أرشيف الكاتب

حسين البرغوثي: محاولة أخرى لتقديم نفسي

WdKO8U22

حسين جميل البرغوثي (1954- 2002) شاعر ومفكر فلسطيني. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت حتى عام 1997، وأستاذًا للنقد الأدبي والمسرح في جامعة القدس حتى عام 2000. وأثناء هذه الفترة كان عضوا مؤسسا لبيت الشعر الفلسطيني وعضوا للهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورئيسا لتحرير مجلة اوغاريت ومديرًا لتحرير مجلة الشعراء حتى رحيله في عام 2002 مريضًا بالسرطان.

تحدث حسين البرغوثي في نص (محاولة أخرى لتقديم نفسي) كتبه لمجلة مشارف (عدد ٢) بتاريخ ١ سبتمبر ١٩٩٥ عن الشعر وذاته كشاعر يقول فيه:

الشعر بالنسبة لي حوار مرعب، مستفز، وله نشوته. بين القمم والهاوية، بين الحلم واليقظة، بين الموت والحياة، بين الموجود والوجود.إنه حدس بأن كل الكون صدفة، وبأن الصدفة لاتفسره. وبأن العابر والمستقر وجهان للتفسير وليسا تفسيرًا.

مضيفًا على كلامه معنىً للشعر الحقيقي:

أعني بأن الشعر الحقيقي رؤيا تشبه رؤية العدم في قبضة من تراب. ورؤية الرب على أصغر برعم ورد. ذهول مطلق من الموجود والوجود. يظهر في محاولة دائمة لإزاحة كل تفسير وكل معنى وكل رابطة تستأنف الموجود والوجود وحتى إزاحة لهذه اللغة التي تسمح لنا بـ“تسمية الأشياء”، وبالتالي بالبحث الدائم عن “اللا مُسمَّى”.

قال أيضاً :

إن الشعر ليس إلا فتحة في الكون على الكون، والشاعر يوسع الدهليز داخلًا  أعماقًا لم يرها أحد من قبل. خارجًا نحو سطوح لم يرها هو من قبل، وكثيرا مايحتاج ليس للحياة فقط. بل لتحويل “التجربة الحية” إلى معرفة. معرفة تشبة اللذة، لذة الكشف ،لذة إعادة الصياغة ،لذة القوة، وإرادة تصور الوجود.

اعتباره بأن الشعر هو الحقيقة:

الشعر هو الحقيقة، لأن الحقيقة مثلما أشار (نيتشه) مجرد تشبيه منسي. الشاعر لا ينسى الوجود كتشبيه، ولكنه ينسى باستمرار أي تشبيه هو بالضبط! والبحث عن تشابيه بحث عن حقائق من جهة وتعرية لـ “الحقيقة المألوفة” من ذاتها لتسترجع توهجها كتشبيه أصلي. وهكذا نلاحق الوجود، نحفر أمكنة تشبه الأمكنة.

الثقافة: الراقي والشعبي

tumblr_inline_mnj0v7VyVa1qz4rgp

أمبرتو إيكو (Umberto Eco)، فيلسوف ايطالي،روائي وباحث، يُعرف بروايته الشهيرة اسم الوردة، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

تحدث امبرتو ايكو في أحد المقالات التي كانت تصدر له في نيوورك تايمز وتمت ترجمتها من قبل جريدة الاتحاد الإمارتية بعنوان الثقافة: الراقي والشعبي قائلاً:

أثناء مناقشة “أنجيلو أكوارو” و”مارك أوجيه” كتاب فريديريك مارتل الجديد، وعنوانه “الاتجاه السائد”، في إصدارٍ حديثٍ لصحيفة “لاريبابليكا” الإيطالية، تطرّقا إلى مسألةٍ غالباً ما يتم تناولها، لكن دائماً من زوايا مختلفة، وبوجهٍ خاص في ما يتعلق بمستويي الثقافة، الراقية والمتدنية. ولا شك في أنّ شخصاً شاباً يستمع اليوم لموسيقى موزار وللموسيقى الفولكلورية من دون تمييز، يعتقد أن لا علاقة لهذه المسألة بالموضوع. لكن من الضروري الإشارة إلى أنّ المسألة كانت بالغة الأهمية منذ نصف قرنٍ. ففي عام 1960، كتب الناقد الثقافي الأميركي، دوايت ماكدونالد، مقالاً مميزاً بعنوان “ماسكلت أند مدكلت”، (أي الثقافة الشعبية والثقافة المتوسطة)، ولم يظهر من خلاله مستويين من الثقافة وحسب بل ثلاثة مستويات.

أكّد ماكدونالد أنّ جويس وبيكاسو وسترافنسكي يمثلون الثقافة الراقية، في حين تمثّل أفلام هوليوود وموسيقى الروك وغلافات مجلة “ساترداي إيفنينغ بوست” (ومعظمها للرسام الأميركي نورمن روكول) “الثقافة الشعبية”. غير أن ماكدونالد قام أيضاً بتعريف مستوى ثالثٍ من الثقافة، وهو “الثقافة المتوسطة”، التي شبّهها بمنتجات الترفيه التي استعانت ببعض أنماط الطليعيين، في حين بقيت في أساسها رديئة. ومن بين الأمثلة القديمة على الثقافة المتوسطة، ذكر ماكدونالد أعمال الرسام الفكتوري الهولندي الأصل السير لورنس ألما تاديما، والشاعر الفرنسي العظيم إدمون روستان الذي أحدث تغييراً بارزاً في نصف القرن الماضي. أما بالنسبة للفنانين المصنفين ضمن الثقافة المتوسطة، وهم من جيل ماكدونالد، فقد أشار هذا الأخير إلى إرنست همنغواي في حياته مؤخراً، والكاتب الأميركي ثورنتون ويلدلر، الذي فازت مسرحيته في عام 1938 بعنوان “أور تاون” بجائزة بوليتزر. ومن المرجح أن يكون ماكدونالد قد أضاف الكاتب المسرحي وليام سمرست موم، والهنغاري ساندور بيتوفي والروائي البلجيكي الأصل والرفيع الشأن والكثير الإنتاج جورج كرستشن سايمنن. كما اعتبر ماكدونالد روايات سايمنن البوليسية التي تتميز بالمحقق البوليسي جول ميغريه، من ضمن الثقافة الشعبية، وأعمال سايمنن الأخرى التي تخلو من المحقق ميغريه من ضمن الثقافة المتوسطة.

لا يعود الفرق بين الثقافة الشعبية والثقافة الراقية إلى زمنٍ بعيدٍ كما يتخيّله الكثير من الأشخاص. فقد ذكر أوجيه في صحيفة “لا ريبابليكا” مأتم الكاتب الفرنسي فكتور هوغو، والذي حضره مئات الآلاف من الناس (هل كانت أعمال هوغو من الثقافة المتوسطة أم الراقية؟)، في حين كان تجار السمك في بيريوس حتى، يستمتعون بمآسي سوفوكليس. وما إن تم نشر رواية “ذو بتروثد” في أوائل القرن التاسع عشر للكاتب ألساندرو مانزوني، حتى صدرت عدة نسخ تدلّ على شعبية هذه الرواية. ولا ننسى القصة الشهيرة للحداد المنشد الذي اختلط بسطور قصائد دانتي، الأمر الذي أغاظ الشاعر من جهة لكنّه أظهر أيضاً من جهةٍ أخرى أنّه حتى الأمّيين يدركون أعماله.

وهذا الأمر صحيح، ففي روما القديمة كان الناس يتخلون عن مسرحيات تيرينس للذهاب إلى السيرك ومشاهدة الدببة. لكن حتى في أوقاتنا هذه، يتخلّى المفكرون العظماء عن حفلةٍ موسيقيةٍ ما لمشاهدة مباراة كرة قدم مهمة. وفي الواقع، لا يتضح الفرق بين مستويي الثقافة (أو المستويات الثلاث) عادةً إلا عندما يثير الطليعيون القدامى البرجوازية عن قصد من خلال تمجيد غموض الأداء أو رفضه كقيم فنية.

هل يحدث هذا الفرق بين الثقافة الراقية والمتدنية في أوقاتنا هذه؟ لا. فمؤلفو الموسيقى الكلاسيكية في القرن العشرين، مثل لوتشيانو بيريو وهنري بوسور، يولون موسيقى الروك أهمية كبيرة في حين يضطلع العديد من موسيقيي الروك بالموسيقى الكلاسيكية إلى حدٍّ كبير. فانتشار “البوب آرت” في منتصف القرن وضع حداً لتسلسل الثقافة التقليدية: ويُعزى اليوم عدم القراءة إلى الغموض الكبير لبعض الكتب الكوميدية (وما يعرف اليوم بـ”الروايات القصصية”)، في الوقت الذي يعتبر فيه العديد من مسارات صوت الأفلام الغربية والإيطالية كموسيقى الحفلات. واليوم، كل ما عليك القيام به هو مشاهدة مزادٍ علني على التلفزيون لرؤية أشخاص يقومون بشراء “غير راقٍ” (وبرأيي، كل من يشتري لوحةً على التلفزيون لا يصنّف عضواً في نخبة المثقفين) للوحاتٍ زيتيةٍ مجرّدة من الفن العريق، كان ليرفضها أهلهم وليعتبرونها كصورٍ رُسمت بذيل حمار. وكما بيّنها أوجيه: “ثمة دائماً تبادل سرّي بين الثقافة الراقية والثقافة الشعبية، وغالباً ما تغني الثقافة الشعبية الثقافة الراقية” (وأود أن أضيف قائلاً، “والعكس صحيح”).

والجدير بالذكر أن التمييز الحديث بين مستويات الثقافة انتقل من التركيز على محتوى عمل معيّن أو شكله إلى طريقة الاستمتاع به. وبعبارةٍ أخرى، لم يعد من وجود لأي فرق بين بيتهوفن و”جنغل بلز”. فاليوم يستمتع السامعون بموسيقى بيتهوفن، والتي يتم تصوّرها كخلفيات موسيقية وسلسة نغمات رنين، من دون إدراكهم بذلك (كما أوضحها الناقد الثقافي ووتر بنجامن)، وبالتالي، باتت شبيهة بنغمات الإعلانات. لكن النغمة المعدة لإعلان سائل تنظيف قد تصبح موضوع تحليل مهماً وتكتسب تقديراً نظراً للإيقاع أو اللحن أو التناغم.

وبالإضافة إلى العمل الفني، فقد تغيّرت أيضاً مقاربتنا للأمر. فالأشخاص الذين لا يبالون بالموسيقى، قد يستمعون إلى ووغنر كمسارٍ موسيقي لعرضٍ واقعي، في حين قد يجلس رفيعو الذوق ويستمتعون بمشاهدة فيلم “تريستان وإيزولد” حتى النسخ القديمة منه كتسجيلات الفينيل.

من نظرات المنفلوطي عن العام الجديد!

MustafaLutfial-Manfaluti

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

يتحدث لطفي المنفلوطي في أحد مقالاته التي نشرها في كتابه النظرات عن العام الجديد، قائلاً:

علام يهنئ الناس بعضهم بعضاً؟ وماذا لقوا من الدنيا فحرضوا على البقاء فيها؟ ويغتبطوا المراحل التي يقطعونها منها؟ وهل يوجد بينهم شخص واحد يستطيع أن يزعم أنه أصبح سعيداً كما أمسى؟ أو أمسى سعيداً كما أصبح؟ أو أنه رأى بروق السعادة قد لمع في إحدى لياليه ولم ير بجانبه مايرى في الليلة البارقة من رعود قاصفة، وصواعق محرقة، وشهب متطايرة؟

بأية نعمة من النعم، أو صنيعة من الصنائع تمن يد الحياة على إنسان لا يفلت من ظلمة الرحم إلا إلى ظلمة العيش، ولا يفلت من ظلمة العيش إلا إلى ظلمة القبر، كأنما هو يونس، الذي التقمه الحوت فمشى في ظلمات بعضها فوق بعض! وأية يد من الأيادي أسدتها الأيام إلى رجل يظل فيها من مهده إلى لحده حائراً مضطرباً، يفتش عن ساعة راحة وسلام تهدأ فيها نفسه، ويثلج صدره، فلا يعرف لها مذهباً ولايجد لها سبيلاً، إن كان غنياً اجتمعت حوله القلوب الضاغنة، واصطلحت عليه الأيدي الناهبة، فإما قتلته وإما افقرته، وإن كان فقيراً عد الناس فقره ذنباً جنته يداه، فتتناوله الأكف بالصفع والأرجل بالركل والألسن بالقذف، حتى يموت الموتة الكبرى بعد أن مات الموتة الصغرى، وإن كان عالماً ولع الحاسدون بذمه وهجوه، وتفننوا في تشويه سمعته، وتسويد صحيفته ولا يزالون به حتى يعطيهم العهود والمواثيق التي يرضونها أن يعيش عالماً كجاهل يدركه الموت، وإن كان جاهلاً اتخذه العالمون مطية يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا يهادنونها ولا يرفقون بها حتى يعقروها. وإن كان بخيلاً ازدرته القلوب واقتحمته العيون وتقلصت له الشفاه، وبرزت له الأنياب، حتى تحرقه، وإن كان كريماً محسناً عاش مترقباً في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم إما لأنه أذاقهم جرعة باردة فاستعذبوها فاستزادوه فلم يفعل، فهم ينتقمون منه، أو لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يخيل إليهم أن المحسن يريد أن يبتاع منهم نفسه بما يسدي، وهم يأبون إلا أن يتناولوا من الإحسان بلامقابل فهم ينقمون عليه إن عرف كيف يفلت من أيديهم.

لا سعادة في الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري، ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس، واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف، فعرف كل ذي حق حقه، وقنع كل بما في يده عما في يد غيره، فلا يحسد فقير غنياً، ولا عاجز قادراً، ولا محدود محدوداً، ولا جاهل عالماً، وأشعرت القلوب الرحمة والحنان على البائسين والمنكوبين فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولا عار بين الكاسين، وامتلأت النفوس عزة وشرفاً، فلا يبقى شيء من تلك الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين مرة والإنسانية أخرى، ولا ترى طبيباً يدعي علم مالم يعلم ليسلب المريض روحه وماله، ولا محامياً يخدع موكله عن قضيته ليسلب منه فوق ماسلب منه خصمه، ولا تاجراً يشتري بعشرة ويبيع بمائة، ثم ينكر بعد ذلك أنه لص خبيث، وكاتباً يضرب الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما.

ومادامت هذه المطالب أحلاماً كاذبة وأماني باطلة، فلامطمع في سلام ولا أمان، ولا أمل في سعادة ولاهناءة، ولا فرق بين أمس الدهر ويومه ولا بين يومه وغده، ولافرق بين مغفلات أيامه غير ماعرفت وماذاق أحد من نغماته غير ماذقت، وليفرح بالعام الجديد من حمد ما مضى من أيامه وسالف أعوامه. 

الفلسفة و الأخلاق من منظور د.طه عبدالرحمن

1329261627

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة  والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

 

كيف ينظر الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة الفلسفة والأخلاق من حيث أن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ماتوصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل، يرد على ذلك قائلاً:

بدون شك هيمن على الفلسفة تصور ما، كان هذا التصور هو أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات. لكن لو نظرنا لهذا التصور، لوجدناه يخل بمقتضى منطقي وهو أن النظر المجرد لايمكن أن يحكم على السلوكيات، لأنه يحتاج أن يتحقق بخصائص السلوكيات لكي يتمكن من الحكم عليها. أي لابد للفسفة أن تكون مصحوبة بالعمل، حتى تفتح في العمل أفاق جديدة لم تكن فيه لما كانت الفلسفة نظراً مستقلاً عن العمل. لأن العمل يؤثر في النظر، من حيث أنه ينشئ استدلالاً جديداً في النظر واستشكالات في القضايا. وحين يكون النظر أخ العمل ولا ينفك عنه عند ذلك نقول أن الفيلسوف له الحق أن يحكم في السلوكيات وأن يحكم كذلك على الغيبيات.
لذلك لا نستغرب أن العالم الاسلامي لما تلقى الفلسفة أسماها الحكمة لأن الحكمة مخروطة بالعمل بشكل كامل بل تعد مرتبة،و ليست فقط مرتبة يتأطر فيها النظر بالعمل، بل يصبح العمل هو الذي يوجه النظر وليس العكس.
ونستطيع أن نقول بأن العمل هو ليس إلا جملة سلوكيات وهذه السلوكيات يمكن أن تكون موصوفة بالخير أو الشر أو الحسن أو القبح. وحين ذاك فإنها تعتبر داخلة في باب الأخلاق. إذن فكل سلوك يخضع أو يكون محط الحكم عليه بالخير أو الشر يعد خلقاً من الأخلاق. بمعنى آخر، أن الأفكار لابد أن تكون مصحوبة بالأخلاق حتى تحقق الفلسفة كما عاشها التراث الاسلامي، بل أقول أن بعض المدارس اليوناينة كالرواقيين كان تصورهم للفلسفة تصوراً عملياً، ونحن اليوم أحوج مانكون إلى استحضار هذا التصور العملي للفسفة لأسباب موضوعية موجودة في واقعنا، أي لايمكن أن ننشئ فلسفة بالنظر المجرد والواقع أمامنا يتحدانا بإشكالات وعوائق كبيرة ملموسة واقعية. بل نحتاج تجاوزها، ولايمكن تجاوزها بالفكر المجرد بل لابد من فكر قد انطبع وتشكل بالعمل تشكلاً كاملاً.

فالأخلاق على هذا الأساس ينبغي فيها مراجعة المسلمات التي بنيت عليها، لأن التصور للفلسفة كان تصوراً نظرياً والأخلاق كانت تعتبر لمحة نظرية، فإذا اعتبرنا أن الفلسفة من مقتضاها المنطقي أن تجمع بين العمل والنظر فمن الواجب مراجعة مسلماتها التي انبنت عليها الأخلاق، ومن هذه المسلمات:

أولاً: أن الأخلاق هي صفات كمالية يعني لا يضر فقدها الإنسان بل يمكن أن يستغنى عنها أحياناً بل هي بمنزلة ترف لا ننضر بعدم حصوله. ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الأخلاق هي صفات ضرورية جوهرية يختل بفقدها ليس فقط نظام السلوك بل نظام الحياة، فلو تصورنا أن مجتمعا ليس فيه تمسك بالأخلاق والقيم سنعتبره مجتمع غير حي،أي لا حياة فيه.

ثانياً: تصور الأخلاق أنها صفات محدودة وأنها تشكل فقط جزء من السلوك الانساني، أن هناك أفعال نصفها بالأخلاق وأفعال لا نطبق عليها وصف الأخلاق وهذا كذلك غير مسلم ومعترض عليه. الأخلاق تشمل جميع أفعال الإنسان ابتداء من الفعل النظري; الفعل النظري فعل خلقي من حيث أنه يقتضي بموجب أن لنا بصر، فإذن يقتضي أن ننظر في المصلحة التي يجلبها لنا أو المفسدة التي يدفعها عنا، إنه بذلك الاعتبار يعتبر فعلا خُلقيا دافع للمصلحة.

كيف نستطيع أن نعتبر أفعال العقل هي أفعال خُلقية؟ يجب د. طه عبدالرحمن عن ذلك قائلا:

مادامت جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي مايجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني. فمثلا قد نقول هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا عقلانياً وليس هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا أخلاقياً. أي كلما زاد الإنسان أخلاقية اعتبرناه زيادة في انسانيته لكن لا نقول أنه كلما زاد في تقدم العقل زادت انسانيته، لأن زيادة تقدم العقل قد يضر بالإنسانية متى دمر هذا العقل الإنسان.

على ماذا يستند د.طه عبدالرحمن ليثبت أن الأصل في الأخلاق هو الدين، يجيب عن ذلك قائلاً:

أن ايمانويل كانت (كانط) علمن الأخلاق، أي فصلها عن الدين وأدخل عليها التعقيل -التحليل والتنظير- العقلي. وهذا لا يمنع أن الأصل في كثير من المفاهيم أن تكون دينية. ونحن نستطيع أن نجد ذلك -أي عقلنة الأخلاق- حياً اليوم في حياتنا مثلا: مفهوم ( التضامن) هو مفهوم أخلاقي ديني ولكنه الأصل فيه (الإحسان) عند المسيحين و (آلتراحم) عند المسلمين. فمبدأ (التراحم) أدخلت عليه الصفة العقلية ليصبح هو (التضامن). ومثال آخر: وهو مفهوم (المواطنة) هذا المفهوم هو علمنة لمفهوم (الأخوة). كانت هو في الحقيقة فصل الأخلاق عن الدين وهي موصولة أصلاً وفصلاً ليستجيب لمقتضى الحداثة و الأنوارية و مقتضى فكّر بنفسك ولا تنتظر وصاية أحد عليك. هي مسألة استيلاء العقل على أمور دينية وصرفها صرفاً عقلانياً.
لكن في الحقيقة هو أن الدين الأصل، لأن القيم الأخلاقية هي مُثل لاوجود لها في الواقع. لا هي وقائع ولا هي مجردات من الوقائع كما تجرد الكليات من الجزئيات. ولا أكتفي بالقول بأنها مُثل، بل هي معاني مشخصة في داخل الإنسان ليست مُثل في عالم خارج الواقع ومن هنا أقول بأن وظيفة الوحي كانت لخبرنا بوجود هذه المعاني وكيفية التصرف وفق هذه المعاني. ولماذا نقول أن هذه هي وظيفته بالضبط؟  لأن الوحي لم ينزل إلينا ليخبرنا عما يستطيع العقل أن يصير إليه مثلاً من حقائق كونية بل جاء ليخبرنا بالحقائق المعنوية التي فُطرنا عليها والتي ينبغي أن نسلك حياتنا وفقها، حيث أن وظيفته ليست التعريف بالكونيات -الملكيات- بل التعريف بالآيات -الملكوتيات- يعني القيم الأخلاقية التي هي آيات أُودعت في نفس الإنسان بإرادة الله سبحانه وتعالى.

للإستزادة:
مسارات:في الفلسفة والأخلاق
سؤال الأخلاق – طه عبدالرحمن

 

التعريف الجمالي عند ابن عقيل الظاهري

ابن عقيل الظاهري، من مواليد 1938 بمدينة شقراء بمنطقة نجد. وهو عالم سلفي ظاهري، وأديب سعودي.

يقول (ابن عقيل الظاهري) في تعريف الجمال:

تعريف الجمال (مُمْتَنِع) بالنسبة للكسول المُسْتسلمِ لشتاتِ معاني المُفْردات اللغوية التي في كل واحد منها معنى مُرادفٌ معنى الجمال.. والتعريف سهلٌ غيرُ ممتنع على الجادِّ الصبور المُتَأنيِّ، وصِفَتُه أنه يُنسِّق المُفْردات الاصطلاحية ومرادفاتها ترادفَ مطابقة جزئية، وَيَسْتيقظ فِكْرُه عند تَلَقِّيهِ معاني أضدادها ومرادفات أضدادها ترادفَ مطابقةِ أو جزئية مع ضرب الأمثلة،وتجسيد الفوارق وأوجه الشبه؛ وهذا يُكلِّف رَصْدَ كلِّ الألفاظ الدائرة في دنيا الأدب خاصة، ودنيا الفنون الجميلة بصفة عامة.. وهناك مصطلحات لا تُحقِّق مفهوماً جمالياً إلا عن طريق التشبيه كالحلاوة؛ فليس في الفن ما يتصف بحلاوةٍ تُذاق بطرف اللسان، وإنما تجوَّزوا في التعبير على التشبيه.. أي تشبيه أثر الفن الجميل في النفس بأثر ما كان مذاقُه حلواً، وقل مثل ذلك عن البرودة والعذوبة..

ثم يقول في موضع آخر، للتفريق في ما بين القبح والجمال:

حسبي ههنا أن معنى (القُبْح) في اصطلاح (الاستاطيقا) – وهي مُسَلَّمٌ بها في الاصطلاح العربي – مُحدَّدٌ جداً بما هو نقيض (الجمال) الذي هو لذة وسرور وبهجة (وهكذا كلُّ ما يرادف ذلك): تأتَّى من موجود خارجيٍّ بالنظر أو السماع لا غير؛ فالنظرية الجمالية لها هذا المقدار مِن نقيض معنى الجمال سماعاً أو رؤية، ويبقى في مادة القاف والباء الموحَّدة من تحت والحاء المهلمة (القبح) معانٍ أخرى تُحْمَل معانيها على دلالتها غيرِ المناقضةِ معنى الجمال؛ لأن القبح من جهات أُخَرَ نقيض (الحُسْنِ)؛ فلا تتصور معاني القبح الاصطلاحية إلا بعد العلم بالمعاني الجامعة للحسن، وهي باستقرائي ثلاثة لا رابع لها: المعنى الجامع الأول بمعيار الحق، وهو مجازي قليل؛ فالخطأُ مُسْتَقْبَحٌ مجازاً؛ لأن النفس ترتاح وتستقرُّ إذا كان الصوابُ وِجْدانَـها، وهكذا كل ما خالف معيار الحق فهو خطأ مَعِيب يوصف بالقبح تجوُّزاً؛ لأن النفس لا تَسْتَقِرُّ على وِجدانه كما ترتاح وتُسَرُّ بالجميل من وِجدانها.. والمعنى الثاني الجامع بمعيار الخير والشر اللذين مصدرهما الدين والعقل (العقل العَمَلي)؛ فهذا ألصق بالنظرية الجمالية؛ لأن الجلال والكمال المانعَ من الذم والعيب والمهالكَ، الجالبَ المدح والسلامة: هو الشرط للجمال الأسمى كما بينت ذلك آنفاً.. والمعنى الثالث الجامعُ كلَّ ما هو نقيضُ الحُسْن بمعايير الوجود الثلاثة مجتمعةً (الحق، والخير، والجمال)؛ فالحسن في معناه الحقيقي هو الإتقان وَفْق مُراد صاحب الإحسان بمعيار الحق..ألا ترى أن الفُويسقة الفأرة قبيحة المَنظر، ولكنها إتقانٌ وَفْق مرادِ خالقها من الحكمة.. هي قبيحة المنظر ويشتد قبحها بقبح صوتها، ويكون القبحُ أشدَّ من جهة ارتباطِها، بما في ذاكرتنا من نجاستها، وما فيها من الداء.. وبمعيار الحق (العقل العلمي) فهي حَسنة؛ سواء أظهر ذلك من علم الأحياء، أو كان ذلك مُغيَّباً في حكمة الله، أو ما ظهر في تجربتنا العادية كالانتفاع بها في بعض هِواياتنا وحاجاتنا كتدريب الطير الجارح الوحش على اصطيادها؛ فذلك من تعليم الجوارحِ الصيدَ، أو إجراء التجارب العلمية عليها.. وأما المِعيار الجمالي فقد أسلفتُه.. وهكذا صوت الحمير؛ فهو أنكر الأصوات، ونكارته قبحٌ في إحساس النفس، وبالمعيار الخُلقي ففيه منفعة في حكمة الله ظهر لنا منها من ظاهرة الإتقان [التي هي من قيمة الحقِّ] مناسبةُ صوتِه لبشاعة ما رآه؛ ولهذا أَمَرنا الشرع بالتعوُّذ عند سماع صوته.. وبالمِعْيار الجمالي فأَمثلته كثيرة في المَسْموع والمُبصر؛ فَبهاءُ العافية والإيمان في الوجه حُسنٌ، وهو الجمال بعينه؛ ولهذا قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في مداواة النفوس/ ضمن رسائل ابن حزم/ 1/375: «الحسن هو شيئ ليس له في اللغة اسم يُعَبَّر به غيرُه؛ ولكنه محسوس في النفوس باتِّفاق كل من رآه، وهو بُردٌ مكسوٌّ على الوجه، وإشراقٌ يستميل القلوب نحوَه؛ فتجتمع الآراء على استحسانه وإن لم يكن هنالك صفات جميلة».

المصدر