطو) في مقابل العالم ذي النهاية المفتوحة في عصر التنوير و في علم (نيوتن) المليء بالاضداد بين الذات والله والعالم، وبضروب من المتناهي عسرة الهضم، غير أن هذه الضروب من اللاتناهي يصعب اسبعادها:

إذ يذهب (هيجل) إلى أن الزمان و المكان هما ضربان من اللامتناهي “الفاسد“.

ولم يلمح إلى أن المكان دائري حتى أن الحركة في خط مستقيم لا بد في النهاية أن ترتد بنا إلى نقط البداية من جديد . كما أنه لم يعمد مثل (نيتشه) إلى إحياء الفكرة الفيثاغورثية التي تتضمن العود الذي لا نهاية له للشيء نفسه بالضبط، و لا حتى الأحداث الممتدة في هوية واحدة من الناحية الكمية.

ففكرة العود الأبدي تتعارض مع إيمان (هيجل) أن التاريخ يتقدم نحو هدف ما. لكن إهماله لها جعله يتأرجح بالتساوي بين النظرة التي تقول أن التاريخ يصل أو أنه وصل إلى نهاية، وبين النظرة التي تقول أنه يسير نحو لا متناه، حتى لو استطعنا أن نعرف كيف سيواصل سيره وأننا لا بد أن نحضر أنفسنا في اللامتناهي الحقيقي الخاص بالحاضر.