أرشيف الوسم: وجدان الوعل

فريق المراجعة والتحرير

الألم .. في فن اللامبالاة عند مارك مانسون

مارك مانسون هو مؤلف ومدوِّن أمريكي مواليد 1984. له ثلاثة كتب Models: Attract Women through Honest و فن اللامبالاة وأيضاً خراب: كتاب عن الأمل.

بدأ مارك مانسون أول مدونة له في عام 2009 كقناة تسويقية لأعماله في مجال استشارات المواعدة (dating advice business)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل المستقل.

مما يميز كتابي مارك مانسون الأخيرين -والذَين حققا مبيعات كبرى-، هو كتابة مارك مانسون الصريحة والواقعية، فبالرغم من تكرار مواضيع تطوير الذات والسعادة التي يكتب عنها مانسون والتي كُتب عنها من قبل، إلا أن مانسون يذكرنا بها بطريقة فريدة ويعيد تركيب المشهد لترى الصورة بشكل أوضح.

ظل يُقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية. لكن (مارك مانسون) يشتم تلك “الإيجابية” ويقول: “فلنكن صادقين، السيء سيء وعلينا أن نتعايش مع هذا”.

لا يتهرّب (مانسون) من الحقائق ولا يغفلها بالسكّر، بل يقولها لنا كما هي: “جرعة من الحقيقة الفجِّة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم”.

في كتاب (فن اللامبالاة) المترجم إلى العربية بإخراج ّالحارث النبهانّ. وتحديدًا في الفصل الثاني بعنوان: السعادة مشكلة. يروي (مانسون) قصة قصيرة تخصه، فيبدأها متسائلًا: السؤال الذي يلفت النظر أكثر ويجعلك تفكر، السؤال الذي لا ينتبه إليه أكثر الناس، هو: “ما الألم الذي تريده في حياتك؟ وما الذي تظن أنك مستعد للكفاح من أجله؟”إن ما يقرر نجاحك ليس “ما تريد أن تستمتع به؟” بل إن السؤال الصحيح هو: “ما الألم الذي أنت راغب في تحمله أو قادر على تحمّله؟”

إن الطريق إلى السعادة دربٌ مفروشة بالأشواك والخيبات.عليك أن تختار شيئًا! لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها. لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت: السعادة هي السؤال السهل! وتكاد الإجابة على هذا السؤال تكون متماثلة عندنا جميعًا.السؤال الأكثر إثارة للإهتمام هو سؤال الألم.

ما الألم الذي أنت راغب في عيشه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي له أهمية، السؤال الذي سيوصلك إلى مكانٍ ما في حقيقة الأمر. إنه السؤال الذي يمكنه تغيير نظرتك، وتغيير حياتك.إنه السؤال الذي يجعلني ما أنا عليه ويجعلك ما أنت عليه. إنه يحددنا ويحدد الفروق بيننا وما يجمعنا معًا في آخر المطاف.

خلال معظم فترة مراهقتي وشبابي، كنت أحلم بأن أكون موسيقيًا .. نجمًا من نجوم الروك تحديدًا. وكلما سمعت أغنية جيدة على الغيتار، كنت أغمض عيني وأتخيل نفسي واقفًا على المسرح أعزف الغيتار أمام جمهور يزعق جنونًا، أمام أناس فقدوا عقولهم تمامًا وهم يستمعون إلى الروعة التي تخلقها أصابعي من تلك الأوتار. كان من الممكن أن يجعلني هذا الحلم أتمرَّن على عزف الغيتار ساعات لا نهاية لها. وفي نظري، لم يكن مطروحًا أبدًا السؤال عما إذا كنت سأقف على المسرح يومًا ما وأعزف أمام ذلك الجمهور المذهول، بل متى يحدث ذلك.

ويكمل (مانسون):  

على الرغم من أحلامي كلها التي استمرت نصف فترة حياتي تقريبًا لم تثمر تلك الأحلام شيئًا في الواقع. ثم كان لا بد لي من وقت طويل وصراع كثير حتى أتوصل إلى السبب: أنا لا أريد هذا في حقيقة الأمر!

كنت أعيش “حالة حب” مع النتيجة التي أتخيلها؛ صورتي على خشبة المسرح، والناس يهللون لي، وأنا أعزف وأسكب قلبي في ما أعزفه. لكني لم أكن أعيش حالة الحب نفسها مع العملية التي يمكن أن توصلني إلى تلك النتيجة. وقد فشلت لهذا السبب.

فشلت مرة بعد مرة. بل إنني لم أكد أبذل في تلك المحاولات جهدًا كافيًا لأن أعتبر ما حدث لي فشلًا. حقيقة الأمر هي أنني لم أحاول محاولة جدّية أصلًا !سوف تخبرني الأدبيات الثقافية الشائعة بأنني خذلت نفسي على نحو ما، وبأنني شخص منسحب أو فاشل، وبأنني “لا أملك ما يلزم” للأمر، وبأنني تخليت عن حلمي.. ربما لأنني تركت نفسي أرضخ أمام ضغط المجتمع.

لكن الحقيقة مدهشة مثيرة للاهتمام أكثر من هذه التفسيرات كلها.الحقيقة هي: ظننت أنني أريد شيئًا، لكن اتضح لي أنني لا أريده. انتهت الحكاية. لقد أردت النتيجة ولم أرد الصراع من أجلها. أردت النتيجة ولم أرد العملية المفضية إليها.

لم أكن واقعًا في حب الكفاح من أجل تلك الغاية، بل كنت أحب النصر فقط. لا تسير الحياة على هذه الشاكلة.

تتحدد الإجابة على السؤال “من أنت؟” بما أنت مستعد للصراع من أجله. فالناس الذي يستمتعون بالصراع في ميادين التمرينات الرياضية هم الأشخاص القادرون على المشاركة في المسابقات الثلاثية، الجري والسباحة وركوب الدراجات، والذي يمتلكون أجسامًا منحوتة نحتًا، يستطيعون رفع أثقال ضخمة. كما أن الناس يستمتعون بساعات العمل الطويلة وبسياسات السلم الوظيفي في المؤسسات، هم الأشخاص الذين يطيرون إلى أعلى ذلك السلم طيرانًا. والناس الذين يستمتعون بتوترات الحياة الفنية وحالات الجوع وعدم اليقين فيها هن من يعيشونها حقًا ويتوصلون إلى النجاح فيها آخر الأمر.

لا علاقة لهذا الكلام بقوة الإرادة ولا بالمثابرة والجَلَد. وما أقوله هنا ليس نصيحة جديدة من نوع “لا فوز من غير مشقة”. هذه أبسط مكوّنات الحياة وأكثرها أساسية: صراعاتنا تحدد نجاحاتنا. ومشاكلنا تلد سعادتنا، وإلى جانبها تلد أيضًا مشكلات أفضل قليلًا.إنه مسار حلزوني صاعد لا ينتهي. وإذا ظننت في أي نقطة من ذلك المسار أن في وسعك أن تتوقف عن تسلقه، فأخشى أنك لم تفهم شيئًا.

أقول هذا لأن المتعة الحقيقية كامنة في التسلق نفسه.  

ختامًا؛ يرى (مانسون) أن الألم بإختصار هو سر الوجود.
فإن كنت تتألم لآجل شيءِ ما .. إذاّ أنت موجود!

عن حبسة الكاتب، من رسائل درويش وسميح

محمود درويش 1941 – 2008. أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم الرسائل، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من درويش وصديقه سميح القاسم 1939-2014. أحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي.

في رسالة أرسلها درويش إلى سميح في الخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية باريس، شكى درويش من حبسة الكاتب، كما كتب عن بعض من عاداته في الكتابة، فقال في رسالته:

عزيزي سميح،

[…] لقد انقطعت شهيتي عن الكتابة فجأة، لا لأن جدران المراحيض العامة هي صحافة المستقبل الحرة، بل لأنني لم أحترف الكتابة بعد كما لم آلف الزواج، فهل ينبغي عليّ أن أخاف هذا الصيف الذي يدفع النفس إلى الخمول، ويطلق أفاعي الذكرى من أوكارها؟ أم ينبغي عليّ أن أغتصب الكتابة؟

منذ شهور، وأنا أروض عاداتي. أصحو لأكتب. أصحو من أجل أن أكتب، وأنقح حياتي من عبث كان ضروريًا حين كان يبدو لي أن في العمر متسعًا لنضج فواكه اللغة. ولكن، أليست الكتابة عبثًا أقسى في هذا الصراع الضاري مع بياض لا ينتهي؟ فكلما كتبنا أحسسنا بأننا لم نكتب بعد. وكلما قرأنا شعرنا بأننا لم نبدأ القراءة.

ومن مشاكلي أنني لا أكتب في الليل. لا أحب الليل ولا أطمئن إلى الليل. والصباح هنا قصير. والفجر رصاصيّ موشح بحمام أسود. الحمام هنا أسود. ومن مشاكلي المهنية أيضًا أنني لا أعرف الإجازة، لا أعرف ماذا أصنع بالإجازة التي يقدسها الناس هنا. لذلك، اختلف مع الصيف ولا أتفق مع الليل. تعال .. تعال إذا استطعت لنواصل هجاء الزمان والمكان ولنلعب الطاولة، ولنطهو مذاق الطعام القديم.

هل يصيبك هذا العقم المفاجئ؟ هل يجتاحك الإحساس بالهزيمة النهائية إذا توقفت أسبوعًا واحدًا عن الكتابة إلى درجة تنسى معها أنك قد أنتجت كثيرًا هذا العام؟ قد علمتني تجربتي المتكررة، في هذا الإحباط، أن أبتعد عن المحاولة، فالكتابة حرون لا تنفع معها وسائل الإغراء إن عصت. سترضخ، سترضخ. تبًا لهذا الصيف. تبًا للجرائد.

قلت لي إنك تخاف كتابة النثر. لماذا تخاف؟ يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، إذا أبقى له التلفزيون له باقية! وماذا لو سرق النثر شيئًا من الشعر. أليس النصّ نصّك؟ لا أظن النثر هو استراحة الشاعر، أو فضيحته كما يقولون. فقد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصدة المشروطة بشكل قد يكبح جماح الجنون، هناك دائمًا فائض شعري ينبجس من مكان آخر. المهم هو ألا نؤجل هذا الانبجاس، فليس من الصواب أن ندخر الشعر إلى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي.

إياك، يا عزيزي، إياك أن تغربل النثر لتفصل ما يصلح منه للقصيدة القادمة، فالشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه، وأنت أدرى من سواك بأن الشاعرية شهوة تصعب إعادة إنتاجها في شروط توتر محسوب. الرغبة تصبح وتنفجر ولا تُنقل إلى موعد آخر.

ضع نفسك في الريح والجنون، فليس في وسع الشاعر إلا أن يكون شاعرًا.

[…]

أخوك محمود درويش

(باريس – 5 / 8 / 1986)

وجاء الرد من (سميح) بعد أسبوع، والذي يقول فيه:
سميح القاسم

العزيز محمود،

[…] لا يقلقني تحفظي من النثر، فهو كما يبدو تحفظ ذهني يشكل تساؤلًا أكثر مما يشكل موقفًا. وهو قائم على القناعة بأن عملية الكتابة، أية كتابة؛ القصيدة، الرسالة، الخبر الصحفي، المقالة، الإهداء الخاص على كتاب تهديه إنسانًا عزيزًا عليك، كلها تستهلك طاقة ما من المخزون المتراكم في حالة الكتابة وأعني بحالة الكتابة، تلك الحالة التي يتغير فيها وضعك النفسي والجسدي معًا، تنتابك غيبوبة ما، ترتفع حرارتك قليلًا، ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع، ولا ينقذك من اختلال التوازن الطارئ سوى ذلك الاندغام الكامل بين روحك وجسدك وقلمك والورقة الساحرة المستلقية بين يديك مثل امرأة وآلهة تصيح: “خذني”.

بلى، يصيبني “العقم المفاجئ” أحيانًا. ذات مرة استمر شهورًا بكاملها. استحوذ عليّ رعب لا يُوصف. لعله الرعب الذي يكتسح إنسانًا كاشفه الطبيب بأن داء السرطان لن يمهله طويلًا. لم أجد السلوى إلا في حكمة تلك النبعة الجبلية في كرم الزيتون الذي أشارت إليه إحدى رسائلك السابقة. أنها تحتبس عامًا وأكثر لتعود وتتدفق من جديد في موعد غير متوقع ولا يقدر إنسيّ على حسبانه.

[…]

أخوك سميح القاسم

(الرامة – 12 / 8 / 1986)

في ضرورة القراءة ومنافعها كما يتحدث رديارد كيبلنغ، مؤلف كتاب الأدغال

رديارد كيبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. كما ألف العديد من القصص القصيرة، منها الرجل الذي اصبح ملكاً 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.

من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرفقةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .

وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.

وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.

إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .

بقلم: أسماء النهدي
ترجمة: راضي النماصي
تحرير: وجدان الوعل

ألبرتو مانغويل : ملاحظات نحو تعريف المكتبة المثالية

مانغويل

ألبرتو مانغويل، من مواليد عام 1948. الكاتب والروائي والمترجم والمحرر الارجنتيني الأصل، الكندي الجنسية المعروف الذي عُنيَ بالإطلاع الواسع على أهم الأعمال الأدبية العالمية وجمعِها. تناول موضوع القراءة الحيّز الأكبر من أطروحاته ومؤلفاته الأدبية كـ : تاريخ القراءة، المكتبة في الليل، ويوميات القراءة. في كتابه الآخر (فن القراءة) يقوم مانغويل بسرد ملاحظات هامة حول تعريف ما أسماه “المكتبة المثالية” محاولاً الإلمام بكل تفاصيل المكتبية المثالية من منظور فني وأدبي واسع

يصف مانغويل تصميم المكتبة المثالية فيقول:

المكتبة المثالية مصممة من أجل قارئ واحد معين، يجب أن يحس كل قارئ، أو قارئة، بأنه القارئ المختار.

كُتبَ فوق باب المكتبة المثالية مرادفٌ لشعار رابليه: “إقرأ ما شئت”.

المكتبة المثالية افتراضية ومادية في آن واحد. إنها توفر النصوص بكافة الأشكال والتجليات والتقنيات المتاحة.

المكتبة المثالية مكتبةٌ يسهل الوصول إليها، لا ينبغي أن تحول بين القارئ والكتب أدراجٌ عالية، أو أرضيات زلقة أو أبوابٌ متعددة مشوّشة أو حراسٌ مخيفون.

للمكتبة المثالية مقاعد وثيرة مدعمة بمسندين الذراعين وظهر مقوّس، كتلك المقاعد في قاعة لابروست المأسوف عليها في المكتبة الوطنية الفرنسية.

للمكتبة المثالية مناضد فسيحة، حبَّذا سطوحها من جلد أملس، ومآخذ كهربائية للأجهزة الإلكترونية “شريطة تشغيلها بمطلق الصمت” ومصابيح فردية خافتة الإنارة تذكرك بمصابيح القراءة الزجاجية الخضراء في الثانوية الوطنية في” بوينس آيرس”.
سنة ١٢٥٠، قارن (ريشار دو فورنيفال) المكتبة المثالية بحديقةٍ مسوّرة.

وفي وصف الكتب التي على المكتبة المثالية أن تحتويها يقول:

المكتبة المثالية تحتوي الكتب بشكل رئيسي، لكنها لا تقتصر عليها، إنها تجمع أيضاً الخرائط والرسوم والحواسيب والموسيقى والتسجيلات الصوتية والأفلام والصور الفوتوغرافية. المكتبة المثالية مكان للقراءة، بكل ما يشير إليه هذا التعبير في أوسع معانيه.
رفوف المكتبة المثالية مفتوحة أمام كل قارئ.
يجب منح فرصة الحرية إلى القارئ لملاقاة ما لا يتوقع.
لا رفَّ في المكتبة المثالية أعلى أو أخفض مما تطاله يد القارئ. لا تحتاج المكتبة المثالية إلى حركات بهلوانية.
ليس الجو في المكتبة المثالية مسرفاً في التدفئة أو مسرفاً في التبريد.
المكتبة المثالية تنظم محتوياتها دون إصابات في التصنيف على كتبها.
ليس هناك أيُّ قسم ذو ترتيب نهائي في المكتبة المثالية.
خريطة المكتبة المثالية هي فهرسها.
في المكتبة المثالية وفرةٌ من الطعام والشراب وآلات التصوير الضوئي،
والحصول عليها يسير.
المكتبة المثالية منعزلة ومشاعٌ للجميع في آنٍ معاً، حميمة ومفتوحة للتواصل الاجتماعي، مصممة للتأمل والحوار، للتبحر والتساؤل، تضنُّ وتجود، ملأى باليأس من كثرة ما ينبغي قراءته وبالرجاء المتطلع إلى ما لم يُقرأ بعد.

المكتبة المثالية تحمل وعد كل كتابٍ ممكن.
لكل كتابٍ في المكتبة المثالية صداه في كتابٍ آخر.
المكتبة المثالية مقتطفات مختارة سرمدية ودائمة التجدد.
ليس للمكتبة المثالية ساعة محددة تغلق فيها أبوابها.
المكتبة المثالية تسمح بالخربشة على كتبها.

المكتبة المثالية عامة وسرية في آنٍ معاً. إنها تحتوي كل الكلاسيكيات المجمع عليها وكل الكلاسيكيات التي لا تعرفها إلا قلّة قليلة من القرّاء.
في المكتبة المثالية تتجاوز الكوميديا الإلهية لـ دانتي مع الكلمات الاخيرة للموتى لـ فيل كوزينو، ومقالات مونتنيي مع مونتنيي، أو الحياة المكتوبة لـ إدواردو لورنتسو، مدام بوفاري لـ فلوبير مع قصص عروس الأوديسة لـ إدغاردو كوزارينسكي، الأخوة كارامازوف لـ دوستويفسكي، مع دوستويفسكي يقرأ هيغل في سيبيريا ويجهش بالبكاء لـ لازلو فولدينيي.

مهمة القارئ، في المكتبة المثالية، هي قلب النظام الراسخ.

هل المكتبة المثالية موجودة على أرض الواقع؟ مانغويل يجيب:

يتباين عدد الكتب في المكتبة المثالية، يُقال إن مكتبة الإسكندرية احتوت سبعمائة ألف لفافة مخطوطة؛ لم يتجاوز عدد الكتب على رفوف (خورخي لويس بورخيس) خمسمائة مجلّد؛ كان للأطفال في معسكر الإعتقال النازي بيركناو مكتبةٌ سرية تتألف من ثمانية كتب ثمينة كان إخفاؤها واجباً في مكان مختلف كل ليلة.
تقع المكتبة المثالية في العقل، حتى عند تشييدها من الجدران والرفوف والكتب. المكتبة المثالية هي المكتبة المستعادة عبر الذاكرة.

توحي المكتبة المثالية بنص واحد مستمر ليس له بدايةٌ واضحة المعالم ولا نهايةٌ يمكن التكّهن بها.

ليس هناك في المكتبة المثالية كتبٌ ممنوعة لا كتبٌ يوصى بها.

المكتبة المثالية أليفةٌ لدى كل من سان جيروم ونعوم تشوميسكي،

في المكتبة المثالية ما مِن قارئ يراوده الشعور بأنه شخصٌ غير مرغوب فيه.

كل صفحة في المكتبة المثالية هي الأولى. لا صفحة أخيرة بين صفحاتها.
كمثل فكرة بول فاليري عن (عقلٍ يتألف من صناديق)، ثمة أقسام في المكتبة المثالية تتوالى لافتاتها على هذا النحو : للدراسة في فرصة مؤاتية أنسب. ما لا يخطر على بال. لا جدوى من التعمّق أكثر. محتوياتٌ لم يتفحصها أحد، أشغالٌ بلا طائل. كنز معروف يتعذّر تفحُّصه إلا في حياة ثانية.عاجل.خطير.رهيف. مستحيل .مهمل.محجوز، دعه للآخرين! نقطة قوّتي. صعب. إلخ.

المكتبة المثالية تُبطل مفعول لعنة بابل.

وأخيراً، يشبّه مانغويل المكتبة بالبناء العتيق فيقول

ترمز المكتبة المثالية إلى كلِّ ما يمثّل المجتمع. يعتمد المجتمع على مكتباته ليعرف مَن هو لأن المكتبات هي ذاكرة المجتمع.

تستطيع المكتبة المثالية أن تكبر إلى ما لا نهاية من دون حاجة إلى مكان مادي إضافي. وتستطيع أن تقدم معرفةً بكل شيء من دون حاجة إلى المزيد من الوقت المادي. المكتبة المثالية موجودةٌ كمستحيلٍ جميل، خارج الزمان وخارج المكان.

كانت مستودعات القدماء لحفظ عظام الموتى منقوشة بالكلمات التالية : “ما أنتم عليه، كنّاه فيما مضى؛ ما نحن عليه، أنتم إليه صائرون”. قد تُقال الكلمات نفسها في كتب المكتبة المثالية وقرائها.
المكتبة المثالية ليست مستودعاً لحفظ عظام الموتى.
بعضٌ من أقدم المكتبات صانها الكهنةُ المصريون القدماء الذين أمدّوا الأرواح الراحلة بالكتب لترشدهم عبر مملكة الموتى. تحافظ المكتبة المثالية على وظيفة إرشاد الروح هذه.
المكتبة المثالية تجدد مجموعتها وتحافظ عليها في آن واحد. المكتبة المثالية مطواعة.
ثمة كتب معينة كُلَّ منها، بحد ذاته، مكتبةٌ مثالية. أمثلة : موبي ديك لـ ملفيل، والكوميديا الإلهية لـ دانتي، وأيضاً مذكرات ما وراء القبر لـ شاتوبريان.

ما من حاجة إلى بوصلة في المكتبة المثالية، فـ مظهرها المادي وبنيتها الذهنية متطابقان.

المهندس المعماري للمكتبة المثالية هو ، أولا وأخيراً، قارئ مثالي.
المهمة المستحيلة لكل طاغية هي تدميرُ المكتبة المثالية.
المهمة المستحيلة لكل قارئ هي إعادةُ بناء المكتبة المثالية.
تحتوي المكتبة المثالية -كأي مكتبة أخرى- سطراً واحداً على الأقل كُتبْ خصيصاً من أجلك.

إدوارد الخراط يتساءل: لماذا نكتب؟

إدوارد الخراط

إدوار الخراط  1926-2015. كاتب مصري، ولد بالإسكندرية لعائلة قبطية أصلها من الصعيد، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1946م، عمل في مخازن البحرية البريطانية في الكبارى بالإسكندرية، ثم موظفا في البنك الأهلي بالإسكندرية، عمل بعدها موظفا بشركة التأمين الأهلية المصرية عام 1955م، فاز بجائزة الدولة التشجيعية لمجموعة قصصه “ساعات الكبرياء” في 1972م. يمثل إدوار الخراط تيارًا يرفض الواقعية الاجتماعية كما جسّدها نجيب محفوظ في الخمسينات مثلاً ولا يرى من حقيقة إلا حقيقة الذات ويرجّح الرؤية الداخلية، وهو أول من نظّر للـ”حساسية الجديدة” في مصر بعد 1967م. شكلّت أولى رواياته (حيطان عالية) والتي كتبها وهو لم يتجاوز ال19 نقلة في الرواية العربية القصيرة حيث انتقلت من وصف العالم الواقعي إلى وصف خفايا الأرواح المعرضة للخيبة واليأس.

لماذا نكتب ..؟ نكتبُ لأننا أحياء!! أم أحياءٌ نحنُ لأننا نكتب !!

إنه ذلك التساؤل المنطقي الذي يلح علينا لمعرفة السر وراء تلك الرغبة الجامحة والغير منطقية التي تجعلك تمسك قلمك ومحبرتك وتفرغ على السطور عصارة ذهنك. تلك الرغبة في أن تدعو قارئًا إلى التجول في دهاليز عقلك فيأنس بك وتأنس به. ربما لم نعرف بعد لماذا نكتب، ولكن إدوار الخراط في كتابه (أُنشودة للكثافة) يسرد لنا بعض الأسباب التي تدفعه للكتابة، وربما تجد نفسك تتفق معه في واحدة أو أخرى من هذه الأسباب:

لماذا أكتب إذا ؟ أكتب لأنني لا أعرف لماذا أكتب! أمدفوعًا إلى الكتابة بقوة قاهرة؟

أعرف انني لا أملك إلا الكتابة سلاحاً للتغيير .. تغيير الذات وتغيير الآخر إلى أفضل ربما .. أو أجمل .. أو أدفأ في برد الوحشة والوحدة .. أو أروح في حر العنف والتعصب والإختناق .. لأنني أتمنى أن أقتحم ولو مقدارَ خطوة في ساحة الحقيقة التي لاحدود لها .. لأنني أتمنى أن ترتفع معرفتي ومعرفتكم بالذات والعالم ولو كان ذلك مقدار قامة .. لأنني لا أُطيق أن أتحمل في صمت جمال العالم وأهواله .. فلابد أن أقول .. لأنني أريد أيضا أن تظل العدالة حلماً حياً لايموت .. وصرخةٍ لا تطفئها قبضة القهر .. لأنني أتمنى أن يكون في كلمة من تلك التي أكتب أو في مجمل ما أكتب شيء يدفع ولو قارئاً واحداً أن يرفع رأسه وأن يحس معي أن العالم – في النهاية – ليس أرض الخراب واللا معنى.

لأن الكتابة حديث حميم أتكلم به إلى أناس أعرفهم ولن يتاح لي قط أن أتكلم إليهم .. وأنا أريدهم – هؤلاء المجهولون الذين أعرفهم كما لا أعرف أقرب الأقرباء – أن يسمعوني وأن نسمع معًا عن ذات أنفسنا معًا.

ثم يثير ذلك الجانب الفلسفي من الرغبة في الكتابة:

لأن العالم لغز .. والمرأة لغز .. والإنسان أخي لغز .. والكون كله لغز أحمله في حبة قلبي وهو نواة صلبة في جسد العقل والقلق الذي لا يصل إلى حل .. وأنا بالكتابة مدفوع إلى مناوشة هذه النواة أهاجمها من كل جانب .. بلا أمل في أن أكسرها .. ولا يأس من أن أحمل عليها مرة بعد المرة حتى وإن قصرت يدي وكل سلاحي .. وسلاحي هو عنف الحب ورقته .. أتمنى أن أكتب هذا .. ولهذا أكتب.

الفرق بين المتعلم والمثقف عند هشام شرابي

C20N1

هشام شرابي 1927-2005، هو مفكر فلسطيني ولد في يافا، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل أستاذاً لتاريخ الفكر الأوروبي والعلوم السياسية في جامعة جورجتاون بواشنطن. ساهم في إنشاء عدة مؤسسات تُعنى بشؤون الوطن العربي والقضية الفلسطينية. له عدة مؤلفات عن النظام الاجتماعي والأسري للمجتمعات العربية، الهدف منها اكتشاف كيف يمكن النهوض بمجتمع فاعل وذلك بنقد تناقضاته. من مؤلفاته : النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، المثقفون العرب والغرب وسيرته الذاتية الجمر والرماد: ذكريات مثقف عربي

في مقدمة كتابه مقدمات لدراسة المجتمع العربي، يكتب شرابي عن تجربته الخاصة في إعادة النظر بأفكاره السابقة واكتشاف مدى عمق الثقافة المسيطرة في تشكيل وعيه وفكره، حتى وإن وصل لأعلى الدرجات العلمية، مدركا أن أولى خطوات التحرير هي التحرير الذاتي والتخلص من عبودية الفكر المسيطر وهي عملية غاية في الصعوبة تتطلب إعادة النظر في جميع ثوابت الموروث وإخضاعها لتمحيص ونقد مستمر وشامل. يظهر هنا دور المثقف في التغيير، لكن هناك لبس مستمد من الجهل العام في اعتبار أن كل متعلم هو بالضرورة مثقف. في كتابه يفرق شرابي بين المتعلم والمثقف موضحاً:

للثقافة والمثقفين مكانة خاصة في المجتمعات الفقيرة النامية، والجهل يرسم صورة مضخمة للعلم والمتعلمين، ويعطي المثقف مركزا متميزا ويتوقع منه المستحيل. وفي تصور هذه المجتمعات يختلط المثقف بالمتعلم، ويصبح كل من حصل على قسط من العلم، في نظرها، مثقفاً. الواقع أن المثقف ليس من أحسَنَ القراءة والكتابة، أو من حصل على شهادة علمية (هناك أُميون بين حملة شهادة الدكتوراه)، بل إن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان:

الوعي الاجتماعي الذي يُمكّن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.

والدور الاجتماعي الذي يمكّن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني أو كفايته الفكرية.

وعليه، فمجرد العلم حتى لو كان جامعيا لا يضفي على الفرد صفة المثقف بصورة آلية، فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي ولا يشكل ثقافة في حد ذاته، إنه يصبح ثقافة بالمعنى الشامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفا، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أُميا، حتى لو كان طبيبا أو أستاذاً جامعياً.

ألبرتو مانغويل يشرح فعل القراءة

ولد ألبرتو مانغويل عام 1948، وهو أرجنتيني المولد، كندي الجنسية. يعمل كجامع للأعمال الأدبية الهامة، مترجم، محرر، روائي، وكاتب مقالات. يقول مانغويل عن القراءة بالعينين، من أشهر كتبه المترجمة للعربية كتاب ذاكرة القراءة، والمكتبة في الليل، وتاريخ القراءة والذي ذُكر فيه:

تبدأ القراءة أولاً بالعينين. “أكثر حواسنا حدّة هو نور العين“، كتب شيشرون، الذي كان يظنّ أنّ رؤية النصّ تجعلنا نحفظه بصورة أفضل مما لو سمعناه فقط. كان القديس أغسطينوس يمتدح العينين كثيراً (لعنهما في وقت لاحق) ويصفهما بأنهما بوّابة الدخول إلى العالم. وكان القديس توما الأكويني يقول عن البصر: “إنه أهم الحواس التي نستطيع الحصول عبرها على المعرفة“. هناك ناحية بديهية جداً للقارئ: نرى الأحرف بواسطة حاسة البصر. لكن عبر أي عملية كيميائية تتحوّل فيها هذه الأحرف إلى كلمات ذات معانٍ؟ ماذا يحدث في داخلنا عندما نُواجّه بنصّ؟ وكيف تصبح الأشياء المرئية “الجوهر” الذي يصل عبر أعيننا إلى مختبرنا الداخلي، إلى جانب ألوان و أشكال و مرئيات أخرى و الأحرف قابلة للقراءة؟ من أي شيء يتكون إذن ما نطلق عليه فعل القراءة؟

القراءة ليست عملية أوتوماتيكية، يكمل قائلًا:

إذن، فالقراءة ليست عملية أوتوماتيكية لحصر النص، مقارنة بانتقال الصورة إلى الفيلم عند إجراء عملية التحميض الضوئي، بل إنها عملية استنساخ معقدة و محيّرة ومذهلة تحدث بصورة متشابهة عند جميع الناس، والتي تحتفظ، مع ذلك، بميزة خصوصية عالية تختلف من إنسان إلى آخر، أما إذا كانت القراءة تحدث بعيداً عن السمع، أو أنها تحدث داخل مجموعة واحدة من العمليات السيكولوجية، أو من العديد من مثل هذه العمليات، فناحية لا يعرفها العلماء بعد. بيد أنّ العديد منهم يظنون بأنّ عملية القراءة معقدة مثل التفكير. وحسب نظرية وتروك، فإن القراءة ليست “ظاهرة خصوصية في البنية أو المزاج وهي ليست فوضوية أبداً. إلاّ أنها أيضاً عملية غير متناغمة و متراصة يكون فيها معنى واحد هو الصحيح. كلا، إنّ القراءة عملية خلاّقة إبداعية تعّبر عن محاولة القارئ المنتظمة لإنشاء وتكوين معنى واحد أو أكثر ضمن أحكام اللغة و قواعدها“.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن القراءة بصمت، فيقول:

لقد مكنت القراءة بصمت القارئ في نهاية المطاف من إقامة علاقة غير مضطربة مع الكتاب و الكلمة، مما جعله يدخر المجهود و الوقت اللذين كان يحتاج إليهما في النطق. إنها تنتشر في مكان داخلي، تسبح داخل القارئ، أو أنها تجثم في موقع ما. و ما إن تراها العين أو يبدأ اللسان بنطقها، حتى تطلق العنان لتصورات القارئ، أو أنه يتعمق في قراءة كتاب آخر موضوع أمامه. هكذا أخذ القارئ الصامت يكسب وقتاً للتمعن بالكلمات و التلذذ بها، و الإنصات إلى إيقاعاتها في داخله. إن النص المحروس من أعين الدخلاء المتطفلين بالغلافين أصبح ملك يد القارئ، كنز معلوماته السري، بغض النظر إن كان يجلس في غرفة النسّاخين المملوءة بالأصوات، أو في ساحة السوق، أو في مخدعه المنزوي.

عن الترجمة، والكتابة بوصفها ترجمة أيضًا، برأي ساراماغو

جوزيه ساراماغو 1922 – 2010 روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. من مؤلفات ساراماغو العمى، ورواية الكهف. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

نشر ساراماغو في كتابه المفكرة مقالة قصيرة، يتحدث فيها عن الكتابة وعلاقتها بالترجمة، يقول فيها:

الكتابة هي دومًا ترجمة، حتى عندما نستعمل لغتنا الخاصة. فنحن ننقل ما نراه ونشعره (بافتراض أن الرؤية والشعور، كما نفهمها عادة، هما شيء أكثر من مجرد الكلمات التي كان من الممكن نسبيًا لنا أن نعبر بها عن تجربة الإبصار والشعور) بواسطة شيفرة تقليدية متعارف عليها من الإشارات، الكتابة، ونأمل في أن يسمح لها الظرف وتقلبات الاتصال بالوصول إلى عقل القارئ، إذا لم يكن سليمًا، بوصفها التجربة الكاملة التي قصدنا أن ننقلها – حتمًا تنقل كلماتنا مجرد نتف من الواقع الذي تغذت عليه تجربتنا – عندئذ مع ظل على الأقل لما نعرف في أعماق روحنا أنه غير قابل للترجمة: العاطفة النقية للقاء، دهشة الاكتشاف، تلك اللحظة الهائمة من الصمت قبل تُنتج الكلمة ستبقى في الذاكرة مثل أضغاث حلم لم يمحوه الزمن بشكل كامل.
يتابع بعد ذلك، فيقول:
هكذا، يترجم شخص ما، ليس أن ينقل إلى لغة أخرى (لغته) عادة، شيئًا كان قبلئذ في العمل وفي اللغة الأصلية ترجمة، أي، إدراكًا مفترضًا لواقع اجتماعي وتاريخي وأيدلوجي وثقافي، وليس واقع المترجم، وإدراكًا يجسده سياق لغوي ودلالي، وهو أيضًا ليس سياقه. فالنص الأصلي هو مجرد واحد من الترجمات الممكنة لتجربة المؤلف مع الواقع، وعلى المترجم أن يحول نص الترجمة هذا إلى ترجمة نص، وهذا يخلق حتمًا بعض الالتباس نظرًا إلى أن المترجم -وقد بدأ يقبض على تجربة الواقع الذي هو موضوع اهتمامه- يتعين عليه عندئذ أن يقوم بالمهمة الأكبر، مهمة إدخالها دون مس إلى سياقها اللغوي والدلالي للواقع (الآخر) الذي يفترض به أن يترجمه إليه، كاشفًا عن الاحترام المستحق في الوقت ذاته لكل من المكان الذي جاء منه والمكان الذي يذهب إليه. بالنسبة إلى المترجم، لحظة الصمت التي تسبق الكلمة هي لذلك مثل عتبة خيميائي يجب فيها تحويل “الشيء الذي يكونه” إلى شيء آخر لكي يبقى “الشيء الذي كانه”.
وأخيرًا، يختتم بأن يعرّج على أحد أساليب المترجمين في فهم النص، ألا وهو الحوار مع المؤلف. يقول:
إن الحوار بين المؤلف والمترجم، في العلاقة بين النص الذي يكون والنص الذي يفترض أن يكون، ليس فقط بين شخصيتين فرديتين ينبغي أن تكمل أحدهما الأخرى، إنه قبل كل شيء لقاء ثقافتين جمعيتين يجب أن تعترف كل واحدة منهما بالأخرى.

لعبة الكتابة عند علي حرب

يعد د. علي حرب كاتباً لبنانياً ومفكراً علمانياً، له العديد من المؤلفات منها كتاب نقد النص، وهكذا أقرأ: ما بعد التفكيك ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبه في التفكيك. وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليّات العقليّة التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. من المقالات التي كتبت عن د. علي حرب مقالة الهويات والعولمة عند د. علي حرب على موقع ساقية.

كتب د. علي في خاتمة كتابه نقد الحقيقة حواراً انطلق من أسئلة طرحها عليه حسين نصر الله مندوب مجلة الكفاح العربي، واقتبست منه ما تكلّم فيه عن طريقته في الكتابة.

ففي سؤاله عن دواعي الكتابة لديه قال :

الكتابة هواية أمارسها ، أستمتع بها. طبعاً عليّ أن أتقن هذه الهواية بل اللعبة. عليّ أن أمارس اللعب حسب قواعد أو بابتكار قواعد جديدة. المهم أن ألعب، أنا أملك أوراقي، أي عدتي المعرفيّة و اللغوية، فضلاً عن خططي و سعيي الدائم إلى تحديث أدواتي ، أسلحتي ، كل ما من شأنه أن يتيح لي أن أكون فاعلاً و منتجاً أو مبدعاً في كتاباتي و أعمالي.

وفي سياقه لدواعي الكتابة قال:

 … إني أكتب لكي أعبّر عن خبرتي ، معايشاتي. ، خبرتي ليست كخبرة العالم في مختبره، أي لا يمكن صوغها ، تعميمها على الناس على شكل معلومة أو نظرية.انها تجربة فريدة لا يمكن نقلها او تكرارها، بل يمكن فحصها ، اختبارها أو قراءتها واستنطاقها.

أمّا عن هدف الكاتب بالنسبة له:

… إنه يخفي دوماً مطلوبه الأول الذي هو اجتذاب القارئ. و جره إليه بإيقاعه في شباكه الدلالية أو فخاخه المفهومية. الكاتب يطلب طريدة يريد اقتناصها. أما الهم المعرفي التنويري فيأتي بعد ذلك. ولهذا على القارئ أن يكشف اللعبة بالاطلاع على الأوراق التي يخفيها الكاتب.

و عمّا لو كان ينسف مفهوم الكتابة في رأيه هذا قال:

 المفهوم الذي أحاول بسطه للقارئ أن يسترجع مبادرته أو أن يمارس فعاليّته. إنه مفهوم يتطلب قارئاً يلتفت إلى ذلك الشيء الذي يخفيه الكاتب فيما هو يكتب و الذي منه يستمد سلطته أو أثره. آن لنا أن نعترف بهذه الحقيقة، و هي أن الكتابة، أياً كانت مجالاتها ليست هماً معرفياً تنويرياً بقدر ماهي ممارسة سلطوية على القارئ.

 إنها استراتيجية متعددة يتداخل فيها المعرفي، السلطوي و العشقي و العصبوي و الجمالي … و إذا شئت مقاربة أخرى أقول إنها نوع من العرض نعرضه على القارئ. فنحن نشبه التجار من هذه الناحية، أي أننا نقدم للقرّاء عروضاً جديدة هي عبارة عن “المستجدات“ من الأساليب و الأفكار أو النظريات… ففي كلا الحالين ثمة نظام للعرض. والفرق بين كاتب وآخر، هو في قوّة النظام أو في جمال العروض. ولا تعجب لهذه الاستعارة. فلكل محدث جذر قديم. فالمناطقة العرب قالوا بأن العلم بحث عن العوارض الذاتية، وليست العوارض سوى ما نعرضه بعلمنا على الأشياء.

لماذا نكتب؟ تركي الحمد يجيب

تركي-الحمد تركي الحمد  هو كاتب سعودي من مواليد عام 1952،، وَروائي وأستاذ أكاديمي سابق. كانت بداياته كاتباً في جريدة الرياض وثم انتقل إلى العمل ككاتب في جريدة الشرق الأوسط منذ عام 1990 ثم توقف فترة من الزمن عن الكتابة والآن بدأ يكتب في صحيفة الوطن السعودية. له عدة مؤلفات غير روائية أشهرها: السياسة بين الحلال والحرام: أنتم أعلم بأمور دنياكم والذي اعتبره البعض مدخل في السياسة العربية الإسلامية وأشهر ما كتب من الأعمال الروائية ثلاثية أطياف الأزقة المهجورة.

في كتابه (عن الإنسان أتحدث؛ تأملات في الفعل الحضاريوهو عبارة عن مجموعة مقالات سابقة له افتتحها بمقال عن الكتابة ولماذا نكتب؟

نكتب لأن في الكتابة شيء من التنفيس عمّا يعتمل في النفس، فلا تستطيع إلا أن نكتب.

نكتب لأننا نشعر بحاجة إلى الكتابة كما يشعر الجائع بجوعه والظامئ بظمئه أو الوسْنان بوسنه، فهل سأل الجائع نفسه يومًا لماذا أنا جائع؟ أو الظمآن لماذا أنا ظامئ؟

نكتب لأن الكتابة تُشعرنا بأنها رابطة خفيّة المعالم تربط بعضنا ببعض كأفراد، فتخلق منّا كلاً واحداً هو الإنسان .. ففي الكتابة تضيع الفردية وتغرق الذات في بحر المجموع، فتحس بأنها ماجائت عبثاً ولن تذهب عبثاً. في الكتابة أمور كثيرة تقولها لنفسك، ولكن هذه النفس تحس بأنها ماعادت نفسك أنت كفرد، بل تصل إلى إحساس مبهم بأن نفسك استحوذت على جوهر الإنسان، فتخاطب الإنسان من خلال خطابك لنفسك .. إن في ذاتك يكمن سر الوجود وكنهه الذي مافتئ العاقلون في هذا العالم يبحثون عنه، فأنت العالم والعالم أنت، و كلما عرفت ذاتك أكثر أدركت معنى العالم ومعنى الوجود.

نعم .. إن الكتابة رحلة وجودية نستقصي فيها عن سر العالم من خلال استقصائنا عن سر الذات، التي هي في متناول اليد، ولكنها بعيدة عن اليد في الوقت ذاته، مثل السهل الممتنع الذي يوصف به بعض الكتابات أحيانًا.

ثم يطرح سؤالاً بقوله: 

هل نكتب لأنفسنا أم للآخرين.؟

 سؤال تكمن إجابته في سؤال آخر متشعّب الأطراف متعدد الشُّعَب.  

عندما يكتب الكاتب الحق لنفسه ويعبّر  عن ذاته إنما يكتب للآخرين، فتنعدم الحدود وتضيع المعالم، و لايبقى هنالك فرد و آخرون، ذات و ذوات، بل كل واحد يحاور نفسه ويريد التعبير عنها.

وعلى ذلك، فإن الكاتب الحق إنما يُشكل مرآة يرى فيها الآخرون ذواتهم من خلال رؤية الكاتب لذاته الفريدة.

وفي معرض حديثه ذكر أمثلة لأعمال روائية عُبّر فيها عن مسيرة الإنسان في أحزانه وأتراحه، و ذلك عن طريق الكتابة لأنفسهم وعن أنفسهم في المقام الأول و منها:

(الحرب و السلام) لـ(تولستوي)، و(الإخوة كارامازوف) لـ(دوستويفسكي)، و (الأم) لـ(غوركي) و(الشيخ و البحر) أو (لمن تقرع الأجراس) لـ(همنغواي

و(ذهب مع الريح) لـ(ميتشيل), و(كوخ العم توم) لـ(ستاو) و(ثلاثية) (نجيب محفوظ)، و(الأشجار واغتيال مرزوق) وكذلك ملحمة (مدن الملح) لـ(عبدالرحمن منيف) و(موسم الهجرة إلى الشمال) لـ(الطيب صالحمثلاً، 

تبدو كلها مختلفة إلا أن جوهرها واحد؛ فالبطل في الحالات كافة هو الإنسان ككائن كلّي (وإن اختلفت الأسماء مع اختلاف الأعمال)، و العمل ذاته ماهو إلا عرض لهذا الإنسان في تجربته الأرضية ومعاناته في هذا العالم تحت مختلف الظروف، وفي ظل مختلف البيئات. 

فملحمة مثل (الحرب و السلام) لاتختلف في جوهرها عن ملحمة أخرى كـ(الثلاثية) أو (مدن الملح).

البطل هو الإنسان، والملحمة عند الجميع هي تتبّع معاناة هذا الإنسان وتجربته في واقع تاريخ معيّن، وسلسلة من الأحداث معيّنة قد تجعل من الملحمة شيئاً مختلفاً، إلا أن الجوهر واحد والمغزى مشترك والهدف لا تعددية فيه.

و يقول : 

إن الكاتب أو المفكر يحاول من خلال عمله تقديم فلسفته ومجمل نظراته في الحياة؛ فسواءً قال ذلك علَناً ومباشرة كما في حالة الفيلسوف، أو قاله ضمناً و مواربةً، كما في حالة الروائي. 

وفي كلتا الحالتين، يضع الكاتب نفسه في موضع البحث عن الحقيقة والمعنى في كل ما يُحيط بنا، نيابةً عن الملايين التي خضعت لرتابة الحياة من دون أن تتوقف يوماً لتتساءل عن المعنى  والهدف في كل مايجري و يحيط بها.

وعلى ذلك، فإن الكاتب الحقّ إنما يُمثل كل ماهو إنساني في الإنسان، وكل ماهو أصلي و جوهري في الفترة التي يعيش فيها.

ومن ثمّ يُعيدنا لسؤاله الأول .. لماذا نكتب؟

لأننا نبحث عن الجوهر فينا، وعن المعنى في ما حولنا وعن الهدف من مسيرتنا.

نكتب لأننا نصنع مرايا نرى فيها أنفسنا في المقام الأول في مختلف الأوضاع ومختلف الاتجاهات في سبيل تكوين صورة ثابتة عمّن نحن، وماذا نريد، و إلى أين المصير، نكتب لأننا لا نريد أن نضيع في لجّة الحياة ورتابة الأيام، فنأتي ونذهب لاهون لاندري لماذا أتينا ولماذا ذهبنا.

لماذا نكتب؟ لأننا نريد أن نكون أناساً معبّرين عن جوهر الإنسان في كل ذات، ذلك الجوهر الذي تقتله الرتابة وتدفنه كما تختفي قطعة ألماس في أعماق سحيقة من التراب والفحم.

نكتب لأننا نريد أن نقول شيئًا لأنفسنا قبل أن نقوله للآخرين، و كلما كنّا أكثر صدقُا مع أنفسنا استطعنا أن نقول للآخرين شيئاً يستحق القول، وذلك من خلال قوله لأنفسنا أولاً. بمعنى آخر، مثل الكاتب الحق مثل شخص في عيادة محلل نفسي ألقى بنفسه على الأريكة، وأخذ يعترف لنفسه قبل أن يعترف للطبيب، فاكتشف من خلال ذلك جوهر نفسه، وساعد نفسه على الشفاء قبل أن يساعده الطبيب.

و يختم مقالته بقوله: 

إن الإنسان والنفس البشرية وعاء عميق، كلما غصنا فيه أكثر كلما اكتشفنا أشياء أكثر. 

كما أن العالم الخارجي والحياة الإنسانية بشكل عام عبارة عن مسرح كبير، كلما حاولنا معرفته أكثر أدركنا أننا لانعرف إلا القليل، وصغر شأننا في نظر أنفسنا. و الكاتب هو الرحّالة أو المكتشف الذي يحاول معرفة ذاته والعالم من حوله من خلال معرفته لذاته.

بوسعِ الناس أجمعين أن يكونوا رحّـالة مكتشفين. و لكن من يُترجم هذا الوسع إلى فعل؟ هذان الوسع و الفعل يبدوان من لحظة بسيطة هي لحظة وعي وتفكير، وخروج من قوقعة الجمود وقمقم القوالب الجاهزة.

 إن جوهر الإنسان يكمن في لحظة تفكير حقّة.