أرشيف الوسم: ياسمين عبدالله

ميلان كونديرا وحالة تغيير التاريخ

ميلان كونديرا

“التاريخ يكتبه المنتصرون”، “التاريخ يُعيد نفسه”، عباراتان دارجتان تخرجان إلى السطح مع كل مناقشة بين مجموعة من البشر عن التاريخ، ولا أعرف لماذا يميل الناس لتفسير العبارة الأولى بنوع من الانهزامية والتباكي، ولماذا يصورون الأقوياء الذين يكتبون التاريخ على أنهم أشرار؟ واقعيًا، القوة وحدها هي ما تجعل التغيير حدثًا مُمكنًا، ومن حق تلك القوة أن يُخلد اسمها، أنها صنعت ذلك التغيير، كلنا نؤمن بفكرة مُعينة، وندافع عنها بكل ما لدينا من قوة الإقناع أو حتى التدخل لجعل الأمور تسير لصالحها، وكُلنا يعتقد أنه على صواب وأن فكرته ونظرته وإيمانه هو الصحيح، والأقوى حجة فينا أو حتى قُدرة هو من تتمكن فكرته من النجاح والاستمرار والخلود كتغيير طال التاريخ. وبدون أن نذهب بعيدًا، نحن أيضًا كعرب مسلمون كتبنا التاريخ يومًا وكُنا مُنتصرين، فتوحات امتدت للصين والأندلس كُنا فيها أصحاب إيمان سيّرنا تجاه تلك البقاع، أصحاب حلم، وأمل، نحن أيضًا هزمنا أقوامًا نظروا لقوتنا أحيانًا على أنها بطشًا، ويُمكن القول بأن هذا الاختلاف في نظرة البشر للهزيمة والنصر والتاريخ ككل ناتج عن اختلاف الثقافات، فيما يُعرف في العصر الحديث بصراع الحضارات، لكن حتى القوة يجب أن تكون مسئولة، لنستطيع أن ننطق مقولة “التاريخ يكتبه المنتصرون” بإتزان من يوقن أن البقاء للفكرة الأقوى دون الشعورالتام بالقهر، ورُبما هنا بالتحديد مربض الفرس، أن القوة أحيانًا مغرورة باطشة وليست دومًا عادلة، تُزيح من طريقها كل ما يُخالفها ولو كان مُسالمًا لمجرد المزيد من إثبات ذاتها.
هل حياة الناس مُنفصلة عن التاريخ؟ بقليلٍ من التمعن نُدرك أن الأحداث السياسية والحروب تُسهم بشكل مُباشر في تشكيل الحياة اليومية، تصبغها بلونها وتمنحها مسارًا يُحدده كل تصعيد أو تغيير أوحتى سلام، تُغير العادات والتقاليد وتُغير نُظم الإقتصاد والقوانين حتى، تزول بلدان من وجه خارطة الدُنيا وتزول معها ثقافات وعرقيات وتندثر لغات وتراث إنساني بأكمله نتيجة حدث سياسي ما، كان الأقوى فيه يرى أنه على صواب، وكان استخدامه لقوته المُفرطة أيضًا يراها حق، لأعود لنفس المقولة وأقول، ولكن تلك المرة بحسرة أشترك فيها مع المنهزمون بكسرة ما في الروح: “التاريخ يكتبه المنتصرون”.

ميلان كونديرا من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. يبتدئ كتابه (كتاب الضحك والنسيان) بذكر قصة تاريخية :

في شهر فبراير من عام ١٩٤٨ وقف الزعيم الشيوعي (كليمان غوتوالد) على شرفة قصر من العصر باروكي من قصور براغ ليخطب في مئات الآلاف من المواطنين المتجمهرين في ساحة المدينة القديمة. كان هذا منعطفًا كبيرًا في تاريخ بوهيميا (منطقة في وسط أوروبا). بل لحظة مشهودة وحاسمة في ذلك التاريخ فيه.
كان (غوتوالد) محاطًا برفاقه، وبجانبه وقف (كليمانتس). بدأ الثلج يسقط في جوّ من البرد القارص، وكان (غوتوالد) عاري الرأس. فقام (كليمانتس) بنزع قبعته من الفرو ووضعها بعناية على رأس (غوتوالد).
وقد أعادت شعبة الدعاية والإعلام إنتاج مئات آلاف النسخ من صورة (غوتوالد) المحاط برفاقه وهو يطل بقبعة الفرو من الشرفة، ويتحدث إلى الشعب. وهكذا بدأ التاريخ الشيوعي لبوهيميا من هذه الشرفة. كل الأطفال كانوا يعرفون هذه الصورة، لكثرة ما شاهدوها في الملصقات أو في الكتب المدرسية أو في المتاحف.
بعد ذلك بأربع سنوات اتُّهم (كليمانتس) بالخيانة، وشُنق، فقامت شعبة الدعاية بحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية. ومنذ ذلك الحين صار (غوتوالد) يظهر وحيدًا على الشرفة. ولم يعد يظهر حيث كان يقف (كليمانتس) سوى حائط القصر الفارغ. ولم يبقَ من (كليمانتس) سوى قبعته على هامة (غوتوالد).
يبدأ بعد ذلك في وصف مشهد عادي من أيامنا الحالية، يُبين فيه كيف نتعامل مع الماضي والمستقبل كبشر :
كان (ميريك) يريد محو بعض الصور من حياته، فليس لأنه لم يكن يحبها، بل لأنه أحبها حقًا. محاها هي وحبها. لقد مسح الصور مثلما مسحت شعبة الدعاية صورة (كليمانتس) من الشرفة التي ألقى منها (غوتوالد) خطبته التاريخية. فـ(ميريك) يعيد كتابة التاريخ تمامًا كما يفعل الحزب الشيوعي، وكما تفعل كل الأحزاب السياسية، وكما تفعل كل الشعوب. وإجمالًا كما يفعل الإنسان. جميعهم يعلنون الرغبة في صنع غد أفضل، لكن الأمر غير صحيح، لأن المستقبل ليس سوى فراغ مهمل لا يهم أحدًا، مقابل الماضي المفعم بالحياة، ووجهه مزعج وبغيض إلى حد أننا نرغب في تدميره أو إعادة تلوينه. لذلك لا يطمح الناس إلى التحكم في المستقبل إلا بقصد اكتساب القدرة على تغيير الماضي. فهم يتصارعون من أجل الوصول إلى المختبرات التي تُجرى فيها الروتوشات على الصور، ومن ثم تُعاد كتابة السير والتواريخ.

كيف تسافر الألحان ؟ أغنية “Windmills “of Your Mind كمثال.

windmills23web

كلما قرأت كتابًا لنجيب محفوظ كُنت أتساءلهل ينساب السحر من الكلمات في النُسخ المُترجمة كما هو الحال في النُسخة العربية باللغة الأم الحالمة؟ وأعتقد أن الموسيقى بوصفها نوعًا من اللغة، تدفعنا أيضًا لنفس التساؤل.

تتغير اللغة وتختلف، إلا الموسيقى تبقى ثابتة كأم يعود إليها أبنائها المختلفين. تجمعهم وينتمون إليها بكل اختلافاتهم ولغاتهم وثقافاتهم. وهذا ما يجعلني أتفكر كيف تبدو أغنية جميلة في أكثر من لغة؟ ما الذي يجعلنا ننتمي لأغنية بلغة لا ننتمي إليها؟ يدور هذا التساؤل في ذهني كلما استمعت لهذه الاغنية “Windmills of Your Mind” ولذات اللحن بلغة أخرى، بانحناءات مختلفة تتغير كلما تغير الصوت.. هي الموسيقى الفرنسية حين تعانق الكلمات الإنجليزية.

قيل عن الكلمات أنها أقرب ماتكون للشعر الحديث، حيث تختبئ معانٍ غامضة ومحيرة خلف كلماتٍ بسيطة. كانت الكلمات العربية من نصيب شعر منصور الرحباني، وبدت الكلمات العربية كشقيقة لصيقة لأغنية الزوجين بيرقامان حيث تدور في ذات المعنى. يختلف الكلمِ وتجمعهما الموسيقى.

هنا كما تغنيها “Petula Clark”، هذا الغناء الملائكي..

أما الموسيقى الأساسية فكانت للفرنسي “Michel Legrand”

في حين أن الكلمات الإنجليزية تعود للزوجين “Marliyn & Alan Bergman”.

كان بداية غنائها بالإنجليزية يعود للعام 1968، في فيلم “The Thomas Crown Affair”، بصوت “Noel Harrson”. وهنا المشهد الذي أذيعت فيه بالإنجليزية لأول مرة.و

وتُعد نسخة “Dusty Springfield” من النُسخ الإنجليزية الجميلة أيضًا لتلك الأغنية.

وكنوع من الاعتراف بالجميل الفرنسي، هنا بصوت “Frida Boccara”

وهنا بموسيقى المكسيكي “Ernesto Cortázar”

وللنسخة العربية مكان رقيق أيضًا، بصوت “هبة طوجي” الساحر، وجاءت بعنوان ” لا بداية و لا نهاية” بأشعار “منصور الرحباني”. ويبدو اسم الاغنية كإرث عربي لا يتغير.

فن الحوار عند سقراط كما يصفه غاردر

3ZV63aSdbNADPHP8ZEE8LAeXrcMpXknY74e8ocpbH9Rw

“مثلًا أعلى، جهبذًا في الفلسفة. قديسًا، نبيًا، إلهًا للشمس، ومدرسًا أُدين بالهرطقة بسبب تعاليمه”
هكذا وصف أحد المُعاصرين سقراط، الذي قرأ عنه من خلال أفلاطون.
سقراط، اسم لفيلسوف يوناني تتلمذ على يديه الكثير من الأسماء اليونانية اللامعة كأفلاطون، والذي أصبح مرجعنا عنه، خاصة وأن سقراط لم يترك كُتبًا، بل أن كل معلوماتنا عنه جاءت من خلال روايات تلاميذه الفلاسفة، وخاصة ما جاء عنه في حوارات أفلاطون.
تُنسب إلى سقراط مفاهيم السخرية السُقراطية والمنهج السقراطي، المعروف باسم (Elenchus). ولا يزال هذا المنهج مستخدمًا في مجالات واسعة من النقاشات، كما أنه نوع من البيداغوجيا (علم التربية) التي بحسبها تُطرح مجموعة من الأسئلة ليس بهدف الحصول على إجابات فردية فحسب، وإنما كوسيلة لتشجيع الفهم العميق للموضوع المطروح.
تناول جوستاين غاردر الكاتب وأستاذ الفلسفة النرويجي في كتابه الشهير (عالم صوفي) الفلسفة، بداية من الدهشة الخالصة كمدخل للفلسفة وهذا ما يجعل الأطفال في نظره هم أفضل الفلاسفة، وصولًا لفن الحوار الساخر لدى سقراط، وكيف تتولد المعروفة من خلال أسئلة يطرحها المحاور وهو يتظاهر بعدم الفهم، فيما وصفه بسُخرية سقراط، فيقول:

يكمن سر الفعالية لدى سقراط في أنه لم يكن يحاول تعليم الناس، بل على العكس، كان يعطي الانطباع بأنه يريد أن يتعلم من محدثه. لم يكن يعمل كأستاذ رديء .. على العكس كان يناقش ويجادل.

مؤكد أنه لو اكتفى بمحاورة الناس لما أصبح فيلسوفًا مشهورًا. ولكن لما كان حُكم عليه بالإعدام أيضًا. في الواقع، كان يبدأ بطرح الأسئلة، متظاهرًا بأنه لا يعرف شيئًا، ثم يرتب الحوار بشكل يجعل المحاور يكتشف شيئًا فشيئًا مثالب تفكيره، إلى أن يجد نفسه أخيرًا محصورًا بحيث يضطر إلى التمييز بين الصواب والخطأ.

هكذا تتمثل مهمة سقراط في توليد العقول أفكارًا صحيحة. إذن فالمعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من داخل كل منا دون أن يستطيع أحد أن يقذفنا بها.

بإمكان كل الناس التوصل إلى الحقائق الفلسفية، إذا قبلوا أن يستعملوا عقولهم. فعندما يبدأ الإنسان بالتفكير، يجد أجوبته داخل نفسه.

لقد كان سقراط بتظاهره عدم المعرفة يجبر الناس على التفكير. كان يعرف أن لعب دور الجاهل أو على الأقل دور من هو أكثر غباء. وهذا يسمى (سخرية سقراط) وبذا كان في مقدوره أن يكشف مواطن الضعف في تفكير الاثينيين. وكثيرًا ما كان يحصل هذا المشهد في السوق أي بين الناس. حيث كانت مصادفة سقراط في الشارع تعني خطر الوقوع في فخ السخرية، والتحول إلى أضحوكة المدينة.

ولا يمكن أن نعجب من كون الكثيرين باتوا يجدونه مزعجًا ومنفرًا و خصوصًا أولئك الذين كانوا يمتلكون سلطة ما في المجتمع.

“تشبه أثينا حصانًا كسولًا، وأنا أشبه ذبابة تحاول إيقاظها وابقائها حية”، هكذا كان يقول.

مقومات الفنون الجميلة عند مالك بن نبي

1_1028263_1_34

يقول الفيلسوف الألماني هيغل: “الجمال: هو ذلك الجنّيُّ الأنيس الذي نصادفه في كلّ مكان”، لنعرف أن الإنسان مجبول على الالتفات للجمال والتمعن فيه واستدعاؤه، ومفطور أيضًا على تساؤلات لا تنتهي عن الجمال والفن، مثلًا: هل يخضع الجمال لمعايير تجعل منه مقبولًا، أم أنه لا حدود للجمال، لا مقاييس ولا معايير؟ هل الجمال والفن فضيلة مُطلقة؟ أم أن الفن تحكمه شروط ليكون نشاطًا مُمارسًا في المُجتمع، انشغالًا أساسيًا في الحياة، نُمارسه كأفراد ونُعبر عن أنفسنا ومشاعرنا وأفكارنا من خلاله؟ هل الفن والجمال أفكار قابلة للنقد والتمحيص والتعديل والتدخل؟ هذه التساؤلات كلها كونت ما يُسمى بفلسفة الجمال، عن أفكارالإنسان عن الجمال ومغزاه وحدوده وهل له شروط، عن كل ما يتعلق بالجمال والفن.
مالك بن نبي – المفكر والكاتب الجزائري وأحد رواد حركة النهضة الفكرية في مطلع القرن العشرين- يتحدث في كتابه “شروط النهضة” عن المقومات الهامة للفنون الجميلة وكيف تؤثر هذه المقومات على الغاية من الفن.

تبرز أهمية الفن الجميل في أحد موقفين ؛ فهو إما داع إلى الفضيلة، وإما داع إلى الرذيلة، فإذا حددت الأخلاق مُثله وغذى الجمال وحيه، فينبغي عليه أن يحدد هو وسائله وصوره الفنية للتأثير في الأنفس.

ويبرز خطر الفن عندما يُشرع في تقرير هذه الوسائل التي تجعله مريبًا أو مفسدًا، وذلك حسبما يُختار من الصور والألحان ؛ فالرقصة مثلًا  إما أن تكون قصيدة شعرية أو حركة جنسية، وهي على كل حال طريقة الطير في التقرب من أنثاه، وهي أيضًا للرجل في شأنه مع المرأة.

غير أن الرقصة تطورت عند الإنسان، فأصبح فيها شيء من الشعر عند اليونان، وشيء من التصوف في طقوس بعض الأديان ؛ وفي كل هذه التطورات نجد الأخلاق قد حددت أهدافها ومراميها، وبقيت الوسيلة التي تعطي الرقصة صورتها الفنية، فالتقرب من المرأة قد يكون بغزل شريف وقد يكون بغير ذلك، والهدف واحد. ومن المؤسف أن الرقصة عندنا -العرب- قد أصبحت صورة جنسية فقط، بينما هي قد اتخذت لها عند اليونان صورة شعرية، وأصبح في بلادنا أيضًا مشوهًا للذوق، لأنها اتخذت إلى النفوس صورة جنسية فقط.

فإذا فهمنا الفن على هذه الصورة، فإننا نستطيع أن نوسع نطاقه حتى يشمل المشي في الشوارع، وكيفية شرب الماء، وكيفية التثاؤب في المجتمعات العامة ؛ غير أن المجال لا يتسع لكي تضم هذه السطور القليلة كل هذا.

كذلك فإننا نكتفي من الفن بمعناه الشائع، أي بما هو معدود من مظاهره العادية المنتشرة في البلاد الإسلامية اليوم، كالغناء والموسيقى والسينما وغير ذلك.

إننا لا نجمع في خدمتنا للفن بين الجهد والعبقرية، كأن الكسل من ميزات الفن الجميل عندنا. وربما نعجب إذا سمعنا أن المقدرة والنبوغ في الفن هما نتيجة الكد الطويل والجهد المستمر، والعمل الثابت والاجتهاد في البحث والانتقاد بقصد التحسين.

وليس من شك في أن المواهب الفطرية شرط واجب، إلا أنها ليست الشرط الوحيد، لأن المواهب وحدها وإن كانت تنير اسم الفنان، إلا إنها -من غير كد وجهد- تحرقه، وسرعان ما يصبح في ظلمات النسيان. وهكذا كان شأن بعض فنانينا، فإنهم أضاؤوا لحظة ثم انطفؤوا إلى الأبد، مع أنهم كانوا على جانب من المواهب، لو أنهم استخدموها في سبيل الفن لكانوا من الخالدين.

وهذه الإشارة إلى وجوب التوفيق بين المواهب والمجهودات الشخصية في ميدان الفن الجميل، نراها تنطبق أيضًا في الرياضة، حيث نرى كثيرًا من الرياضيين عندما يطلبون الكسل العاجل، ولا يركنون إلى الجهد الطويل، فتذهب مواهبهم الغالية هباء منثورًا.

وعلى كلٍ فإننا نحتاج أن نقرن بين الموهبة والقدرة لنحصل على شيء يكون جديرًا باسم الفن.

إن الفن الذي ليس إلا رياء كاذبًا وتصنّعًا مخلًا  لبعض الفنانين، الذين يهملون مظهرهم مبالغة في البساطة ليظهروا بساطتهم الفنية، هو من المشرب نفسه الممثل في بعض شبابنا الرياضيين، حين يبالغون في تعقيد مظهرهم، بتقليد أبطال السينما في إطالة الشعر واستخدام العطور والمساحيق أحيانًا، بينما البساطة تعني البساطة.

إن هذا ليس من روح الفنون بل هو من باب الجنون، وواجبنا أن نضرب على أيدي أولئك المتبطلين، فلا نسمح لهم بأن يشوهوا ذوقنا الفني باسم الفن، والفن منهم براء.

بلوتارخوس في وصف إسبرطة

hl-spartans

يكفي ذكر بعض اسم مدينة لتستحضر الذاكرة والخيال صورة ما، إسبرطة، عند ذكرها لابد وأن تسمع صوت مزامير الرعاة في الجبال، وصوت ارتطام سيفين خشبيين وصيحات أطفال يتدربون على القتال، وصوت أعضاء مجلس الشيوخ يتناقشون رُبما حول ذهاب الجيش للحرب.
كانت بلاد اليونان قبل فيليب المقدوني مُقسمة لدويلات في مُدن، بنظام عرف بدولة المدينة  (Police)، وكانت إسبرطة واحدة من تلك الدويلات، لها نظام حكم قائم بذاته، بدستور وبرلمان رُبما تتجاوز سلطاته قوة الحاكم نفسه، وجيش خاص يسهر على حمايتها ويغزو ويُشعل الحروب من أجلها، ساد إسبرطة الطابع العسكري، حد اهتمامهم بتدريب الأطفال مُنذ نعومة أظافرهم على القتال في معسكرات خارج المدينة، وحد تدريب النساء أيضًا على مهارات القتال، رُبما لنزع الخوف من قلوبهن، ورُبما لتربية أبناء على قدر القوة التي تتطلبها تلك المدينة.
حدثنا بلوتارخوس، وهو فيلسوف ومُحاور وسفير ومؤرخ يوناني تحصل على المواطنة الرومانية فيما بعد، حدثنا عن إسبرطة، عن تكوينها السياسي والعسكري والاجتماعي الذي جعلها كما كُتب عنها في التاريخ، والذي استفاد منه أفلاطون في نظرياته السياسية فيما بعد، وقد نقل إلينا الكاتب اللبناني دكتور إبراهيم النجار في كتابه (مدخل إلى الفلسفة) ما ذكره بلوتارخوس عنها، ومنه:

كان الإسبارطيون يعاملون الرجال والنساء بالتساوي في كل شيء بما فيه التمارين الرياضية التي لم يكن الهدف منها إرسال النساء إلى المعركة بل تدريبهن على عدم الخوف من الألم وعلى عدم إظهار الشفقة أو الضعف. وعند ولادة أي صبي، كان يجب على والده أن يأخذه إلى مجلس العائلة من المسنين ليتم فحصه، فإذا وجدوه ضعيفًا وهزيلًا  رموه في بئر ماء عميقة. وعاد الأب إلى بيته وكأن شيئًا لم يكن. كانت الخدمة العسكرية تبدأ في سن العشرين، ويُسمح للرجال بالزواج في هذا الوقت، ولكن لا يعيش الرجل مع زوجته إلا بعدما يدخل الثلاثين من عمره. كان يعيش الرجل في بيت مخصص للرجال يأكل ويعيش معهم. وبعد الثلاثين كان ينتقل إلى بيته ولكن يبقى يأكل مع الرجال. ولا يسمح للرجال أو المواطنين الإسبراطيين بالعمل في الفلاحة لأن فلاحة الأرض تعتبر مهنة غير لائقة بالرجال الأقوياء الذين عليهم أن يصونوا البلاد ويكونوا على أهبة الاستعداد للحرب في أي لحظة. كانت الدولة هي التي تملك الأرض وتوزعها على المواطنين بالتساوي.

يفلح الأرض خدم تم أسرهم أو الانتصار عليهم في الحرب. ليس الخدم عبيدًا ولكن لا يحق لهم الانتقال من قطعة أرض إلى أخرى. يزرعون الأرض ويقدمون حصة معينة إلى المواطن الإسبارطي الذي وزعت الأرض عليه ولا يملك حق بيعها. وهكذا تكون طبقة العسكر لا تختلط مع طبقة المزارعين. ويُقال أن (ليسوغوس) واضع دستور إسبارطة في سنة ٨٨٥ ق.م. قد استعار هذه الحكمة من المصريين القدماء. ومن الشائع أن (ليسوغوس) كان مشرّعًا حكيمًا.

يتولى الحكم في إسبارطة ملكان في نفس الوقت، كل من عائلة أو قبيلة مختلفة وينتقل الحكم بالوراثة. فأحد الملكين يقود الجيش إبان الحروب ولكن في وقت السلم يتمتعان بنفس السلطة. كانا عضوين في مجلس الأعيان الذي يتألف من ٣٠ شخصًا ينتخبون مدى الحياة شرط أن يكون العضو فوق ٦٠ سنة ومن عائلة أرستوقراطية. يحكم المجلس فقط في الأمور الإجرامية ويحضر المشاريع التي تبحثها الجمعية العمومية التي تتألف من جميع المواطنين. وكل القوانين التي تقرها الجمعية لا تصبح نافذة إلا إذا أعلنها مجلس الأعيان.

إضافة إلى ذلك كان هناك خمسة قضاة (أو إفارات) ينتخبهم كل المواطنين. ووظيفتهم هي مراقبة أعمال الملكين. وفي كل شهر يحلف الملكان أمام القضاة الخمس بأن يحموا الدستور ويحترموه ومن ثم يحلف القضاة أمام الملكين بأن يطيعوا الملكين شرط أن يحفظ الملكان عهدهما. وعندما كان يذهب ملك إلى الحرب كان يرافقه قاضيان ليتأكدا من سلامة تصرفاته.

لقد أدى هذا النظام إلى استقرار إسبارطة واشتهر الإسبارطيون بكونهم محاربين لا يقهرون. ويقال أن جماعة منهم تقارب ٣٠٠ محاربًا خاضوا معركة ثارموبليه سنة ٤٨٠ ق.م. ضد الفرس الذين كانوا يتفوقون عليهم بالعدد والعتاد. ولكن عندما فشلت كل محاولاتهم في في اختراق صفوف الإسبارطيين من الأمام، لجأ الفرس إلى خدعة وهاجموهم من عدة جهات وقتل الجميع خلال الدفاع عن أماكنهم. وكان قد تغيّب فارسان عن المعركة بسبب المرض، فجرّ واحد نفسه إلى المعركة وقتل، أما الآخر فعاد إلى إسبارطة، ليلقب بالجبان وقد قاطعه جميع من حوله.

سقطت إسبارطة سنة ٣٧١ ق.م. على يد مدينة ثيبا ذات القوة البحرية الصغيرة التي ألّبت أثينا ضد إسبارطة في حرب البيلوبونيز، وكان خوف ثيبا من إسبارطة كبيرًا، وكان يظن حكامها في الحزب الديموقراطي أن إسبارطة ستقضي على أثينا ومن ثم على ثيبا بمساعدة كورنث. فعملت ثيبا على إنشاء حلف يوناني تتزعمه أثينا لتقف في وجه إسبارطة حليفتها كورنث. ولكن لم يحالف الحظ هذا الحلف وانتهت حرب البيلوبونيز بهزيمة أثينا وانتصار إسبارطة. ويبدو أن العداوة لم تمت بسقوط أثينا. فعادت ثيبا وتحدت إسبارطة بمفردها وقضت عليها. ومنذ ذلك الحين لم يعد يحسب لإسبارطة أي حساب. ولم يدم الأمر طويلًا  حتى خضعت أثينا وكل اليونان لجيوش المقدونيين القادمين من الشمال بقيادة الإسكندر الكبير. وبعدها انتشر المقدونيون في الشرق كله.

لماذا نجح العالم الجديد في غزو القديم، وليس العكس ؟

jared-diamond

“لا إنعزالية في الفن” جُملة قرأتها مُنذ فترة في كتاب فن الواسطي لدكتور ثروت عُكاشة، وأُفكر أن الحضارة أيضًا نوع من أنواع الفن يستمر بقدر انفتاحك على الآخر وكم أنك تؤثر فيه وتأخذ عنه وتتطلع بإعجاب لإختلافك عنه وإختلافه عنك، وبقدر ما كُنت مُنفتحًا على العالم وعلى حقيقة أنك جزء من هذا العالم.
في كتابه الحاصل على جائزة البوليتزر، يخبرنا جارد دايموند عن محادثة له مع أحد سكان نيو غينيا الأصليين، والذي سأله “لماذا لديكم أيها الغربيون الكثير من الشحنات – Cargos هي جمع شحنة، وهي الكلمة التي استخدمها الرجل ليعني بها لمَ لديكم كل هذه المخترعات؟ – وليس لدينا نحن مثلها؟”، هذا السؤال لم يجب عليه دايموند وقتها ولكنه شغله لسنوات طويلة تالية وكان هذا الكتاب الذي تحول إلى فيلم وثائقي (مرفق أدناه) أيضاً هو الجواب.

وقد لخص دايموند جوابه في عنوان الكتاب (أسلحة، جراثيم وفولاذ)، حيث يستفتح بذكر اللقاء الشهير بين فرانشيسكو كورتيز وموكتيزوما إمبراطور الأزتيك، وكيف استطاع كورتيز برجاله القلائل القضاء على إمبراطورية كاملة، ويتخذ من هذه الحادثة التاريخية مدخلاً، ليشرح لمَ كان هناك فارق تقني هائل ما بين الغربيين والأزتيك، شارحًا عوامل تطور الحضارات، وعلاقة البيئة النباتية والحيوانية بهذا التطور، وكيف تصنع فروقات كبيرة على المدى الطويل، وكيف أن تعايش الحضارات وتقاربها يمنحها فرصة الاستفادة من بعضها البعض، بينما عزلتها تجعلها منكمشة، ضعيفة، كما يشرح بعد ذلك أهمية ودور الأسلحة والحديد كأدوات للإنسان في الحرب والسلم، وكذلك دور الجراثيم وكيف كان الأوربيون محصنين ضدها لأنهم كونوا مناعة، بينما قضت على السكان الأصليين بشكل مفجع، بحيث مات ملايين البشر بسبب أوبئة وأمراض جاءت مع الأوربيين.

للاستزادة: مراجعة موسعة من الجزيرة نت / الفليم الوثائقي من ناشونال جيوغرافيك

الفلامنكو.. حينما يلتقي السحر الغجري مع الطرب العربي

raycoiacarlota121503

حين نقلب صفحات التاريخ لنتعرف على سبب نشأة وعراقة بعض أنواع الموسيقى نجد أن السبب الحقيقي الأول هو الاضطهاد وما الموسيقى والغناء والرقص إلا أدوات للتنفيس، نوع من المطالبة السلمية بالحرية . والفلامنكو الفن الاسباني العريق أحد أنواع الموسيقى التي بدأت كمزيج من أحزان وآلام أقوام مهزومين وهم المسلمين، مع أقوام تائهين عابرين للقارات وهم الغجر من شمال الهند، وأخيرًا سكان الأندلس الأصليين أنفسهم من المسيحيين، الذين عانوا في نهاية الأمر أيضًا كالمسلمين واليهود عندما أقرت إيزابيلا ملكة إسبانيا قانونًا تُجبر فيه المُقيمون في الأندلس على تغيير ديانتهم وإتباع المسيحية بمذهبها الكاثوليكي بعد سقوط غرناطة المعقل الأخير للمسلمين في أيدي الإسبان، ليجد السكان الأصليين من المسحيين أنفسهم مُضطرين أيضًا لتغيير مذهبهم والمثول أمام محاكم التفتيش، أو مواجهة اتهامات الهرطقة والموت والعقوبات والطرد.
هكذا تكونت موسيقى الفلامنكو عبر التاريخ، خليطًا من ثقافات مختلفة ونغمات منسجمة تعلن عن نفسها بعذوبة. فحين تستمع إلى عازف الجيتار وهو يضرب بأنامله الأوتار، تجد أن الموسيقى قائمة على نوتات شرقية أساسية، أما باقي الملحمة فهي تحتوي على شعر غجري منتظم يحكي الظلم ويفسر المعاناة الإنسانية التي يعيشها كل منهم. يقول محمد فايد في حديثه عن موسيقى الفلامنكو :

أعلن الفلامنكو عن نفسه في القرن 18 وعلى الرغم من أن العديد من تفاصيل تطوره مفقودة اليوم فإن جل الدراسات تشير إلى أن هذا الفن مرتبط بالغجر وبثقافات أخرى تعايشت في المنطقة ومن بينها الثقافة المورسكية ذات الأصول العربية الإسلامية إضافة إلى الثقافة الاسبانية المحلية. وتطور بفضل اجتهادات الغجر الذين لم يتخلوا عنه ولا عن لغاتهم وثقافتهم الأصلية خلال ترحالهم عبر ربوع الأندلس وغيرها من البلاد، فقد جلبوا موسيقاهم الخاصة لتمتزج مع ما هو قائم في البلاد التي احتضنتهم. ومازال الفلامنكو يحتفظ بعلامات تدل على أصوله الشرقية بشكل واضح، كاعتماد الحنجرة في الغناء، والطابع الشرقي في التأليف الموسيقي الذي يعتمد الهارموني العربي، مثلما هو شائع في العزف العربي على العود وغيره من الآلات التي تعطي التون ونصف التون، كما أن التشابه القائم بين مقامات الفلامنكو ومقامات الغناء العربي بارز العيان.

ذلك المزيج لم يتوقف عند تلك النقطة فقط، بل تموج تأثير الفلامنكو بين بحري العرب والغجر. فكلما أوغلنا في تفاصيل الفلامنكو من حيث تركيبة الموسيقى والكلمة نجد أن بعض المؤرخين أمثال بلاس انفانتي أرجأوا معنى “الفلامنكو” لأصل عربي وهي “فلاح منكم”. كما قال البعض أيضا أن “Ole – أولي”  الكلمة التي يقولها جمهور الفلامنكو لفرط إعجابهم الشديد بالعرض والموسيقى على شكل صرخات هي في حقيقتها كانت “الله” تأثًرا بالموركسيين لكنها تغيرت مع الزمن إلى “أولي”. حيث يفصل محمد فايد :

ولقد اختلف الباحثون والمؤرخون في تأصيل تسمية الفلامنكو فهناك من ينسبها إلى طائر الفلامنكو الوردي الراقص المهاجر وآخرون أرجعوها للكلمة العربية «فلاح منكوب» أو « فلاح منكم» وطبقا لبلاس انفانتي يرجع «فلاح منغو» إلى «فلاح من غير أرض» وهم الفلاحون الموريسكيون الذين اضطهدوا وأصبحوا بدون أرض فاندمجوا مع الغجر وأسسوا الفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم التي يشعر بها الناس بعد إبادة ثقافتهم.

لاينتهي جمال الفلامنكو هنا.. بل إنه لا يكتمل إلا في عنفوان راقصات الفلامنكو، أولئك اللواتي يعلن برقصهن الثورة ضد الألم فيضربن بأرجلهن أرضًا ثم يحركن أيديهن معلنات عن الحياة والحرية. فنلاحظ هنا أن الفلامنكو رقصة لا تتمحور حول قصة رومانسية بقدر أنها ملحمة إنسانية شامخة.. يواصل محمد فايد :

فن الفلامنكو يعكس بجلاء تقاليد وأعراف التنظيم الاجتماعي الغجري الذي يحتل فيه الذكور المكانة البارزة بينما تحتجب المرأة وراء أدوارها التقليدية. ولكن في حفل الرقص تبدو الطقوس مخالفة لهذا العرف متحررة منه. فبداية الرقصة تكرس بشكل قوي هيمنة النساء وتحكمهن في حلبته، بعد ذلك يلتحق الرجال بالحلبة بشكل تدريجي. ورقص النساء يستحث المغني على التفنن في تلاوة قصائد الغزل التي تتغنى بجمال وأنوثة الراقصة حيث يتيح حفل الرقص للغجريات فرصا كبيرة ومهمة لتغيير وضعهن الاجتماعي. تلبس الراقصة لباسا زاهيا ملونا عريضا فضفاضا على غرار لباس الغجر بينما يلبس الراقص قميصا ضيقا ملونا أو أبيض وسروالا أسود ضيقا أيضا وينتعل الذكور والإناث أحذية قوية تحدث فرقعات مسموعة خلال ضرب الأرض بها. وكان سلفهم يلبسون أحذية ذات كعوب عالية لإحداث الصوت القوي المسموع ويضعون على رؤوسهم قبعات تقليدية لم يعد يستسيغها الراقصون ولا المغنون اليوم. وهي تختلف عن الرقص الهادئ المتمايل كالرقص الشرقي أو الكلاسيكي حيث تعتمد راقصة الفلامنكو في حركاتها على قوتها الجسدية هذا بالإضافة  إلى حركات ذراعيها وقدمها بعنف مما يترجم الثورة على القيود. ويختلف أداء الراقصة عن أداء الراقص ببعض الحركات العنيفة عند الراقص التي تعبر بقوة عن هذا العنف مما يجعل الراقص الماهر يثير الإعجاب على الرغم من مكانته الثانوية في حفل الرقص في ظل مكانة المرأة التي تهيمن عليه تعبر راقصة الفلامنكو في رقصها عن الكبرياء والأنفة من خلال حركة الذراعين والقدمين مترجمة أحاسيسها الداخلية بحركات سريعة وقوية كالتصفيق والضرب بالقدمين والإغناء السريع للجسد وشموخ الهامة في كل الايقاعات.. وتعتمد الراقصة على حركة الأطراف (الأيدي والأرجل) وهذه الحركة لا تتجه نحو الهدر والرومانسية بقدر ما تتجه نحو التصعيد الحركي أو الدينامية المتنامية.

هنا تجد بعض فقرات رقصة الفلامنكو الإسباني الغجري ، كما تستطيع الاستماع لسحر جيتارها

 


للإستزادة: ورقة محمد فايد عن الفلامنكو بعنوان (الفلامنكو.. الغنائيات والعزف والراقصات) من دورية الثقافة الشعبية / مقال عن (تاريخ موسيقى الفلامنكو) من أكاديمية الفنون

سيد درويش وإحياء الموسيقى العربية

444417-5

سيد درويش (1892 – 1923) هو فنان وملحن مصري، يلقب أحيانًا بباعث النهضة الموسيقية العربية. كان له دور كبير في تجديد الموسيقى. حيث قال عنه الأديب عباس العقاد في مقالة موسيقية رثائية له:

فضْل سيد درويش – وهو أكبر ما يذكر للفنان الناهض من الفضل – أنه أدخل عنصر الحياة والبساطة في التلحين والغناء بعد أن كان هذا الفن مثقلاً كجميع الفنون الأخرى بأوقار من أسجاعه وأوضاعه وتقاليده وبديعياته وجناساته التي لا صلة بينها وبين الحياة، فجاء هذا النابغة الملهم فناسب بين الألفاظ والمعاني، وناسب بين المعاني والألحان، وناسب بين الألحان والحالات النفسية التي تعبّر عنها، بحيث نسمع الصوت الذي يضعه ويلحنه ويغنيه فنحسب أن كلماته ومعانيه وأنغامه وخوالجه قد تزاوجت منذ القدم فلم تفترق قط ولم نعرف لها صحبة غير هذه الصحبة اللزام. ولم يكن الغناء الفني كذلك منذ عرفناه.

كانت لأغانيه الوطنية دور كبير في ثورة 1919 حيث لحّن وغنّى لأول مرة قصيدة “بلادي بلادي” التي كتبها الشاعر محمد القاضي، والتي أصبحت بعد ذلك نشيدًا وطنيًا للجمهورية المصرية، وكان مطلع هذه القصيدة مقتبس من خطبة ألقاها قائد الحركة الوطنية بمصر مصطفى كامل، والتي قال فيها “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي.. لك حياتي ووجودي، لك دمي، لك عقلي ولساني، لك لُبّي وجناني، فأنت أنت الحياة.. ولا حياة إلا بك يا مصر” والتي يُذكر أن كلّا  من سيد درويش ومحمد القاضي قد حضراها فألهمتهم لكتابة الأغنية ووضع اللحن.. واستمرت ثنائياتهم الوطنية فكتب محمد القاضي ولحّن سيد درويش “أهو ده اللي صار”، “بلح زغلول” وغيرها من الألحان التي سرعان من التقطها الشعب بجميع فئاته وأصبحوا يغنونها في الشوارع والمقاهي والمظاهرات، وعندما نُفي سعد زغلول وقفت هذه الأغاني وترديد الشعب الدائم لها موقف الضغط على قوى الاستعمار، واضطر المستعمِر على إعادة زغلول ولمّ حقائبه تاركًا مصر لأهلها.. غنى سيد درويش إلى جانب الألحان الوطنية أغاني (كانت الأغنية تُعرف في ذلك الوقت بـ”الدور” أو “الطقطوقة”) شعبية من واقع الشعب، فغنى “لحن السقايين” و”لحن البترول” و”لحن التحفجية” (الحشاشين) و ”لحن الصنايعية” ذاك الذي قال فيه: “الديك بيدّن كوكو كوكو في الفجرية يلا بنا على باب الله يا صنايعية يجعل صباحك صباح الخير ياسطه عطية”..

وغنى الرويات المسرحية مثل “أوبريت العشرة الطيبة” و ” أوبريت شهرزاد”، و “الباروكة” التي غنى في نهايتها مونولوج الشيطان: “دي حكاية أزلية ورواية تاريخية وارثها عن ابويا وواخدها من اخويا شوف بختك في مراتك زي أختك وحماتك قلتلهم عملوها وسعادتهم لقيوها مالناش أبدًا غير باروكتنا هي حيلتنا”.. وكانت تؤدَّى هذه الروايات المسرحية على خشبة المسرح وكانت هي التي تشكّل العقلية الفنية والمسرحية في رؤوس المصريين لأول مرة.. أيضًا مما تغنى به سيد درويش بكل صدق هو علاقته بحبيبته “جليلة” التي عزف في حبها أعذب الألحان منها “أنا هويت” و”أنا عشقت” و “والله تستاهل يا قلبي” وغيرها الكثير. ويُذكر أنه كان يغني اسمها عرضًا بين كلمات الأغاني أحيانًا، فغدت “جليلةُ” سيّد ذائعة الصيت والشهرة.. وأصابت هذه الألحان قلوب المصريين لما فيها من توافق بين اللحن والكلمات وآداء غنائي شجي لسيد درويش.. فاهتم بها العامة والأدباء ورجال القصر..

كان الأديب توفيق الحكيم هو الذي تتبعه في المسارح والمقاهي ليستمع إلى فنّه وليكتب عنه بعد ذلك:

كانت أغاني سيد درويش…وألحانه الشعبية…تسري في الناس كالنار في الهشيم..ولكني ما كنت أرى منه أن هذا هو الذي يملؤه بالفخر. لقد كان تواقًا إلى الفن في صورته العليا…وأنه لعجيب أن يكون لمثل سيد درويش بثقافته البسيطة صورة عليا للفن.. إنني لا أعتقد أن سيد درويش كان يتعمد التجديد قهرًا أو افتعالًا ولم أسمعه يتحدث في ذلك.. كما يتحدث أصحاب النظريات أو قادة النهضات.. ولكن التجديد عنده فيما أرى كان شيئا متصلًا بفنه ممزوجًا به… لا حيلة له فيه.. شيئًا يتدفق من ذات نفسه …كما يتدفق السيل الهابط من القمم.. كانت الألحان تنفجر منه كأنها تنفجر من ينبوع خفي…

يمكنك الاستماع إلى مجموعة أغاني السيد درويش في اليوتيوب عبر هذه القائمة.

موسيقى الفادو: حياة وتاريخ

tumblr_m9rgzoIdNs1qfbkomo1_500

الموسيقى إيقاع مشاعر الشعوب، نبض الشارع، تعبيرَا صادقًا عن ما يجول في روح البلاد، تعبيرًا موازيًا بلا مواربة، أحيانًا الموسيقى ثورة مُستترة، أحيانًا هي كناية عن شيء ما، صرخةٌ ما، إتجاهٌ ما، وحتى رأيٌ ما، ودومًا هي لُغة، وإن كُنا سنمنحها وصفًا سنقول عنها أنها  أحيانًا لغة الأفواه المُكممة واللامحكي.
فادو
لون غنائي برتغالي يلخص مفهوم المعاناة والألم نشأ في عام 1820، أو ربما قبل ذلك. يستخدم في هذا اللون من الموسيقى آلة الجيتار لكنها تحمل في صوتها وطريقة العزف عليها الطابع الأفريقي والأندلسي العربي قليلاً وذلك لتأثرها بالموسيقى الإسبانية والفلامنكو. فادو لشبونة يعتبر اليوم من التراث البرتغالي الذي يحكي تاريخ البرتغال والثورات، ومنها ثورة القرنفل التي حدثت في القرن الماضي، وعُرفت بهذا الاسم حين وضع الشعب زهور القرنفل في فوهات بنادق الجنود تعبيرًا عن سلمية نواياهم، حتى أنها كانت الأكثر سلمية على مر تاريخ البرتغال.

يحمل هذا الفن في طياته لوعة وحزن وشجن ويتمحور حول كلمة (saudade) البرتغالية، والتي قد تعني الحزن الممزوج بالأمل، أو ما يتفجر لحظة لقاء المحبوب، وربما كانت تعني (الوجد) أو (الشجن) والذي هو مزيج عجيب من مجموعة مشاعر متضاربة من العشق والحزن والأمل. وعن الفادو تقول رجاء عالم:

يذهب البعض للقول بأن الفادو موسيقى جاءت كرقصة من أفريقيا في القرن 19 ، و تبناها الفقراء في شوارع مدينة لشبونة ، أو ربما بدأت في البحر كتراجيع الأمواج لحنين و أغاني البحارة الحزينة . و مهما كان مصدر الفادو فلقد التزمت مواضيعه القدر ، و الخيانة و اليأس و الموت ، و يقال إن حفل الفادو لا يُعَدُّ ناجحاً مالم تهمي دموع الجمهور . و في أوائل القرن العشرين كان الفادو هو موسيقى المأزق الأرضي ، موسيقى معجونة بتراب و عرق الأحلام المستحيلة للطبقة العاملة ، واشتهر مغنوه بالفاديست ، ينتشرون أزقة أقدم أحياء برشلونة ، و في حاناتها و ملاهيها الطافحة بالفقراء ، تصدح حناجرهم بالغناء مع المساء و تخترق جوف الليل كختام ليوم عمل شاق و تنفيث لهمومه ، هو التوق الذي لا يُشبع على هذه الأرض ، بينما يستحضر الفادو للمهاجرين البرتغال الوطنَ الذي خلفوه وراءهم.

كسائر الموسيقى الشعبية، تعتبر الفادو لغة الروح للروح؛ لأنها تحكي البحر والموج والفقد. وهي مؤثرة بمكان دفع أحد رؤساء البرتغال لمحاولة  التضييق على هذا الفن واخراجه في شروط معينة دون ابتذال. ولأن الفادو أحد ثروات البرتغال استمر هذا الفن ونمى بين أجيالها حتى غدا اليوم هو الإحساس بالحياة.

وأما الطقوس، فللفادو طقوسه أيضًا. فإلى جانب أنه حكايا إنسان ومعاناة وطن، فلحضوره هيبة عند جمهوره في الإصغاء. حيث أنه بمجرد أن يبدأ العزف على الجيتار ينغمس الجمهور إنغماسا كليًا ليشاهد الصورة كاملة، في السواد الذي يغطي كامل جسد مغنيات الفادو العريقات، ويرى في طريقة الغناء ولغة اليد خاصة قصة إما بوضعها خلف الخصر ليخرج الصوت من العمق أو أنها تكون بمحاذاة مقر الألم حيث القلب!

ولرجاء عالم وصف لطقوس اميليا رودريغوس التي تعتبر هي ملكة الفادو والعزفيين المرافقين لها حيث تقول:

يبدأ العازفون الثلاثة منكبين على جيتاراتهم ، برؤوسهم منحنية على أجساد الآلات التي يضمونها و يغوصون بأصابعهم في أوتار قلوبهم ، لينبعث جيشانها موقِّعاً لوعته على حبال حنجرة صوت كريستينا ، و التي بدأت بيديها خلف خاصرتها ، و ترتعد مع كل اختلاج للحن .. اليد جزء من طقس الفادو ، فهي إما خلف الجسد مثل ركيزة لتسمح للحنجرة و الصدر بالانبثاق في الهواء ليرسل الصوت طليقاً من أسفل الجذع البشري ، أو هي عصافير جنة تُحَلِّق مرتعدة قليلاً في الهواء و لا تلبث أن تغوص منغرسة في الصدر ، تضرب عليه لتشق أبوابه للقلوب المنصتة..

من هنا يمكن مشاهدة ملكة الفادو اميليا رودريغوس وهي تغني إحدى أغانيها ، كما يمكنك الاستماع إلى مجموعة أغانيها في اليوتيوب من هذه القائمة.

وهنا يمكنك مشاهدة أغنية أخرى لهذا الطابع من الفن.

للاستزادة :

الفادو تروي حنين القنفل / مقال “الفادو” للكاتبة رجاء العالم / موسيقى الفادو إحساس بالحياة

نصيحة الرافعي لمن أراد أن يكون كاتبًا محترفًا


اللغة هي صوت الوجدان والعقل، أداة نستطيع بها جعل خيالنا ووجداننا وأفكارنا مقروءة، مسموعة، مُجسّدة في كلماتٍ وجُمل، وقدرة تلك الكلمات والجُمل على وصف مشاعرنا وأفكارنا تعتمد في المقام الأول على مدى كياستنا في انتقاء المُفردات والألفاظ، والتي تتحول بالوقت والمُمارسة إلى أسلوب كتابي يُصبح خاص بنا ونُعبر من خلاله عن أنفسنا ونظرتنا للحياة وممارستها ، قد يُضيف إلينا وقد نُضيف إليه، في النهاية هو إبداعنا الخاص، هو تواطؤ الخيال ورغبتنا العميقة في أن يسمعنا الآخر ويفهمنا ويشعر بنا ويُشاركنا، تواطؤ يخرج في هيئة كلمات وجُمل.
تتنوع الأساليب الكتابية بتنوع البشر ومشاعرهم، وباختلاف الموضوعات التي يتناولها كل منهم، لكن تبقى هُناك أرضية مُشتركة تقف عليها جميع تلك الأساليب، هي روح اللغة والتعبير، هي الشعور.
مصطفى صادق الرافعي هو أحد أشهر الأدباء والكتاب المصريين، صدرت له العديد من المؤلفات الأدبية الرفيعة مثل “وحي القلم” وغيرها. يتحدث الرافعي في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه يرشده فيها إلى الطريق لكي يكون أديبًا وكاتبًا معروفًا -جُمعت لاحقاً في “من رسائل الرافعي“- حيث يقول:

أيُّها الفاضلُ

إنّ أعمالي كثيرةٌ في هذه الأيام ِ ولذا أراني أبطأتُ في الردِ على كتابكَ ، وإنّي مجيبك عنهُ بإيجازٍ ، لأنّ ما سألتَ عنهُ يصعبُ التبسّطُ فيهِ على وجهٍ واحدٍ .

إنّكَ تريدُ امتلاكَ ناصيةِ الأدبِ – كما تقولُ – ، فينبغي أن تكونَ لكَ مواهبُ وراثية ٌ تؤديكَ إلى هذه الغايةِ ، وهي مالا يُعرفُ إلا بعدَ أن تشتغلَ بالتحصيل ِ زمناً ، فإن ظهرَ عليكَ أثرها وإلا كنتَ أديباً كسائرِ الأدباءِ ، الذينَ يستعيضونَ من الموهبةِ بقوّةِ الكسبِ والاجتهادِ .

فإذا رغبتَ في أقربِ الطرق ِ إلى ذلكَ فاجتهدْ أن تكونَ مفكّراً منتقداً ، وعليكَ بقراءةِ كتبِ المعاني قبلَ كتبِ الألفاظِ ، وادرسْ ما تصلُ إليهِ يدكَ من كتبِ الاجتماعِ والفلسفةِ الأدبيةِ في لغةٍ أوربيةٍ أو فيما عرّبَ منها .

واصرف همّكَ من كتبِ الأدبِ العربي – بادىء ذي بدءٍ – إلى كتابِ كليلةَ ودمنة والأغاني ورسائلَ الجاحظِ وكتابَ الحيوان ِ والبيانِ والتبيين لهُ ، وتفقّه في البلاغةِ بكتابِ ” المثل ِ السائرِ ” ، وهذا الكتابُ وحدهُ يكفلَ لكَ ملكةً حسنة ً في الانتقادِ الأدبي ، وقد كنتُ شديدَ الولعُ بهِ .

ثمّ عليكَ بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ كتابِ ” نُجعةِ الرائدِ ” لليازجي والألفاظِ الكتابيّةِ للهمذانيّ ، وبالمطالعةِ في كتابِ ” يتيمةِ الدهرِ ” للثعالبيّ والعقدِ الفريدِ لابن عبدربه وكتابِ ” زهرِ الآدابِ ” الذي بهامشهِ .

وأشيرُ عليكَ بمجلّتينِ تُعنى بقراءتهما كل العنايةِ ” المقتطف والبيان ” ، وحسبكَ ” الجريدةُ ” من الصحفِ اليومية و ” الصاعقة ” من الأسبوعية ، ثم حسبكَ ما أشرتُ عليكَ بهِ فإنّ فيهِ البلاغ كلّهُ ، ولا تنسَ شرحَ ديوان ِ الحماسةِ وكتابَ نهجِ البلاغةِ فاحفظْ منهما كثيراً .

ورأسُ هذا الأمر ِ بل سرّ النجاح ِ فيهِ أن تكونَ صبوراً ، وأن تعرفَ أن ما يستطيعهُ الرجلُ لا يستطيعهُ الطفلُ إلا متى صارَ رجلاً ، وبعبارةٍ صريحةٍ إلا من انتظرَ سنواتٍ كثيرة .

فإن دأبتَ في القراءةِ والبحثِ ، وأهملتَ أمرَ الزمن ِ – طالَ أو قصرَ – انتهى بكَ الزمنُ إلى يوم ٍ يكونُ تاريخاً لمجدكَ ، وثواباً لجدّكَ .

[..]

الإنشاء لا تكون القوة فيه إلا عن تعب طويل في الدرس وممارسة الكتابة والتقلب في مناحيها والبصر بأوضاع اللغة وهذا عمل كان المرحوم الشيخ ” محمد عبده ” يقدر أنه لا يتم للإنسان في أقل من عشرين سنة .

فالكاتب لا يبلغ أن يكون كاتبا حتى يبقى هذا العمر في الدرس وطلب الكتابة .

فإذا أوصيتك فإني أوصيك أن تكثر من قراءة القرآن ومراجعة ” الكشاف ” ( تفسير الزمخشري ) .

ثم إدمان النظر في كتاب من كتب الحديث ” كالبخاري ” أو غيره ، ثم قطع النفس في قراءة آثار ” ابن المقفع ” ” كليلة ودمنة ” ” واليتيمة ” والأدب الصغير ” ، ثم رسائل الجاحظ ، وكتاب ” البخلاء ” ثم ” نهج البلاغة ” ثم إطالة النظر في كتاب ” الصناعتين ” و ” المثل السائر ” لابن الأثير ، ثم الاكثار من مراجعة ” أساس البلاغة ” للزمخشري .

فإن نالت يدك مع ذلك كتاب ” الأغاني ” أو أجزاء منه و ” العقد الفريد ” ، و ” تاريخ الطبري” فقد تمّت لك كتب الأسلوب البليغ .

اقرأ القطعة من الكلام مرارا كثيرة ، ثم تدبرها ، وقلب تراكيبها ، ثم احذف منها عبارة أو كلمة ، وضع ما يسد سدها ولا يقصر عنها ، واجتهد في ذلك ، فإن استقام لك الأمر فترق إلى درجة أخرى ، وهي أن تعارض القطعة نفسها بقطعة تكتبها في معناها ، وبمثل أسلوبها ، فإن جاءت قطعتك ضعيفة فخذ في غيرها ، ثم غيرها ، حتى تأتي قريبا من الأصل أو مثله .

اجعل لك كل يوم درسا أو درسين على هذا النحو فتقرأ أولا في كتاب بليغ نحو نصف ساعة ، ثم تختار قطعة منه فتقرأها حتى تقتلها قراءة ، ثم تأخذ في معارضتها على الوجه الذي تقدم – تغيير العبارة أولا ثم معارضة القطعة كلها ثانيا – واقطع سائر اليوم في القراءة والمراجعة .

ومتى شعرت بالتعب فدع القراءة أو العمل ، حتى تستجم ثم ارجع إلى عملك ولا تهمل جانب الفكر والتصوير وحسن التخييل .

هذه هي الطريقة ولا أرى لك خيرا منها ، وإذا رزقت التوفيق فربما بلغت مبلغا في سنة واحدة .

[..]

وما أرى أحدا يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكما نافذا بالأشغال الشاقة الأدبية ، كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية ، فاحكم على نفسك بهذه الأشغال سنتين أو ثلاثا في سجن ” الجاحظ ” أو ” ابن المقفع ” أو غيرهما ، وهبها كانت في أبي زعبل أو طرة .