أرشيف الكاتب

قائمة لكتب الموسيقى الشرقية والغناء العربي

من الصعب أن نجد مصدراً جيداً يصلنا لتأريخ أصيل يتحدث عن الموسيقى العربية من جذورها.. وحتى وإن وجد فلا نجد إصدارات حديثة لتلك الكتب و المراجع بل يصعب الوصول إليها إن وجدت.. وإن من أشهر الكتب وبعد بحث وإطلاع.. تم إنتقاء هذه القائمة التي لا بد وأنها تحوي بعض الكتب النادرة إلى جانب كتب حديثة تحاول أن تتخاطب معنا في تذوق الموسيقي العربية والتعرف على كبار العازفين والملحنين عن قرب..

al-aghani_dar-sader_01
1- الأغاني – أبو الفرج الأصفهاني

13361089
2- كتاب الموسيقى الكبير – أبونصر الفارابي

music_ancient_arabia_spain
3- تاريخ الموسيقى في الجزيرة العربية والأندلس – الحسين الحسن

524f61b6-d889-4af4-b9d0-73f01909aa9e-192x290
4- السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة – فكتور سحاب

original_5860
5- الموسيقى العربية في القرن العشرين – إلياس سحاب

0002626_-_550
6- عود على العود الموسيقى العربية وموقع العود فيها – د. نبيل اللو

11490829
7- دعوة إلى الموسيقى – يوسف السيسي

s1141687
8 -الموسيقى الشرقية والغناء العربي – قشطندي رزق

20577202
9- تذوق الموسيقى العربية – محمود كامل

booksstream-com_mh54
10- أسرار الموسيقى – علي الشوك

kutub-pdf-net_istuc
11- تراث الغناء العربي بين الموصلي وزرياب إلى أم كلثوم وعبدالوهاب – كمال النجمي

%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%82%d9%89-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a900
12- الموسيقى والحضارة – محمد السنان

7667765
13- تاريخ الموسيقى المصرية أصولها وتطورها – سمير يحيى الجمال

2225157_henre
14- حقائق تاريخية عن التأثير الموسيقي العربية- هنري جورج فارمر

e22382b5-2ca0-4d39-9fbb-cf36b69aa9da-192x290
15- محمد القصبجي الموسيقي العاشق – رتيبة الحفني

أصالة الفن العربي؛القدود الحلبية

img_20161107_205830
إن أردنا التحدث عن الفن العربي الأصيل في الطرب والنغم، فلابد لحلب أن تكون المعنية والمقصودة بهذه الأصالة من حيث اللحن والكلمة. فمنذ سنين طويلة اهتم أهل حلب بالموسيقى بشكل لافت، فلصوت أهلها حلاوة، ولأناملهم جهود في صناعة اللحن، وما لا نختلف عليه هو أن أهل حلب متذوقين وسمعيين غير تقليدين. وبرعت حلب في الموسيقى الدينية وعرفت بشكل خاص بالقدود الحلبية حيث نشأتها. ومن المعروف أن القدود الحلبية هي أكثر أنواع الفنون التي استطاعت أن تحافظ على الإرث الموسيقي العربي لأنها كانت قادرة دائماً على أن تكون ذاكرة شعبية، و متواجدة في أغلب المحافل كالموالد إن أشرنا للمناسبات الدينية، أما الدنيوية فلا يكاد يكون هناك مسرح من مسارح حلب الطربية لا تتغنى بهذا اللون الطربي العريق. ولا نستطيع أن نفصل الطرب الحلبي عن الموشح الأندلسي والقصيدة، الموال، الأغنية الشعبية، فيقول الفنان (عيسى فياض):

مع ضعف السلطنة العثمانية تنامت حركات تحررية وتنويرية عديدة وازدادت وتيرة الوعي القومي وبدأت مرحلة نهضوية شاملة عملت على التخلص من الهيمنة الثقافية التركية فتنادى المفكرون والأدباء والشعراء إلى التأليف والتعريب لتأكيد الهوية العربية المفقودة , وأغلب الظن أن “القدود” قد عرفت بشكل جلي في تلك الفترة (أي منتصف القرن الثامن عشر) إذ من العسير جداً تحديد تاريخاً مؤكداً لنشوء “القد“، أما مصادر نشأته الأساسية فهي:

  1. الموشحات الأندلسية والأناشيد الدينية؛ الموالد والأذكار.

  2. الأغاني والموشحات الأعجمية؛ تركية، فارسية.

  3. الأغاني الشعبية والتراثية ذات السوية الشعرية المتدنية.

في فترة من الفترات انتشر أن تعريف القد مأخوذ عن قد المرأة من حيث الرشاقة والجمال، لكن أغلب الباحثين ينفون هذا التعريف، بل عرفوا القدود على أنها منظومات غنائية أنشئت على أعاريض وألحان دينية أو مدنية بمعنى أنها بنيت على قد ،أي  على قدر أغنية شائعة إذ تستفيد من شيوعها لتحقق حضورها. أما الفنان (عيسى فياض) فقد قال نقلاً عن الباحث الأستاذ (عبدالفتاح قلعة جي):

كلمة “قد” تعني المقاس. فالألحان الدينية كانت تخرج من الزوايا الصوفية لتبحث عن كلمات فيها الغزل وفيها القضايا الاجتماعية، فيبقى اللحن الذي كان أساساً أنشودة دينية وتصوغ وفقه كلمات تدخل في الحياة اليومية فهذه على قد تلك ومن هنا نشأ القد.

أما من الناحية الموسيقية فالقد ليس قالباً موسيقياً بحد ذاته، لكنه يأخذ شكل القالب الأساسي الذي نشأ منه، فإن كان بالأصل موشحاً بقي كذلك، وإن كان طقطوقة أو أغنية بقي كذلك أيضاً من هنا نرى أن القدود اشتهرت بأسماء مؤلفيها وليس بأسماء ملحنيها (المجهولون على الغالب) فالذين ألفوا القدود هم شعراء لكنهم يمتلكون ذائقة موسيقية جيدة ومنهم من كان موسيقياً أيضاً.

إن حلب سيدة الموشحات، وقد بنت لنفسها ولتقاليد القد الحلبي قواعد وأساس، وقد فصّل في هذا الموضوع الباحث (محمد قجة) حين قال:

وخلال القرون الخمسة الماضية كان هذا الفن يتطور في حلب ويتفاعل مع عناصر البيئة المحلية. وأصبح للموشح الحلبي صورته الفنية المستقلة بالإيقاع والضرب والأداء والكلمة. وتجاوزت ضروب الموشح الحلبي بفروعها وتفاصيلها المائة. وأصبحت لها قواعدها وأسسها وتقاليدها وبلغ هذا التطور ذروته في القرن الماضي نصا ولحنا وغناء.‏ ولا يمكن الفصل بين الموشح والألوان الغنائية الأخرى، فكلّها قد نضجت وتطورت في مدينة حلب. القصيدة ـ الموّال ـ الأناشيد الدينية ـ الأغنية الشعبية ـ النوبة الأندلسية … الخ . وفي الواقع فإن الزوايا والتكايا الصوفية التي عرفت حلقات الذكر والأناشيد الدينية كان لها دور كبير في تطوير فن الغناء في مدينة حلب. ولا تزال “الزاوية الهلالية” التي يرأسها اليوم الشيخ (جمال الدين الهلالي) مستمرة في عطائها الصوفي والفني منذ أربعة قرون . وقد تخرج منها عدد كبير من أعلام الإنشاد والموسيقا من أمثال:‏

  1. الشيخ (مصطفى البشنك) في القرن الثامن عشر (ت 1765) . وقد تتلمذ على يديه عدد من أئمة الفن الموسيقي.‏
  2. الشيخ (محمد الوراق): الشاعر والملحن والمطرب. وصاحب الموشحات والقدود والقصائد. وهو الذي أعطى الشكل النهائي لفصل “أسق العطاش” المشهور. ومن موشحاته المعروفة:‏

    زارني المحبوب في رياض الآس‏

    روق المشروب و ملا لي الكاس

  3. الشيخ أبو الوفا الرفاعي الشاعر والوشاح والزجال – ومن أجمل موشحاته:‏

    يا مجيبا دعاء ذي النون في قرار البحار‏

    استجب دعوة المحزون قد دعا باضطرار‏

ومنهم أيضًا: الشيخ (أحمد عقيل)، الشيخ (صبحي الحريري)، (عبد اللطيف تنكجي)، (فؤاد خانطوماني) وصولاً إلى المرحلة المعاصرة مع كبير المنشدين (مسعود خياطة).‏

وعلى مستوى آخر كانت هناك مدرسة الفن الموسيقي القائمة على أسس علمية منهجية يمثلها الشيخ (علي الدرويش) الذي يعتبر أستاذ عدة أجيال في سورية ومصر والعراق وتونس في مجال التأليف والتلحين الموسيقي. وفي مجال إحياء التراث الأندلسي والمشرقي والربط بينهما.

وإن ذكرنا لفظ “القدود” فيما يتعلق بالطرب، فإن القدود الحلبية، و(صباح فخري)، و(صبري مدلل)، (حمام خيري)، (محمد قدري) دلال هي ما تأتي على البال، فيقول الفنان (عيسى فياض):

إن ارتباط القدود بمدينة حلب دون غيرها فمرده إلى أمرين اثنين:

  1. احتضان حلب للعديد من الفنون الموسيقية الوافدة إليها بسبب موقعها التجاري والفني الهام، ومن تلك الفنون قدود الشيخ (أمين الجندي) الذي جاء إلى حلب برفقة (إبراهيم باشا) عندما زحف إلى سوريا العام (1831)م وجعل من حلب قاعدة لعملياته العسكرية، وقد كان الجندي من المقربين إليه وجعله من خاصة مستشاريه، وخلال إقامة الجندي في حلب واحتكاكه بأهل الأدب والفن تم التعرف على قدوده وانتشارها من هناك في حين اقتصر غناء قدوده في حمص على الجلسات والسهرات البيتية والنزهات على ضفاف العاصي.
  2. وهو الأهم، نشوء الإذاعة في حلب مما ساعد على توثيق وتسجيل العديد من تلك القدود ضمن وصلات الغناء التراثية التي سجلتها وبثتها الإذاعة وتعرف عليها المستمع بأصوات عدد من المطربين الحلبيين الكبار والذين اشتهروا بغناء هذا اللون أمثال: (صباح فخري)، (محمد خيري)، (عبد القادر حجار)، (مصطفى ماهر)، (سحر)، (مها الجابري). فأضحت تلك القدود جزءاً أساسياً ضمن الوصلة الغنائية الحلبية، وكان قد أدرج عدد منها في نهاية الفاصل الشهير “أسقالعطاش“.

حين تأصلت فكرة القدود عن حلب، وانتشرت تلك المعرفة، وصارت عالمية، نتج عن ذلك أن انتسبت الكثير من الموشحات والطقوقة لمسمى “قدود” نظراً لأن مشاهير الحلبيين قد غنوها، فيقول في ذلك الفنان (عيسى فياض):

هناك مسألة فنية تتعلق بالقدود يجب الإشارة إليها، حيث يتم إدراج العديد من الموشحات والأدوار والطقاطيق لعدد من الفنانين العرب تحت مسمى “القدود” من مثل:

  1. موشح حبي دعاني للوصال“، “طقطوقة سيبوني يا ناس“، “طقطوقة حرج علي بابا” لـ(سيد درويش).
  2. طقطوقة يا مسعد الصبحية“، “أغنية يا مال الشام“، “أغنية يا طيره طيري يا حمامة” لـ(أبي خليل القباني).
  3. موشح ملا الكاسات“، “دور أصل الغرام نظرة” لـ(محمد عثمان).
  4. طقطوقة صيد العصاري“، “دور بين الدلال والغضب” لـ(داوود حسني) وغيرها من الأعمال الموسيقية.

لذا أرى أنه علينا الإشارة إليها كقوالب مستقلة عن القدود، وهنا لابد من الإشادة بالفضل الكبير للدور الهام لمدينة حلب وفنانيها في حفظ وتوثيق وإشهار تلك الأعمال الموسيقية ؛ “قدود – موشحات – أدوار – طقاطيق” سواء بتسجيلها إذاعياً أو بغنائها ضمن الوصلات الغنائية الحلبية، كما ويجب التنويه إلى الدور الريادي الهام لمدينة حلب في المجال الموسيقي وما أبدعته من موشحات وأغانٍ أثرت المكتبة الموسيقية العربية بكنوز نادرة أنتجها كبار الفنانين الحلبيين أمثال: (عمر البطش)، (بكري الكردي)، (علي الدرويش)، (أحمد الأوبري)، (نديم الدرويش)، (عبد القادر حجار)، (بهجت حسن)، (صبري مدلل).
إضافة إلى بعض القدود التي تم ذكرها سابقاً، هناك العديد من قدود (الشيخ الجندي) التي لا تزال تغنى إلى الآن في حمص منها:

  • ما العمر إلا مدة الربيع” – نغم صبا.
  • إن لم تشهد ذا المشهد” – نغم بيات.
  • يا من عقدت طفلاً” – نغم حجاز.
  • “للأغيد الألمى” – نغم بيات.
  • “يا غصن بان يسبي” – نغم راست.

وإضافة لذلك فإننا يجب أن نعرف جيداً أن حلب لم تشتهر فقط بالقدود بل بالمواويل أيضا، من حيث أنها تراث أصيل، وفن له محبين، وقد ذكر في ذلك الباحث (محمد قجة) حين قال:

لقد تحدث كثيرون من الباحثين والمؤرخين واللغويين عن هذه الكلمة، ونجد هذا الحديث عند (ابن خلدون) و(الأبشيهي) و(البستاني) و(شوقي ضيف) وعدد من المستشرقين. وتكاد تنحصر الآراء في أن أصل الكلمة يعود إلى “مواليا” وأن نشأة الموال تعود أواسط العراق منذ القرن الثالث الهجري، وتعيد بعض الدراسات هذه النشأة إلى ما قبل الميلاد حينما كان الأسرى العرب لدى الآشوريين ينادون‏

اليلي” ومنها صارت يا ليلي!‏

لقد استقر الموال إيقاعياً على وزن البحر البسيط، وهو في جميع اللهجات العربية على هذا الوزن سواء أكان حلبيا أم بغداديا أم مصريا أم فلسطينيا … الخ.

والشكل الذي أخذه في حلب ـ على الأغلب ـ هو السبعاوي الذي يسمى أيضا‏.

الشرقاوي” وتأتي أشطره الثلاثة الأولى على قافية ثم الثلاثة الأخرى على قافية، ثم تعود القافية الأولى في الشطر الأخير. ومن أمثلته:‏

عينك تنام و عيني ساهرة ليلى‏

و من يوم فقد الولف ما دقت الهنا ليلى‏

أنا كسيح درويش و الحق ظعنهم ليلى‏

لا تفتكر يا وليفي بيناتنا ماضي‏

و سيوف لحظك لجوات الحشا ماضي‏

و أن كان أصلك ذكي اتفكّر الماضي‏

يا جامع الشمل تجمعني بهم ليلى‏

وعرفت حلب الموال الأربعاوي والخمساوي والتسعاوي والعشراوي والتنعشاوي بنسب أقل بكثير من السبعاوي. وعادة ما يقال الموال ارتجالا في السهرات والأمسيات الغنائية وله زجالوه المشهورون الذين يتبادلون الحوار والمناظرات بالمعاني والأغراض المختلفة.

نلحظ من خلال تتبعنا لهذا الفن أنه حتى وإن وجدت مدرسة له، فإننا نعرف أن كبار ورواد هذا الفن أخذوه مشافهة أي بالتلقين المباشر، والتواتر إن صح التعبير. وقيل أنه الطريقة تكون كالآتي، أن يجتمع الراغب في أخذ هذا الفن لدى الأستاذ مع مجموعة من الأصوات الواعدة فيأخذون النص مقطعاً إثر آخر مشفوعاً بإيقاعه بعد التعرف على مقامه او  أن يتم بحضور المتلقي مرات متتالية لسماع مجموعة من النصوص اللحنية ثم يحاول غناءها وعندما يتأكد الحفظ ينضم الى مجموعة المرددين الى أن يصبح عضواً في فرقة الإنشاد ويبدأ طريقه الخاص .

(صباح فخري):

(صبري مدلل):

(حمام خيري):


المصادر: [1] – [2] – [3] – [4]

مخاطر العقلانية من وجهة نظر إدوارد سعيد

Edward_Said

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

20152809212815

تحدث كتاب (إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف) عن دراسة تحدثت عن أحد أمثلة مخاطر العقلانية التي تحدث عنها (إدوارد سعيد) وكان “الاستشراق” موضوعها بأنها:

يتميز تمثيل الشرق الذي نقله مجمل الإنتاج العلمي للمستشرقين في القرن التاسع عشر بتماسكه وعقلانيته كما يقول (سعيد). بفضل الوضعية العلمية، أصبح العالم الشرقي الغريب والفوضوي مفهوماً للقارئ الغربي، ووفر لرجال السياسة لغة جعلت خطابهم ممكناً وذا مصداقية. هذا الترابط المنطقي، يقول (سعيد)، بأنه وهمي واستيهامي. ليس هذا الترابط المنطقي سوى نتيجة لتأثير أنتجه أسلوب التصنيف، هذا النظام المغلق الذي يُعطي الشعور بالاكتمال والموضوعية العلمية، لكنه يخفي المحتوى الأيدلوجي للخطاي الاستشراقي والثغرات والتحيز الذي يستند إليه. إن كتاب (المكتبة الشرقية) للمستشرق (هيرلبوت) الذي نشر في 1697، والذي سيكون بمثابة نموذج لكتاب وصف مصر يقدم، حسب (سعيد)، مثالاً على هذه المعرفة التي تخفي عقلانيتها وتنظيمها الأبجدي “أساطير إيديولوجية“.

في كتاب علمي مثل (المكتبة الشرقية) الذي هو نتيجة لدراسات وبحوث منهجية، يفرض المؤلف نظاماً على المادة التي اشتغل عليها، بالإضافة إلى ذلك، يريد أن يفهم القارئ جيداً بأن هذا الكتاب عند طباعته يمثل حكما منظماً ومنضبطاً عن هذه المادة “الشرق“. ماينقله كتاب (المكتبة الشرقية) هو الفكرة القائلة بأن قوة الاستشراق وفعاليته تذكر القارئ في أي مكان أنه من الآن فصاعداً لكي يفهم كنه الشرق، يجب عليه أن يمر عبرالخطابات والرموز الثقافية التي قدّمها المستشرق الأوروبي.

هكذا، خلق الاستشراق ، حسب منظور (سعيد)، تحت ستار التبحر العلمي الممنهج، نظاماً ممن التمثيلات الوهمية عن واقع قائم أساساً على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وإثنوغرافية، في حين أن هذا التقليد الأوروبي “الاستشراق” يستند إلى تشظي وتقسيم تعسفي لهذه الوحدات. بسبب وهم الترابط المنطقي لظاهرة الاستشراق والسعي إلى فهم فوضى الشرق، سيطر الغرب على الشرق، لكن هذا الشرق لم يكن في غالب الأحيان سوى تسلية واستجمام للمستشرقين لأن محتوى الدراسات الاستشراقية يستند حسب منظور (إدوارد سعيد) إلى “أساطير إيديولوجية“. لدعم وجهة نظره، يستند (سعيد) إلى أمثلة التعامل مع اللغة العربية وتمثيل (النبي محمد) الذي اعتاد كتاب (المكتبة الشرقية) إنتاج صورته كدجال على شاكلة الصورة التي كانت موجودة من قبل العصور الوسطى أو العمل الشهير (الكوميديا الإلهية) للكاتب الإيطالي (دانتي).

في هذا المستوى من التحليل أيضاً، من الواجب التلويح بعدد من التحفظات. يخص التحفظ الأول مرة أخرى الطابع المنهجي لتحليلات (سعيد) الذي لاتميل إلى المتون العلمية الغزيرة التي اشتغل عليها فيه إلى إبراز الاختلافات والفروق الدقيقة لفكر الكتّاب، بل تسعى إلى إثبات تواطؤ لغتهم والنفاق الواعي أو المستتر لنواياهم. على شاكلة العلماء الذين كان إنتاجهم موسوعياً وغزيراً، تبنى علماء اللغة مثل (إرنست رينان)، وعلماء النحو مثل (سيلفستر دو ساسي)، نظام تصنيف، يؤكد (سعيد) أنه فتّت المعرفة وأصابها بالتشظي، وخلق بالتالي فجوات ملائمة لتطوير الأساطير الايديولوجية.

إذا كانت أعمال المؤلفين الذين تم الاستشهاد بهم تنقل صورة سلبية عن الإسلام والشرق -وهو المناسبة ليس الشيء نفسه، لكنه يتطابق عن قصد في منظور (سعيد)- فإن هذه الصور لا تنشأ بالضرورة من هذا الوعي بالتفوق الغربي واحتقار الآخر والايدولوجيا الاستعمارية. إن أراء (دانتي) و(سلفستر دو ساسي) و(إرنست رينان)، إذا كانت تطلق أحكاماً سيئة عن الدين الإسلامي أو الثقافة الشرقية، فهذا لا يعني بالضرورة أن تفكيرهم تهيمن عليه إيديولوجية قديمة تحصرهم في اجترار الخطاب نفسه والأحكام نفسها واستنساخهما.

إن التصور الذي نملك،على سبيل المثال، العبودية والعنصرية والاستعما، لم يعد يخضع للمعايير نفسها. إذا فشل المستشرقون في التخلص من الايديولوجيا الاستعمارية التي تبقى موضع تساؤل، فإن العمل الهائل الذي قاموا به، وبعيداً عن خلق صورة وهمية خيالية عن الإنسان الشرقي، قدّم لهذا الأخير مجموعة هائلة من المعلومات تسمح له بتشكيل تاريخه وثقافته. هل في وسع المرء اليوم أن يُنكر إسهام (شارل أندري جوليان) و(جاك بير) في البحث التاريخي في المنطقة المغاربية؟ ماهي المواد العلمية التي  استخدمها (ادوارد سعيد) عن الشرق، إن لم تكن كما يبين ذلك جيداً كتابه سوى أعمال المستشرقين؟

ومع ذلك، إذا كان كتاب (ادوار سعيد) كان قد خلق ضجة في أوساط المستشرقين وأتاح للأوروبين تغيير نظرتهم للشرق، فإنه عزز لدى المثقفين العرب رفض الآخر، ورسخ بشكل عميق الكولونيالي، ومنح قاعدة فكرية للأفكار الأصولية؛ باعتماد لغة جدلية في حدتها، وتقييد حقل الدراسة في غايات إيديولوجية.

رسائل بين تولستوي والإمام محمد عبده

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%87-2

كان الأديب الروسي (تولستوي) والإمام (محمد عبده) يعيشان في نفس العصر، فـ(تولستوي) عاش بين الفترتين (1828م-1910م) وكان الإمام أيضاً قد عاش بين الفترتين نفسهما (1828م-1910م).
وقد كان الاثنان كل منهما “كاتباً” يقر مكانة الكلمة ويعتبرها وثيقة آدميتنا حتى لو كان (تولستوي) نبيلاً إقطاعياً.. والإمام داعية إسلامياً.

هناك رسالة كان قد كتبها (محمد عبده) إلى (تولستوي) وهي موجودة حالياً كمخطوطة عربية في متحف (توليستوي) قال فيها:

أيها الحكيم الجليل مسيو (تولستوي)، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل، ولأن تكون ثمرته تعبأ ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويرقى بها جنسه.
شعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، استعملوا قواهم التي لم يمنحوها ليسعدوا بها فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم، نظرت نظرة في الدين، فرقت حجب التقاليد، وصلت بها إلى حقيقة التوحيد ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ماهداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه.
فكما كنت يقومك هادياً للعقول، كنت بعلمك حاثاً للعزائم والهمم. وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي به الضالون، كان مثالك في العمل إماماً اهتدى به المسترشدون. وكما كان وجود توبيخاً من الله للأغنياء، كان مداداً من عنايته للفقراء.
هذا وأن نفوسنا لشيقة إلى مايتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك والسلام.

(محمد عبده، مفتي الديار المصرية 2 أبريل 1904).

854

كان لـ(تولستوي) رداً على تلك الرسالة.. فقد تجاوب مع الإمام بشكل لائق كما ترجمت في كتاب (ورثة تولستوي)، مبتدئاً رسالته بـ”صديقي العزيز“:

لقد تلقيت رسالتكم الطيبة الحافلة بالمديح وها أنذا أسارع بالرد عليها مؤكدا لكم أولا السعادة الكبرى التى أعطتنى إياها إذ جعلتنى على اتصال برجل متنور.. حتى ولو كان ينتمى إلى إيمان يختلف عن إيمانى الذى ولدت فيه وترعرعت عليه.. ومع هذا فإنى أشعر بأن ديننا واحد ـ لأنى أعتقد أن ضروب الإيمان مختلفة ومتعددة. وإنى لآمل ألا أكون مخطئا إذ أفترض ـ عبر ما يأتى فى رسالتكم ـ بأننى أدعو إلى الدين نفسه الذى هو دينكم.. الدين الذى يقوم على الاعتراف بالله وبشريعة الله التى هى حب القريب ومبادرة الآخر بما نريد من الآخر أن يبادرنا به.. إننى مؤمن بأن كل المبادئ الدينية الحقيقية تنبع من هذا المصدر والأمر ينطبق على كل الديانات.. وإننى لأرى أنه بمقدار ما تمتلئ الأديان بضروب الجمود الفكرى والأفكار المتبعة والأعاجيب والخرافات.. بمقدار ما تفرق بين الناس بل تؤدى إلى توليد العداوات فيما بينهم.. وفى المقابل بمقدار ما تخلد الأديان إلى البساطة وبمقدار ما يصيبها النقاء تصبح أكثر قدرة على بلوغ الهدف الأسمى للإنسانية ووحدة الجميع. وهذا هو السبب الذى جعل رسالتكم تبدو لى ممتعة وفى النهاية ارجو أن تتقبلوا يا جناب المفتى تعاطف صديقكم .. تولستوي.


[المصدر]

حسين البرغوثي: محاولة أخرى لتقديم نفسي

WdKO8U22

حسين جميل البرغوثي (1954- 2002) شاعر ومفكر فلسطيني. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت حتى عام 1997، وأستاذًا للنقد الأدبي والمسرح في جامعة القدس حتى عام 2000. وأثناء هذه الفترة كان عضوا مؤسسا لبيت الشعر الفلسطيني وعضوا للهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورئيسا لتحرير مجلة اوغاريت ومديرًا لتحرير مجلة الشعراء حتى رحيله في عام 2002 مريضًا بالسرطان.

تحدث حسين البرغوثي في نص (محاولة أخرى لتقديم نفسي) كتبه لمجلة مشارف (عدد ٢) بتاريخ ١ سبتمبر ١٩٩٥ عن الشعر وذاته كشاعر يقول فيه:

الشعر بالنسبة لي حوار مرعب، مستفز، وله نشوته. بين القمم والهاوية، بين الحلم واليقظة، بين الموت والحياة، بين الموجود والوجود.إنه حدس بأن كل الكون صدفة، وبأن الصدفة لاتفسره. وبأن العابر والمستقر وجهان للتفسير وليسا تفسيرًا.

مضيفًا على كلامه معنىً للشعر الحقيقي:

أعني بأن الشعر الحقيقي رؤيا تشبه رؤية العدم في قبضة من تراب. ورؤية الرب على أصغر برعم ورد. ذهول مطلق من الموجود والوجود. يظهر في محاولة دائمة لإزاحة كل تفسير وكل معنى وكل رابطة تستأنف الموجود والوجود وحتى إزاحة لهذه اللغة التي تسمح لنا بـ“تسمية الأشياء”، وبالتالي بالبحث الدائم عن “اللا مُسمَّى”.

قال أيضاً :

إن الشعر ليس إلا فتحة في الكون على الكون، والشاعر يوسع الدهليز داخلًا  أعماقًا لم يرها أحد من قبل. خارجًا نحو سطوح لم يرها هو من قبل، وكثيرا مايحتاج ليس للحياة فقط. بل لتحويل “التجربة الحية” إلى معرفة. معرفة تشبة اللذة، لذة الكشف ،لذة إعادة الصياغة ،لذة القوة، وإرادة تصور الوجود.

اعتباره بأن الشعر هو الحقيقة:

الشعر هو الحقيقة، لأن الحقيقة مثلما أشار (نيتشه) مجرد تشبيه منسي. الشاعر لا ينسى الوجود كتشبيه، ولكنه ينسى باستمرار أي تشبيه هو بالضبط! والبحث عن تشابيه بحث عن حقائق من جهة وتعرية لـ “الحقيقة المألوفة” من ذاتها لتسترجع توهجها كتشبيه أصلي. وهكذا نلاحق الوجود، نحفر أمكنة تشبه الأمكنة.