أرشيف الوسم: وجودية

في معنى الفلسفة الوجودية

كراش كورس (Crash Course) هي قناة يوتيوب تعليمية أنشأت من قبل الأخوين غرين (green brothers)، وهما (هانك جرين) و(جون غرين)، وهما معروفين بقناتهماVlogbrothers قدَّم الأخوان جون وهانك في الأساس دورات للمشاهدين في عدة مجالات من العلوم والعلوم الإنسانية، وتوسع البرنامج منذ ذاك الحين، ليشمل حلقات مشتركة تقدم من قبل ضيوف إضافيين.

في أحد الحلقات، تحدثت حلقة كراش كورس عن الفلسفة الوجودية بطريقة مبسطة جدًا. فكانت الافتتاحية التالية:

ما الذي يعطي حياتك معنى؟ الآلهة؟ الحب؟ المال؟ الوظيفة؟ أدب المعجبين؟ كرة القدم؟ التسوق؟ (شيرلوك

ربما لديك مفهومك الشخصي عن هدفك في الحياة،أو ربما نأمل من مشاهدتك لهذه الحلقة أن تساعدك على إيجاده.

أو ربما تعتقد أنك خُلقت بجوهر Eseesnce خاص كإنسان، وأن هدفك في الحياة مكتوب عليك بواسطة الإله.

أيًا ما كان الموضوع، فلن يلومك أحد، فقط لأنك تبحث لحياتك عن معنى. فالمعنى هو شيء كلنا نرغب به بشدة، بل وربما نحتاج إليه.

[…]

ربما تجد المعنى عبر التدين، أو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو تثقيف الآخرين، أو البحث عن الجمال بطريقة فنية

لا يهم كيف تقوم بالأمر، فهناك مجموعة من الفلاسفة “الوجوديين” The Existentialists يقولون أن أي، أو جميع، هذه الأشياء يمكن أن تعطي لحياتك معنى. لكن في نفس الوقت يقولون أن أيًا منها لا تستطيع ذلك.

يبدأ المقطع بشرح الفلسفة الماهوية، والتي تقرر بأن المعنى لحياتنا، وُجد قبلنا. فيقول:

كما تعرفون الآن، الفلسفة عبارة عن جدل ؛ يقوم شخص ما بطرح فكرة، ثم يقوم شخص آخر بالرد عليها. أحيانًا يكون الرد مباشرًا، وفي بعض الحالات قد يستغرق آلاف السنين.

في اليونان القديمة (أفلاطون) و(أرسطو) أكدا بشكل قاطع بأن لكل شيء جوهر، وسبب للوجود ؛ مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ليكون على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخصائص مفقودة، فسيكون ذلك الشيء شيئًا مختلفًا.

على سبيل المثال: قد يكون للسكين مقبض من خشب أو مقبض من معدن، هذا لا يهم. لكن إذا لم تمتلك نصلًا (شفرة السكين) فلن تكون سكينًا. النصل هو خاصية أساسية Essential Property في السكين، لأنه هو ما يحدد وظيفة السكين.

(أفلاطون) و(أرسطو) اعتقدا بأن لكل شيء جوهره الخاص، بما في ذلك البشر. واعتقدا بأن جوهرنا يكمن فينا قبل أن نوجد. وفقًا لهذا التفكير، جزء من معنى أن تكون إنسانًا جيدًا هو تمسكك بجوهرك. ربما تعلم أو لا تعلم ما هو جوهرك، وقد تكون جيدًا في العيش وفقًا لجوهرك، أو سيئًا فيه، لكن الأهم هو أن جوهرك هو ما يعطيك غاية، لأنك ولدت لتكون شيئًا ما.

هذا التفكير المعروف بـ”الماهوية” Essentialism والذي انتشر عالميًا حتى أواخر القرن ١٩ وما زال مقبولًا من قِبل البعض حتى الآن.

يمكن القول بأن نقطة التحول في هذه الفلسفة الماهوية، عندما جاء الرد من أشخاص آخرين بعد آلاف السنين. فيقول:

لكن في أواخر ١٨٠٠م، بعض المفكرين بدؤوا في تحدي في فكرة أننا نمتلك جوهرًا أو غاية. الفيلسوف الألماني (فريدريتش نيتشه) على سبيل المثال، تبنى فكرة “العدمية” Nihilism أو الاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة. 

لكن في أواسط القرن العشرين، عُبِّد الطريق للفيلسوف الفرنسي (جان-بول سارتر) ليعيد سؤال الجوهر، ويسأل: ماذا لو وُجِدنا أولًا؟ ماذا لو وُلدنا من دون أي غاية، ومن ثم يعود الأمر إلينا في إيجاد جوهرنا الخاص؟ أصبح هذا هيكل ما يُعرف الآن بـ”الوجودية” Existentialism ونقطتها الأساسية هي أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى آخر، وجودنا يحدث أولًا، ومن ثم يعود الأمر إلى كل واحد منا لتحديد من يكون، وما هي غاياته، علينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها. لكن ليس لدينا فعليًا غاية أو هدف مسبق، ليس هناك طريق معبّد يجب اتباعه.

يمكنكم متابعة بقية التفاصيل حول الفلسفة الوجودية، وعدد من الأسئلة المرتبطة بهذه الفلسفة، في المقطع التالي، إذ يطرح المقطع عددًا من الأسئلة المهمة، مثل أسباب نشوء الفلسفة الوجودية، وعن ارتباطها بالإلحاد أو عده، وغيرها من النقاط المهمة.

 

 

نحن وحدنا نقرر حريتنا كما يقول سارتر

جان بول سارتر هو فيلسوف و وروائى و كاتب مسرحي و ناشط سياسي فرنسي، اشتهر بغزارة إنتاجه الأدبي وفلسفته المسماة بالوجودية. مفهموم الحقيقة لدى (سارتر) هو خلق الذاتية التى لا ترتهن – فى نهاية المطاف – إلا بحرية كل فرد، و تتحول بعد ذلك فى الفعل الجماعي والسياسي والاجتماعي و من أشهر أقواله: “نحن نقرر وحدنا دون أعذار” ..

فى كتاب (أساطين الفكر) لكاتبه (روجيه بول دروا) يستعرض أبرز فلاسفة القرن العشرين بالخطوط العريضة لكل فيلسوف و ما أثر إنتاجه فى تشكيل الفكر البشري. و عند الحديث عند (سارتر) يستعرض الكاتب مفهوم الحرية عند (سارتر) فيقول:

الحرية: هي حقيقة واجبنا المستمر فى أن نكون أنفسنا، و نعطى معنى للمواقف التى نعيشها، ونبني تجاه أفعالنا. فنحن لا نمتلك أبداً حرية مسبقة يمكن أن نطالب بها.

لاشئ يفرض نفسه على حريتي، و ليس القانون ملزماً إلا إذا اخترت الخضوع له. فإذا خضعت لقانون إلهي -كلام مُوحي- فهذا أيضاً لأننى أقرر أن أعد القانون إلهياً و الكلام مُوحى. فحريتي منبع الدلالات والتأويلات.

و فى نظر (سارتر) نحن وحدنا من نقرر مدى نطاق حريتنا، نحن من نقبلها أو نرفضها من بابها بأفعالنا.

يُصر (سارتر) فى كتابه (الوجود و العدم) -كما فى جزء من مسرحياته- على فكرة أننا نفعل كل شيء للهروب من حريتنا. فنح نتحول إلى شيء يقول: “هذا لي خطئي“، “ها أنا ذا كما أنا” ولا يقول “هذا ما قررت أن أكون” .هذه النية السيئة هي أحد المبادئ التكتيكية التى يتبناها كل فرد كي يتوقف عن تحمل حريته. نحن نمثل أدواراً كى نحسب أنفسنا إنساناً آخر، و نحكى لأنفسنا قصصاً عن طبيعتنا، وقدرنا، و عن حقيقة “أننا لا نستطيع أن نتصرف بصورة أخرى“. وحين نقول “هذا أقوى مني” أو “أنا هكذا، ليس بوسعى أن أفعل شيئاً“، فنحن -فى نظر (سارتر)- فى موقف الحقير ذاك الذي ينر مسؤوليته، و يعد نفسه ملتصقاً بطبيعة، أو بقدر لا يستطيع التخلص منه.

لا تكمن الصعوبة فى التخلص من سوء النية تلك -أو فى الوعي الذى ينكر حريته- بل فى نظرة الآخرين. فهم يفسرون أحياناً – بصورة خاطئة تماماً- أفعالى و قراراتي. مأساة الوجود البشري أن نظرة الآخرين تكشفنا أمام أنفسنا و تشوهنا. تخون حريتنا، و تغيرها، و تنفيها.

هذه المأساة حتمية طبعاً، لأن الوجود البشري وجود جماعي بالضرورة: فالعيش هو دوماً عيش مشترك.

المسؤولية في المذهب الوجودي بشروحات سارتر

سارتر

جان بول سارتر (1905-1980) هو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وناقد أدبي فرنسي. عُرف (سارتر) بأعماله الغزيرة، وبفلسفته الوجودية، وبالتحاقه بالحزب اليساري المتطرف. في محاضرة له قدمها في باريس عام 1945، نُشرت بعد التنقيح في كتاب حمل اسم (الوجودية منزع إنساني)، تكلم (سارتر) بإيجاز عن الملامح الأساسية للمذهب الفلسفي الوجودي الذي يتبناه.

في البداية بدأ (سارتر) بتقسيم الوجوديين إلى مدرستين رئيسيتين:

أولهما الوجوديون المسيحيون، وأذكر منهم (ياسبرس) و(غابرييل مارسيل)، ذوي العقيدة الكاثوليكية. وهناك من ناحية أخرى، الوجوديون الملحدون، وندرج ضمنهم (هايدغر) والوجوديين الفونسيين أيضًا وأنا نفسي.

أما عن الرابط بين هاتين المدرستين فيعبر عنه قائلًا:

وما يشتركون فيه هو ببساطة أنهم يعتبرون الوجود سابقًا على الماهية، وإن شئتم، أنه ينبغي الانطلاق من الذاتية.

فالماهية هي مجموعة الصفات والوصفات التي تعرِّف وتسمح بالصنع.

لدينا هاهنا إذًا رؤية تقنية للعالم نقول ضمنها أن الصنع يسبق الوجود. […] وهكذا فإن مفهوم الإنسان، عند الله مماثل تمامًا لمفهوم قاطعة الورق في ذهن صانعها ؛ فالله يخلق الإنسان تبعًا لتقنيات وتصوّر، تمامًا مثلما يصنع الحرفي قاطعة الورق طبقًا لتعريف ما وتقنية ما. فالإنسان الفرد إذًا يحقق مفهومًا معينًا موجودًا عند الإله قبل عملية الخلق.

أما عن المدرسة الأخرى فيقول:

إن الوجودية الملحدة التي أمثلها، تبدو أكثر تماسكًا. فهي تعلن أنه إذا لم يكن الله موجودًا، فيوجد على الأقل كائن يكون الوجود لديه سابقًا للماهية، كائن يوجد قبل أن يكون قابلًا للتعريف وفق أي مفهوم، وأن هذا الكائن هو الإنسان أو الواقع الإنساني كما يقول (هايدغر). ماذا يعني هنا أن الوجود سابق للماهية؟ هذا يعني أن الإنسان يوجد أولًا، يلتقي بالعالم وينبثق فيه، ثم يعرّف بعد ذلك. وإذا لم يكن الإنسان على نحو ما يتمثله الوجودي قابلًا للتعريف، فذلك لأنه لا يمثل شيئًا في المنطلق ولا يكون كذلك إلا لاحقًا، ولا يكون إلا على النحو الذي سينشئه نفسه.

وبذلك يكون التصور الوجودي هو أول مبادئ الفلسفة الوجودية:

لا يكون الإنسان على نحو ما يتصوّره عن نفسه، كما يريد، لن يكون الإنسان شيئًا آخر سوى ما ما يصنعه بنفسه بعد هذه الوثبة نحو الوجود. ذلك هو أول مبدأ للوجودية.

وبهذا، فالوجودية تضع المسؤولية كاملة للإنسان. يقول:

فإن أول مسعى للوجودية يتمثل في جعل كل إنسان متملكًا لوجوده، وتحميله المسؤولية الكاملة عن وجوده. وعندما نقول بأن الإنسان مسؤول عن ذاته، فإننا لا نريد أن نقول بأن الإنسان مسؤول عن نفسه كفرد، وإنما عن كل الناس.

فالإنسان هو الذي يختار كل أفعاله وأقواله، وعن كل ما يصيب البشر أيضًا، بذلك يتحول إلى نقطة أخرى، وهي القلق. فنتيجة المسؤولية الضخمة التي يكون الإنسان فيها، يكون القلق نتيجة إلزامية. يقول (سارتر):

إن الإنسان الذي يلتزم وينتبه إلى أنه ليس من يختار ما يكون عليه فقط، وإنما يكون مشرّعًا يختار نفسه في الوقت الذي يختار فيه الإنسانية برمّتها، لن يكون قادرًا عندها على الإفلات من الشعور بمسؤولية تامة وعميقة.

لأنه الإنسان الذي يشعر بمسؤوليته لن يرضى بالخطيئة. فعندما يقوم المخطئ عمدًا باختيار فعلٍ عن سوء نية لا يستشعر أنه بفعلته هذه يضفي إلى الخطيئة المعنية قيمةً كونية. ولكن أليس هذا القلق الكبير مثبطًا ضد الفعل؟ ألن يشعر الجميع بمسؤولية كبيرة تمنعهم من القيام بواجباتهم اليومية؟ يقول مجيبًا:

ولا يتعلق القلق هنا بقلق يقود الدعة والجمود، وإنما هو قلق بسيط يعرفه كل من اضطلع بمسؤوليات.

الخداع النفسي والإيمان عند جان بول سارتر

سارتر

جان-بول سارتر (1905 – 1980) هو فيلسوف، روائي، كاتب مسرحي، كاتب سيناريو، ناقد أدبي، وناشط سياسي فرنسي. بدأ حياته العملية استاذاً. درس الفلسفة في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. حين إحتلت ألمانيا النازية فرنسا، إنخرط سارتر في صفوف المقاومة الفرنسية السرية. عرف سارتر واشتهر لكونه كاتب غزير الإنتاج ولأعماله الأدبية وفلسفته المسماة بالوجودية ويأتي في المقام الثاني إلتحاقه السياسى باليسار المتطرف. في كتابه الشهير، (الكينونة والعدم)، تحدث (سارتر) عن  الخداع النفسي، وعن علاقته بالإيمان، يقول:

المشكلة الحقيقية للخداع النفسي تنتج بوضوح من كون الخداع النفسي إيمانًا، فلا يمكنه أن يكون كذبًا وقحًا، ولا بديهة إذا كانت البديهة امتلاكًا حدسيًا للموضوع . وإذا أطلقنا تسمية اعتقاد على تبنّي الكائن الإنساني لموضوعه عندما يكون هذا الموضوع غير معطى أو معطى بطريقة غامضة، تصبح المشكلة الأساسية للخداع نفسي هي مشكلة اعتقاد.

كيف يمكن للمرء أن يكون المخادع نفسَه بالمفاهيم التي صاغها عن قصد لإقناع نفسه ؟ تجدر الإشارة بالفعل إلى أنه لابد من أن يكون مشروع الخداع النفسي هو ذاته المخادع نفسه ، فأنا لست مخادع نفسه عند نهاية جهودي فحسب ، بل عندما قمت بصياغة مفاهيمي المزدوجة المعنى وأقنعت نفسي . إنني في الحقيقة لم أقنع نفسي : بما إنني أستطيع أن أقتنع بذلك فهذا يعني إنني كنت دائما كذلك . وفي ذات اللحظة التي كنت أعد نفسي فيها كي أكون المخادع نفسه، كان لابد لي من أن أكون المخادع نفسه تجاه هذه الاستعدادات بالذات . ولكانت وقاحة مني لو أني تصورتها تعبيرًا عن خداع نفسي ، ولكان إيمانًا صادقًا مني لو اعتبرتها بريئة بكل صدق .

إن القرار بأن أكون المخادع نفسه، لا يتجرأ على كشف اسمه، إنه يعتقد ولا يعتقد بأنه خداع نفسي . حين يبدأ الخداع النفسي بالظهور ، فإن هذا القرار هو الذي يحدد الموقف المقبل بشكل من الأشكال ، الإيمان في الخداع النفسي ، لأن هذا الأخير لا يحتفظ بقواعد الحقيقة ومقاييسها التي يعتمدها الفكر النقدي في الإيمان الصادق . إن ما يقرره الخداع النفسي قبل كل شيء ، إنما هو بالفعل طبيعة الحقيقة ؛ فمعه تظهر حقيقة، ومنهج في التفكير، ونموذج وجود الموضوعات . وإن عالم الخداع النفسي هذا الذي يحيط به الشخص نفسه فجأة، له خاصية أنطولوجية، وهي أن الكائن لا يكون فيه ماهو عليه، ويكون فيه غير ما هو عليه. وبالنتيجة فإن نموذجًا فريدًا للبديهة يظهر: إنها البديهة غير المقنعة . يدرك الخداع النفسي أمورًا واضحة ، لكنه يكون خاضعًا مسبقًا لعدم استيعابها ، ولعدم الاقتناع بعا ، بحيث يتحول إلى إيمان صادق : إنه يجعل نفسه وضيعًا ومتواضعًا ، ولا يجهل كما يقول أن الإيمان هو قرار ، وأنه ينبغي أن يقرر ماهو موجود ، بعد كل إدراك حدسي ، منذ انبثاق الخداع النفسي في مشروعه الأساسي ، يقرر الطبيعة الحقيقية لمتطلباته ، ويتجسد كليًا في ما يتخذه من قرار بعدم التطلب المفرط ، وباعتبار نفسه راضيًا عندما لا يكون مقتنعًا بشكل كافٍ ، وبإجبار نفسه إراديًا على الالتزام بحقائق غير أكيدة .

هذا المشروع الأساسي للخداع النفسي هو قرار المخادع نفسه يتعلق بطبيعة الإيمان . لنفهم جيدًا أن المقصود ليس قرارًا إراديًا قائمًا على التفكير ، بل تصميمًا تلقائيًا صادرًا عن كينونتنا . يصبح المرء المخادع نفسه كما لو أنه يغفو ويكون المهادع نفسه كما لو أن يحلم . حين تتحقق هذه الطريقة في الوجود ، يصبح الخروج منها صعبًا بمقدار الصعوبة في أن يوقظ المرء نفسه . ذلك أن الخداع النفسي هو كاليقظة والحلم .

د. علاء جواد حول سارتر والفردية

علاء جواد كاظم
د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) أورد فصلًا بعنوان (سارتر ؛ الفرد مقدمة لكل أنثروبولوجية مقبلة)، حاول فيه توضيح أفكار (جان بول سارتر) (1905-1980) حول الفرد والفردية، وعلاقتها بالفكر الوجودي الذي أسسه الأخير. يستفتتح (د. علاء جواد) حديثه باقتباس من كتاب (ما الأدب):
الأبطال هم أفراد، بل حريات وقعت في المصيدة، مثلنا جميعًا. فما هي المخارج؟ إن كل شخصية لن تكون شيئًا إلا في اختيار مخرج ولن تساوي أكثر من المخرج الذي وقع عليه الاختيار .. أي أن كل موقف هو مصيدة تحيط بها جدران: لقد أسأت التعبير فلا توجد مخارج نختارها. إن المخرج يجب أن يُكتشف. إن كل إنسان يكتشف نفسه عندما يجد مخرجًا وعلى الإنسان أن يكتشف نفسه كل يوم”.
ثم يبتدئ كلامه حول علاقة الفرد والفردية بفلسفة (سارتر)، فيقول:
لقد أوجز (جان بول سارتر) في مؤلفه الكبير (الوجود والعدم) الكثير من آرائه وفلسفته، وأعلن من خلالها أن الفلسفة الوجودية تقوم أساسًا على نظرة إلى الإنسان الفرد وترى أن وجوده هو أهم صفاته، وأنه غاية بذاته، ولا أهداف ماورائية لوجوده، بل هو الذي يحدد أهدافه بنفسه.
ثم يكمل شروحاته بعد ذلك قائلًا:
رغم غرابة عبارات (سارتر) إلا أننا نجد اهتمامًا بالفرد يصل حد أنه يشكل مركزًا خصبًا في فلسفته، وهو عندما يفسر التأريخ على منظومة الصراعات داخل شخص ما أو جماعة ما، هذه الصراعات التي تشكل المحرك الأول الذي يصنع التاريخ، ومن خلال مقولة -العقل- بوصفه علاقة بين الفكر وموضوعه يقول (سارتر): “لم يذهب أحد قط ولا التجريبيون أنفسهم إلى القول بأن العقل هو ترتيب أو تنسيق لأفكارنا أنه من الضروري أن يعاد إنتاج هذا الترتيب باستمرار وهكذا فإن العقل هو علاقة بين المعرفة والوجود”.
إذًا ليس ثمة جدال في أن الأساس العيني الوحيد للجدل التأريخي هو البنية الجدلية للفعل الفردي، وما أن نجرد -ولو للحظة- الفعل الفردي من الوسط الاجتماعي الذي ينغمس فيه حتى تنكشف فيه تطورًا كاملًا للمعقولية الجدلية بوصفها منطق تشميل .. “إننا عندما نتحدث عن الفرد الذي يصنع التاريخ، بالتالي نتحدث عن كثرة هائلة من الأفعال الفردية، ومن ثم فنحن أمام كثرة من الفاعلين الجدليين أعني من الأفراد الذين ينتجون البراكسيس”.
وعن رؤية (جان بول سارتر) للمجتمع، وتفضيله بين الفرد والمجتمع فيقول:
أما المجتمع أو التجمع عند (سارتر) فهو: الشكل الاجتماعي الذي يكون فيه مجموعة من الأفراد المتعددين الذين لا يرتبطون فيما بينهم إلا بعلاقة التخارج. أو أنها تجد وحدتها في هذا التخارج، فالأفراد في هذا الشكل الاجتماعي هم [ذرات] منفصلة كل منهم يعيش عالمه الخاص، والناس في عملية التذري هذه “أي حين يصبحون ذرات، فإنهم يصبحون أشبه بالأدوات التي ترقد جنبًا إلى جنب في صندوق واحد، يمكن أن تستخدم كلها في تغيير العالم”.
ويعارض تمامًا اعتبار المجتمع كائنًا متعاليًا أو نظامًا ميتافيزيقيًا بل إن أول “خطأ يجب إزالته من طريقنا في بداية دراستنا للجماعة هو ذلك المذهب الذي يتصور الجماعة كائنًا عضويًاحيًا عاليًا، أعني المذهب الذي يتصور الأفراد في الجماعة هم أعضاء في كائن علوي”.
ثم يختم مقالته بنقل مقولة أخرى من (سارتر):
ليس من الضروري أن الإنسان ينبغي عليه أن يعرف بالضبط معنى ما يفعله ولا حتى ما الذي يفعله أو ما هو التغيير الموضوعي الذي يحذثه فعله، أو إن الغائية المضادة هي النتيجة النهائية للفعل البشري وإنها في نفس الوقت تتعارض مع الغاية التي كان ينشدها الفاعل”.