أرشيف الكاتب

عبدالله العروي يجيب عن: لماذا حقق الأدب الروسي هذا الانتشار الواسع؟

عبد الله العروي مثقف وكاتب مغربي معروف. لديه العديد من الأعمال الفلسفية التأصيلية في مفاهيم عديدة ولعل أبرزها مفهوم الحرية. و احتوى نتاجه الإبداعي على دراسات في النقد الإيديولوجي وفي تاريخ الأفكار والأنظمة وأيضا العديد من النصوص الروائية.

نجيب في هذه المقالة عن تساؤل يخص دستوفسكي والرواية الروسية، باقتباس من كتاب (من التاريخ إلى الحب) في حوار أجراه (محمد الداهي) مع (عبدالله العروي) عن الرواية ونقدها فيقول:

لوحظ، إلى حد قريب الانتشار الواسع للأدب الروسي في جلّ بقاع العالم بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فروايات (ديستويفسكي)، (تولستوي)، و(سولجنستن)، (سولفييف) و(غوركي) .. الخ حققت نجاحا كبيراً في مبيعاتها وفي استمالة وفتن عدد كبير من القراء. وفي هذا الصدد نورد تعبيراً مجازيًا للشاعر البولوني ميلوز، زيصلو C.Z.MI-LOSZ الحائز على جائزة نوبل في الآداب لسنة 1981: “أن ترى الفيل لايمكن لك أن تزعم أنك لاتراه. إن العظيم يهيمن دائمًا”. لم فرض الأدب الروسي عامة والإنتاج الروائي خاصة همينته على العالم بأجمعه؟ ولم أنتجت روسيا بالذات روائيين من حجم (دوستويفسكي)؟

هذا سؤال عويص جداً، بالطبع لأن له جوانب متعددة، يمكن أن يكون للكاتب تأثير واسع. يمكن أن يؤثر في مجتمعات مختلفة لأسباب عدة، ومع ذلك لايكون في قمة الفن الروائي. فدوستوفسكي مثلاً لاشك أنه من كبار الروائيين، لكن هل هو من المبدعين في هذا الفن؟ أنا لا أشاطر، تمامًا، من يقول بهذا الرأي. لماذا؟ لسبب واضح بالنسبة لي، وهو أنني حين أعود إلى الكيفية التي كتب بها ديستوفسكي قصصه، يجب على الإنسان  ألا ينسى أن هناك دوافع شبه مادية تحكمت في الكيفية التي تصور بها (دوستوفسكي) فن القصة. كان مفروضًا عليه أولاً أن يكتب رواية طويلة جداً، إذ، في القرن التاسع عشر، كان الكاتب يتعيش من روايته. فعليه أن يكتب رواية طويلة جداً مليئة بالشخوص والمفاجآت والأدوار .. الخ..، وهذه ظاهرة نعانيها عند ديكنز أو بلزاك..إلخ.

ثانيا: إنه كان لايكتب الرواية بل كان يمليها إلى حد أن زوجته الثانية “آنا جريجوربيفنا” كانت هي الكاتبة التي تكتب مايمليه على نحو مختصر، ثم بعد ذلك تنشره. وهذا بالطبع له تأثير على تقنية الرواية كونك تملي عوض أن تكتب بيدك وقلمك.

ثالثًا: وهذا واضح بالنسبة لمن يقرأ الكتاب الذي يحمل عنوان يوميات كاتب “Joutnal d’un ecrivain”، وهو عبارة عن مقالات كان ينشرها (ديستوفسكي) في مجلة دورية (سنوية) يشرف هو نفسه عليها. وكان هو المساهم الوحيد فيها تقريبًا. فمن يقرأ هذه المقالات يرَ أن الأفكار الموجودة فيها، وهي أفكار سياسية واجتماعية وتاريخية، تتكلم عن الجنس السلافي، وعن الديين المسيحي، وخاصة الاورثوذوكسي، عن علاقة السلاف بالجرمان والأتراك..الخ، ويلاحظ أن هذه الأفكار هي بالضبط، الافكار التي توجد مشخصة في رواياته الكبرى مثلا: (الأخوة كرامازوف). فمن يقرأ هذه الرواية ستطالعه خذخ الجملة: “كل منا يريد أن يغتال أباه”. فالمرء يتعجب من هذه الجملة، سيقول هذا هو التعمق في نفسانية الإنسان، لكن، إذا تذكر أن المعنى الوحيد وهو أن الأب عنده هو روسيا، وأن الكلام هو على اتجاهين حيث يمثل كل أخ اتجاها. الاتجاه الغربي وهو التنكر لروسيا، واتجاه للماضي وهو نوع آخر. وبجانبهما الأخ الثالث (أليوشا) هو الذي يتردد بين الاخوين، ولايعرف من كان أكثر تنكرًا لروسيا؛ أي من اغتال أباه، حينئذ تكمن النقطة في تشخيص القضية وتجسيدها وفي جعل القضية قضية تاريخ وجعلها قضية نفسانية وقضية شخص. ولكن عندما يعبر عنها تمر من التعبير الفردي والنفساني إلى التغيير التاريخي، وتتضح الامور فتبدو واضحة تمامًا ولم يبق في ذلك شيء من التعمق الذي يبدو للقارئ السطحي والساذج. وما يقال عن (الاخوة كرامازوف) يقال عن باقي الروايات. فلذلك تبقى نقطة، وهي كيف تفسر أن هذا الكاتب يكتب في مسائل خاصة جداً بروسيا، وهي قضايا محددة اجتماعيًا وتاريخيا: اجتماعيا لأنه يتكلم باسم أولئك الذين كانوا من قبل أقنانا ولم يتحرروا إلا فيما بعد. لا ينبغي أن ننسى أن جد (دوستوفسكي) كان قنًا مملوكا لايملك نفسه ولاحريته، ولذلك هذه هي علاقته مع (تولستوي): هي علاقة القن بالنبيل الشريف الذي كان دائما وباستمرار حرا، وله صفحات حول هذه المقارنة، وهي من أهم ماكتب في فن تولستوي، فإذن هناك جانب اجتماعي، وهناك جانب تاريخي وهو روسيا أمام أوروبا. ولازلنا نرى للان أهمية هذا الجانب ،

فأقول: كيف نفسر أن هذه أمور خاصة بروسيا، ومع ذلك ومع ذلك يتفهمها القارئ في المغرب واوروبا والصين وأمريكا اللاتينية؟

أظن وهذا هو رأيي، أن هذه النقطة ليست خاصة بروسيا وإنما هنا يكمن الإبداع، فهذه النقطة نجد مايشبهها في الآداب الأوروبية الأخرى. نجدها، مثلاً، في انجلترا في قصص الروايات التاريخية لوالترسكوت. لكن حين كتبها هذا الأخير كانت مشكلة قديمة مرت عليها 3 قروون، وصار يتكلم عنها كشيء من ماض في روايات تاريخية. كذلك نجد الشيء نفسه عند الفرنسيين أو الألمان، لكن، وباستمرار، باعتبارها مشكلة متجاوزة، في حين إن روسيا تتداخل فيها الأزمنة وتصبح المشكلة قديمة بالنسبة للآخرين. ولكنها حاضرة بالنسبة لروسيا، ومستقبلية بالنسبة لشعوب أخرى. فهي دائمًا في برنامج العمل يقرأها الأوروبي الغربي، ويتفهمها لأنها من ماضيه. ويقرأها السلافي ويتفهمها لأنها حاضرة، وباستمرار تجد الشعوب الأخرى تجاوبًا معها عندما تحس الشعوب أنها تمر بالأزمة نفسها. ففي نظري هذا هو السر في مايمكن أن نسميه وقتية (ديستوفسكي) الدائمة، لاتتجاوز أبدًا.

ولكن، وكما نرى، هذه ظاهرة تاريخية واجتماعية، مالجانب الفني؟

قيل، مرة لـ(همنغواي)، اقرأ (ديستوفسكي). وبعد قراءته قال: كيف يمكن لكاتب كبير مثله أن يكون أسلوبه بهذه السهولة، وعدم الدقة في انتقاء الكلمات والتعابير المناسبة؟ وهذا واضح في رواياته، ومع ذلك نعتبره من كبار الكتّاب، مع أننا لانجد عنده جملة واحدة يمكن أن نعتبرها دقيقة في تعبيرها .. نقول إن ذلك يدل، فقط، على أن الرواية في بعض الأحيان تكون قصة طويلة يتغلب فيها الجانب التاريخي والاجتماعي على الجانب الفني. عندما يقال، مثلا، شاعرية (دستوفسكي)، يجب أن نعلم أننا نتكلم عن هذه الشاعرية كما لو كنّا نتكلم عن شاعرية فيلم أو مسلسل سينمائي، وليست شاعرية اللغة وإنما شاعرية المناظر .. على أي حال، في نظري، لايمثل (دستوفسكي) في فصل من روايته (المراهق) وهي قصة غير معروفة، لكن تعتبر من أروع ماكتب، أقصر من رواياته الأخرى لكنها عميقة جدًا، وفيها قسم لم ينشر، فيه ثمان صفحات يميز فيه عمله وعمل (تولستوي). يقال أن (تولستوي)، باعتباره سليل أسرة نبيلة، سليل روسيا الحاكمة، يعيش في جو الجمال، ويعبر عن الجمال دون إرهاق أو مجاهدة، أما أنا – سليل المسعبدين- فلا أعرف من الجمال شيئا، وأحاول أن أصل إلى جمال آخر، جمال لم يحلم به أبدًا (تولستوي)، وبالفعل لمّا تفكر في جو دوستوفسكي تجده بعيدا عن الهاجس الجمالي، جو الحزن والفقر والقتامة، ولكن، من خلال كل ذلك له هاجس من نوع آخر، الجمال الروحي. فعنده صفحة من أروع ماكتب عن جمال المرأة الروسية. فهي لاتكون جميلة إلا مدة عشر سنوات بين عشرين وثلاثين سنة؛ ولهذا السبب فجمال المرأة الروسية جمال عابر جدًا. فهذاالحس بالجمال لا أجده عند (نجيب محفوظ).

قائمة بأبرز ١٥ كتابًا في الموسيقى الشرقية والعربية

من الصعب أن نجد مصدراً جيداً يصلنا لتاريخ أصيل يتحدث فيه عن جذور الموسيقى الشرقية والغناء العربي. وحتى وإن وجد، فلا نجد إصدارات حديثة لتلك الكتب و المراجع، وقد يصعب الوصول إليها في كثير من الأحيان إن وجدت.

بعد بحث وإطلاع. تم انتقاء هذه القائمة التي كان لا بد لها وأن تحوي أشهر الكتب النادرة إلى جانب بعض من الكتب الحديثة، تحاول أن تتخاطب معنا في تذوق الموسيقى العربية والتعرف على كبار العازفين والملحنين عن قرب.

1- الأغاني – أبو الفرج الأصفهاني

2- الموسيقى الكبير – أبونصر الفارابي

3- تاريخ الموسيقى في الجزيرة العربية والأندلس – جوليان ريبيرا. بترجمة الحسين الحسن

4- السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة – فكتور سحاب

5- الموسيقى العربية في القرن العشرين – إلياس سحاب

6- عود على العود: الموسيقى العربية وموقع العود فيها – د. نبيل اللو

7- دعوة إلى الموسيقى – يوسف السيسي

8 –الموسيقى الشرقية والغناء العربي – قسطندي رزق

9- تذوق الموسيقى العربية – محمود كامل

10- أسرار الموسيقى – علي الشوك

11- تراث الغناء العربي بين الموصلي و زرياب وأم كلثوم وعبدالوهاب – كمال النجمي

12- الموسيقى والحضارة – محمد السنان

13- تاريخ الموسيقى المصرية: أصولها وتطورها – سمير يحيى الجمال

14- حقائق تاريخية عن التأثير الموسيقي العربي – هنري جورج فارمر. بترجمة عبدالله السباعي

15- محمد القصبجي: الموسيقي العاشق – د.رتيبة الحفني

أصالة الفن العربي؛القدود الحلبية

img_20161107_205830
إن أردنا التحدث عن الفن العربي الأصيل في الطرب والنغم، فلابد لحلب أن تكون المعنية والمقصودة بهذه الأصالة من حيث اللحن والكلمة. فمنذ سنين طويلة اهتم أهل حلب بالموسيقى بشكل لافت، فلصوت أهلها حلاوة، ولأناملهم جهود في صناعة اللحن، وما لا نختلف عليه هو أن أهل حلب متذوقين وسمعيين غير تقليدين. وبرعت حلب في الموسيقى الدينية وعرفت بشكل خاص بالقدود الحلبية حيث نشأتها. ومن المعروف أن القدود الحلبية هي أكثر أنواع الفنون التي استطاعت أن تحافظ على الإرث الموسيقي العربي لأنها كانت قادرة دائماً على أن تكون ذاكرة شعبية، و متواجدة في أغلب المحافل كالموالد إن أشرنا للمناسبات الدينية، أما الدنيوية فلا يكاد يكون هناك مسرح من مسارح حلب الطربية لا تتغنى بهذا اللون الطربي العريق. ولا نستطيع أن نفصل الطرب الحلبي عن الموشح الأندلسي والقصيدة، الموال، الأغنية الشعبية، فيقول الفنان (عيسى فياض):

مع ضعف السلطنة العثمانية تنامت حركات تحررية وتنويرية عديدة وازدادت وتيرة الوعي القومي وبدأت مرحلة نهضوية شاملة عملت على التخلص من الهيمنة الثقافية التركية فتنادى المفكرون والأدباء والشعراء إلى التأليف والتعريب لتأكيد الهوية العربية المفقودة , وأغلب الظن أن “القدود” قد عرفت بشكل جلي في تلك الفترة (أي منتصف القرن الثامن عشر) إذ من العسير جداً تحديد تاريخاً مؤكداً لنشوء “القد“، أما مصادر نشأته الأساسية فهي:

  1. الموشحات الأندلسية والأناشيد الدينية؛ الموالد والأذكار.

  2. الأغاني والموشحات الأعجمية؛ تركية، فارسية.

  3. الأغاني الشعبية والتراثية ذات السوية الشعرية المتدنية.

في فترة من الفترات انتشر أن تعريف القد مأخوذ عن قد المرأة من حيث الرشاقة والجمال، لكن أغلب الباحثين ينفون هذا التعريف، بل عرفوا القدود على أنها منظومات غنائية أنشئت على أعاريض وألحان دينية أو مدنية بمعنى أنها بنيت على قد ،أي  على قدر أغنية شائعة إذ تستفيد من شيوعها لتحقق حضورها. أما الفنان (عيسى فياض) فقد قال نقلاً عن الباحث الأستاذ (عبدالفتاح قلعة جي):

كلمة “قد” تعني المقاس. فالألحان الدينية كانت تخرج من الزوايا الصوفية لتبحث عن كلمات فيها الغزل وفيها القضايا الاجتماعية، فيبقى اللحن الذي كان أساساً أنشودة دينية وتصوغ وفقه كلمات تدخل في الحياة اليومية فهذه على قد تلك ومن هنا نشأ القد.

أما من الناحية الموسيقية فالقد ليس قالباً موسيقياً بحد ذاته، لكنه يأخذ شكل القالب الأساسي الذي نشأ منه، فإن كان بالأصل موشحاً بقي كذلك، وإن كان طقطوقة أو أغنية بقي كذلك أيضاً من هنا نرى أن القدود اشتهرت بأسماء مؤلفيها وليس بأسماء ملحنيها (المجهولون على الغالب) فالذين ألفوا القدود هم شعراء لكنهم يمتلكون ذائقة موسيقية جيدة ومنهم من كان موسيقياً أيضاً.

إن حلب سيدة الموشحات، وقد بنت لنفسها ولتقاليد القد الحلبي قواعد وأساس، وقد فصّل في هذا الموضوع الباحث (محمد قجة) حين قال:

وخلال القرون الخمسة الماضية كان هذا الفن يتطور في حلب ويتفاعل مع عناصر البيئة المحلية. وأصبح للموشح الحلبي صورته الفنية المستقلة بالإيقاع والضرب والأداء والكلمة. وتجاوزت ضروب الموشح الحلبي بفروعها وتفاصيلها المائة. وأصبحت لها قواعدها وأسسها وتقاليدها وبلغ هذا التطور ذروته في القرن الماضي نصا ولحنا وغناء.‏ ولا يمكن الفصل بين الموشح والألوان الغنائية الأخرى، فكلّها قد نضجت وتطورت في مدينة حلب. القصيدة ـ الموّال ـ الأناشيد الدينية ـ الأغنية الشعبية ـ النوبة الأندلسية … الخ . وفي الواقع فإن الزوايا والتكايا الصوفية التي عرفت حلقات الذكر والأناشيد الدينية كان لها دور كبير في تطوير فن الغناء في مدينة حلب. ولا تزال “الزاوية الهلالية” التي يرأسها اليوم الشيخ (جمال الدين الهلالي) مستمرة في عطائها الصوفي والفني منذ أربعة قرون . وقد تخرج منها عدد كبير من أعلام الإنشاد والموسيقا من أمثال:‏

  1. الشيخ (مصطفى البشنك) في القرن الثامن عشر (ت 1765) . وقد تتلمذ على يديه عدد من أئمة الفن الموسيقي.‏
  2. الشيخ (محمد الوراق): الشاعر والملحن والمطرب. وصاحب الموشحات والقدود والقصائد. وهو الذي أعطى الشكل النهائي لفصل “أسق العطاش” المشهور. ومن موشحاته المعروفة:‏

    زارني المحبوب في رياض الآس‏

    روق المشروب و ملا لي الكاس

  3. الشيخ أبو الوفا الرفاعي الشاعر والوشاح والزجال – ومن أجمل موشحاته:‏

    يا مجيبا دعاء ذي النون في قرار البحار‏

    استجب دعوة المحزون قد دعا باضطرار‏

ومنهم أيضًا: الشيخ (أحمد عقيل)، الشيخ (صبحي الحريري)، (عبد اللطيف تنكجي)، (فؤاد خانطوماني) وصولاً إلى المرحلة المعاصرة مع كبير المنشدين (مسعود خياطة).‏

وعلى مستوى آخر كانت هناك مدرسة الفن الموسيقي القائمة على أسس علمية منهجية يمثلها الشيخ (علي الدرويش) الذي يعتبر أستاذ عدة أجيال في سورية ومصر والعراق وتونس في مجال التأليف والتلحين الموسيقي. وفي مجال إحياء التراث الأندلسي والمشرقي والربط بينهما.

وإن ذكرنا لفظ “القدود” فيما يتعلق بالطرب، فإن القدود الحلبية، و(صباح فخري)، و(صبري مدلل)، (حمام خيري)، (محمد قدري) دلال هي ما تأتي على البال، فيقول الفنان (عيسى فياض):

إن ارتباط القدود بمدينة حلب دون غيرها فمرده إلى أمرين اثنين:

  1. احتضان حلب للعديد من الفنون الموسيقية الوافدة إليها بسبب موقعها التجاري والفني الهام، ومن تلك الفنون قدود الشيخ (أمين الجندي) الذي جاء إلى حلب برفقة (إبراهيم باشا) عندما زحف إلى سوريا العام (1831)م وجعل من حلب قاعدة لعملياته العسكرية، وقد كان الجندي من المقربين إليه وجعله من خاصة مستشاريه، وخلال إقامة الجندي في حلب واحتكاكه بأهل الأدب والفن تم التعرف على قدوده وانتشارها من هناك في حين اقتصر غناء قدوده في حمص على الجلسات والسهرات البيتية والنزهات على ضفاف العاصي.
  2. وهو الأهم، نشوء الإذاعة في حلب مما ساعد على توثيق وتسجيل العديد من تلك القدود ضمن وصلات الغناء التراثية التي سجلتها وبثتها الإذاعة وتعرف عليها المستمع بأصوات عدد من المطربين الحلبيين الكبار والذين اشتهروا بغناء هذا اللون أمثال: (صباح فخري)، (محمد خيري)، (عبد القادر حجار)، (مصطفى ماهر)، (سحر)، (مها الجابري). فأضحت تلك القدود جزءاً أساسياً ضمن الوصلة الغنائية الحلبية، وكان قد أدرج عدد منها في نهاية الفاصل الشهير “أسقالعطاش“.

حين تأصلت فكرة القدود عن حلب، وانتشرت تلك المعرفة، وصارت عالمية، نتج عن ذلك أن انتسبت الكثير من الموشحات والطقوقة لمسمى “قدود” نظراً لأن مشاهير الحلبيين قد غنوها، فيقول في ذلك الفنان (عيسى فياض):

هناك مسألة فنية تتعلق بالقدود يجب الإشارة إليها، حيث يتم إدراج العديد من الموشحات والأدوار والطقاطيق لعدد من الفنانين العرب تحت مسمى “القدود” من مثل:

  1. موشح حبي دعاني للوصال“، “طقطوقة سيبوني يا ناس“، “طقطوقة حرج علي بابا” لـ(سيد درويش).
  2. طقطوقة يا مسعد الصبحية“، “أغنية يا مال الشام“، “أغنية يا طيره طيري يا حمامة” لـ(أبي خليل القباني).
  3. موشح ملا الكاسات“، “دور أصل الغرام نظرة” لـ(محمد عثمان).
  4. طقطوقة صيد العصاري“، “دور بين الدلال والغضب” لـ(داوود حسني) وغيرها من الأعمال الموسيقية.

لذا أرى أنه علينا الإشارة إليها كقوالب مستقلة عن القدود، وهنا لابد من الإشادة بالفضل الكبير للدور الهام لمدينة حلب وفنانيها في حفظ وتوثيق وإشهار تلك الأعمال الموسيقية ؛ “قدود – موشحات – أدوار – طقاطيق” سواء بتسجيلها إذاعياً أو بغنائها ضمن الوصلات الغنائية الحلبية، كما ويجب التنويه إلى الدور الريادي الهام لمدينة حلب في المجال الموسيقي وما أبدعته من موشحات وأغانٍ أثرت المكتبة الموسيقية العربية بكنوز نادرة أنتجها كبار الفنانين الحلبيين أمثال: (عمر البطش)، (بكري الكردي)، (علي الدرويش)، (أحمد الأوبري)، (نديم الدرويش)، (عبد القادر حجار)، (بهجت حسن)، (صبري مدلل).
إضافة إلى بعض القدود التي تم ذكرها سابقاً، هناك العديد من قدود (الشيخ الجندي) التي لا تزال تغنى إلى الآن في حمص منها:

  • ما العمر إلا مدة الربيع” – نغم صبا.
  • إن لم تشهد ذا المشهد” – نغم بيات.
  • يا من عقدت طفلاً” – نغم حجاز.
  • “للأغيد الألمى” – نغم بيات.
  • “يا غصن بان يسبي” – نغم راست.

وإضافة لذلك فإننا يجب أن نعرف جيداً أن حلب لم تشتهر فقط بالقدود بل بالمواويل أيضا، من حيث أنها تراث أصيل، وفن له محبين، وقد ذكر في ذلك الباحث (محمد قجة) حين قال:

لقد تحدث كثيرون من الباحثين والمؤرخين واللغويين عن هذه الكلمة، ونجد هذا الحديث عند (ابن خلدون) و(الأبشيهي) و(البستاني) و(شوقي ضيف) وعدد من المستشرقين. وتكاد تنحصر الآراء في أن أصل الكلمة يعود إلى “مواليا” وأن نشأة الموال تعود أواسط العراق منذ القرن الثالث الهجري، وتعيد بعض الدراسات هذه النشأة إلى ما قبل الميلاد حينما كان الأسرى العرب لدى الآشوريين ينادون‏

اليلي” ومنها صارت يا ليلي!‏

لقد استقر الموال إيقاعياً على وزن البحر البسيط، وهو في جميع اللهجات العربية على هذا الوزن سواء أكان حلبيا أم بغداديا أم مصريا أم فلسطينيا … الخ.

والشكل الذي أخذه في حلب ـ على الأغلب ـ هو السبعاوي الذي يسمى أيضا‏.

الشرقاوي” وتأتي أشطره الثلاثة الأولى على قافية ثم الثلاثة الأخرى على قافية، ثم تعود القافية الأولى في الشطر الأخير. ومن أمثلته:‏

عينك تنام و عيني ساهرة ليلى‏

و من يوم فقد الولف ما دقت الهنا ليلى‏

أنا كسيح درويش و الحق ظعنهم ليلى‏

لا تفتكر يا وليفي بيناتنا ماضي‏

و سيوف لحظك لجوات الحشا ماضي‏

و أن كان أصلك ذكي اتفكّر الماضي‏

يا جامع الشمل تجمعني بهم ليلى‏

وعرفت حلب الموال الأربعاوي والخمساوي والتسعاوي والعشراوي والتنعشاوي بنسب أقل بكثير من السبعاوي. وعادة ما يقال الموال ارتجالا في السهرات والأمسيات الغنائية وله زجالوه المشهورون الذين يتبادلون الحوار والمناظرات بالمعاني والأغراض المختلفة.

نلحظ من خلال تتبعنا لهذا الفن أنه حتى وإن وجدت مدرسة له، فإننا نعرف أن كبار ورواد هذا الفن أخذوه مشافهة أي بالتلقين المباشر، والتواتر إن صح التعبير. وقيل أنه الطريقة تكون كالآتي، أن يجتمع الراغب في أخذ هذا الفن لدى الأستاذ مع مجموعة من الأصوات الواعدة فيأخذون النص مقطعاً إثر آخر مشفوعاً بإيقاعه بعد التعرف على مقامه او  أن يتم بحضور المتلقي مرات متتالية لسماع مجموعة من النصوص اللحنية ثم يحاول غناءها وعندما يتأكد الحفظ ينضم الى مجموعة المرددين الى أن يصبح عضواً في فرقة الإنشاد ويبدأ طريقه الخاص .

(صباح فخري):

(صبري مدلل):

(حمام خيري):

https://www.youtube.com/watch?v=Ha818Z0b0Ug


المصادر: [1] – [2] – [3] – [4]

مخاطر العقلانية من وجهة نظر إدوارد سعيد

Edward_Said

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

20152809212815

تحدث كتاب (إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف) عن دراسة تحدثت عن أحد أمثلة مخاطر العقلانية التي تحدث عنها (إدوارد سعيد) وكان “الاستشراق” موضوعها بأنها:

يتميز تمثيل الشرق الذي نقله مجمل الإنتاج العلمي للمستشرقين في القرن التاسع عشر بتماسكه وعقلانيته كما يقول (سعيد). بفضل الوضعية العلمية، أصبح العالم الشرقي الغريب والفوضوي مفهوماً للقارئ الغربي، ووفر لرجال السياسة لغة جعلت خطابهم ممكناً وذا مصداقية. هذا الترابط المنطقي، يقول (سعيد)، بأنه وهمي واستيهامي. ليس هذا الترابط المنطقي سوى نتيجة لتأثير أنتجه أسلوب التصنيف، هذا النظام المغلق الذي يُعطي الشعور بالاكتمال والموضوعية العلمية، لكنه يخفي المحتوى الأيدلوجي للخطاي الاستشراقي والثغرات والتحيز الذي يستند إليه. إن كتاب (المكتبة الشرقية) للمستشرق (هيرلبوت) الذي نشر في 1697، والذي سيكون بمثابة نموذج لكتاب وصف مصر يقدم، حسب (سعيد)، مثالاً على هذه المعرفة التي تخفي عقلانيتها وتنظيمها الأبجدي “أساطير إيديولوجية“.

في كتاب علمي مثل (المكتبة الشرقية) الذي هو نتيجة لدراسات وبحوث منهجية، يفرض المؤلف نظاماً على المادة التي اشتغل عليها، بالإضافة إلى ذلك، يريد أن يفهم القارئ جيداً بأن هذا الكتاب عند طباعته يمثل حكما منظماً ومنضبطاً عن هذه المادة “الشرق“. ماينقله كتاب (المكتبة الشرقية) هو الفكرة القائلة بأن قوة الاستشراق وفعاليته تذكر القارئ في أي مكان أنه من الآن فصاعداً لكي يفهم كنه الشرق، يجب عليه أن يمر عبرالخطابات والرموز الثقافية التي قدّمها المستشرق الأوروبي.

هكذا، خلق الاستشراق ، حسب منظور (سعيد)، تحت ستار التبحر العلمي الممنهج، نظاماً ممن التمثيلات الوهمية عن واقع قائم أساساً على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وإثنوغرافية، في حين أن هذا التقليد الأوروبي “الاستشراق” يستند إلى تشظي وتقسيم تعسفي لهذه الوحدات. بسبب وهم الترابط المنطقي لظاهرة الاستشراق والسعي إلى فهم فوضى الشرق، سيطر الغرب على الشرق، لكن هذا الشرق لم يكن في غالب الأحيان سوى تسلية واستجمام للمستشرقين لأن محتوى الدراسات الاستشراقية يستند حسب منظور (إدوارد سعيد) إلى “أساطير إيديولوجية“. لدعم وجهة نظره، يستند (سعيد) إلى أمثلة التعامل مع اللغة العربية وتمثيل (النبي محمد) الذي اعتاد كتاب (المكتبة الشرقية) إنتاج صورته كدجال على شاكلة الصورة التي كانت موجودة من قبل العصور الوسطى أو العمل الشهير (الكوميديا الإلهية) للكاتب الإيطالي (دانتي).

في هذا المستوى من التحليل أيضاً، من الواجب التلويح بعدد من التحفظات. يخص التحفظ الأول مرة أخرى الطابع المنهجي لتحليلات (سعيد) الذي لاتميل إلى المتون العلمية الغزيرة التي اشتغل عليها فيه إلى إبراز الاختلافات والفروق الدقيقة لفكر الكتّاب، بل تسعى إلى إثبات تواطؤ لغتهم والنفاق الواعي أو المستتر لنواياهم. على شاكلة العلماء الذين كان إنتاجهم موسوعياً وغزيراً، تبنى علماء اللغة مثل (إرنست رينان)، وعلماء النحو مثل (سيلفستر دو ساسي)، نظام تصنيف، يؤكد (سعيد) أنه فتّت المعرفة وأصابها بالتشظي، وخلق بالتالي فجوات ملائمة لتطوير الأساطير الايديولوجية.

إذا كانت أعمال المؤلفين الذين تم الاستشهاد بهم تنقل صورة سلبية عن الإسلام والشرق -وهو المناسبة ليس الشيء نفسه، لكنه يتطابق عن قصد في منظور (سعيد)- فإن هذه الصور لا تنشأ بالضرورة من هذا الوعي بالتفوق الغربي واحتقار الآخر والايدولوجيا الاستعمارية. إن أراء (دانتي) و(سلفستر دو ساسي) و(إرنست رينان)، إذا كانت تطلق أحكاماً سيئة عن الدين الإسلامي أو الثقافة الشرقية، فهذا لا يعني بالضرورة أن تفكيرهم تهيمن عليه إيديولوجية قديمة تحصرهم في اجترار الخطاب نفسه والأحكام نفسها واستنساخهما.

إن التصور الذي نملك،على سبيل المثال، العبودية والعنصرية والاستعما، لم يعد يخضع للمعايير نفسها. إذا فشل المستشرقون في التخلص من الايديولوجيا الاستعمارية التي تبقى موضع تساؤل، فإن العمل الهائل الذي قاموا به، وبعيداً عن خلق صورة وهمية خيالية عن الإنسان الشرقي، قدّم لهذا الأخير مجموعة هائلة من المعلومات تسمح له بتشكيل تاريخه وثقافته. هل في وسع المرء اليوم أن يُنكر إسهام (شارل أندري جوليان) و(جاك بير) في البحث التاريخي في المنطقة المغاربية؟ ماهي المواد العلمية التي  استخدمها (ادوارد سعيد) عن الشرق، إن لم تكن كما يبين ذلك جيداً كتابه سوى أعمال المستشرقين؟

ومع ذلك، إذا كان كتاب (ادوار سعيد) كان قد خلق ضجة في أوساط المستشرقين وأتاح للأوروبين تغيير نظرتهم للشرق، فإنه عزز لدى المثقفين العرب رفض الآخر، ورسخ بشكل عميق الكولونيالي، ومنح قاعدة فكرية للأفكار الأصولية؛ باعتماد لغة جدلية في حدتها، وتقييد حقل الدراسة في غايات إيديولوجية.

رسائل بين تولستوي والإمام محمد عبده

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%87-2

كان الأديب الروسي (تولستوي) والإمام (محمد عبده) يعيشان في نفس العصر، فـ(تولستوي) عاش بين الفترتين (1828م-1910م) وكان الإمام أيضاً قد عاش بين الفترتين نفسهما (1828م-1910م).
وقد كان الاثنان كل منهما “كاتباً” يقر مكانة الكلمة ويعتبرها وثيقة آدميتنا حتى لو كان (تولستوي) نبيلاً إقطاعياً.. والإمام داعية إسلامياً.

هناك رسالة كان قد كتبها (محمد عبده) إلى (تولستوي) وهي موجودة حالياً كمخطوطة عربية في متحف (توليستوي) قال فيها:

أيها الحكيم الجليل مسيو (تولستوي)، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل، ولأن تكون ثمرته تعبأ ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويرقى بها جنسه.
شعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، استعملوا قواهم التي لم يمنحوها ليسعدوا بها فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم، نظرت نظرة في الدين، فرقت حجب التقاليد، وصلت بها إلى حقيقة التوحيد ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ماهداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه.
فكما كنت يقومك هادياً للعقول، كنت بعلمك حاثاً للعزائم والهمم. وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي به الضالون، كان مثالك في العمل إماماً اهتدى به المسترشدون. وكما كان وجود توبيخاً من الله للأغنياء، كان مداداً من عنايته للفقراء.
هذا وأن نفوسنا لشيقة إلى مايتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك والسلام.

(محمد عبده، مفتي الديار المصرية 2 أبريل 1904).

854

كان لـ(تولستوي) رداً على تلك الرسالة.. فقد تجاوب مع الإمام بشكل لائق كما ترجمت في كتاب (ورثة تولستوي)، مبتدئاً رسالته بـ”صديقي العزيز“:

لقد تلقيت رسالتكم الطيبة الحافلة بالمديح وها أنذا أسارع بالرد عليها مؤكدا لكم أولا السعادة الكبرى التى أعطتنى إياها إذ جعلتنى على اتصال برجل متنور.. حتى ولو كان ينتمى إلى إيمان يختلف عن إيمانى الذى ولدت فيه وترعرعت عليه.. ومع هذا فإنى أشعر بأن ديننا واحد ـ لأنى أعتقد أن ضروب الإيمان مختلفة ومتعددة. وإنى لآمل ألا أكون مخطئا إذ أفترض ـ عبر ما يأتى فى رسالتكم ـ بأننى أدعو إلى الدين نفسه الذى هو دينكم.. الدين الذى يقوم على الاعتراف بالله وبشريعة الله التى هى حب القريب ومبادرة الآخر بما نريد من الآخر أن يبادرنا به.. إننى مؤمن بأن كل المبادئ الدينية الحقيقية تنبع من هذا المصدر والأمر ينطبق على كل الديانات.. وإننى لأرى أنه بمقدار ما تمتلئ الأديان بضروب الجمود الفكرى والأفكار المتبعة والأعاجيب والخرافات.. بمقدار ما تفرق بين الناس بل تؤدى إلى توليد العداوات فيما بينهم.. وفى المقابل بمقدار ما تخلد الأديان إلى البساطة وبمقدار ما يصيبها النقاء تصبح أكثر قدرة على بلوغ الهدف الأسمى للإنسانية ووحدة الجميع. وهذا هو السبب الذى جعل رسالتكم تبدو لى ممتعة وفى النهاية ارجو أن تتقبلوا يا جناب المفتى تعاطف صديقكم .. تولستوي.


[المصدر]

حسين البرغوثي: محاولة أخرى لتقديم نفسي

WdKO8U22

حسين جميل البرغوثي (1954- 2002) شاعر ومفكر فلسطيني. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت حتى عام 1997، وأستاذًا للنقد الأدبي والمسرح في جامعة القدس حتى عام 2000. وأثناء هذه الفترة كان عضوا مؤسسا لبيت الشعر الفلسطيني وعضوا للهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورئيسا لتحرير مجلة اوغاريت ومديرًا لتحرير مجلة الشعراء حتى رحيله في عام 2002 مريضًا بالسرطان.

تحدث حسين البرغوثي في نص (محاولة أخرى لتقديم نفسي) كتبه لمجلة مشارف (عدد ٢) بتاريخ ١ سبتمبر ١٩٩٥ عن الشعر وذاته كشاعر يقول فيه:

الشعر بالنسبة لي حوار مرعب، مستفز، وله نشوته. بين القمم والهاوية، بين الحلم واليقظة، بين الموت والحياة، بين الموجود والوجود.إنه حدس بأن كل الكون صدفة، وبأن الصدفة لاتفسره. وبأن العابر والمستقر وجهان للتفسير وليسا تفسيرًا.

مضيفًا على كلامه معنىً للشعر الحقيقي:

أعني بأن الشعر الحقيقي رؤيا تشبه رؤية العدم في قبضة من تراب. ورؤية الرب على أصغر برعم ورد. ذهول مطلق من الموجود والوجود. يظهر في محاولة دائمة لإزاحة كل تفسير وكل معنى وكل رابطة تستأنف الموجود والوجود وحتى إزاحة لهذه اللغة التي تسمح لنا بـ“تسمية الأشياء”، وبالتالي بالبحث الدائم عن “اللا مُسمَّى”.

قال أيضاً :

إن الشعر ليس إلا فتحة في الكون على الكون، والشاعر يوسع الدهليز داخلًا  أعماقًا لم يرها أحد من قبل. خارجًا نحو سطوح لم يرها هو من قبل، وكثيرا مايحتاج ليس للحياة فقط. بل لتحويل “التجربة الحية” إلى معرفة. معرفة تشبة اللذة، لذة الكشف ،لذة إعادة الصياغة ،لذة القوة، وإرادة تصور الوجود.

اعتباره بأن الشعر هو الحقيقة:

الشعر هو الحقيقة، لأن الحقيقة مثلما أشار (نيتشه) مجرد تشبيه منسي. الشاعر لا ينسى الوجود كتشبيه، ولكنه ينسى باستمرار أي تشبيه هو بالضبط! والبحث عن تشابيه بحث عن حقائق من جهة وتعرية لـ “الحقيقة المألوفة” من ذاتها لتسترجع توهجها كتشبيه أصلي. وهكذا نلاحق الوجود، نحفر أمكنة تشبه الأمكنة.

الثقافة: الراقي والشعبي

tumblr_inline_mnj0v7VyVa1qz4rgp

أمبرتو إيكو (Umberto Eco)، فيلسوف ايطالي،روائي وباحث، يُعرف بروايته الشهيرة اسم الوردة، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

تحدث امبرتو ايكو في أحد المقالات التي كانت تصدر له في نيوورك تايمز وتمت ترجمتها من قبل جريدة الاتحاد الإمارتية بعنوان الثقافة: الراقي والشعبي قائلاً:

أثناء مناقشة “أنجيلو أكوارو” و”مارك أوجيه” كتاب فريديريك مارتل الجديد، وعنوانه “الاتجاه السائد”، في إصدارٍ حديثٍ لصحيفة “لاريبابليكا” الإيطالية، تطرّقا إلى مسألةٍ غالباً ما يتم تناولها، لكن دائماً من زوايا مختلفة، وبوجهٍ خاص في ما يتعلق بمستويي الثقافة، الراقية والمتدنية. ولا شك في أنّ شخصاً شاباً يستمع اليوم لموسيقى موزار وللموسيقى الفولكلورية من دون تمييز، يعتقد أن لا علاقة لهذه المسألة بالموضوع. لكن من الضروري الإشارة إلى أنّ المسألة كانت بالغة الأهمية منذ نصف قرنٍ. ففي عام 1960، كتب الناقد الثقافي الأميركي، دوايت ماكدونالد، مقالاً مميزاً بعنوان “ماسكلت أند مدكلت”، (أي الثقافة الشعبية والثقافة المتوسطة)، ولم يظهر من خلاله مستويين من الثقافة وحسب بل ثلاثة مستويات.

أكّد ماكدونالد أنّ جويس وبيكاسو وسترافنسكي يمثلون الثقافة الراقية، في حين تمثّل أفلام هوليوود وموسيقى الروك وغلافات مجلة “ساترداي إيفنينغ بوست” (ومعظمها للرسام الأميركي نورمن روكول) “الثقافة الشعبية”. غير أن ماكدونالد قام أيضاً بتعريف مستوى ثالثٍ من الثقافة، وهو “الثقافة المتوسطة”، التي شبّهها بمنتجات الترفيه التي استعانت ببعض أنماط الطليعيين، في حين بقيت في أساسها رديئة. ومن بين الأمثلة القديمة على الثقافة المتوسطة، ذكر ماكدونالد أعمال الرسام الفكتوري الهولندي الأصل السير لورنس ألما تاديما، والشاعر الفرنسي العظيم إدمون روستان الذي أحدث تغييراً بارزاً في نصف القرن الماضي. أما بالنسبة للفنانين المصنفين ضمن الثقافة المتوسطة، وهم من جيل ماكدونالد، فقد أشار هذا الأخير إلى إرنست همنغواي في حياته مؤخراً، والكاتب الأميركي ثورنتون ويلدلر، الذي فازت مسرحيته في عام 1938 بعنوان “أور تاون” بجائزة بوليتزر. ومن المرجح أن يكون ماكدونالد قد أضاف الكاتب المسرحي وليام سمرست موم، والهنغاري ساندور بيتوفي والروائي البلجيكي الأصل والرفيع الشأن والكثير الإنتاج جورج كرستشن سايمنن. كما اعتبر ماكدونالد روايات سايمنن البوليسية التي تتميز بالمحقق البوليسي جول ميغريه، من ضمن الثقافة الشعبية، وأعمال سايمنن الأخرى التي تخلو من المحقق ميغريه من ضمن الثقافة المتوسطة.

لا يعود الفرق بين الثقافة الشعبية والثقافة الراقية إلى زمنٍ بعيدٍ كما يتخيّله الكثير من الأشخاص. فقد ذكر أوجيه في صحيفة “لا ريبابليكا” مأتم الكاتب الفرنسي فكتور هوغو، والذي حضره مئات الآلاف من الناس (هل كانت أعمال هوغو من الثقافة المتوسطة أم الراقية؟)، في حين كان تجار السمك في بيريوس حتى، يستمتعون بمآسي سوفوكليس. وما إن تم نشر رواية “ذو بتروثد” في أوائل القرن التاسع عشر للكاتب ألساندرو مانزوني، حتى صدرت عدة نسخ تدلّ على شعبية هذه الرواية. ولا ننسى القصة الشهيرة للحداد المنشد الذي اختلط بسطور قصائد دانتي، الأمر الذي أغاظ الشاعر من جهة لكنّه أظهر أيضاً من جهةٍ أخرى أنّه حتى الأمّيين يدركون أعماله.

وهذا الأمر صحيح، ففي روما القديمة كان الناس يتخلون عن مسرحيات تيرينس للذهاب إلى السيرك ومشاهدة الدببة. لكن حتى في أوقاتنا هذه، يتخلّى المفكرون العظماء عن حفلةٍ موسيقيةٍ ما لمشاهدة مباراة كرة قدم مهمة. وفي الواقع، لا يتضح الفرق بين مستويي الثقافة (أو المستويات الثلاث) عادةً إلا عندما يثير الطليعيون القدامى البرجوازية عن قصد من خلال تمجيد غموض الأداء أو رفضه كقيم فنية.

هل يحدث هذا الفرق بين الثقافة الراقية والمتدنية في أوقاتنا هذه؟ لا. فمؤلفو الموسيقى الكلاسيكية في القرن العشرين، مثل لوتشيانو بيريو وهنري بوسور، يولون موسيقى الروك أهمية كبيرة في حين يضطلع العديد من موسيقيي الروك بالموسيقى الكلاسيكية إلى حدٍّ كبير. فانتشار “البوب آرت” في منتصف القرن وضع حداً لتسلسل الثقافة التقليدية: ويُعزى اليوم عدم القراءة إلى الغموض الكبير لبعض الكتب الكوميدية (وما يعرف اليوم بـ”الروايات القصصية”)، في الوقت الذي يعتبر فيه العديد من مسارات صوت الأفلام الغربية والإيطالية كموسيقى الحفلات. واليوم، كل ما عليك القيام به هو مشاهدة مزادٍ علني على التلفزيون لرؤية أشخاص يقومون بشراء “غير راقٍ” (وبرأيي، كل من يشتري لوحةً على التلفزيون لا يصنّف عضواً في نخبة المثقفين) للوحاتٍ زيتيةٍ مجرّدة من الفن العريق، كان ليرفضها أهلهم وليعتبرونها كصورٍ رُسمت بذيل حمار. وكما بيّنها أوجيه: “ثمة دائماً تبادل سرّي بين الثقافة الراقية والثقافة الشعبية، وغالباً ما تغني الثقافة الشعبية الثقافة الراقية” (وأود أن أضيف قائلاً، “والعكس صحيح”).

والجدير بالذكر أن التمييز الحديث بين مستويات الثقافة انتقل من التركيز على محتوى عمل معيّن أو شكله إلى طريقة الاستمتاع به. وبعبارةٍ أخرى، لم يعد من وجود لأي فرق بين بيتهوفن و”جنغل بلز”. فاليوم يستمتع السامعون بموسيقى بيتهوفن، والتي يتم تصوّرها كخلفيات موسيقية وسلسة نغمات رنين، من دون إدراكهم بذلك (كما أوضحها الناقد الثقافي ووتر بنجامن)، وبالتالي، باتت شبيهة بنغمات الإعلانات. لكن النغمة المعدة لإعلان سائل تنظيف قد تصبح موضوع تحليل مهماً وتكتسب تقديراً نظراً للإيقاع أو اللحن أو التناغم.

وبالإضافة إلى العمل الفني، فقد تغيّرت أيضاً مقاربتنا للأمر. فالأشخاص الذين لا يبالون بالموسيقى، قد يستمعون إلى ووغنر كمسارٍ موسيقي لعرضٍ واقعي، في حين قد يجلس رفيعو الذوق ويستمتعون بمشاهدة فيلم “تريستان وإيزولد” حتى النسخ القديمة منه كتسجيلات الفينيل.

الفلسفة و الأخلاق من منظور د.طه عبدالرحمن

1329261627

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة  والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

 

كيف ينظر الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة الفلسفة والأخلاق من حيث أن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ماتوصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل، يرد على ذلك قائلاً:

بدون شك هيمن على الفلسفة تصور ما، كان هذا التصور هو أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات. لكن لو نظرنا لهذا التصور، لوجدناه يخل بمقتضى منطقي وهو أن النظر المجرد لايمكن أن يحكم على السلوكيات، لأنه يحتاج أن يتحقق بخصائص السلوكيات لكي يتمكن من الحكم عليها. أي لابد للفسفة أن تكون مصحوبة بالعمل، حتى تفتح في العمل أفاق جديدة لم تكن فيه لما كانت الفلسفة نظراً مستقلاً عن العمل. لأن العمل يؤثر في النظر، من حيث أنه ينشئ استدلالاً جديداً في النظر واستشكالات في القضايا. وحين يكون النظر أخ العمل ولا ينفك عنه عند ذلك نقول أن الفيلسوف له الحق أن يحكم في السلوكيات وأن يحكم كذلك على الغيبيات.
لذلك لا نستغرب أن العالم الاسلامي لما تلقى الفلسفة أسماها الحكمة لأن الحكمة مخروطة بالعمل بشكل كامل بل تعد مرتبة،و ليست فقط مرتبة يتأطر فيها النظر بالعمل، بل يصبح العمل هو الذي يوجه النظر وليس العكس.
ونستطيع أن نقول بأن العمل هو ليس إلا جملة سلوكيات وهذه السلوكيات يمكن أن تكون موصوفة بالخير أو الشر أو الحسن أو القبح. وحين ذاك فإنها تعتبر داخلة في باب الأخلاق. إذن فكل سلوك يخضع أو يكون محط الحكم عليه بالخير أو الشر يعد خلقاً من الأخلاق. بمعنى آخر، أن الأفكار لابد أن تكون مصحوبة بالأخلاق حتى تحقق الفلسفة كما عاشها التراث الاسلامي، بل أقول أن بعض المدارس اليوناينة كالرواقيين كان تصورهم للفلسفة تصوراً عملياً، ونحن اليوم أحوج مانكون إلى استحضار هذا التصور العملي للفسفة لأسباب موضوعية موجودة في واقعنا، أي لايمكن أن ننشئ فلسفة بالنظر المجرد والواقع أمامنا يتحدانا بإشكالات وعوائق كبيرة ملموسة واقعية. بل نحتاج تجاوزها، ولايمكن تجاوزها بالفكر المجرد بل لابد من فكر قد انطبع وتشكل بالعمل تشكلاً كاملاً.

فالأخلاق على هذا الأساس ينبغي فيها مراجعة المسلمات التي بنيت عليها، لأن التصور للفلسفة كان تصوراً نظرياً والأخلاق كانت تعتبر لمحة نظرية، فإذا اعتبرنا أن الفلسفة من مقتضاها المنطقي أن تجمع بين العمل والنظر فمن الواجب مراجعة مسلماتها التي انبنت عليها الأخلاق، ومن هذه المسلمات:

أولاً: أن الأخلاق هي صفات كمالية يعني لا يضر فقدها الإنسان بل يمكن أن يستغنى عنها أحياناً بل هي بمنزلة ترف لا ننضر بعدم حصوله. ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الأخلاق هي صفات ضرورية جوهرية يختل بفقدها ليس فقط نظام السلوك بل نظام الحياة، فلو تصورنا أن مجتمعا ليس فيه تمسك بالأخلاق والقيم سنعتبره مجتمع غير حي،أي لا حياة فيه.

ثانياً: تصور الأخلاق أنها صفات محدودة وأنها تشكل فقط جزء من السلوك الانساني، أن هناك أفعال نصفها بالأخلاق وأفعال لا نطبق عليها وصف الأخلاق وهذا كذلك غير مسلم ومعترض عليه. الأخلاق تشمل جميع أفعال الإنسان ابتداء من الفعل النظري; الفعل النظري فعل خلقي من حيث أنه يقتضي بموجب أن لنا بصر، فإذن يقتضي أن ننظر في المصلحة التي يجلبها لنا أو المفسدة التي يدفعها عنا، إنه بذلك الاعتبار يعتبر فعلا خُلقيا دافع للمصلحة.

كيف نستطيع أن نعتبر أفعال العقل هي أفعال خُلقية؟ يجب د. طه عبدالرحمن عن ذلك قائلا:

مادامت جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي مايجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني. فمثلا قد نقول هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا عقلانياً وليس هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا أخلاقياً. أي كلما زاد الإنسان أخلاقية اعتبرناه زيادة في انسانيته لكن لا نقول أنه كلما زاد في تقدم العقل زادت انسانيته، لأن زيادة تقدم العقل قد يضر بالإنسانية متى دمر هذا العقل الإنسان.

على ماذا يستند د.طه عبدالرحمن ليثبت أن الأصل في الأخلاق هو الدين، يجيب عن ذلك قائلاً:

أن ايمانويل كانت (كانط) علمن الأخلاق، أي فصلها عن الدين وأدخل عليها التعقيل -التحليل والتنظير- العقلي. وهذا لا يمنع أن الأصل في كثير من المفاهيم أن تكون دينية. ونحن نستطيع أن نجد ذلك -أي عقلنة الأخلاق- حياً اليوم في حياتنا مثلا: مفهوم ( التضامن) هو مفهوم أخلاقي ديني ولكنه الأصل فيه (الإحسان) عند المسيحين و (آلتراحم) عند المسلمين. فمبدأ (التراحم) أدخلت عليه الصفة العقلية ليصبح هو (التضامن). ومثال آخر: وهو مفهوم (المواطنة) هذا المفهوم هو علمنة لمفهوم (الأخوة). كانت هو في الحقيقة فصل الأخلاق عن الدين وهي موصولة أصلاً وفصلاً ليستجيب لمقتضى الحداثة و الأنوارية و مقتضى فكّر بنفسك ولا تنتظر وصاية أحد عليك. هي مسألة استيلاء العقل على أمور دينية وصرفها صرفاً عقلانياً.
لكن في الحقيقة هو أن الدين الأصل، لأن القيم الأخلاقية هي مُثل لاوجود لها في الواقع. لا هي وقائع ولا هي مجردات من الوقائع كما تجرد الكليات من الجزئيات. ولا أكتفي بالقول بأنها مُثل، بل هي معاني مشخصة في داخل الإنسان ليست مُثل في عالم خارج الواقع ومن هنا أقول بأن وظيفة الوحي كانت لخبرنا بوجود هذه المعاني وكيفية التصرف وفق هذه المعاني. ولماذا نقول أن هذه هي وظيفته بالضبط؟  لأن الوحي لم ينزل إلينا ليخبرنا عما يستطيع العقل أن يصير إليه مثلاً من حقائق كونية بل جاء ليخبرنا بالحقائق المعنوية التي فُطرنا عليها والتي ينبغي أن نسلك حياتنا وفقها، حيث أن وظيفته ليست التعريف بالكونيات -الملكيات- بل التعريف بالآيات -الملكوتيات- يعني القيم الأخلاقية التي هي آيات أُودعت في نفس الإنسان بإرادة الله سبحانه وتعالى.

للإستزادة:
مسارات:في الفلسفة والأخلاق
سؤال الأخلاق – طه عبدالرحمن

 

الشدياق عن الاختلافات في الموسيقى بين الافرنج والعرب

يتحدث (أحمد الشدياق) (1804-1887) المثقف التنويري والصحفي اللبناني، في كتابه (الواسطة في معرفة أحوال مالطة) يتحدث عن الموسيقى في باب منفصل فيقول:

إن الإفرنج قد جعلوا ترجيع الصوت وإيقاعه داخلاً تحت حس المشاهدة، فدلوا عليه بنقوش ورسوم معلومة كما دلت الحروف على المعاني، فلم يكن تحصيله متوقفاً على ذاكرة وعظيم معاناة كما في السابق، فمن كان منهم عارفاً بخارج النغم ورأى تلك العلامات، أمكن له أن يخرج عليها أي صوت كان من دون أن تتقدم له سابقة فيه، وإذا اجتمع منهم عشرون رجلاً وكانت أمامهم تلك النقوش رأيت منهم متابعة واحدة، ويُرَد على هذا التأويل أنه لو كانت الموسيقى فضلة من المنطق لكانت واحدة الاستعمال، كما أن المنطق واحد الضوابط، على أن الناس متغايرون فيها تغاير شديداً، فإن ألحان العرب لاتطرب غيرهم، بل هولاء-أيضاً- مختلفون، فإن أهل مصر لايطربون لألحان الشام، وألحان الإفرنج لا تطرب أحداً من هؤلاء.

وقد شرح هذا المعنى (ابن زيدون) في رسالة (لابن نباتة) تقول: “النغم فضل بقي من المنطق، لم يقدر اللسان على إخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلمّا ظهر عَشِقَته النفس وحَنَّ إليه القلب“.

فالمراد بالترجيع لا التقطيع هو أن يكون الصوت ممتداً ينحى به لا متقطعاً كأصوات الهجاء، فإذا كان فنّ الموسيقى-والحالة هذه- فضلة من المنطق على هذا التأويل لزم أن نقول إن لكل جيل من الناس محاسن في الغناء مقصورة عليهم فقط، فإن لكل لغة محاسن ولا توجد في غيرها، والواقع بخلاف ذلك فإن لغتي الصين والهند- مثلاً- تستميلان على محسنات لاتوجد في غيرهما، إلا أن أنغامهم خالية من ذلك، أما ألحان الإفرنج فلا يطرب لها إلا من ألِفَها.

ثم ذكر 4 إختلافات في الموسيقى بين الإفرنج والعرب فيقول :

أولاً: أن الإفرنج ليس لهم صوت مطلق للإنشاد من دون تقييد بتلك النقوش، فلو اقترحت على أحدهم مثلاً أن يغني بيتين ارتجالاً، كما يفعل عندنا في القصائد والمواليات لما قدر، وهو غريب بالنسبة إلى براعتهم  في هذا الفن؛ لأن الإنشاد على هذا النوع طبيعي، وقد كان عندهم من قبل أن تكون النقوش والعلامات، فياليت شعري. كيف كانوا ينشدون قبل أن ينبغ (غيودو الأريتسو) في إيطاليا؟

ثانياً: أن غناء الافرنج هو مثل قرأتهم، في أنه لا يخلو عن حماسة وتهييج، فضلاً عن التشويق والتطريب والترقيص، فغناء الحماسة والتهييج هو الذي يكون به ذكر القتال، وأخذ الثأر، والذب عن الحقيقة، فإذا سمعه الجبان- لاسيما من الآلات العسكرية- هانت عليه روحه، أما الغناء العربي فكله تشويق وغرامي، وأجدر به أن يكون جامعاً لمعنيي الطرب، وهو خفة تصيب الإنسان من فرح أو حزن، فإذا سمع أحد منا صوتاً أو آلة شغف قلبه الغرام، فبدت صبابته، وحنت نفسه كما يحن الإلف إلى إلفه حتي يصير عنده آخر الفرح ترحاً، ولا غرو إن صعد منه الزفرات وأذرف العبرات، فإن الشرور إذا تفاقم أمره وتكامل بدره دب فيه محاق الشجن، واختلط به الحزن حتى يستغرق صاحبه في بحر من الوجد، ويشتغل بنار من الهيام، وعلى ذلك ورد قولهم: “طربه وشجاه من الأضداد”.

ثالثاً: فهو أن الإفرنج لا قرار لأصواتهم إلا على الرصد. نعم، إن جميع الأنغام يوجد لها مقامات في آلاتهم، بل توجد أنصافها وأرباعها إلا مقامين منها، لا أنصاف لهما إلا أنهم لا يقرّون إلا على المقام الأول، وقد سمعت منهم الرهاوي، والبوسليك، والأصفهاني، أما غيرها فلم أسمعه قط، بل قد سمعت منهم بعض أغانٍ من أغانينا أوقعوها على آلتهم، فكانت كلها رصداً وقد- والله- طالما وقفت السمع على أن أسمع منهم أنغامنا فخبت، حتى اعترتني الحيرة، فإني – من جهة- كنت أرى آلاتهم بديعة الصنعة على كثرتها، وأفكر في أن العلوم انتهت إليهم، والفنون قَصُرت عليهم، وإن عندهم في هذا الفن بدائع كثيرة فاتتنا على ماسبق ذكره، ومن جهة أخرى أرى أن براعتهم كلها إنما هي من مقام الرصد، نعم إن هذا المقام هو أول المقامات، وأنه يُغَنّي منه في مصر وتونس أكثر مما يُغَنّى من غيره، إلا أن فضل الصبا والبيات والحجازي لا ينكر أيضاً، ثم أعود فأقول: لا غرو أن يكون قد فاتهم أيضاً بدائع في هذا الفن كما فاتهم في غيره أشياء أخرى، وذلك ككثرة بحور العروض عندنا، وكبعض محسنات الكلام، كالسجع في الكلام المنثور؛ إذ ليس عندهم سوى المنظوم، وهو -في الإنشاء- كالصوت المطلق في الغناء، فإن السجع مقدم على النظم، وكعجزهم أيضاً عن لفظ الأحرف الحلقية.

وقد سألت مرة أحد أهل الفن منهم فقلت: إن المقامات موجودة عندكم وعندنا على حد سويّ، وكذا أنصافها، فبقي الكلام على استعمالها، فإنا لو استعملنا -مثلا- نصفاً من الأنصاف مع مقامه، وأنتم تستعملونه مع مقام آخر، بحيث يظهر لنا أنه خروج، فمن أين تعلم الحقيقة؟ فما كان منه إلا أن قال: إن هذا الفن قد وُضع عندهم على أصول هندسية لا يمكن خرمها، فلا يصح أن يستعمل مقام إلا مع مقام آخر، على أني كثيراً ماسمعت منهم خروجاً فاحشاً، على شَغَفي بألحانهم، وقد شاقني، يوماً- وصف المادحين إلى سماع قينة بلغ صيتها أنها غنَّت في مجلس قيصر الروس، فلمّا سمعتها طربت لرخامة صوتها وطول نَفَسها في الغناء، إلا أني سمعت منها خروجاً بحسب ماوصل إليه إدراكي، ولو تيقَّن أن آلحان الروم التي يرتّلون اليوم في كنائسهم هي كما كان يتغنى به في أيام الفلاسفة اليونانيين لكان ذلك دليلاً آخر على قصور ألحان الإفرنج، فإن أنغام الروم مقاربة لأنغامنا.

رابعاً: أن أكثر أصحاب الآلآت عندهم لا يحسنون إخراج أنصاف النغم وأرباعها، مالم تكن مرسومة لهم إلا أصحاب الكمنجة، فأما الناي ففيه خروق شتى غير السبعة، لكل اثنين منهما طباقة إذا سُدّ منها منخر جاش منخر، غير أن الصنعة في إحكام سدها واستعمالها تقارب صنعة تغيير نقل الأصابع عندنا وهذه الأنصاف والأرباع في النغم مثل الروم والإشمام في النحو.

ويقول أخيراً:

أن الإفرنج على كثرة ماعندهم من الآلآت والأدوات، فقد فاتهم العود على محاسنه، والناي من القصب، على الرغم من أن أكثر العلماء قرروا أن أصل الموسيقى مأخوذ عن صوت الريح في القصب.

بيكاسو، وحديثه عن الأفكار والنجاح

h9_JnnIo

حين التقى (بيراشاي) المصور الهنغاري والملقب “بعين باريس” بـ(بيكاسو)، دارت بينهما الكثير من الاحاديث عن الفن، وقد جمعها (بيراشاي) ودونها وقد صدرت في كتاب يحمل عنوان (حوارات مع بيكاسو). وقد استقطبنا هنا حديثهما عن (الأفكار والنجاح).

قال (بيكاسو) محدثا (بيراشاي) عن الأفكار :

ليس لدي أي دليل أو اثبات، الا أني أظن بأن الأفكار ببساطة هي عبارة عن نقاط. و نادرا ما أدونها كما تأتي إلى ذهني. في الوقت الذي أبدأ فيها بالعمل بتلك الافكار فإن غيرها من الأفكار يأتي لقلمي وفرشاتي دون استدعاء مقصود.
في اللحظة التي أشعر فيها بأني أواجه صفحة بيضاء خاوية هذا يعني أني أطلت التفكير فيما أريد رسمه وقد يغلبني ذلك البياض دون رسم أي شيء. والمهم هو أن أجمل وأعمق ما أرسم هو ما أرسمه دون تفكير مسبق.

ويقول: “أن كل ماعليك فعله لتعرف ماذا تريد أن ترسم، هو أن ترسم“.

ثم يدافع براشاي عن فكرة أن بعض الفنانين موهوبين لدرجة أن نجاحهم محقق بلا شك باقتباسه عبارة لـ(ماتيسي) قالها يوما ما له “يجب أن تكون أقوى من موهبتك لتحميها“. ثم يعقب بما قال (بيكاسو) عن النجاح:

اذن، النجاح أمر مهم!
غالبا مايقال أن على الفنان أن يعمل لأجل نفسه أو لأجل حبه للفن و دون الاكتراث للنجاح، وهذا الأمر غير صحيح! لأن الفنان يحتاج النجاح وليس بالعيش خارج أسواره. خاصة وأنه يعمل بكامل قواه البدنية والذهنية والحسية. ولايستثنى الفنان ذو الغنى المادي من ذلك حيث أنه هو أيضا يحتاج للنجاح! فقليل من الناس فقط هم من يستشعرون ويفهمون الفن، والأقل من أؤلئك هم الحساسون تجاه اللوحات والأعمال الفنية. فالأغلبية يحكمون على اللوحات فقط لسمعتها وشهرتها و لنجاحها.
لكن لماذا ترك و ألصق معنى النجاح للوحات الأكثر مبيعا؟ على الرغم من أن لكل جيل ذائقته الخاصة! هناك من أبتدع فكرة أن النجاح يجب أن يذهب لأولئك الذين يلبون رغبة الجماهير والذوق العام، وهذا هو السبب!
بالنسبة لي، كنت دائما أريد أن أثبت لنفسي أنه يمكنني أن أبلغ النجاح بطريقتي الخاصة رغما عن الجميع و دون أي تنازلات!
أتعرف؟ هذا في رأيي هو النجاح الذي حققته منذ أن كنت يافعا حتى أن الفترة الزرقاء وفترة الزهور كانتا دائما الجدار الذي يحميني.

ثم قال بيكاسو أخيرا:

لا تعرض لوحاتك بمبلغ باهظ الثمن، لأنه من المهم جدا أن تبتاع منها أكبر عدد ممكن. فرسوماتك يجب أن تخرج إلى ضوء العالم لا أن تظل حبيسة داخل عالمك أنت.

المصدر الأول، المصدر الثاني.