أرشيف الوسم: هيوم

الرومانتيكية كإرادة إنقاذ للإنسانية.. قراءة في كتاب جذور الرومانتيكية لايزايا برلين

يعتبر كتاب (إيزايا برلين) (جذور الرومانتيكية) أحد أهم الكتب التي تقدم “الرومانتيكية” ليس فقط كمذهب مقابل للكلاسيكية، بل كمذهب غيّر مفاهيم وأسّس لأخرى جديدة ستطغى على حياة الفكر الغربي وعلى وعيه منذ ما بعد عصر التنوير وحتى أيامنا هذه.

لم يأت الكتاب مباشرة من قلم المؤلف إلى المطبعة بل قام المحرر (هنري هاردي) بنسخٍ للمحاضرات التي كان ايزايا برلين قد ألقاها في متحف واشنطن للفنون، فالأخير كان بنيته كتابة كتاب آخر قد يكون مختلفاً ولكن لم يتمكن من ذلك. والكتاب بطبيعة الحال ليس خارج اهتمامات برلين المعرفية الأساسية، فالمفكر البريطاني ذي الأصول الروسية معروف كمنظر سياسي ومدافع عن الليبرالية والتعددية ومهاجم للأنظمة الاستبدادية وللتعصب الفكري، كما أن لديه كتاباً آخر عن الفكر السياسي الرومانتيكي، وكل هذا قاده لأن تكون موضوعة الرومانتيكية هي القلعة المناسبة لافناء العمر في دراستها، فقد كانت تمرداً على عصر التنوير بحسبه، تلك القيم الجامدة والدائرة حول القيم الأحادية للعقل والتقدم والصرامة العلمية والمنهجية الدقيقة، لكن ما يحتاجه العالم هو التعدد والاعتراف بالآخر المختلف مهما كانت طبيعته الفكرية وخلفيته الثقافية.


هرباً من التعريف

يقول (نيتشه) أنه “لا يمكن أن نضع تعريفًا إلا للأشياء التي ليس لها تاريخ” وبكل تأكيد فتاريخ الرومانتيكية طويل ومتجذر في تاريخ الحضارة الغربية، الحديث منه على الأخص، لهذا وفي الفصل الأول المعنون كسعي وراء التعريف يحذّرنا (برلين) أنه لن يدخل في شرك تعريف الرومانتيكية أو تقديم تعميمات لكي يصبح الموضوع مفهومًا لدى القارئ، فهو يتفق مع البروفسور (نورثروب فراي) أنه كلما قلنا أننا تمكنا من وضع تعريف جامع مانع يحدّ المصطلح إذا به ينفلت منا لجهة أخرى أو لزمان آخر قبلي عن حدود التعريف وزمانه، فقد انشغل من كتب عن الرومانتيكية بهرم مقلوب وأضاعو فيه إحساسهم بالاتجاه بحسب وصف برلين، فالموضوع “يشبه ذلك الكهف الذي وصفه فيرجيل حيث تقود جميع الخطا في الاتجاه نفسه. أو كهف بوليفموس من يدخله لا يبدو قادراً على الخروج مرة أخرى”. لذا وجب اتخاذ الحذر الشديد للدخول في أي محاولة للتعريف، ويظل البديل عند (برلين) هو تقديم تصور خاص به عن الرومانتيكية. والحذر والوجل الذي ينبغي اتخاذه هو نتيجة كون الرومانتيكية أحدث الحركات الكبرى التي أثرت وحولت الفكر الغربي، بل هي “التحول الأعظم والفريد الذي حدث في وعي الغرب”، وكل ما حدث في القرنين اللاحقين على القرن الثامن عشر هو بتأثيراتها وأقل أهمية من ظهور الحركة نفسه.


الرومانتيكية نموذج جديد؟

كل حضارة، بل كل فكر يخضع لنماذج مُهيمنة تسيطر عليه وتحدد معالم وجوده ومعالم اختلافه، هذه البراديغمات أو النماذج تُوجّه الكتابات وكل المنتجات الثقافية نحو نمط محدد تخضع له تلك الثقافة سواء كان ذلك المنتج فكرًا أو وعيًا أو أخلاقًا أو سياسة أو غيره، ولكي تدرس أي ثقافة ينبغي أن تتم الإحاطة بالنماذج الخاضعة لها، وهذه النماذج ليست تراكمية، فالتاريخ ليس خطًا متصلا مؤلفًا من نموذج واحد لا انقطاع فيه، وإن كان وجود نموذج عن رؤية كاملة وشاملة متسمة بالمعرفة المطلقة منضبطة بصرامة ساد الفكر الغربي من (أفلاطون) وحتى عصر النهضة إلا أنه لم يكتب له الاستمرار بعد ذلك، وبداية التغيير أو الثورة يكون بحصول تغيير في النظرة إلى العالم ويكون ذلك بتحرير الناس من وهم النموذج السابق وخطأه، لكن النموذج الجديد يبدأ في استعباد الناس أنفسهم بسبب فشله في شرح مجمل الخبرة البشرية، إنها “تبدأ بكونها محرّرة وتنتهي بنوع من الطغيان”. ولكن هل الرومانتيكية نموذج جديد؟.

لعل تلك الطفرات التي تحدث في تاريخ الفكر الانساني تكون علامات واضحة لبدايات نماذج، وازدهار موضوع معين في فترة زمنية محددة يكون آية جلية لميلاد نموذج ونهاية آخر، والعلامة الثانية هي انسحاب تأثيرات ذلك الموضوع على بقية مواضيع الفكر الانساني مثل ما حدث للـ(سوسيولوجيا) والـ(بيولوجيا) في القرن التاسع عشر ومثل طغيان نموذج الـ(سيكولوجيا) على المجالات الفكرية والثقافية الأخرى في القرن العشرين. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار التحولات الهائلة والجذرية التي عرفتها أوربا مع ظهور الحركة الرومانتيكية نموذجا تنطبق عليه القواعد فلم يعد أي شيء كما كان قبلها.

ولكي نحدد هذه التأثيرات بدقة فإن السؤال عن ماهي أو متى ظهرت الرومانتيكية لن يكون مناسباً، فماهية الرومانتيكية صعبة التحديد وفي النهاية فكل مفهوم معزول هو لا شيء وهو حكم قيمي أكثر مما هو تعريف بحسب هنري ديلاكروا، ويكفي الاطلاع على التعريفات التي نقلها برلين في الكتاب لتعطي هذا الاحساس المحير بالتناقض والتشتت في فهم هذه الظاهرة، ونفس الأمر يتعلق بخصائص الحركة، فقد جمع أكثر من أربع صفحات في محاولة تصنيف خصائصها والنتيجة ستكون أكثر غرابة، وكل حديث عن الزمن سيغطي الموضوع أكثر مما يطيق أي كتاب صغير، وقد تبنى مؤرخون فكرة أن الرومانتيكية ليست إلا حالة ذهنية يمكن أن نجدها بكل زمان وكل مكان، عند الروائي الاغريقي هيلودوروس أو هادريان أو حتى عند (أفلاطون) رغم أن (برلين) لا يوافقهم تماماً على ذلك، لذا بدلاً من ذلك قد يكون السؤال الأنسب: أين ظهرت الحركة الرومانتيكية؟

من الشائع لدى معظم المؤرخين وفي الكثير من الكتب المدرسية والجامعية أن الرومانتيكية ظهرت أول ما ظهرت بانجلترا ولكن (ايزايا برلين) لا يوافق أولئك المؤرخين، أو على الأقل لا يوافقهم أن صورتها الدراماتيكية الحادة ظهرت هناك بالبداية، إن الموقف والتحول الكبير الذي حدث وأثرّ في الوعي الغربي وما زال التأثير مستمراً هو ما حدث في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر، ولم يكن في انجلترا أو فرنسا، بل كان معظمه في ألمانيا. ففي الوقت الذي شهدت فيه كل من فرنسا وانجلترا ثورتين، إحداهما سياسية واجتماعية والأخرى صناعية كانت ألمانيا خاضعة لامبراطور واحد وطغمة من الأمراء وأقاليم متعددة، وكانت هناك أيضاً زلزلة حرب الثلاثين عاماً التي خلفت بحراً من الدماء لم تستفق منه ألمانيا لمدة طويلة، كان ذلك جارحاً للكرامة الألمانية ولروحها ومانعاً لقيام أي ثورة أو نهضة ثقافية في البلاد، واكتفت الثقافة الألمانية بالحذلقات السكولاستية اللوثرية وبالحياة الباطنية الغنوصية نوعاً ما للروح البشرية، ذاك الجرح الذي سبب عقدة نحو الآخر الفرنسي بالذات وفي نفس الوقت أدى لنوع من الشعور بنقصٍ في الوطنية، قاد إلى حركة تقوية نابعة أساساً من تعاليم لوثر وهي المنبت الخصب الذي برزت فيه الحركة الرومانتيكية لتمد جذورها بعد ذلك.

يبدو واضحاً إذن أنه لا توجد علاقة تربط ما سميّ بالثورة الفرنسية بالحركة الرومانتيكية، فالأولى تبنت مبادئ العقل الكوني والعدالة المطلقة والنظام وغيرها من المبادئ الكونية الكبرى التي تصلح لكل البشر في أي مكان وفي أي زمان، بينما ما حصل في ألمانيا كان كراهية كبيرة للعقل وللغرباء، للفرنسيين خاصةً، إنه نوع من العداء للثقافة ذاتها، وتمجيد للحياة الداخلية الغنية بالأدب المثير الشخصي والعاطفي لكن المليء بالعنف والكاره للعقلانية. كما أنه لا يمكن ربط الرومانتيكية بالثورة الصناعية بشكل مباشر وإن كانت هناك بعض التداعيات ولكن ليس بالشكل الحاد الذي ربطه الماركسيون بالاثنين معتبرين الأولى نتيجة أهوال الثانية.

 إن القيّم التي بشّر بها عصر التنوير والثورة الفرنسية بالدعوة إليها هي أوّل ما هاجمته الثورة الرومانتيكية، ورغم أن تلك القيم قد تكون ظهرت قبل عصر التنوير إلا أن الأخير قدّم نسخته الخاصة لتلك المبادئ ولعل أهمها المبدأ المتمثل في أن كل سؤال حقيقي يمكن الإجابة عليه، إن لم يكن قد أجيب عليه من قبل فاليوم أو في المستقبل، وإن لم نتمكن من الإجابة عليه فلا شك أن الخطأ هو من السؤال وليس من امكانية الإجابة، وكذا فإن كافة الأجوبة المقدمة للأسئلة هي قابلة لأن تعرف ويمكن تعلّم وتعليم طرق اكتشاف تلك الأجوبة، وينبغي أن تكون كل تلك الأجوبة متسقة مع بعضها البعض، فجواب سؤال لا ينبغي أن يكون متناقضاً مع إجابة سؤال آخر وإلا كانت الفوضى. وهذه المبادئ مشتركة ما بين السكولائيين والمسيحيين والتنويريين وكذلك المدرسة الوضعية في القرن العشرين، وهو أول مبدأ تم الهجوم عليه من طرف الرومانتيكيين. وقد كانت أولى الضربات الخفيفة للعقلانية التنويرية قادمة من الوسط التنويري نفسه، من مونتسكيو الذي اعتبر أن البشر ليسوا متشابهين بالضرورة وهم خاضعين لتأثيرات المناخ والتربة والمؤسسات السياسية، وكذلك (هيوم) الذي لم يؤمن بالضرورات الكبرى التي أسبغها العقلانيون على الكون ورآها غير حقيقية مفسراً السببية بنوع من التتابع الدوري، ولكن كلاً من (مونتسكيو) و(هيوم) لم يكونا واعيين بهجومهما بل آمنا تماماً بالعقلانية كخلاص للإنسانية. 

وماذا عن (روسو)؟، يطرح برلين هذا السؤال في كتابه أكثر من مرة معترفاً أن (روسو) قد يكون أحد آباء الرومانتيكية، لكن في المقابل نجد في آراء (روسو) ما يتوافق مع مبادئ الثورة الفرنسية، مع ما يتلاءم مع أفكار (روبسبير) واليعاقبة الفرنسيين، (روسو) صاحب الشذرات التي تدعو للقضاء على كامل البنية الفوقية ومساواتها بالأرض وحرق المجتمع الانساني برمته في سبيل قيام مجتمع آخر غير فاسد وغير منافق، ليس هو (روسو) صاحب (العقد الاجتماعي) القائل بعقل كوني يربط كل البشر بعقد واحد، من هنا يعتبر (برلين) أن الزخم الرومانتيكي الذي تم اعطاءه لـ(روسو) كان مبالغا فيه. لذا فالهجوم الحقيقي لم يكن من فرنسا أو انجلترا.

كان الهجوم الأكبر الذي تعرّض له عصر التنوير قادماً من ألمانيا، من أولئك التقويين اللوثريين المعطوبة روحهم المنعزلين لذواتهم، وكان الهجوم الأول العنيف قادماً من طرف (يوهان جورج هامان)، صديق (ايمانويل كانط)، الذي احتج على (فولتير) صاحب مقولة أن البشر يسعون إلى السعادة في حين أنهم برأي (هامان) يسعون فقط نحو الإبداع بأكثر ما يمكن من الحماس، حتى ولو كان ذلك الحماس سيقود إلى حروب ودمار فذاك جزء من طبيعة البشر وقدرهم، أما الانسان الذي أخرجه المختبر التنويري فهو نوع من الموت في الحياة. أما مواطنه (هيردر) فقد هاجم هو الآخر وثوقية الأجوبة المطلقة واتساقها مع بعضها البعض، فالحقيقة نسبية بالنسبة له وعلى كل مجمتع، على كل فرد أن يعبر عن الحقيقة كما تظهر له في لحظته المكانية والزمانية، لا كما تظهر لمجتمع آخر أو لفرد آخر مختلف عنه، وهذا هو ما يخلق كونا رائعا، لن نراه كذلك بصورته الكاملة، فالله هو وحده فقط من يستطيع رؤية الكون كاملاً.

هناك آباء آخرين للرومانتيكية، لم يعلنوا أنفسهم متبنين لها، بل ربما صرّحوا بكرههم الشديد لها مثل الفيلسوف الألماني (ايمانويل كانط)، أولئك يسميهم (برلين) بالآباء المحافظين، فـ(كانط) لم يخف كرهه للرومانتيكية أو نبذه لكتابات (هامان) و(هردر)، لكنه في المقابل انتصر لها عن طريق فلسفته الأخلاقية والتي دعت بكل صراحة إلى تمجيد الحرية البشرية، فالبشر بشر فقط لأنهم أحرار في اختياراتهم، فبينما كل الأشياء والحيوانات في الطبيعة تخضع لنظام السببية نجد أن البشر على عكس ذلك أحرار الإرادة، وكانت معركة (كانط) الكبرى هي الوقوف ضد فكرة الوصاية التي لا معنى للحرية معها، ففي مقاله الشهر: “ما التنوير” يصرّح أن التنوير هو القدرة على الخروج من القصور الفكري وقدرة الآخرين على التكلم أو التحكم بالنيابة عنك، يقول كانط: “إن الإنسان الذي يعتمد على شخص آخر لا يعود انساناً، فهو فاقد لاستقلاليته، وليس سوى ملكية لشخص آخر”، وحرية البشر تستدعي إنكار الحتمية واللجوء لفكرة الإرادة الإنسانية، فهنا الاستقلال التام، بينما الحتمية نوع من التبعية يقول بكون القوانين خارج الإنسان، لذا كان لا بد من القضاء على الفكرة القائلة بخيرية الطبيعة وعبادتها ومحاكاتها فنياً وهو أمرٌ ثوريٌ قام به (كانط)، فأن يكون الانسان جزءاً من الطبيعة فهذا يعني أنه مقيّد بها وهو أمر سيحطم أي معنى لوجود أخلاق قائمة على مبدأ الحرية.

رغم كل ذلك ظل (كانط) متشبثاً بعقلانيته وبايمانه بوجود أجوبة على الأسئلة الكبرى وبتوافق كل الأجوبة واتساقها مع بعضها، لكن تعاليمه الأخلاقية المبشرة بروح الرومانتيكية ستجد تلاميذ مخلصين يدفعون بها إلى أقصى امكانياتها مثل (فردريك شيلر) المؤمن هو الآخر بالحرية وبالإرادة وبامكانية تجاوز الانسان للطبيعة واخضاعها لإرادته وهي أفكار بثها في إنتاجه المسرحي والشعري، ثم يأتي (فيشته) وقد كان ميالاً للتشكيك نافيا امكانية وجود أجوبة محددة على الأسئلة الكبرى، فالمعرفة تقود إلى معرفة أوسع، وكل جواب يقود إلى سؤال آخر ليعطي بدوره جواباً جديداً، لذا المعرفة التأملية ليست هي الطريق القويم، فالحياة لا تقوم على تلك المعرفة، بل إن الحياة تقوم على الفعل، فالمعرفة مجرد وسيلة لبلوغ الأهداف، أي بعبارة أخرى المعرفة الحقيقية هي معرفة كيف تبقى حياً، وسيقول شليقل معه أن الحرية هي الفعل، أن تكون رومانتيكياً بحريتك، فلا أحد يولد رومانتيكياً. 


موعظة الرومانتيكيين

إن الفكرة القادمة من التنوير والقائلة بأن الحياة نمط مغلق وكامل وحقيقي الوجود وموضوعي، وما دام يمكن الاسترشاد إليه فإنه يمكن تعليمه للآخرين، إن هذه الفكرة هي ما هاجمته الرومانتيكية من جميع الجبهات، فبالنسبة لها الكون في حالة حركة دائمة دون توقف وهو في نفس الوقت لا محدود وعلاقتنا معه علاقة منطلقة من ذواتنا لا من خارجها، لذا فالتعبير عن تلك العلاقة هو تعبير عن اللامحدود بمحدود أي اللغة والأخيرة لا تكفي وتلك هي المعاناة، وهذا ما جعل الرومانتيكيين يلجأون إلى الرموز وإلى المجاز لمحاولة تخطي حاجز اللغة، وبالتالي كانت الرمزية أحد أهم النظريات المركزية في الفكر الرومانتيكي، الرمزية كانت نتيجة لتلك الرغبة في التعبير، لذلك الحنين إلى اللامحدود والغير قابل للاستنفاد، لذا كانت موعظة الرومانتكية الأساسية هي أن تبدع رؤيتك الخاصة بالكون، فالكون هو ما تختار أن تجعله أنت، وأي محاولة للسعي لجعل ترى الأشياء باعتبارها خاضعة لنوع من العقلنة، لخطة ما، ومحاولة وضع مجموعة من القوانين لتلك الرؤية هو نوع من خداع الذات بالنسبة لهم ويعد غباءً انتحارياً، فأولئك الوحيدين الذي كان بامكانهم فهم الواقع هم أولئك الذين فهموا عبثية أي نوع من تلك المحاولات، فبالنسبة لشليقل “فسحر الحياة يكمن في اللغز الذي لا يمكن كشفه”. فكل القواعد ينبغي نسفها فقط لأنها قواعد وأي محاولة ممكنة للقضاء على التقاليد ينبغي أن يقام بها. والسخرية أحد أهم وسائل النسف التي اخترعها الرومانتيكيون، فكل مبدأ يمكن اعتبار نقيضه هو الصحيح، بل أنه يمكن وجود ثلاث افتراضات أخرى مناقضة للأول لكنها كلها صحيحة، فبالنسبة لشليقل أن نسخر هو أن نمتنع عن الموت، أن لا نستقر ونتجمّد. لذا لم يكن مطلوباً من الرومانتيكي أن يحدد موقفه السياسي، فقد يكون رجعياً وقد يكون تقدّمياً، متفائلاً أو متشائماً، مؤمنا بالمؤامرة وبقوى خفية تتحكم من وراء الستار أو كافراً بها، المهم بالأساس هو وضع اليد على القوى اللاواعية المظلمة والتي غفلت عنها الكلاسيكية المتخفية تحت شعار أن الفضيلة مرادفة للمعرفة منذ سقراط وحتى التقاليد المسيحية والتنويرية.

ولكي نختم فينبغي أن نتساءل ما الذي أنتجته الرومانتيكية؟ ما الذي أورثته للعالم؟، قد تكون الحركة الوجودية هي الوريث الشرعي والحقيقي للرومانتيكية بحسب ايزايا برلين، فبفضل تحويلها الحاد لبعض القيّم استطاعت الوجودية أن تظهر بلباس رومانتيكي متمثل بموعظة أنه لا يوجد في العالم ما يمكن الاعتماد عليه. لكن الفاشية أيضاً كانت وريثة للرومانتيكية، لأن الأولى لا تخضع لنظام عقلاني بل لتبنيها لفكرة الإرادة غير المقيدة سواء للفرد أو للجماعة وهو ما يجعلها في اندفاع يصعب كبح جماحه أو تنظيمه وعقلنته وتوقعه.

وبغض النظر عن مسؤولية الرومانتيكية عن الفاشيات إلا أن المجمتعات الحديثة والمجتمع الغربي خاصة يدين لها بالكثير، على المستوى الفني يدين لها بحرية الفنان وعدم قابلية تفسيره تفسيراً تبسيطياً والاعتراف أن الجواب الوحيد على أي سؤال هو أمر منهك وهو المسؤول الأول عن ميلاد الطغاة والمستبدين الذين سيسعون إلى فرض إجابتهم الوحيدة، فالقيم بالنسبة للرومانتيكية متعددة ومختلفة وغير قابلة للحسم. هذا ما نتج عنه دعوة إلى الليبرالية والتسامح وتقدير كبير للحياة نفسها باختلافها وتناقضاتها، ولأنهم كانوا مؤمنين بعدم قابلية الأنشطة الانسانية للتنبؤ فقد انتهوا بدون أن يقصدوا إلى عكس ما دعوا إليه، أي إلى فهم ذاتي وعقلاني للحياة.


بقلم: مولاي ارشيد أحمدو

مبدأ الهوية عند ديڤيد هيوم، قراءة زكي نجيب محمود

يُعدّ الفيلسوف (ديڤيد هيوم) من أهم فلاسفة الإنجليز كما تُعد رسالته في الطبيعة البشرية، أهم إنتاجاته. ومن خلال عرض الدكتور (زكي نجيب محمود) لهذا الكتاب، نقتبس مقتطفات من هذه القراءة.

فيقول:

من أهم المشكلات التي تعرض لها (هيوم)، مشكلة “الهوية” التي بفضلها نقول عن شيء ما إنه هو هو، برغم تعاقب اللحظات وتعاقب الانطباعات الحسية التي نستقبلها منه، فإذا كان هذا المكتب الذي أمامي يرسل إلى حواسي لمعات من الضوء ولمسات من الصلابة تجتمع معا داخل الرأس لتتكون منها فكرة مركبة هي ما أسميه بكلمة “مكتب”، فلابد لنا من مبدأ يفسر لنا اعتقادنا بدوام وجود شيء معين في الخارج، هو الذي يبعث إلى الحواس بهذه الرسائل المتعاقبة؛ فعلى أي أساس أحكم بأن ذلك الشيء موجود في الخارج، مع أن كل ما لدي عنه هو انطباعات حسية، ثم على أي أساس أحكم بأن ذلك الشيء نفسه مستمر في وجوده حتى ولو خرجت من الغرفة ولم تعد حواسي تتأثر بانطباعاته عليها، وأخيرا على أي أساس أقول إنه هو المكتب نفسه كلما وقع بصري عليه؟ ألا يجوز أن يكون هناك مكتب آخر شبيه كل الشبه بالمكتب الأول، وضع مكانه أثناء غيابي من الغرفة.

ثم يكمل بعد ذلك قائلًا:

إن كل هذه الاعتقادات مني عن المكتب إنما ترتكز على مبدأ يجعل وجود المكتب مستقلا عن إدراكي له، ومن ثم فإنني أحكم بوجوده حتى ولولم أكن أراه ولا ألمسه، ثم أحكم بأنه مكتب واحد حتى ولو كنت أعاود رؤيته حينا بعد حين؛ وذلك المبدأ هو مبدأ تكوين العادات عند الإنسان، فلو كان ارتكازنا على الحواس وحدها لقالت الحواس إنني لا أملك إلا انطباعاتي ولا أدري إن كان هنالك شيء خارج تلك الانطباعات أو لم يكن، ولو كان مرجعنا هو العقل، لقال العقل إن المقدمات التي بين يدي -وهي سلسلة الانطباعات الحسية- لا تنتج بالاستنباط وحده نتيجة تقول إن مجموعة الانطباعات المتتابعة تكون في الحقيقة شيئا واحدا وتأتي كلها من مصدر واحد، واحتكامنا إلى العقل لا يضمن لنا أبدا أن يكون الذي نراه الآن ثم نغيب عنه ثم نعود إلى رؤيته لمرة أخرى في يوم آخر هو هو نفسه، الشيء ذاته لم يتغير. لكنها العادة التي تتكون من رؤيتنا لمجموعة جوانب متجاورة أو متتابعة، فعندئذ إذا ما رأينا جانبا واحدا فقط ورد إلينا بقية الجوانب بحكم العادة، بحيث تصبح وكأنها متماسكة في شيء واحد؛ هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن صورتها وهي متماسكة تكون شديدة الشبه بصورتها حين أدرك الشيء في لحظات متباعدة، حتى ليدفعني هذا الشبه الشديد بين ما رأيته بالأمس وما أراه اليوم إلا القول بأنه هو هو الشيء نفسه في الحالتين؛ ولولا “المادة” التي تشد الشبيه إلى شبيهه لرأيت كل حالة وكأنها مبتورة الصِّلة بأشباهها ولما أتيح لي أن أقول عن الشيء الواحد إنه واحد، ولا أقول عنه إنه مستمر في وجوده شيئا واحدا.

وفي موضع آخر يقول (زكي نجيب محمود):

فلا أساس لمعرفتنا كلها إلا الانطباعات الحسية، تلتئم وترتبط داخل رءوسنا وفق مبادئ ترابط المعاني وتداعيها، فتكوّن الأفكار المركبة التي في رءوسنا، وتعوّدنا رؤية مجموعة معينة منها متلازمة دائما، هو الذي يميل بِنَا إلى القول بأن لهذه المجموعة مصدرا واحدا مستمرا ذَا هوية معلومة.
ونمضي في الحديث فنقول إن عملية التفكير بعدئذ إما أن يكون قوامها ربط فكرة بفكرة تقتضيها، وإما أن يكون قوامها ربط فكرة بأصلها الخارجي، أو بعبارة أخرى عملية التفكير إما أن تكون رياضية استنباطية تستولد فيها فكرة من فكرة، وإما أن تكون متعلقة بأمور للواقع كما هي الحال في العلوم الطبيعية؛ فأما الصنف الأول فنظري صرف ويقيني النتائج ما دامت مستنبطة استنباطا صحيحا من مقدماتها، كأن تقول مثلا إن أربعة مضروبة في خمسة تنتج عشرين، وإن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين، ففي حالات كهذه لا نريد إلا أن تكون النتيجة متسقة مع مقدماتها، وما دامت المقدمات صحيحة فلابد أن تكون النتائج صحيحة.
وأما الصنف الثاني الذي نطابق فيه أفكارنا من جهة والواقع من جهة أخرى فلا يقين فيه، لأن أي شيء أقوله عن أمور الواقع يجوز أن يكون نقيضه هو الصحيح؛ فإذا قلت عن ورقة إنها بيضاء، فما الذي كان يمنع عند العقل أن تكون لونا آخر لولا التجربة التي دلتني على لون معين دون سواه.

الأخلاق والفلسفة الاجتماعية في فكر هيوم

هيوم

ديفيد هيوم (1711 – 1776)، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي وشخصية مهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) قام الفيلسوف (ويليم كيلي رايت) بتلخيص محاور الفكر عند (هيوم)، ومنها أفكاره الأخلاقية والاجتماعية. فيقول في شارحًا هذا الفرع من أفكار (هيوم):

لم يعتقد (هيوم) أن هناك أي مبادئ أبدية وثابتة بصورة مطلقة للأخلاق يمكن معرفتها عن طريق الحدس والبرهان. فالأخلاق تختلف عن الرياضيات من هذه الزاوية. ومع ذلك فإن (هيوم) يعتقد في علم تجريبي للأخلاق. وترتبط معالجة (هيوم) للأخلاق، كما قد نتوقع، ارتباطًا وثيقًا بالسيكلوجيا الموجودة عنده.

لإيضاح الارتباط السايكولوجي بالأخلاق عند (هيوم)، يقول:

يوجد من بين انطباعات الفكر عندنا انطباعات عن اللذة والألم، يصاحبان بصورة مباشرة كل إدراكاتنا الأخرى. وتأتي العواطف والانفعالات في الأهمية بعد اللذات والآلام، وتلي ظهور الأفكار. (لا تختلف الانفعلات عن العواطف عند (هيوم) إلا في كونها أكثر شدة، وهو يستخدم مصطلح “الانفعالات” ليعني ما يتحدث عنه علماء النفس اليوم باسم “العواطف”).

فهو يقسم العواطف إلى قسمين ؛ العواطف المباشرة وغير المباشرة.

وتنشأ العواطف المباشرة بصورة مباشرة من انطباعات اللذة والألم، مثل: الرغبة، النفور، الحزن، السرور، الأمل، الخوف واليأس. أما العواطف غير المباشرة فهي أكثر تعقيدًا، وتتضمن ارتباط كيفيات “صفات” أخرى متنوعة، مثل الاعتداد بالذات، والضعة، والطموح، والزهو، والحب، والكراهية، والحقد، والشفقة، ،الضغينة، والكرم. وتحليل (هيوم) للعواطف كثيرًا ما يكون دقيقًا، فقد قدّم إسهامات دائمة لما نسميه اليوم بـ(سيكولوجيا السلوك) أو (سيكولوجيا العواطف).

يستكمل بعد ذلك كلامه قائلًا:

والإرادة البشرية هي باستمرار محصّلة الانفعالات والعواطف. ولا يمكن لشيء أن يعارض أو يعوق دافع الانفعال أو العاطفة سوى دافع مضاد. “والذهن لا يكون، ولا ينبغي له أن يكون سوى عبد للعواطف، ولا يمكن أن يزعم على الإطلاق أي عمل سوى أن يخدمها ويطيعها”. وهناك معنيان فقط يمكن أن يكون بهما الفعل غير معقول: أولهما أنه قد يُؤسس على وجود افتراض لموضوعات غير موجودة فعلًا، وثانيهما أنه قد يستخدم وسيلة غير فعالة من أجل غاية مدبرة ومخططة، بسبب الحكم الخاطئ على الأسباب والنتائج.

قد يمكن تصنيف (هيوم) بأنه فيلسوف لذِّي أحيانًا، أي يميل إلى تفسير الدوافع البشرية من ناحية اللذة المضافة، وقد يشرح الخير والشر أحيانًا كمرادفتين للذة والألم، إلا أنه لم يصل إلى اللذّية التي كان عليها (هوبز) كما ذُكر في تدوينة سابقة.

إن ما يجلب اللذة على المدى البعيد، سواء للفرد أو للآخرين، له منفعة، عند (هيوم). والمنفعة تسبب لنا لذة بطريقة معينة وخاصة، باستقلال عن – وبالإضافة إلى – أي تجربة مباشرة عن نتائجها السارة. ويفسر (هيوم) أحيانًا الاستحسان المحايد لأفعال مفيدة عن طريق وجود حاسة خلقية، يطورها تداعي الأفكار، تلجأ إليها المنفعة. فالفضائل خيرة بسبب منفعتها ؛ فإذا لم تحقق الفضائل الرخاء العام، فإنها لا تكون خيرة. وبعض الفضائل، مثل محبة الآباء، والإريحية هي فضائل طبيعية، طالما أنها تتطور تلقائيًا، وتلجأ مباشرة إلى الحاسة الخلقية، بينما العدالة هي – من ناحية أخرى – نتاج اصطناعي للوسائل البشرية الواعية، على الرغم من أنها غير مرغوبة على نحو أقل نتيجة لهذا السبب.

أما عن نظريات العقد الاجتماعي (يمكنك القراءة عن العقد الاجتماعي في مقالتنا السابقة)، فـ(هيوم) غير مؤمن تمامًا بها، يقول (ويليم كيلي رايت):

والدولة السياسية – كما يراها (هيوم) – هي نتيجة لتطور تدريجي يمكن مقارنته بنمو اللغة ؛ فليست أي منهما نتاج اتفاق اجتماعي متعمد. ومع ذلك فإن القصة المختلقة عن العقد الاجتماعي أفادت في توجيه الانتباه إلى واقعة مؤداها أن الدولة، ومعها فضيلة العدالة، وتأسيس الملكية الخاصة، والاعتراف بالإلزام الأخلاقي لحفظ العهود والعقود، قد تطورت جميعها من غرائز وحاجات بشرية، وأن التأمل الفطن ساعد في نموها.

ولدى (هيوم) معنى للتطور التاريخي للمؤسسات الاجتماعية يندر أن يوجد عند مفكري التنوير الآخرين. فلقد أدت الوقائع التي تقول أن الموجودات البشرية بطبيعتها أنانية إلى حد كبير، ومع ذلك فهي قادرة على كرم محدود، وأن الطبيعة تقدم زادا طفيفًا للاحتياجات البشرية – نقول أدت تلك الوقائع بالناس بصورة تدريجية إلى أن يعترفوا بأن تأسيس الملكية الخاصة أمر مرغوب فيه، ومعه فضيلتا العدل والأمانة اللتان تدعمانه. ومن هنا كان الالتزام الطبيعي أو الذي يحث على العدالة هو مصلحة مشتركة للمحافظة على الملكية والقواعد العامة للسلوك، أما الإلزام الأخلاقي فهو مستمد من التعاطف ؛ وهما معًا تدعمهما التربية الخاصة والعامة.